سورة القصص 028 - الدرس (1): تفسير الأيات (1 – 9)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة القصص 028 - الدرس (1): تفسير الأيات (1 – 9)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 269- اسم الله القاهر 2           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - الخلافات الزوجية           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 086 - سورة النساء 038 - 040           برنامج الكبــائـر:  الكبائر - 38 - البدعة           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 268- اسم الله القاهر 1           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - كيف نتعامل مع المسنين         

New Page 1

     سورة القصص

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة القصص - (الآيات: 001- 009)

17/12/2011 17:37:00

 
سورة القصص (028)
 
الدرس (1)
 
تفسير الآيات: (1 ـ 9)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 
 

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
          الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الأول من سورة القصص ، وقبل المُضيِّ في شرح آيات هذه السورة لابدَّ من أن يُلقَى ضوءٌ على مغزاها العام ، وعلى أغراضها الكبيرة ، بل على محورها إن صحَّ التعبير ، ففي السُبْحَة خيطٌ لا يُرى ، ولكنه يجمع كل حبَّاتها ، هذا الخيط الذي يُرى أثُره ولا تُرى عينه إنه محور السورة .
 
 مع سورة القصص
 
1 – سورة القصص مكية : التوحيد والاستضعاف :
هذه السورة مكِّية ، نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام وهو في مكة مع أصحابه ، وكانوا مستضعفين ، كانوا معذَّبين ، كانوا مكذَّبين ، وكفَّار قريش هم في أقوى مكان ، وفي أعتى نفسيَّة ، نزلت هذه السورة على قلب النبي عليه الصلاة والسلام في مكة المكرَّمة لتكون تسليةً وتخفيفاً لِما يعاني أولئك الأصحاب الخُلَّص ، الذين دفعوا في سبيل إيمانهم بالله عزَّ وجل كلَّ غالٍ ورخيص ، ونفسٍ ونفيس .
2 – قصة موسى مع فرعون وقارون : حقائق وعبر :
شيءٌ آخر ، في هذه السورة قصةُ سيدنا موسى مع فرعون ، وقصة سيدنا موسى مع قارون ، ففرعون يمثِّل قوة السلطان ، وقارون يمثَّل قوة المال ، وتبيّن هذه السورة أن في الكون قوةً واحدة ، ألا وهي قوة الله عزَّ وجل ، وفي الكون حقيقةٌ واحدة ، ألا وهي الحقيقة الإيمانية الكبرى ، وفي الكون قيمةٌ واحدة ، ألا وهي قيمة الخلق ، وكيف أن هذه القِيَم التي جاء بها القرآن ، وهذه الحقيقة الكبرى تتصارع مع القوى العاتية ، وكيف أن ملخَّص هذه السورة توجزه العبارة التالية : إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ أيْ أنَّ الله عزَّ وجل مثَّل في هذه السورة أقوى قوةٍ يمكن أن توجد على وجه الأرض ، مع أضعف قوةٍ يمكن أن توجد على وجه الأرض ، طفلٌ صغيرٍ رضيع ، وملكٌ طاغيةٌ كبير ، وكيف أن هذا الطفل الصغير الذي كان من المفروض أن يُذْبَح دخل إلى قصر فرعون ، وتربَّى في حجره ، وحينما كبر جاءته الرسالة ، ودعاه إلى الإيمان ، فلما استكبر وعلا في الأرض مشى موسى ببني إسرائيل إلى البحر ، وكيف أصبح البحر طريقاً يبساً ، وكيف خرج سيدنا موسى وتبعه فرعون ، فأغرق الله فرعون .
3 – أهمية معالجة الموضوعات بالطريق القصصي :
فهناك حقائق كثيرةٌ جداً في هذه السورة ، وربنا سبحانه وتعالى أحياناً يعالج الموضوع لا عن طريق الأفكار المجرَّدة ، بل عن طريق القصص ، ولَعَمْري إن معالجة الموضوع من خلال القصة هي معالجةٌ مثاليَّة ، إذْ أن الإنسان أحياناً قد يرى ذاته في قصةٍ ما ، قد يرى الأحداث التي يقرؤها في القصة تحلُّ له بعض الإشكال ، فلذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول :
 
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ
(سورة يوسف : من الآية 111)
إذاً : مغزى هذه السورة تعكسه القصتان الأساسيتان اللتان في السورة ، قصة سيدنا موسى مع فرعون ، وقصة سيدنا موسى مع قارون ، فرعون يُمَثِّل قوة السلطان ، وقارون يمثل قوة المال ، وكيف أن الله سبحانه وتعالى هو القوة الكبرى التي لا قوة معها في الكون ، فإذا كنت مع الله عزَّ وجل نَم مطمئناً ، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله ، وإذا أردت أن تكون أضعف الناس فتوكَّل على غير الله ، والله سبحانه وتعالى يقول :
 
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
(سورة الشعراء)
4 – حقائق التوحيد مهمة جدا :
ويا أيها الإخوة الأكارم ، حقائق التوحيد خطيرةٌ جداً ، لأنه ما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد ، ولأن نهايةَ نهاية نِهاية العلم هو : أن تقول ، وأن تعلم أنه لا إله إلا الله ، إذا عرفت أنه لا إله إلا الله إذاً فلا تخش أحداً سوى الله ، ولا ترجُ أحداً سوى الله ، ولا تعصِ هذا الخالق العظيم من أجل إنسان حقير صغير ضعيف فانٍ ، لو أردت أن تعزو أكثر المعاصي ، بل كل المعاصي لرأيت الشرك وراء كل هذه المعاصي ، لو أيقنت أنَّه لا إله إلا الله لاستقمتَ على أمره قطعاً .
5 – سورة القصص نزلت تسلية للنبي عليه الصلاةوالسلام :
إذاً : هذه القصة أنزلها الله على نبيِّه عليه الصلاة والسلام في وقتٍ عصيب ، في وقتٍ حرج ، في وقتٍ كان فيه المسلمون مستضعفين مضطهدين ، يُنَكَّل بهم ، يعذبون ، فجاءت هذه القصة تسليةً لهم ، تقويةً لعزيمتهم ، بِشارةً لهم بأن العاقبة للمتقين ، والذي حصل أن العاقبة كانت للمتقين حقاً وصدقاً ، قال تعالى :
  ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا
( سورة النساء : من الآية 87 )
     وقال سبحانه  :
 
﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾
( سورة المجادلة )
كتب الله ..
6 – سببُ تسميتها سورةَ القصص :
أمّا اسم هذه السورة فـ " سورة القصص " ، من قوله تعالى لما وصل سيدنا موسى إلى بيت سيدنا شُعَيب ، وقصَّ عليه القصص :
 
 
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾سورة القصص)
7 – أثر البيئة في المسلم :
استنبط بعض العلماء أن الإنسان إذا انتقل من ديار الكفر إلى ديار الإيمان فقد نجا ، واستنبط بعض العلماء أن البيئة لها أثرٌ كبيرٌ جداً في إيمانك ، فإذا كنت مع أهل الكفر والفساد والضلال فإنَّهم لا شك سيصرفونك عما أنت فيه من إيمان ، وإذا انتقلت إلى أهل الإيمان فإنك تسعد برفقتهم ، فلذلك لما انتقل سيدنا موسى من بلاد مِصر إلى بلاد مَدْيَنَ حيث النبي الكريم سيدنا شعيب جاءت البُشرى :
 
﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
 
( سورة القصص)
وقد ورد في بعض الأحاديث أنه :
(( من أقام مع المشركين فقد بَرِئت منه الذمَّة )) .
[الطبراني عن جرير]
والإنسان في نفسه أشياء تُشْبه البارود يسهُل تفجيرها ، فقد أودع الله فيه الغرائز ، كما أودع الله فيه الشهوات ، فإن لم يكن على إيمانٍ عميقٍ ، قوي ، يُحَصِّن هذه الشهوات التي أودعها الله فيه فإن تفجيرها سهلٌ يسير ، وإذا لم يكتمل إيمانُ الإنسان ، وذهب إلى بلاد الكفر فاحتمال أنْ يقع في الفواحش ، والتُرُّهات ، والأباطيل ، والبعد عن الحقيقة الكبرى احتمال كبير جداً ..
(( من أقام مع المشركين فقد بَرِئت منه الذمَّة )) .
فأنت ـ أيها المسلم ـ مفروض عليك أن تهاجر من بلد يُعصى الله فيه إلى بلدٍ يذكَرُ فيه اسمه ، أما الهجرة المعاكسة فأن تنتقل من بلدٍ كريمٍ طيِّب تقام في شعائر الدين على نحوٍ أو آخر إلى بلدٍ فاسقٍ فاجرٍ بعيدٍ عن الله عزَّ وجل ، فهذه مغامرةٌ ومقامرة .
إذاً : كلمة القصص :
 
﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾  
سورة القصص
هذه بعض الملاحظات التي تُقال عادةً بين يدي السورة .
 
 مقدمة تاريخية لسورة القصص
 
ولكن إذا انتقلنا إلى تفصيلاتها فهناك مقدمةٌ تاريخية لابدَّ منها :
كلكم يعلم أن سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما كان أميناً على أموال مِصر ، وحينما ارتفع إلى أعلى وظيفة في مصر ، وحينما جاء أبوه وإخوته إلى قصره ، وأقاموا فيه ، بعدها توالد بنو إسرائيل وازدادوا ، حتى إنهم بلغوا مِئات الألوف ، هكذا يروي التاريخ ، طبعاً اطمأنوا ، وتمكَّنوا في الأرض ، ولكن يبدو أنهم انحرفوا عن دينهم فيما بعد ، دين أبيهم سيدنا إبراهيم ، لما انحرفوا استحقوا المعالجة ، فجاء فرعون ، وكانت معالجتهم على يديه ، لأن القاعدة : " إذا عصاني من يعرفني سَلَّطت عليه من لا يعرفني " ، العرب في إسبانية فتحوا هذه البلاد ، وكان الله معهم ، فتحوا هذه البلاد ، وأقاموا فيها شعائر الدين ، فلما مالوا إلى اللهوِ ، والموسيقى ، والغِناء ، وانغمسوا في الموبقات ، والخمور ، والجواري ، والملاهي ، تخلَّى الله عنهم ، فقوَّى أعداءهم ، ونَكَّلوا بهم كلَّ تنكيل ، هذا قانون عام .. ، " إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني " ، هذا يطبَّق على الجماعات وعلى الأفراد ، وفي هذه السورة توضيحٌ بالغٌ لهذا القانون ..
 
               بسم الله الرحمن الرحيم
 
﴿طسم ﴾
( سورة القصص)
 
 أقوال العلماء في الحروف المقطّعة: طسم
 
القول الأول :
هذه الحروف التي تُبْدأ بها بعض السور لها تفسيراتٌ كثيرة ، من هذه التفسيرات ، وهذا التفسير لا يُكَلِّفُ شيئاً : " الله أعلم بمراده " .
هذا أول معانيها .
القول الثاني :
ومن تفسيرات هذه الحروف أيضاً : أن هذا القرآن صيغ من مثل هذه الحروف ، لكنَّ الإعجاز في صياغته ، وهذه الحروف بين أيديكم ، فإن كان بالإمكان أن تأتوا بسورةٍ من هذا القرآن ، أو عشر سورٍ مثله فافعلوا ، الحروف بين أيديكم ، إذاً هذا من إعجاز القرآن الكريم .
القول الثالث :
أنها أوائِلُ أسماء الله تعالى .
القول الرابع :
أنها أوائل أسماء النبي عليه الصلاة والسلام .
وعلى كلٍ فالقرآن حمَّال أوجُه ، والقرآن كما يقول بعضهم : ليس ملك أحد .
بسم الله الرحمن الرحيم
 
﴿طسم * تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴾
( سورة القصص)
 
 من صفات القرآن
 
1 ـ القرآن واضح مبين :
أيْ أنَّ من شأن الكتاب أن يكون مبيناً واضحاً ، لأنه كتاب الله عزَّ وجل ، ولأنه موجهٌ إلى كلِّ الخلق ، فلذلك ربُنا سبحانه وتعالى جعله مبيناً .
2 ـ القرآن متوافق مع الفطرة والعقل :
وفي بعض الأحاديث أن الدين متوافق مع الفطرة ، فالإنسان يعرف أحكام الدين بشكلٍ فطري ، لأنَّ أصحاب النبي عليهم رضوان الله وصفهم الله عزَّ وجل فقال :
 
﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ
(سورة الرعد : الآية 36)
هذا الذي أنزل إليهم يتوافق مع فطرتهم لذلك هم يفرحون :
(( الحَلاَلُ بَيِّنٌ ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ )) .
[الترمذي وابن ماجه وأبو داود عن النعمان بن بشير]
(( الإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ، وَالبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ القلب )) .
[ أحمد عن وابصة بن معبد]
إذاً : الكتاب مبين ، لأنه متوافقٌ مع الفطرة ، والكتاب مبين ، لأنه متوافقٌ مع العقل ، والكتاب مبين ، لأنه كلام رب العالمين .
 
﴿تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾
( سورة القصص)
 
قصة موسى في سورة القصص
 
1 – نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى :
كلمة ] مِنْ [ للتبعيض ، فالله عزَّ وجل لم يذكر كل التفصيلات ، وهذا توجيهٌ لنا ، فإذا أردتَ أن تقصَّ علينا قصةً فاذكر مِن أحداث هذه القصة ، ومن مواقف أبطالها ، ومن الحوار الذي جرى بينهم ما له علاقةٌ بنا ، وما له مغزى كبير ، أمّا أن تأتي بكل التفصيلات التي لا طائل منها ، وبخاصة التفصيلات التافهة ، فليس هذا من شأن العُقلاء ، فلذلك :
 
﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ﴾
( سورة القصص : من الآية 3)
2 – العبرة من القصة الدلالات والعبر لا الأشخاص والأحداث :
أي أن كل شيءٍ ذكره الله عزَّ وجل في هذه القصة له دلالة ، وليس المعنيّ هذه الحوادث ، ولا تلك المواقف ، ولا هذا الحوار ، المَعْنِي أن تخترق هذه المواقف إلى المغزى ، إلى المدلول ، الذي أراده الله عزَّ وجل .
هذه قصةٌ وقعت منذ آلاف السنين ، وكلُّ أبطالها تحت أطباق الثرى ، وقد مضى عليهم آلاف السنين ، المغزى : نحن المعنيُّون ، لأن الله عزَّ وجل شاء أن يجعلها من القرآن الكريم ، أي جعلها تُتْلى إلى آخر الدوران ، إذاً : هناك مغزى ، فكل من تلا هذه السورة يأخذ منها العبر والدلائل ، إذاً :
 
﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى
( سورة القصص : من الآية 3)
] مِنْ [ للتبعيض ، إذا أردت أن تتلو علينا قصةً فاختر من حوادثها ، من مواقف أبطالها ، من حوار أبطالها ، من مظاهر البيئة فيها ما له مغزى وله علاقةٌ بحياتنا .
 
﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾
( سورة القصص )
3 – المؤمن يُخاطَب بالفروع ، وغير المؤمن يخاطَب بالأصول :
المؤمن يُخاطَب بالفروع ، ولكنّ غير المؤمن يُخاطَب بالأصول ، لا تحاول أن تثبت الملائكة لإنسانٍ لم يؤمن بالله بعد ، أو الجن ، أو البرزخ ، هذا طريق مسدود ، لا يخاطَب الكافر إلا بأصول الدين ، بينما المؤمن يُخاطَب بفروعه ، يخاطَب بتاريخه ، بتاريخ الأرض ، بالتفصيلات .
 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
( سورة البقرة : من الآية 183)
الزكاة والصيام كُلِّفَ بها المؤمنون لإيمانهم بالله عزَّ وجل أولاً ، ولإيمانهم بأن هذا الكلام كلامه ، ولإيمانهم بحكمته ، إذْ هم ينصاعون إلى تنفيذ أمره .
إذاً :
 
﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ
( سورة القصص : من الآية 3)
4 – القصة القرآنية حقٌّ محضٌ :
هذه ( الباء ) باء الملابسة ، أي هذه التلاوة ، وهذه القصة بالحق ، أي إنها قصةٌ وقعت فعلاً ، لا صغيرة فيها إلا وقد وقعت ، وهذه الرواية تطابق الواقع مطابقةً تامَّةً من دون زيادة ولا نقصان ، هذا معنى بالحق ..
 
﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾
إذاً : المقصود من هذه القصة مغزاها ، لذلك قالوا : من قرأ قصةً ولم يفهم مغزاها فكأنه ما قرأها ، أو أنه لم يقرأ قصةً ، القصة لها مغزى ، فحيثما قرأت قصةً يجب أن تبحث عن مغزاها .
 
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾
5 – القصة القرآنية يستفيد منها المؤمنون :
فهي إذاً تفيد المؤمنين ، وكأنّ الله سبحانه وتعالى نزَّه قصته هذه عن أن تكون لمجرَّد الإمتاع ، قد تقرأُ أدباً ممتعاً ليس بنافعٍ ، قد تقرأ قصةً تُمتع ، ولا تنفع ، وقد تقرأ مقالةً تنفع ، ولا تمتع ، لكن القصة التي في القرآن تنفع ، وتمتع معاً ، والمقصود أيها المؤمن أن تستنبط منها ما تشاء من الاستنباطات ، إذاً :
 
﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾
قبل تحريك الحوادث ، وقبل تحريك الشخصيِّات ، وقبل تطوير الحوادث ، كأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يضع لنا ـ كما يقال ـ فَرشاً تاريخياً ، معالم البيئة ، هذه القصة أين وقعت ؟ وقعت في مصر ، ما الذي كان في مصر ؟
 
 ماذا فعل فرعون بمصر وأهلَها
 
قال تعالى :
 
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ
( سورة القصص : من الآية 4)
1 – إِنّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرْضِ
أي ارتفع ، استعلى على خَلق الله ، بالَغَ في تمكين نفسه منهم ، احتقر الذين معه :
 
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾
( سورة القصص : من الآية 4)
2 – وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا
وكيف علا ؟
 
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعا﴾ً
( سورة القصص : من الآية 4)
أي استخدمهم فئاتٍ فئَاتٍ لأغراضه الشخصية ، أو أنه فرَّقَهُم كي يسود عليهم ، ومعنى جعل أهلها شيعاً أي فِرقَاً .
ومعنى الشيعة : بعض أفراد ، كلٌ منهم يُشَايع البعض الآخر ، نقول : شَيَّعت جنازته ، أي سِرْتُ في جنازته ، فالشِيَع الفِرَق :
 
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾
( سورة الروم )
كل مجموعةٍ تتعاون ، تتكاتف ، يُشايع بعضُها بعضاً على حقٍ أو على باطل ، إذاً المشايعة على باطل هي العصبية العمياء ، فلذلك :
 
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾
أي استكبر ، استكبر عن أن يعبد الله ، استكبر عن أن يعترف بوجوده ، واستكبر عن أن يكون في مستوى هؤلاء الذين يحْكمونهم ، أي بنى مجده على أنقاضهم ، بنى عزَّه على ذُلِّهِم ، بنى غناه على فقرهم ، هذا معنى علا في الأرض ، بنى أمنه على خوفهم ، بنى حياته على موتهم :
 
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ
وكيف علا ؟
 
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً
فِرقاً ، قسَّمَهم إلى فئات ، وإلى شِيَع ، وإلى فِرَقٍ منوَّعة ، وإلى مجموعات ، وأنشأ بينهم العداوة والبغضاء ، وأرَّث بينهم الخلافات .
 
( فَرِّقْ تَسُدْ) مبدأ فرعونيٌّ قديمٌ :
 
شيءٌ آخر ، حينما جعلهم فرقاً ، جعلهم فرقاً في خدمته ، هذه الفرقة من أجل هذه القضية ، وهذه المجموعة من أجل هذا الموضوع ، وهذه الفئة من أجل كذا .
النقطة الدقيقة  أن بني إسرائيل الذين هم على دين إبراهيم كانوا مخالفين مخالفةً كبرى لدين فرعون الذي قال :
 
﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
(  سورة النازعات)
فهؤلاء بنو إسرائيل ، وإن كانوا قد تركوا دينهم ، لكن أصل دينهم عندهم معروف ، إيمانهم بأن الله سبحانه وتعالى هو خالق الكون ، وإيمانهم بما جاء به سيدنا موسى ، لكنهم قصَّروا في تطبيق أمر ربهم ، فسلط الله عليهم فرعون الذي لا يعرف الله عزَّ وجل إطلاقاً ، إذاً :
 
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ
(سورة القصص : من الآية 4)
3 – يِسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ
هذه الطائفة هي بنو إسرائيل :
 
﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ
( سورة القصص )
4 – يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ
يروي التاريخ أن أحد الكَهَنَة قال له : رأيتُ في المنام أن طفلاً من بني إسرائيل سيقضي على ملكك ، فبادر فرعون إلى قتل أبناء بني إسرائيل كلِّهم ، والإنسان أحياناً بجهله بالله يظن أنه يستطيع أن يفعل لنفسه ما يشاء ، وأن يفعل بعدوه ما يشاء ، هذا من ضيق أُفُقِه ، فقال : القضية بسيطة ، ما دام هناك طفلٌ من بني إسرائيل سيقضى على ملكي فأنا سأذَبِّحُهم جميعاً ، لكن هذا الطفل الذي سيقضي على ملكه ربَّاهُ في قصره ، وهو لا يدري .
 
﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ
5 – وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ
حتى إن القابلات كُنَّ يطُفنَ على الحوامل من بني إسرائيل ، ويسجِّلن عندهن حالات الحمل ، فإذا وضعت هذه المرأة ذكراً أُخِذَ ابنها ، وذبح ، أيْ أنّه لم تستطع واحدة من نساء بني إسرائيل أن تنجو بابنها من الذبح .
 
﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ
                
                           (سورة القصص : آية )
البنت يَدَعُها حيَّةً ، لقطع نسلهم وتقليل عددهم .
 
الفساد صفة دامغة لفرعون 
 
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾
( سورة القصص)
 
هذا وصف ربِّ العالمين لفرعون .
هذا الطرف الأول :
 
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾
(سورة القصص)
 
 ما الحكمة مِن تمكينِ فرعون من بني إسرائيل ؟
 
ما الحكمة من ذلك ؟ لماذا مكَّن الله هذا الفرعون من بني إسرائيل ؟ لماذا مكَّنه في الأرض ؟ لماذا جعله عالياً في الأرض ؟ لماذا سمح له أن يذبِّح أبناءهم ؟ لأنهم قصَّروا عن ربهم ، وخرجوا مع دين أبيهم إبراهيم ، وتهاونوا في تطبيق شريعة ربِّهم ، فاستحقوا المعالجة ، لكن هذه المعالجة هدفها إصلاح هؤلاء الضِعَاف .
 
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾
( سورة القصص )
1 – المنُّ على المستضعفين في الأرض منًّا مطلقا :
الله عزَّ وجل قال في آيةٍ واضحةٍ جداً :
 
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾
(سورة القصص : الآية5 )
نَمُنَّ عليهم أيْ أن نعطيهم عطاءً ، منه تمكينهم في الأرض أبدياً ، عطاءً جزيلاً ، لذلك لعلكم قرأتم قوله تعالى :
 
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة )
نعم ، هو سبحانه يعلم ، ونحن لا نعلم ، الله سبحانه وتعالى كما يقول دائماً :
 
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
 
( سورة هود : آية 123)
 
 
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
( سورة محمد : آية 19)
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
( سورة الفتح : آية 10)
 
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
( سورة الأنفال : آية 17)
 
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾
( سورة الأنفال : آية 17)
 
﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف )
 
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
( سورة الزمر )
 
﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾
( سورة الأعراف )
 
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾
( سورة فاطر )
 
                ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
 سورة هود
آيات التوحيد تَبُثُّ الأمن والطُمأنينة في نفس الإنسان ، لذلك فهذا الذي فعله فرعون سُمِحَ له أن يفعله ، لهدفٍ نبيل ، وهو :
 
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾
( سورة القصص )
والإنسان على المستوى الفردي إذا ألَمَّت به مشكلة ، وأصابته مصيبة ، وضيَّق الله عليه ، أو لاح له شبحُ مصيبة ، فلا يخف ولا يحزن ، ولا يفْرق ، ولا تضعف معنويَّاته ، لأنه :
 
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾
هذه الآية يجب أن تكون ماثلة أمام كل إنسان ابتلاه الله بسوء :
 
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾
نمنُّ عليهم بالإيمان ، نمنّ عليهم بمعرفة الله ، نمنّ عليهم بطاعتهم لله ، نمنّ عليهم بالعمل للآخرة ، نمنّ عليهم بدفعهم إلى طريق الجنَّة ، نمنّ عليهم أخيراً فنجعل لهم السيادة في الأرض .
 
 لعلّ في المعاملة القاسية خيراً :
 
فعندما يتلقى الإنسان معاملة موجعة ، معاملة قاسية ، فلعل فيها الخير .
مثلاً : لو فرضنا أن طفلاً صغيراً شَبَّ على كُرْهِ الدراسة ، وكان أبوه له بالمرصاد ، وقسا عليه حتى صار في مستقبل حياته شخصيةً ذات شأن في المجتمع ، وإذا هو في بيته الفخم ، وهو في مكانته العليَّة ، وهو في نظافته الخُلُقِيَّة ، وهو في سمعته العطرة عند الناس ، يقول : رحمة الله على والدي ، لولا قسوته علي حينما كنت صغيراً لما كنت في هذه الحال .
حينما كان يضربه أبوه كان يتألَّم منه ، ولكن بعد مضي السنين رأى أن هذا الضرب هو عين الرحمة ، هو عين الحب ، هو عين الحكمة ، هو عين العطف ، هو عين الحنان ، هكذا يجب أن نَفْهَم المصائب ، أنها محضُ عطفٍ ، محض لطفٍ ، محض حكمةٍ ، محض عدلٍ ، الآية دقيقة جداً :
 
 
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾
هذا الإنسان تائه ، هو تائه ، شارد ، غافل ، غائص في الدنيا إلى قمة رأسه ، همُّه الدرهم والدينار ، همه الشهوة ، همه الزينة ، همه البُهْرُجُ ، همه مُتَع الحياة ، نسي ربه ، نسي آخرته ، تأتيه مشكلة ، وكأنّ الله يقول له : اُصْحُ يا عبدي ، استيقظ .
إلى متى أنت في اللذات مشغولُ    وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
***
ألم يأْنِ لك أن تخشع لذكري ؟
فهذه المصائب رُسُل ، ومُذَكِّرات ، كأنّ الله سبحانه وتعالى يدفعك إلى بابه ، انظر :
 
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ﴾﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾
قد يقتل : يا رب لماذا مَكَّنْتَه ؟ لماذا سلَّطته ؟ لماذا أعطيتَه هذه القوة ؟ لماذا سمحتَ له يا رب ؟ فيأتي الجواب :
 
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾
هناك حكمةٌ بالغة يا عبدي ، فوراء هذا التعذيب عطفٌ كبير ، وراء هذه المصيبة رحمةٌ بالغة ، وراء هذا التضييق حكمةٌ بالغة ، وراء هذا التنْكيل حرصٌ شديدٌ على مستقبلك ، فو الله الذي لا إله إلا هو ، اسمحوا لي أنْ أقول لكل منكم : ما مِن مصيبة تأتيك ؛ من فقر ، من خوف ، من قلق ، من مرض ، من مشكلة ، من ضيق ، من حزن ، لو أن الله سبحانه وتعالى كشف لك عن كل شيء ساقه لك في الدنيا ، واللهِ الذي لا إله إلا هو ينبغي أن تذوب كالشمعة حباً لله ، تذوب كالشمعة تماماً ، لذلك : لو كُشِفَ الغطاء لاخترتم الواقع ،
  وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾
(سورة البقرة : من الآية 216 )
فالطبيب أحياناً يحمي مريضه من أطيب الطعام ، قد يكون مريضه غنياً ، وحالُه ميسور ، يقول له : هذا الطعام ممنوع ، هذا الطعام ممنوع ، فهل هذا حقدٌ من الطبيب ؟ لا والله ، هل هو تضييقٌ على المريض ؟ لا والله ، هل هو منعٌ له من هذا ؟ لا والله ، هذا علمٌ ورحمةٌ :
         (( إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا حَمَاهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُمْ سَقِيمَهَ المَاءَ )) .
[ الجامع الصغير عن قتادة بن النعمان]
       (( إِنَّ اللهَ لَيَحْمِي صَفِيَّهُ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي الرَّاعِي الشَّفِيقُ غَنَمَهُ عَنْ مَرَاتِعِ الهَلَكَةِ )) .
[ الجامع الصغير عن حذيفة بسند فيه ضعف]
إنها رحمة ما بعدها رحمة ، هذا كلُّه من قوله تعالى :
 
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾
 
2 – تصييرٌ المستضعفين أئمَةً :
وهنا نقطة دقيقة جداً ، لم يقُل الله عزّ وجل : ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ، ونجعلهم ملوكاً ، بل ونجعلهم أئمةً يَأْتَمُّ الناسُ بهم ، وربما كانت مرتبة الإمام أعلى من مرتبة الملك ، لأن الملك تنتهي مهمَّته في الدنيا ، لو أنه حكم بالعدل ، لو أنه فعل كلَّ شيء ، لكن الذي يأتمّ به فأعمالُهُ تستمر إلى أبد الآبدين ، وما أراد الله من هذا التضييق أن يجعلهم ملوكاً مكان فرعون ، لا :
 
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾
3 – توريثهم ملكَ فرعونَ :
دنيا وآخرة ، يرثون مُلْك فرعون ، ويكونون أئمةً لأقوامهم ، لذلك أذكِّرَكُم بقول سيدنا سعد من أجل أن تعرفوا قيمة هذا الكلام يقول : << ثلاثةٌ أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس .. من هذه الثلاثة : ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عَلِمْتُ أنه حقٌ من الله تعالى >> .
قال عليه الصلاة والسلام :
(( يَا عَلِيُّ ، لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ )) .
[متفق عليه عن سهل بن سعد ]
هناك شركات ميزانيتها كميزانيات عشر دول ، لو أن هذه الشركة لك وحدك ، فما قولك ؟ أضخم شركات العالم تبيع إنتاجها في كلِّ بقاع الأرض ، ولها ميزانياتٌ تفوق أرقاماً فلكية ، وهي لك .
(( يَا عَلِيُّ ، لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ )) .
لك كل المحلات التجارية في العالم ، في كل العواصم ، في كل الشوارع ، الطابق الأرضي ، والقبو ، والعلوي ، كلها لك ، كل شركات الطيران في العالم لك ، كلُّ معامل السيارات لك ، كل معامل النفط لك ..
(( يَا عَلِيُّ ، لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ ))  .
(( خَيْرٌ لَكَ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ )) .
[ الجامع الصغير عن أبي رافع بسند ضعيف]
فالتجارة الحقيقية ، والربح الكبير : أن تكون سبباً في هداية إنسان ، إنسان شارد ، ضائع ، ضال ، شقي ، تعيس ، مُتَمَزِّق ، تأتي إليه لتعرفه بربه ، تحمله على طاعته ، تدفعه للعمل الصالح ، هذا هو العمل الطيب ، لذلك :
 
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾
 
 بالصبرِ واليقين تُنلُ الإمامةُ في الدين :
 
لكن لكي تكون إماماً فلابدَّ من أمرٍ ؛ قال تعالى :
 
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾
( سورة السجدة : آية " 24 " )
فهل أنت صابر ؟ فهناك امتحان صعب ، سُئل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : " يا إمام أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ فتبسم ، وقال : " لن تُمَكَّن قبل أن تُبْتلى " ، أي لن تنال رتبة الإمامة ، ولن تكون داعيةً إلى الله حقيقة من دون دفع ثمن باهظ جداً ؟!! فهذه الدكتوراه مثلاً ، حتى يقال له : دكتور ، تفضل دكتور ، فقد ( ذاب بذر مخه ) ثماني سنوات ، ودراسات ، وترجمات ، وأطروحات ، ومناقشات ، وأعد الفصل كله ، أعده كله ، أحياناً الأستاذ المشرف يستخدم طالبه لأعمال خاصة ، كتبييض أشياء ، لأنَّ مصير الطالب رهن موافقته ، فحتى يقال لفلان : دكتور ، يكون قد بذل الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، فأنت تريد جنة عرضها السماوات والأرض هكذا بركعتين صليتهما ؟! بليرتين لفقير؟! هذه هي العقبة ، وانتهى الأمر ؟! شيء مضحك ! لأن طلب الجنة من غير عملٍ ذنبٌ من الذنوب :
 
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾
( سورة السجدة : الآية 24)
 
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾
( سورة البقرة : الآية 124)
 
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾
( سورة الأحزاب : الآية 39)
هذه من صفات الدعاة :
 
﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾
آيات كثيرة تُبَيِّن الثمن الباهظ الذي ينبغي أن تدفعه كي تكون إماماً .
 
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾
( سورة القصص : الآية 6)
 
 
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾
(سورة النور : الآية 55)
4 – تمكينُ الصالحين في الأرض :
أي : يا عبادي ، لكم عليّ أن أستخلفكم في الأرض ، أن أجعلكم خلفاء ، وتكون كلمتكم هي العُليا ، أنتم مهيمنون ، مسيطرون ، لكم يا عبادي أن أجعلكم خلفاء في الأرض ، لكم عليَّ أن أُمَكِّن لكم دينكم ، تمارسون شعائره وأنتم مطمئنون ، لا تخشون لومة لائم ، لكم عليَّ أن أُبدِّل خوفكم وقلقكم أمنا ، ولي عليكم شيءٌ واحد ، أن تعبدوني فقط .. لذلك :
 
﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾
(  سورة الزمر)
لله عليك أن تعبده ، عليك أن تعبده حقاً وصدقاً فقط ، ودع ما سوى ذلك له ؛ فإنه سيرفعُك يقرِّبُك :
 
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾
(  الشرح سورة)
أيْ أنّ الاكتئاب لا يُحتمل ، الاكتئاب والضيق ، والخوف والقلق ، والسوداوية والشعور بالتمزُّق :
 
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾
والله هذا شيء جميل :
 
﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾
هناك أحياناً همومٌ تسحق ، يقول لك : أنا مسحوق ، والله أحسُّ أن عليّ هموماً كالجبال ، كأنَّ جبلاً جاثمٌ على صدري :
 
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾
انسحقت فيه ، وطأطات ظهرك وعنقك من ثقله ..
 
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
صار لك شأن ، ولك مكانة ، والناس يحبُّونك :
 
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾
الثمن باهظ :
 
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾
الثمن :
 
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴾
فانصب في طاعته ، في تطبيق شرعه ، في العمل بأحكامه :
 
﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾
أي أطعني مخلصاً ، هذه كلها تحقق معنى :
 
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾
أي أطعني مخلصاً ، وهذا هو الثمن :
 
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾
( سورة القصص : الآية 5 ـ 6)
 
 وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ
 
1 – الظالمُ والمعين للظالم في حكم ومصيرٍ واحدٍ :
من أعان ظالماً ولو بشطر كلمة ، جاء يوم القيامة مكتوباً على جبينه : آيسٌ من رحمة الله ، من أعان ظالماً سلَّطه الله عليه  .
فالله ذكر فرعون ، وهامان ، ولكن ما شأن هامان ؟ لأنه أعان فرعون ، وما شأن الجنود ؟ لأنهم أعانوا فرعون :
 
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾
(سورة القصص)
2 – الظالم سوط الله ينتقم به ثم ينتقم منه :
         لذلك قيل : " الظالم سوط الله ينتقم به ثم ينتقم منه " ، ينتقم به ليصلح المؤمن المُقَصِّر ، ثم يُقَوِّي هذا المؤمن المُقَصِّر حتى يصلح هذا الإنسان الكافر الذي لا يعرف ربه .
ملخَّص هذه الآيات :  إذا عصاني من يعرفُني سلَّطُّت عليه من لا يعرفني  .
3 – في سقوط الأندلس عبرة للمُعتبِر :
واقرؤوا التاريخ ؛ حينما التفت المسلمون في إسبانية وفي الأندلس إلى الغناء ، وإلى الموشَّحات ، وإلى الطرب ، وشربوا الخمور ، واستمتعوا بالجواري والغِلمان ، وطفح أدبُهم بالسقوط والخلاعة والانحراف ، جاء الإسبان ، وتمكَّنوا منهم ، وقتَّلوهُم ، وشرَّدوهم ، فقالت أمُّ آخرِ ملك له :
ابكِ مثل النساء ملكاً مُضاعَاً    لم تحـافـظ عليه مثل الرجـال
***
وإذا عاد المسلمون إلى دينهم كانت لهم الغلبة ، فهذا سيدنا صلاح الدين الأيوبي ، وكُلُّكم يعلم قصَّته ، وقف في وجه أوروبا بأكملها ، أيْ أنَّه إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟  .
 
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾
هذا فَرشٌ تاريخي ، تقديمٌ بيئي للقصة ، القصة لم تبدأ بعد ، أيْ أنّ هذه القصة التي سوف يتلوها علينا ربُّنا سبحانه وتعالى من نبأِ موسى وفرعون وقعت في مِصر ، وفي عهد فِرعون ، وكان الوضع كما يلي :
فرعون علا في الأرض ، وجعل أهلها شيعا ، وفعل كذا وكذا ، والغاية النبيلة :
 
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾
 
بدايات قصّة موسى 
 
1.    وحيُ الله لأمِّ موسى بإرضاع ابنها :
 
أوَّل خيطٍ من خيوط القصَّة :
 
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾
( سورة القصص : الآية 7)
هذا الوحيُ وحي إلهام ؛ فالله عزَّ وجل أوحى إلى سيدنا محمد e ، فهذا وحي رسالة ، وأوحى إلى أم موسى وحي إلهام ، وأوحى إلى النحل ؛ هذا وحيُ غريزة ، هناك وحي غريزة ، ووحي إلهام ، ووحي إرسال .
 
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾
(سورة القصص : الآية  7)
 
2.    إنه لأمرٌ عجيب : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ
 
1 – معية الله الخاصة :
 
واللهِ هذا كلامٌ لا يكاد يصدَّق ، بل هو كلام عجيب !!! إلا أن يكون القائل هو الله سبحانه ..
 
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾
( سورة القصص : الآية 7)
ترضعه ، هو في حجرها ، على صدرها ، في عطفها وحنانها .
 
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾
لأنني معه ..
 
﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾
 
( سورة طه )
فأين هو موجود ؟ الشعور أن الله معك شعور لا يقدر بثمن ، طبعاً الله مع كل إنسان ، هذه معيةٌ عامةٌ لا ميزة فيها للإنسان ، وهو معكم أينما كنتم ، لكنْ لمّا يقول اللهُ تعالى :
 
﴿اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
(سورة البقرة )
 
﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾
( سورة البقرة )
هذه معيةٌ خاصة ، معية الحفظ ، معية التوفيق ، معية العطف ، والرعاية ، والنصر  والتأييد ، فالبطل هو الذي يجتهد ليستحقَّ أن يكون الله معه ، العوام يقولون : خاطرك ، له معك ، الله معك ، هذه العبادة ، كلمة : (الله معك ) ليس قليلة ، اجتهد كي تستحق أن يكون الله معك ، فإذا كان معك فلا تخشَ بأساً ، موسى طفلٌ صغير لازال في المهد .
 
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾
إذا خفت ، أيْ إذا ساورك خوف وقلق عليه فألقيه في اليم .
 
 من لطائف الآية : أمران ونهيان وبِشارتان :
 
في الآيةِ أمران :
الأمر الأول : أَرْضِعِيهِ
 
 
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾
أول أمر : فإذا خفتِ عليه فألقيه ، فهو محفوظ في كنفنا ، هنا نحن أمام نقطةٍ دقيقة جداً ، هي : لو أنها أبقته في حجرها لحفظه الله عزَّ وجل ، ولكن يبدو أنها خافت ، فهي ليست نبيةً ولا مرسلةً ، خافت فطمأنها الله سبحانه :
الأمر الثاني : فَأَلْقِيهِ
 
 
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾
 
 
النهي الأول والثاني : لاَ تَخَافِي ولا تَحْزَنِي
 
 
 
﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾
(سورة القصص : الآية 7)
العلماء فرَّقوا بين الخوف والحزن ، الخوف توقُّع خطرٍ ، أما الحزن ؛ تحقُّق الخطر ، خطر وقع ، وانتهى ، فألمَّ بصاحبه حزن ، لكنْ خطرا قد يقع ، ففي النفس خوف ..
 
البشارة الأولى والثانية : رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ
 
 
﴿وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾
هذه الآية تتضمَّن ستة أشياء ؛ فيها أمران ، ونهيان ، وبشارتان :
 
﴿أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾
فقصة سيدنا يوسف نقْلة مفاجأةٍ ، ما مغزاها ؟ إخوة يوسف أقوياء أشداء ، ائتمروا على قتله ، وعلى وضعه في الجُب ، ما الذي حصل في النهاية ؟ أن جعله الله عزيز مصر ، ودخلوا إليه صاغرين ، وقالوا :
 
﴿أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾
( سورة يوسف : من الآية 90)
قال :
                                                                                       
﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾( سورة يوسف : من الآية 90)
أين مغزى القصة ؟ الجواب :
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
(سورة يوسف)
لذلك في الأثر : " أنت تريد ، وأنا أريد ، فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد " .
ماذا أراد كفار قريش ؟ أرادوا قتل النبي e ، أخرجوه ، قاتلوه ، حاربوه ، فلما شاهدهم النبي e قتلى في بئرٍ في بدر قال :
(( يا عُتبة بن ربيعة يا أمية بن خلف ، يا شيبة بن ربيعة ، خاطبهم بأسمائهم واحداً تلو الآخر ، لقد كذَّبتموني وصدقني الناس ، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً ، لقد كذبتموني وصدَّقني الناس ، وكفرتم بي وآمن بي الناس ، وخذلتموني ونصرني الناس ، فقالوا : أتخاطب قوماً جيفوا ؟ قال : ما أنتم بأسمع لي منهم )).
[ النسائي عن ابن عمر]
هم يسمعونني ، فإذا كنت بطلاً فكن مع القوي ، والله هو القوي ، الله أبدي سرمدي قوي .
 
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
سورة الإسراء )
أيُ شيء كان باطلاً سواءٌ أكان فكرة ، أو شخصاً ، أو إنساناً فمآله :
 
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾
إذاً :
 
 
 
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ (سورة القصص)
فقالوا :
 موسى الذي رباه جبريل كافرٌ    وموسى الذي رباه فرعون مُرْسَلُ
 فموسى الذي رباه جبريل كافرٌ ، هذا موسى السامري ، رباه الوحيّ فكان كافراً ، وموسى الذي رباه فرعون مُرْسَلُ .
 
﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾
(سورة الشعراء : آية 18 )
فرعون رباه فكان مرسلاً ، والبيئة لها أثر ، ولكنَّه محدود ، فإنسان نشأ في قصر فرعون صار مرسلاً ، وإنسان ربَّاه الوحي فأصبح كافراً ، فالإنسان له اختيار ، اختياره هو الحاسم ، لذلك :
 
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
(سورة البقرة : من الآية 272)
 
﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ﴾
( سورة القصص : آية " 8 ")
 
العناية الإلهية بموسى عليه السلام : 
 
1 ـ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ :
دائماً الله عزَّ وجل يرخي الحبل ، افعل ما تشاء ، إلى أن يتوهَّم العبد أنه قادر على أن يفعل ما يشاء ، ثم يشد الحبل فجأةً ، هذا هو الابتلاء ، هذا هو الامتحان بعينه .
 
﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾
(سورة القصص : من الآية 8)
 
لام العاقبة والمآل
 
فمستحيل أن يلتقط إنسانٌ طفلاً ، ويربيه عنده ليكون في النهاية عدواً له وحزناً ، لذلك علماء النحو حاروا في هذه اللام ، هي لام التعليل ، أنا أدرس لأنجح ، النجاح واضح في ذهني ، أما فرعون فالتقطه ليكون له عدواً وحزناً ، مستحيل ، لذلك أعرب النجاة هذه اللام وحدها لام المآل ، فهو التقطه ، وكانت النتيجة وآلَ المآل إلى أنّ هذا الطفل أصبح عدواً لهم وحزناً .
 
﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ﴾
2 ـ لا تَقْتُلُوهُ :
فالله عزَّ وجل بيده كل شيء ، ألقى حبه في قلب امرأة فرعون ،
 
﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾
[ سورة القصص : الآية 9 ]
ماذا قال النبي e ؟
((اللَّهُمَّ يَا مُثَبِّتَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ )) .
[ ابن ماجه عن النواس بن سمعان الكلابي ]
أنت الآن مع الناس ، الله أحياناً يلقي في قلب إنسان محبتك ، فييسر لك أمرك ، يلقي في قلب إنسان بُغضك ، فيُعَسِّر لك أمرك ، يلقي في قلب إنسان أن يعينك فيعينك ، يلقي في قلب إنسان أن يزعجك فيزعجك ، كلُّ البشر عِصيٌ بيدي الله عزَّ وجل ، أدوات ، علاقتك مع الله عزَّ وجل .
 
﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
( سورة هود )
 
﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴾
( سورة القصص )
 
إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ
 
الذي عند إحساس نامٍ يدرك فيما بعد إذا كان مصيباً أو مخلصاً ، لما يقول لك ربنا عزَّ وجل خالق الكون ، الحق ، الصادق ، الخبير ، العليم ، الحكيم ، معنى ذلك أنك مخطئ ، قولاً واحداً ، فالإنسان أيضاً يجتهد ألا يكون مخطئاً في نظر القرآن الكريم ، قد يكون عمله في منتهى الذكاء عند الناس ، ( والله هنيئاً لك ) ، فمجتمع الكفر والنفاق أحياناً يثني على عمل ، والعمل مخالف للشرع مخالفة تامة ، فيقال : يا أخي فلان شاطر ، فلان فهيم ، فلان دبَّرها له ، المغزى أن يكون العمل وفق القرآن الكريم ، فبحسب الظاهر ، وبمنتهى الذكاء ، خطط فرعون وهامان ومَكَّنا نفسيهما في الأرض ، لكن الله قال :
 
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴾
( سورة القصص )
كان خاطئاً ، والعاقبة ليست لهم ، فأنت دائماً اجتهد أن تكون وفق مقياس القرآن الكريم ، أي أن تنطبق عليك وعلى تصرفاتك آية كريمة .
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
(سورة التوبة : آية 9  )
شيء جميل ، إذا آمنت وعملت الصالحات انطبقت الآية عليّ ، وصرتُ في دائرة معونة الله ورعايته .
 
﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾
(سورة التوبة : آية 9  )
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾
 
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
 
(سورة البقرة)
فاجهد ألا تكون في ميزان نصوص القرآن خاطئاً .
 
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾
(سورة القصص)
كثيرا ما تسمع ما يدعو به بعض الخطباء من على المنابر على اليهود وعلى أعداد المسلمين : اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم ، يدبرون ، ومن جرَّاء هذا التدبير اجعل تدميرهم في تدبيرهم ، وفرعون وملؤه لا يشعرون أن هذا الطفل الصغير الذي أُلْقِيَت محبته في قلب امرأة فرعون ، والتي منعت فرعون من أن يقتله .
 
﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾
(سورة القصص : آية 9  )
لم يشعروا أنَّ هذا الطفل الصغير سوف يقضي على ملك فرعون .
 
والحمد لله رب العالمين
 
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب