سورة البقرة 002 - الدرس (45): تفسير الآيات (128 - 130) المؤمن والعمل الصالح

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة البقرة 002 - الدرس (45): تفسير الآيات (128 - 130) المؤمن والعمل الصالح

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة البقرة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة البقرة - تفسيرالآيات:: (128 - 130) - المؤمن والعمل الصالح

20/03/2011 18:24:00

سورة البقرة (002)
الدرس (45)
تفسير الآيات: (128 ـ 130)
المؤمن والعمل الصالح
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الخامس والأربعين من دروس سورة البقرة .
 العبرة في العمل قبوله لا حدوثه :
 
مع الآية الثامنة والعشرين بعد المئة ، وهي قوله تعالى  :
     
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) ﴾ .
وقبلها يقول تعالى  :
    
﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) ﴾ .
العبرة في العمل قبوله لا حدوثه ، لأن العمل قد لا يُقبل :
﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (23) ﴾.
( سورة الفرقان)
 ثلاث علامات تؤكد الإخلاص :
 
أصل الإخلاص قول النبي عليه الصلاة والسلام  :
(( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى )) .
[البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]
فالعمل عند بعض العلماء لا يُقبل إلا بشرطين ـ وهذا كلام دقيق وخطير ـ لا يقبل إلا إذا كان صواباً ، أي ما وافق السنة ، وخالصاً أي ما ابتغي به وجه الله . وهناك تخليطٌ كثير بين عملٍ وافق السنة ولم يبتغَ به وجه الله ، أو عملٍ ابتغي به وجه الله ولم يوافق السنة ، العبرة أن يأتي عملك موافقاً للسنة مبتغياً به وجه الله حتى يُقبل :
    
﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا (127) ﴾ .
العمل حينما يُقبل يمتلئ قلب صاحبه ثقةً بالله عزَّ وجل ، وسكينةً ، وسعادةً ، وإن العمل إذا قُبل ألقى الله في روع المؤمن أنه قد قُبل عملك يا عبدي :
     
﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) ﴾ .
عملٌ قليلٌ مع الإخلاص خيرٌ من عملٍ كثيرٍ من دون إخلاص ، وذكرت مرَّةً ـ وهنا موضع الإشارة أو موضعٌ مناسبٌ لشرح هذه القضيَّة ـ ثلاث علامات تؤكِّد لك إخلاصك:
1ـ أنْ يستوي عندك الجهر والسر :
العلامة الأولى : أنْ يستوي عندك الجهر والسر ، أيْ الجلوة والخلوة ، والباطن والظاهر ، والسريرة والعلانية ، فإذا استوى الداخل والخارج ، أو المعلن والمخبَّأ ، والسريرة والعلانية ، أيْ إذا استوى ظاهرك مع باطنك ، وخلوتك مع جلوتك فهذه إشارة من إشارات الإخلاص لله عزَّ وجل .
2ـ استواء استحسان العمل أو عدم استحسانه :
الشيء الثاني : ألا يتأثر الإنسان المؤمن المخلص أبداً لرد فعلٍ سيئ لعمله الصالح ، وهو لا يبتغي مديح الناس ، ولا ثناءهم ، ولا استحسانهم ، ولا يستجدي عطفهم ، بل هو يبتغي بعمله وجه الله عزَّ وجل ، والإنسان حينما يبتغي بعمله وجه الله ينبغي له أن لا يعبأ بأحد ، الحديث الصحيح :
((إِذَا لَمْ تَسْتَحِْ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ )) .
[البخاري عن أبي مسعودرضي الله عنه ]
أيْ إذا لم تستحِ من الله ، وإذا كان الله عزَّ وجل قصدك ، وأنت تُرضي الله عزَّ وجل ، وأنت واثقٌ من أن هذا العمل مطابقٌ للسنة ، وأنك تبتغي به وجه الله فلا تعبأ بأحد  .
3ـ السكينة في القلب :
الحالة الثالثة من علامات الإخلاص : أن العمل الصالح إذا كان خالصاً ارتفع إلى السماء وعادت منه سكينةٌ على قلبك . فالسكينة في القلب ، واستواء السر والعلانية ، واستواء استحسان العمل أو عدم استحسانه ، ثلاث علاماتٍ تؤكِّد أن العبد مخلصٌ لله عزَّ وجل .
﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) ﴾ .
 علة وجودك على وجه الأرض بعد أن تؤمن بالله هو العمل الصالح :
 
الناحية الثانية أيها الأخوة ، منهج الله عزَّ وجل فيه ترك وفيه بذل ، فإنسان ترك الغيبة ، وترك النميمة ، وابتعد عن الكذب والاحتيال فسلم ، لقد بذل من ماله ، وبذل من وقته وجهده وإمكاناته وخبرته فسعد ، وأنت بالاستقامة على أمر الله تسلم ، وبالعمل الصالح تسعد ، وأوضح دليل :
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ﴾ .
( سورة الكهف )
بل إن علة وجودك على وجه الأرض بعد أن تؤمن بالله هو العمل الصالح ، لأنه حينما يأتي ملك الموت لا يندم الإنسان إلا على عمل صالحٍ فاته :
﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾.
(سورة المؤمنون) .
العمل الذي ينتهي عند الموت من أعمال الدنيا ، والذي يستمر بعد الموت من أعمال الآخرة ، فلو حسَّن الإنسان بيته هذا عمل مباح ، لكن هذا العمل ينتهي عند الموت عندما يغادر الإنسانالبيت إلى القبر ، فهذه الزينة لا يمكن أن تنتقل معه أبداً ، بل تبقى في البيت ، أما حينما يدعو إلى الله ، ويعمل عملاً صالحاً ، ويدعْ ولداً صالحاً من بعده هذا العمل يستمر بعد الموت ، فهذا مقياس دقيق دائماً وأبداً ، عند كل عمل اسأل نفسك : هل ينتقل معي هذا العمل إلى القبر أم يبقى في البيت ؟ فالذي يبقى لا تحفل به كثيراً ، والذي ينتقل معك إلى القبر احرص عليه . " يا قيس إن لك قريناً يُدفن معك وأنت ميت وتدفن معه وهو حي ، إن كان كريماً أكرمك ، وإن كان لئيماً أسلمك ألا وهو عملك " .
 
المسلم الحق ينطلق إلى تطبيق الأمر لعلةٍ واحدة هي أنه أمر إلهي :
 
يُؤتى بأناسٍ يوم القيامة لهم أعمالٌ كجبال تهامة ، ولكن الله يجعل هذه الأعمال هباءً منثوراً ، فقلق الصحابة الكرام قلقاً كبيراً ، وقالوا : " يا رسول الله جلِّهم لنا ، أي صفهم لنا " . قال :
(( إنهم يصلون كما تصلون ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)) .
[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]
كل شيء معلن موافق للشرع أما في السر فليس هناك خوفٌ من الله عزَّ وجل  .
     
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)﴾ .
بشكل مختصر المسلم إنسان مستسلم لله عزَّ وجل ، مستسلم في طاعته لله عزَّ وجل ، وفي عباداته ، والإنسان الذي يفعل ما يراه لصالحه ، ويعلِّق تطبيق أي أمرٍ على ما إذا كان هذا الأمر نافعاً له أو ضاراً هذا لا يعبد الله إنما يعبد ذاته ، فالمسلم الحق ينطلق إلى تطبيق الأمر لعلةٍ واحدة هي أنه أمر إلهي ، وما دام الله قد أمر ينبغي له أن يُطاع ، والآمر جلَّ جلاله هو خالق الكون .
عندما يكون الإنسان مع طبيب يثق بشهاداته العالية ، وخبراته المتراكمة ، وورعه إذا قال له توجيهاً ، لا يفكر أن يسأله لأنه إنسان متفوق ، فكيف مع الواحد الديان ؟‍! فنحن نبحث عن علَّة الأمر ، ونبحث عن حكمة الأمر وهذا الشيء يقوي الدعوة ، فإن أردت أن تكون داعيةً ينبغي لك أن تعلم حِكَمَ الأمور ، ولكن المسلم الصادق حينما يثبت له أن هذا أمر الله عزَّ وجل لا يتردَّد ثانيةً في تطبيقه ، ولا يعلِّق تطبيق هذا الأمر على معرفة حكمته  .
 الحكم الإلهي المقطوع به مجرَّد التفكير في فعله أو عدم فعله ضعفٌ في الإيمان :
 
شاع الآن منهج جديد بين المسلمين ، منهجٌ ليس من صُلب هذا الدين ، وهو أنه لماذا أمرنا الله بكذا ؟ أقنعني !! أليس هذا الأمر في آيةٍ قرآنيةٍ ؟ ألا تؤمن أنت أن هذا القرآن كلام الله عزَّ وجل ؟ وأن هذا القرآن قطعي الثبوت ؟ وهذه الآية قطعيَّة الدلالة ؟ فأنت عليك أن تطبِّق ، لكن الله جلَّ جلاله إكراماً لمن كان عبداً له ، طائعاً ، منصاعاً ، مستسلماً ، يكشف له حكمة هذا الأمر ، فيجمع العبد عندئذٍ بين فضل العابد الذي استسلم لأمر الله ، وعلم العالم الذي فقه حكم الله عزَّ وجل :
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ (128)﴾ .
وقال :
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب الآية : 36 ) .
إن خيارك في المباحات ، أسافر أو لا أسافر ، أشتري هذا البيت أو لا أشتري هذا البيت ، أعمل في التجارة أو في الوظيفة ، أوافق على هذه الفتاة أن أتزوجها أو لا أوافق، أما إذا كان هناك حكم إلهي مقطوعٌ به مجرَّد التفكير في فعله أو عدم فعله ضعفٌ في الإيمان.
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب الآية : 36 ) .
هذا المؤمن الصادق :
    
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ (128)﴾ .
 حينما ينحرف الإنسان عن منهج الله يدفع الثمن باهظاً :
 
الله جلَّ جلالههو الحكيم ، وهو العليم ، وهو الرحيم ، وأسماؤه كلُّها مُطلقة ؛ فالحكمة مطلقة ، والعلم مطلق ، والرحمة مطلقة ، فأوامره لا بد من أن تنطوي على حكمةٍ ، وعلى رحمةٍ ، وعلى عدلٍ . وحينما ينحرف الإنسان عن منهج الله يدفع الثمن باهظاً  .
بلد من بلاد آسيا فيه كثافة سكانيَّة عالية جداً ، فاتخذوا قراراً بعيداً عن منهج الله أنه ينبغي أن يكون لكل أسرة طفلٌ واحد ، فما الذي حدث ؟ إن جاءت البنت قتلوها خِفيةً ، إن جاء الذكر سجَّلوه ، ففي السجلات ولد واحد . تواجه الصين الآن مشكلةً وهي أن هناك خمسين مليون شاباً لا فتاة لهم ، فصار هناك أزمة فتيات ، فنشأت عصابات لخطف الفتيات في سن الزواج ، لأن هذا القانون خلاف منهج الله عزَّ وجل .
اقترح في بلد آخر أنه إذا طلَّق الإنسان زوجته تتملَّك نصف ثروته فوراً ، كاد الزواج أن يُلغى في هذا البلد ، فصار الأب يقدِّم لخاطب ابنته سند أمانة بمبلغ فلكي يقول له : إن طالبناك بنصف ثروتك تطالبنا بهذا الثمن ، تعال تزوَّج .
أُلغي الزواج الآن في بلاد الغرب كليّاً ، فألغي الزواج الكنسي والمدني ، وصار هناك مساكنة . حينما نشرِّع بخلاف منهج الله تنشأ مشكلات لا تنتهي ، ملأ هذا الاكتشاف العالم صياحاً وضجيجاً لهذه النعجة ، التي كانت عن طريق الاستنساخ ، وكأن هؤلاء العلماء تحدوا قدرة الله عزَّ وجل ، مع أن بُنية الخليَّة لا تزال سراً ، والذي حدث الآن أن أعراض الشيخوخة ظهرت في وقت مبكر جداً جِداً على هذه النعجة ، قال الله عزَّ وجل :
﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً(2)﴾.
( سورة الإنسان) .
خلقُ الله هو الكامل ، ومنهجه هو الكامل ، وأنا انتقلت من أشياء تشريعيَّة إلى أشياء خلقيَّة  .
الآن بعد أن تفنَّن العالم في هذه المبيدات الكيماويَّة ، وجد أن المشكلات لا تنتهي فمن هذه المُبيدات ؛ ملوحة التربة ، وأكثر المواد مُسَرطن . عادوا الآن إلى السماد الطبيعي الذي صمَّمه الله عزَّ وجل للنبات ، السماد الطبيعي هو الأول الآن ، ولكن بعدما دُفع الثمن باهظاً . المكافحة الحيويَّة هي الأولى الآن ، وبعد أن ارتفعت نِسَب السرطان إلى عشرين ضعفاً تقريباً ، وجدوا أن التصميم الإلهي هو المكافحة الحيويَّة والسماد الطبيعي ، والإنسان كلَّما غيَّر خلق الله عزَّ وجل وقع في سوء عمله .
 أخطر شيء ينبغي للمسلمين أن يعالجوه تربية أولادهم :
 
قال تعالى :
     
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾ .
الله هو الصانع ، والصانع هو الجهة الوحيدة التي ينبغي لها أن تتبع تعليماتها ، فأنت أعقد آلة في الكون ، والله عزَّ وجل هو الصانع الحكيم ، وهذا المنهج تعليمات الصانع ، وينبغي أن يتبع الإنسان تعليمات الصانع حرصاً على سلامته وعلى سعادته :
    
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾ .
هل من الممكن أن يسعد إنسان وابنه شقي ؟ مستحيل . كنت أقول مرَّةً في بلدٍ غربي : لو وصلت إلى أعلى منصبٍ في العالم ، وإلى أكبر ثروةٍ وأعلى شهادةٍ في العالم ، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس .
فأخطر شيء ينبغي للمسلمين أن يعالجوه تربية أولادهم ، فأنت تجد أحياناً امرأة محجَّبة وابنتها متفلِّتة في الطريق ، وتجد الأب يصلي والابن لا يعتقد بهذا الدين إطلاقاً ، فحينما يرى الأب ابنه منحرفاً شارداً يشقى بانحرافه ، وحينما ترى الأم ابنتها تائهةً ضالَّةً تشقى بشقائها ، الأب يشقى بشقاء ابنه ، والأم تشقى بشقاء ابنتها ، فلذلك دائماً :
   
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا (128)﴾ .
 
تربية الأولاد من أولويات الحياة :
 
قال تعالى  :
﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي (124)﴾ .
( سورة البقرة)
تربية الأولاد من أولويات الحياة وينبغي لنا أن يكون هذا العمل في المرتبة الأولى في حياة المسلمين اليوم والسبب أن هناك صوارف لا تنتهي ؛ تصرف ابنك عن دينه ، وعن قيَمه ، وعن ماضي أُمَّته ، وعن سبيل سلامته ، وعن سبيل سعادته . صوارف كثيرة جداً ، وعقبات كثيرة ، عقبات وصوارف ، ونحن في آخر الزمان ؛ والفتن مستعرة ، والضلالات منتشرة ، والشُبهات تملأ الجوانح ، والمُغريات قد لا يحتملها ضعيف الإيمان :
(( الْمُتَمَسِّكُ يَوْمَئِذٍ بِدِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ )) .
[أحمد عن أبي هريرةرضي الله عنه ]
شمَّة واحدة الآن تجعل هذا الفتى مدمن مخدرات ، فيلم واحد يصرفه من الدين إلى الزنا ، فهناك صوارف كثيرة ، وعقبات كثيرة ، وضغوط هائلة ، فنحن الآن في أمس الحاجة إلى تربية أولادنا ، إلى أن يأتوا إلى المساجد ، فرحِّبوا بالصغار في المساجد واعتنوا بهم ، فإن الصغير سبب سعادة الكبير ، ولا يمكن أن يسعد الإنسان وابنه شقي ، هذا تعليق :
     
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾ .
أنا أرى أن أي أب يرى ابنه صالحاً مستقيماً ، يعرف الله ويخاف الله يدخل إلى قلبه سعادة واللهِ لا يعرفها إلا من ذاقها .
 الولد الصالح ثروة لا تقدر بثمن :
 
أب قد لا يملك من حطام الدنيا شيئاً لكنه يملك ولداً صالحاً ، وهذا الولد الصالح لا يقدَّر بثروة الدنيا كلها ، والإنسان حينما يموت ينقطع عمله إلا من ثلاث ، صدقة جارية ، وعلمٍ ينتفع به ، وولدٍ صالحٍ يدعو له .
قرأت مرَّة تفسير آية فوجدت فيها دقَّة بالغة ، فجعلتها محور لخطبة ، خطبت هذه الخُطبة وفق تفسير هذه الآية ، فوجدت لهذه الخطبة صدى طيِّباً جداً ، وتأثَّر الأخوة الكرام بها تأثراً بالغاً ، وأنا انتبهت أن هذا الذي ألَّف هذا التفسير قبل ألف عام أين هو الآن ؟ لعلَّه عظام في قبره ، ولكن إلى متى يستمر تأثير هذا العمل الذي فعله ؟ إلى يوم القيامة . فهؤلاء الذين تركوا مؤلَّفات راقية جداً ، إذ هذه الكتب العملاقة التي أُلِّفت وتنتقل الآن من جيل إلى جيل إلى جيل ، وهذه صدقة جارية ، فهذا علم ينتفع به . أو ولد صالح يدعو له ، فهناك ولد لا يقدَّر بثمن وهذا معنى قوله تعالى :
﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ .
( سورة الفرقان ) .
وقال :
﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾ .
ما شعور إنسان ذهب إلى بلاد الغرب فوجد حياة ناعمة جداً ، حياة كل شيء فيها ميسَّر ، لكن أمامه خطر أنه قد يخسر ابنه . وقد يجد ابنه ليس مسلماً ، ولا ينتمي إلى أمته ، وهذا أكبر ثمن يدفعه من أراد أن يعيش مع هؤلاء :
    
﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾ .
 الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :
 
الآن :
   
﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا (128)﴾ .
الله عزَّ وجل جعل إليه ألف سبيلٍ وسبيل من رحمته بنا ، فقد تجد إنساناً قوياً جداً بيده مقاليد الأمور ولكن لا سبيل إليه ، ولا تستطيع أن تتصل به ، ولا أن تقابله ، ولا أن تعرض له ، ولا أن تسأله ، لكن الله عزَّ وجل جعل إليه ألف سبيلٍ وسبيل ؛ فالصلاة سبيل ، والصيام سبيل ، وغض البصر سبيل ، وأنت في البيت لك إليه عشرات السُبل ، فالزواج الصالح سبيل إلى الله ، والأبوَّة الكاملة سبيل إلى الله ، والأمومة الكاملة كذلك سبيل إلى الله ، والبنوَّة الطيبة أيضاً ، وهناك ضمن الأسرة آلاف الطُرق إلى الله عزَّ وجل ، وهناك ضمن العمل آلاف الطرق ، فأن تنصح المسلمين ، وأن تكون صادقاً معهم ، وأن ترحمهم ، وأن تقدِّم لهم خدمةً سبل إلى الله ، والآن أن تكف شهواتك عما لا يرضي الله سبيل إلى الله .
فهذه سبل الطاعة العامَّة ، وهناك مناسك مكثَّفة ؛ فالصلاة ، والزكاة ، والحج ، كلها مناسك ، تذهب إلى بيت الله الحرام ، وتطوف حول البيت ، وتسعى بين الصفا والمروة ، وتذهب إلى جبل عرفات فتشعر بسعادة لا توصف ، فهذا سبيل إلى الله .
الله عزَّ وجل جعل لك مناسك ، فقال لك : صَلِّ خمس مرات ، أيْ أن عندك خمس شحنات في اليوم ، وصلِّ يوم الجمعة في المسجد واستمع إلى الخطبة ، فهذه شحنة أسبوعيَّة ووجبة دسمة ، تعالَ في العام صم ثلاثين يوماً فهي دورة مكثَّفة ، وفي العمر حجَّ إلى بيت الله الحرام ، فهذه المناسك طرق إلى الله سالكة ، جعل الله عزَّ وجل الطرائق إليه بعدد أنفاس الخلائق ، قال بعضهم : " الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق " .
إذا أنقذ الإنسان نملة وهو يتوضَّأ فهذا سبيل إلى الله ، وإذا أطعم هرَّة جائعة فهذا سبيل إلى الله ، وإذا وضع على السطح طعاماً للطيور فهو سبيل إلى الله ، وإذا نصح مسلماً فأيضاً سبيل إلى الله ، وإذا كفَّ أذاه عن إنسان فإنه سبيل إلى الله ، ففي كل لحظة هناك آلاف السبل إلى الله عزَّ وجل ، وإذا رحم زوجته أو أمه وأباه وإذا أخلص في عمله وإذا نصح المسلمين فكلها سبيل إلى الله .
 أجمل ما في القرآن أنك حينما تصطلح مع الله يطوى الماضي بكلمة " تب علينا " :
 
المناسك بمعناها العام هوأي عمل يرضي الله ، بمعناها الخاص الضيق العبادات المكثَّفة التي أُمرنا بها ، والمنسك هو الطريق ، أيْ يا رب أرني الطريق إليك ، فهناك طريق قد يكون إلى جهنَّم ؛ أو إلى النار ، وإلى الدمار والعقاب ، ونحن في الحياة المدنية إذا هرَّب الإنسان مُخَدِّرات فهذا طريق إلى السجن ثلاثين سنة ، وإذا قتل فطريق إلى الإعدام ، وإذا نال شهادة عُليا ونفع بها أمته تحتفل به أحياناً ، فصار طريقاً للسمو بالحياة المدنية ، والله عزَّ وجل قال :
﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا (128)﴾ .
يا رب دلَّنا على الطريق الذي نصل به إليك ، وبعضهم يقول : يا رب دلني على ما يدلني إليك ، والآية الكريمة :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (35) ﴾
( سورة المائدة)
هذه مُطلقة ، فالعمل الصالح وسيلة ، والاستقامة وسيلة ، وأن تلتقي بأهل الحق وسيلة ، وأن تؤاخي أخاً صالحاً في الله يعينك على أمر دينك وسيلة . " لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله ، ولا يدلُّك على الله مقاله " ، يجب أن يكون لك أخ مؤمن تثق بعلمه ، وورعه ، واستقامته وذلك وسيلة :
    
﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا (128)﴾ .
أجمل ما في القرآن أنك حينما تصطلح مع الله يطوى الماضي بكلمة : تب علينا ، وانتهى الأمر .
(( لو جئتني بملء السماوات والأرض خايا غفرتها لك ولا أبالي ))
[ حديث قدسي ] .
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾ .
( سورة الزمر الآية : 53 ) .
 
التوبة شيء لا يقدَّر بثمن :
 
تصوَّر لو لم يكن هناك توبةٌ في هذا الدين ، فما الذي يحصل ؟ قد يتضاعف الفجَّار والفسَّاق والعصاة إلى مليار ضعف ، غلط غلطة فلم يجد توبة ، فلا يوجد أمل ، بل يستمر في غلطه ، وأساء فلا توجد توبة فيستمر في الإساءة ، عَق أمه وأباه فلا توجد توبة فيستمر في العقوق ، وأكل مالاً حراماً فليس هناك توبة فيستمر ، فلو ألغينا التوبة من هذا الدين لرأيت الفجَّار والعصاة والهلكى ومن يستحق النار ملايين مملينة ، بل أرقاماً فلكيَّة :
(( لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ))
[ حديث قدسي ] .
وانتهى الأمر ، والصلحة بلمحة ، والذي أكرمه الله عزَّ وجل بتوبة يعلم ما سأقول، التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، فالتائب يشعر أن جبالاً قد أُزيحت عن كاهله . الآن بالحياة المدنية إذا كان بيت الإنسان مصادراً ، أو محجوزاً ، ومحلُّه التجاري محجوز ، وسيَّارته محجوزة ، وعنده أراضٍ محجوزة ، وعنده مستودعات كلها محجوزة ، وعليه ثمانون مليوناً مثلاً ، وكل شيء يملكه محجوز ، فلو أتيح له أن يلغي هذا الحجز وأن يعود إلى تملُّك كل أمواله بكلمة ، فهل يتردَّد ثانية واحدة فيها ؟ كل ما عليك ينزاح من عن كاهلك بكلمةٍ واحدة : يا رب لقد تبت إليك . فيقول الله : عبدي وأنا قد قَبِلت . التوبة شيء لا يقدَّر بثمن :
   
﴿ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ (128)﴾ .
توَّاب صيغة مبالغة ، أي يتوب عليك مهما كبرت ذنوبك ، ومهما كثرت ، فلو كان عليك مليار ذنب ، أو أكبر ذنب نوعاً ، وأكبر كَمٍ من الذنوب فإذا قلت : يا رب أنا تبت . يقول لك : يا عبدِ وأنا قد قبلت .
 التوبة علم وحال وعمل :
 
لكن التوبة علم وحال وعمل ؛ علم ، لا يمكن أن تتوب إلا إذا علمت أنك مذنب ، ولا تعلم أنك مذنب إلا إذا طلبت العلم ، وأوضح مثل : لو أن إنساناً لا يقرأ ولا يكتب ، وقرأ إنسان أمامه نصف صفحة ، لم يقرأ كلمة واحدة بشكل صحيح ، وهذا لا يعرف ، فيقول : ما شاء الله ما هذه القراءة ! أما لو كان لديه علم باللغة العربية لعد له ثمانين غلطة بالصفحة ، فأنت لا تعلم الذنب إلا إذا طلبت العلم ، أساس الصحَّة العلم ، فأنت لا يمكن أن تعالج ضغطك العالي إلا بحالة واحدة هي أن تعرف أنك مصاب بضغط عالٍ ، فإن لم تقس ضغطك فكيف تعالج هذا الضغط المرتفع ؟ إنك لا تعرف . فلا بد من طلب العلم كي تعلم أنك مذنب ، وإن علمت أنك مذنب وعرفت ما ينتظر هذا المذنب من عقاب فالآن تتوب ، والتوبة إقلاع فوري وعزم أن لا تعود وإصلاح للماضي ، فهذه التوبة ، عمل متعلِّق بإصلاح الماضي :
﴿ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا (160)﴾ .
( سورة البقرة ) .
هناك عمل متعلِّق بالسابق إنه إصلاح ، عمل متعلِّق بالحاضر إنه إقلاع ، وعمل متعلِّق بالمستقبل هو عزيمة ، أنا أعزم أن لا أعود ، وأقلع من تَوِّي ، وأصلح ما مضى فهذا السلوك . والحال شعور بالندم على ما اقترف من ذنب ، وهذا الحال . وحينما يطلب الإنسان العلم يعلم موقعه من هذا الدين :
    
﴿ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)﴾ .
لذلك قال تعالى  :
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾ .
( سورة النساء ) .
 طموح سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يبقىالحق مستمراً :
 
قال :
    
﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ (129)﴾ .
هو أبو الأنبياء عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، طموح هذا النبي أن يبقىالحق مستمراً:
  
﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)﴾ .
قال عليه الصلاة والسلام : " أنا بشارة أخي عيسى ودعوة أبي إبراهيم " . فسيدنا إبراهيم دعا أن يبعث الله في هذه الأمة التي من نسله ـ نحن من نسل إسماعيل ـ رسولاً :
﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ (129)﴾ .
الآية العلامة ، يتلو عليهم ما يدلُّ عليك ، والكون كله يدل على الله عزَّ وجل . لذلك الآيات أنواع ثلاثة : آيات كونيَّة ، وآيات قرآنيَّة ، وآيات تكوينيَّة . فيُعرف الله عزَّ وجل من آياته الكونيَّة أي من خلقه ، ومن آياته التكوينيَّة أي من أفعاله ، ومن آياته القرآنيَّة أي من كلامه ، فكلامه يدل عليه ، وأفعالهتدل عليه ، وخلقه يدل عليه .
قرية في بلد في شمال إفريقيا على الساحل الأطلسي يأتيها السُياح من كل حدبٍ وصوب ، فيها من الفسق والفجور ما لا يوصف ، ففيها نوادي العُراة ، وفنادق فسق وفجور ، وخمور ، ونساء ، وزنا ، وكل شيء فيها ، أصبحت بثلاث ثوانٍ أثراً بعدَ عين ، وعندي صورة لفندق ارتفاعه ثلاثون طابقاً ، غاص في الأرض وبقي منه الطابق الأخير ، وعلى الطابق الأخير اسم الفندق ، فكأن هذا الطابق الأخير هو الشاهدة على هذا القبر ، وهذه من أفعال الله عزَّ وجل :
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ .
( سورة البروج ) .
 خلق الله يدل عليه وأفعاله تدل عليه وكلامه يدل عليه :
 
أفعال الله تدل عليه ، وأنت أحياناً تستمع إلى مجموعة قصص ترى أن الله كبير، وأن الله يحاسب حساباً دقيقاً جداً ، وأن الله مُطَّلع على النيَّات ، فهذه أفعاله ، وهذا كلامه ، وهذا الكون خلقه .
قال لي أخ طبيب البارحة : نحن في بلد ـ في أمريكا ـ قريب من شيكاغو ، تصل الحرارة إلى سبعين تحت الصفر . إنه رقم دقيق ، فقلت له : في هذا المكان برد لا يحتمل ، يرتدي الإنسان ثياباً صوفيَّة داخليَّة مضاعفة ، ومعاطف فرو ، ويرتدي قفَّازات ، ويرتدي جوارب صوف ، وحذاء مبطَّناً بالفرو ، وقبعة ، كل شيء بإمكانه أن يغطيه ، ولكن كيف يمشي في الطريق ؟ لا بد من أن يكشف عينيه ، وحرارة الهواء سبعون تحت الصفر ، فيوجد ماء في العين ، والماء يتجمَّد بالدرجة صفر ، ونحن نعلم أن درجة حرارة الفريزر تكون عشرين تحت الصفر ، أما سبعون ؟!! فالمفروض أن يتجمَّد ماء العين فجأةً ، ومعنى هذا يجب أن يفقد كل سكان هذه البلاد أبصارهم !! فمن أودع في ماء العين مادةً مضادةً للتجمُّد ؟ الله عزَّ وجل ، وهذه حكمة بالغة .
الماء شأنه كشأن أي عنصر ينكمش بالتبريد ، إلا أن الماء له ميزة على كل عناصر الأرض ، إذ يزداد حجمه في الدرجة زائد أربعة ، ولولا هذه الخاصَّة في الماء لما كنا في هذا المجلس ، ولما رأيت أحداً على سطح الأرض ، وقد لا تصدقون ذلك ، لا يمكن أن تقوم حياة في الأرض إذا استمر  الماء في انكماشه عند التبريد ، لأنه كلَّما تجمَّد الماء تزداد كثافته ، ويقل حجمه ، والوزن ثابت ، تزداد كثافته فيغوص إلى الأعماق ، وبعد حين تصبح جميع البحار متجمِّدة ، وإذا تجمَّدت انعدم البحر ، إذا انعدم البحر انقطعت الأمطار ، وإذا انقطعت الأمطار مات النبات ، وإذا مات النبات مات الحيوان ، وإذا مات النبات والحيوان مات الإنسان ، فبهذا القانون البسيط تستمر الحياة على وجه الأرض . فخلقه يدل عليه ، وأفعاله تدل عليه ، وكلامه يدل عليه .
 
لولا أن الرسول بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيِّد البشر :
 
قال تعالى :
    
﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ (129)﴾ .
معنى ﴿ مِنْهُمْ ﴾  ، لو جاء الرسول مَلَكاً وقال : يا أيها الناس غضوا أبصاركم . فيجيبوه : أنت تقدر عليها لأنك مَلَك ، ونحن لسنا بمَلائكة بل نحن بشر . أما النبي فبشر مثلنا، ولولا أنه بشر تجري عليهكل خصائص البشر لما كان سيِّد البشر ، فالرسول بشر يجوع كما نجوع ، ويخاف كما نخاف ، ويشتهي كما نشتهي ، ولولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيِّد البشر قال :
(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ )) .
[أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان عَنْ أَنَسٍ]
حجَّة قائمة :
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ (128)﴾ .
( سورة البروج ) .
وقال :
﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ (129)﴾ .
حدَّثني أخ فقال لي : يوجد في كل مصلحة ، وفي كل حرفة أناس مستقيمون وهؤلاء حجَّة على غيرهم ، تجد حرفة أغلب أهلها منحرفون إلا عدداً قليلاً متمسِّكون بالأمر والنهي ، فهؤلاء حجَّة :
    
﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ (129)﴾ .
الدالَّة عليك .
 حينما نقصِّر في معرفة الله من خلال آياته ينعكس هذا التقصير على الطاعة :
 
أيها الأخوة ، حينما نقصِّر في معرفة الله من خلال آياته ينعكس هذا التقصير على الطاعة ، أي أنك إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر ـ دقق ـ تفنَّنت في مخالفة الأمر ، وإذا عرفت الأمر وعرفت الآمر ذبت في طاعة الآمر ، فلا بد من أن تعرف الله قبل أن تعرف أمره :
    
﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ (129)﴾ .
كي يعرفوك :
    
﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ (129)﴾ .
الأمر والنهي كي يعبدوك :
   
﴿ وَالْحِكْمَةَ (129)﴾ .
منه التفسير ، الإمام الشافعي قال : الحكمة هي السُّنة . لأن النبي فسَّر القرآن وبيَّنه :
﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (44) ﴾.
( سورة النحل ) .
فالكتاب هو القرآن ، والحكمة السُنَّة المبيِّنة .
 صفات المؤمن :
 
مثلاً قال الله تعالى :
﴿ وَآتُوا الزَّكَاةَ (13)﴾.
( سورة المجادلة) .
لكن الله لم يفصل زكاة الإبل ، وزكاة البقر ، وزكاة الركاز ، وزكاة الأموال ، وزكاة العروض والتجارة ، ونصاب الزكاة ، وعلى من تجب الزكاة ، ومصارف الزكاة ، فهذه فسَّرها النبي كلها . فالسنة مفسِّرة للقرآن الكريم ، فأنت بالكون تعرفه ، وبالقرآن والسنة تعبده ، والدين كله أن تعرفه وأن تعبده ، أن تعرفه موجوداً واحداً كاملاً ، وأن تعبده :
    
﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ (129)﴾ .
تلا عليهم آياته فعرفوه ، وعلَّمهم الكتاب والحكمة فعبدوه ، فلما عبدوه اتصلوا به، ولما اتصلوا به زكت نفوسهم وصار لديهم طهر ، وصار عندهم عفاف ، وحصل هناك تواضع ، وتحول هناك رحمة ، وعاد إنصافاً ، وغدا تجَمُّلاً ، وأصبح حكمة ، فتجد المؤمن يُشتهى ، وتجده لطيفاً ، دقيق الشعور ، دقيق الكلام ، حاد النَّظر ، حكيماً في تصرُّفاته ، صادقاً في أقواله ، شديداً في أفعاله وهذا من تأديب الله له .
 (( أدَّبني ربي فأحسن تأديبي )) .
[الجامع الصغير عن ابن مسعودرضي الله عنه ]
مثل للتوضيح : أنا شاهدت جوهرة بمتحف في استنبول ـ ماسةً ـ مكتوباً بجانبها ثمنها مئة وخمسون مليون دولار ، فلو ضرب هذا الرقم بخمسين فالناتج مبلغ فلكي ، فلو أتينا بقطعةً من الفحم بالحجم نفسه من سوق الفحامة من بائع للفحم ، فكم ثمنها ؟ أساس الماس فحم ، فالمؤمن ماسة وغير المؤمن فحم ، وهو إنسان ؛ رأس ، وجسم ، ويدان ، ورجلان ، وسمع ، وبصر ولكنه فحمة ، لا شيء منه إطلاقاً ، لأنه ليس على شيء ؛ ولا على خُلُق ، ولا قيَم ، ولا ورع ، ولا إحسان ، ولا منطق أبداً ، فبين المؤمن والكافر مسافة كبيرة جداً ، وقد قال النبي :
(( مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ )) .
[ صحيح عن أبي موسى ]
الإنسان الحي يتقد حيويَّة وشباباً ، ولكن الذي يجثم على الأرض بدون حراك فموضوع آخر ، هل العينان اللتان تبرقان مثل عين الميت الجامدة ؟ هل قطعة لحم مشوية ولها رائحة عَبقة وأنت جائع كقطعة لحم متفسِّخ ؟ الاثنتان لحم ولكن هناك مسافة كبيرة جداً ، ذُكر للنبي الكريم شخص وشخص فقال :هذا يعدل ملء الأرض من هذا .
 الفرق بين المؤمن وغير المؤمن :
 
إنه كلام دقيق ، فلو حسبنا حجم الأرض وحسبنا حجم إنسان معتدل ، وقسَّمنا حجم الأرض على حجم هذا الإنسان ، الأرض بأكملها ، الكرة الأرضيَّة بمحيطاتها الخمس ، لو أنها مجوفة كم عدد الناس الذين تتسع لهم ؟ كلام النبي لا ينطق عن الهوى ، وهناك إنسان واحد يساوي عند الله ما يعادل الأرض ممتلئة بالأشخاص ، المؤمن عند الله كبير ، حينما يموت الكافر ، قال عنه تعالى :
﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ﴾ .
( سورة الدخان ) .
المعنى المخالف أن المؤمن حينما يموت تبكي عليه السماء والأرض وكله خير ، وكله إنصاف ، وأدب ، وانضباط ، ورحمة ، وذوق ، ولطف ، هذا هو المؤمن . وغير المؤمن بالتعبير الذي يحلو لي أن أصفه به " دابَّة متفلتة " ، جنَّ البقر في أوروبا ، فاضطروا أن يحرقوا خمسة عشر مليون بقرة ، ثمن البقرة مئات الألوف ، فكيف تُحرق ؟ لأنها جُنَّت . وحينما أطعموها طحين اللحم اختل نسيجها ، وصار لها سلوك طائش ومخيف ، وهناك حدَّثني أخ من أخواننا فقال لي : إن صديقاً له عنده بقرة جنَّت ـ في ريف دمشق ـ فقتلت رجلين وكادت تقضي على الثالث ، فأطلق عليها النار وقتلها. إذا جُنَّت البقرة تقتلها ، وإذا انحرف الإنسان تجده وحشاً . تسمع أحياناً عن أعمال وحشيَّة فيما نسمع من أخبار لا يصدقها العقل ؛ قتل ، واغتصاب ، وتعذيب ، وإذلال ، ونهب ، وسلب ، وليس له ذنب ولكن لأنه مسلم فقط ، هم وحوش ، إذا عرف الإنسان الله عزَّ وجل تجده مَلَكاً ، وإذا لم يعرفه فهو وحش ، واللهِ قد يعترض الوحوش علينا والله لأن الوحش يأكل ليشبع فقط ، وحشيَّته ليشبع فقط ، أما الإنسان فقد يدمِّر بلا سبب .
 
معنى التزكية :
 
قال تعالى :
﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ .
هذه التزكية ، بالقرآن الكريم :
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ .
( سورة الشمس ) .
إله خالق الكون يقول  :
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾
( سورة الشمس ) .
أن تكون زكي النفس ، النبي الكريم وصفه ربه فقال :
﴿  وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) ﴾ .
( سورة القلم )
كان فصيحاً ، وكان متكلِّماً ، ومجتهداً ، وقائداً ، وخطيباً ، وعالماً ، فما أثنى الله عليه إلا بخُلقه العظيم ـ وتقريب للتوضيح ـ أب اشترى لابنه سيارة ، ثم عمل حفلة ضخمة تكريماً لابنه لأنهصار يملك سيارة ، فهذا كلام مضحك ، وهذه ليست منه ولكنها منك ، أما إذا نجح وكان الأول ، فعمل له حفل تكريم ، فهذا كلام طيب لأن النجاح بتفوُّق هو من جهده، فأي ميِّزة تأخذها من الله فهذه منه وليست منك ، جعلك وسيم الصورة ، وقوي البُنية ، وابن رجل غني فصرت تملكأموالاً طائلة فهذا ليس منك ، أما الخُلُق العظيم فهو منك فقط :
 
﴿  وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) ﴾ .
( سورة القلم )
هذه ويزكيهم :
     
﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)﴾ .
 إذا رفض الإنسان الدين فهو يحتقر نفسه :
 
أيها الأخوة ، هناك نقطة مهمَّة جداً ، يرفض الإنسان في الأعم الأغلب شيئاً احتقاراً له ، عرضوا عليك بيتاً سعره غالٍ ومساحته صغيرة ترفضه ، إنك احتقرت هذه المساحة الصغيرة على السعر المُرتفع ، وعرضوا عليك تجارة ربحها ضئيل جداً ترفضها ، وعرضوا عليك وظيفة راتبها قليل جداً فلا ترضاها ، والإنسان في الأعم الأغلب يعاف ما يحتقره إلا في حالة واحدة ؛ إذا رفض الدين فهو يحتقر نفسه .
إنسان لديه إمكانيات عالية جداً عرضوا عليه دراسة جامعيَّة عُليا تنتهي له بمنصب مرموق عجيب ، ولكنه فضل أن يشتغل مثلاً كانس قمامة في الطرقات ، عندما رفض دخول الجامعة ، والوصول إلى مرتبة علمية عالية جداً ، واختار أن يكنس القمامة مع أنه يملك إمكانات عالية جداً ، علماً أن أي عمل شريف لو كانت عنده إمكانات عالية وهناك عرض مغرٍ ، وتعويضات ، وضمانة لكل مصروفه في الدراسة الجامعيَّة ، وعنده إمكانيات ورفض ، وقبل أن يشتغل كانس قمامة ، فمعنى هذا احتقر نفسه ، واحتقر إمكاناته ، وانصرف عن مؤهَّلاته ، وهناك أشياء إذا رفضها الإنسان يكون قد احتقر ذاته ، قال :
     
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾ .
أنت مخلوق لله فرفضت هذا العرض وقبلت أن تكون محسوباً على إنسان عادي ، مُجَيَّراً لإنسان أو لجهة وأداة قذرة بيد جهة وليست أداة عاديَّة ، ارتضيت لنفسك لتكون أداة لإيقاع الأذى بالناس ، وأنت خلقك الله عزَّ وجل لتكون له نقياً ، طاهراً ، قوياً ، عزيزاً ، كريماً :
  
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾ .
خلقك الله عزَّ وجل لتكون له ، ففي الأثر القدسي:
(( خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيى بخلقهن أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك كل حين ؟ لي عليك فريضة ولك عليَّ رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزَّتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلِّطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموماً ، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد )) .
[ورد في الأثر]
 
 خلقنا الله عز وجل لنكون في جنة عرضها السماوات والأرض :
 
كلام دقيق يا أخوان ، خلقك الله عزَّ وجل لتكون له ، لتكون عزيزاً ، وكريماً ، وطاهراً ، وفي جنةٍ عرضها السماوات والأرض ، فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وأنت أردت أن تكون أداةً قذرةً طَيِّعَةً بيد جهةٍ منحرفةٍ ، قد توقع الأذى بالناس وليس لك مصلحة إلا تنفيذ رغبة إنسان ، فهل هذا ممكن ؟ قد يكون في عملك إيقاع الأذى بالآخرين ، ولكن المؤمن محسوبٌ على الله . يقول لك البعض : نعيش لنأكل ، وفي كلام أرقى : نأكل لنعيش ، وفي أرقى : نعيش لنعرف الله ، ونحيا لنعرفه ، ونسمو إليه ، ونسعد بقربه ، لندخل جنَّته ، فالإنسان حينما يرضى أن يكون لغير الله فقد احتقر نفسه .
ضربت مثلاً سابقاً : لدينا قطرميز بلور كبير ، ثمنه عشرون ليرة ، وكأس كريستال ، ثمنها ألف ليرة ، وجوهرة ثمينة ، ثمنها مئة وخمسون مليون دولار وقلنا لإنسان : اختر واحدة . فاختار أكبر شيء وأخذه ، فهو جاهل ومحتقر لذاته ، فالذي اختار القطرميز وترك التي ثمنها مئة وخمسون مليون دولار محتقر لنفسه :
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾ .
إذا قبلت العرض أن تكون بالجنة ، وتكون مع الله عزَّ وجل :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾ .
( سورة مريم ) .
فليس وداً مع شخص عادي جداً ، لا ، مع خالق الكون ، هو أكبر بكثير ، وأنت في الجنة ، فإذا رفض الإنسان عرض الإله أن يكون في الجنة ، وأن تكون له ، واختار أن تكون لغيره ، وأن يكون أداةقذرة بيد إنسان منحرف فهذا منتهى الحقارة في الإنسان :
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) ﴾ .
لعطائنا ، في الدنيا اصطفيناه ، وفي الآخرين من الصالحين لعطائنا .
 
والحمد لله رب العالمين

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب