سورة القصص 028 - الدرس (6): تفسير الأيات (43 – 45) المعجزات – الكرامات

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة القصص 028 - الدرس (6): تفسير الأيات (43 – 45) المعجزات – الكرامات

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 269- اسم الله القاهر 2           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - الخلافات الزوجية           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 086 - سورة النساء 038 - 040           برنامج الكبــائـر:  الكبائر - 38 - البدعة           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 268- اسم الله القاهر 1           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - كيف نتعامل مع المسنين         

New Page 1

     سورة القصص

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة القصص - (الآيات: 043 - 045) - المعجزات – الكرامات

02/01/2012 15:50:00

 
سورة القصص (028)
 
الدرس (6)
 
تفسير الآيات: (43 ـ 45)
 
المعجزات – الكرامات
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 
  

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السادس من سورة القصص ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :
 ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾
 
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
 
 من خصائص هذه الآيات : ابتداءها بقوله : ومَا كُنْتَ ...
 
          هذه الآيات أيُّها الإخوة ، تبدأ في معظمها بقوله تعالى : ]وَمَا كُنتَ [ .
 
 
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾
(سورة القصص : آية 44 )
 
﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾
( سورة القصص : آية 45)
 
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾
(سورة القصص : آية 46)
 
القرآن كلام الله : 
 
1 – إثبات الغيب المستقبلي في القرآن :
        الحقيقة أن هذه الآيات تُثْبِتُ أن هذا الكتاب كلام الله ، لأن هذا اسمه عند علماء القرآن غيب الماضي ، الغيب أنواعٌ ثلاثة ؛ غيب الماضي ، وغيب الحاضر ، وغيب المستقبل ، فالأشياء التي مضت ، والتي لا يمكن أن يعلمها النبي عليه الصلاة والسلام ، ما كان في مدين ، وما كان في هذه القرون السابقة ، ومع هؤلاء الأقوام ، ومع هؤلاء الأنبياء ، ما كان معهم ، من أنبأه بخبرهم ؟ من أعطاه ما وقع بالتمام والكمال ؟ إنه الله سبحانه وتعالى ، فقد ورد في القرآن الكريم قصة سيدنا موسى مع فرعون ، وقصة سيدنا موسى مع سيدنا شعيب ، وقصة سيدنا يوسف ، وقصة سيدنا يحيى ، وقصة السيدة مريم ، هذه القِصَص ، قصص الأنبياء التي وقعت من قبل ما كان للنبي عليه الصلاة والسلام بحكم أنه عاش في صحراء ، بحكم أنه كان أُمِّياً ، ما كان له أن يعلم هذه الحقائق ، ولا أن يعلم هذه الأخبار ، فإذا جاء بها صحيحةً كاملةً بوقائع دقيقةً ، فهذا دليلٌ على أن هذا الكلام كلام الله .
2 – لا يمكن أن يترك اللهُ العبادَ بغير منهج :
       ننتقل من هذه الفكرة إلى فكرةٍ أَعَمّ وأشمل ، الإنسان بادئ ذي بدء عليه أن يؤمن بالله خالق الكون ، وهذا الكون بين يديه ، إن هذا الكون بما فيه من آياتٍ دالةٍ على وجوده ، وعلى عظمته ، وعلى أسمائه الحسنى ، وعلى صفاته الفُضْلى ، إن هذا الكون هو الدليل الأكبر على وجود الله ، وعلى صفاته ، وأسمائه ، وعظمته ، هذا الإله العظيم أَيُعْقَل أن يَدَع عباده من دون تشريع ، من دون توجيه ، من دون تعريف ، من دون ، أمر ، من دون نهي ، من دون لفت نظر ، من دون بيان ؟ هذا الكون يَدُلُّ على أن الله سبحانه وتعالى كاملٌ في أسمائه ، كاملٌ في صفاته ، فمن لوازم كمال الله عزَّ وجل ألاّ يدع عباده هملاً مُعَطَّلين عن الأمر والنهي ، أتجد أباً يرى ابنه منحرفاً ، ويبقى ساكتاً ؟ أتجد أباً لا يُعَرِّف ابنه بالطريق الصحيح ، بالهدف النبيل ؟ إذاً ربنا سبحانه وتعالى من كماله لا بدَّ من أن يُرسل إلى هذا الإنسان خطاباً في كل عصر ، إن هذا الخطاب هو كلام الله عزَّ وجل .
 
 حقائق مهمة :
 
1 – مَن لم يطبق كلام الله لم يفلح أبدا :
الآن عندنا قضية دقيقة سأوضحها لكم من خلال هذا المثل :
لو أن رجلاً موسراً من علية القوم ، له أعمال واسعة ، عَيَّن وكيلاً لأعماله ، وأغدق على هذا الوكيل الشيء الكثير ، هذا الوكيل إذا جاءه من سيِّده خطاب يأْمُرُهُ أن يدفع لفلان مبلغاً كبيراً ، فهذا الوكيل إذا دفع هذا المبلغ ، ولم يكن هذا الخطاب من عند سيده فقد خسر خسارةً كبرى ، وإذا كان هذا الكتاب من عند سيِّده ، ولم يدفع صرفه من العمل ، إذاً فالإنسان أمام وضعين ؛ إذا كان هذا الكلام كلام الله ، ولم يُطَبِّق الإنسان أمره ونهيه أهلك نفسه في الدنيا والآخرة ، وإذا كان هذا الكلام كما يَظُنُّ بعض الناس وبعض الملحدين أنَّه ليس كلام الله ، بل هو كلامٌ من صنع سيدنا محمد e ، ونَفَّذَهُ بحذافيره ، ولم يكن كذلك ، فقد ضَيَّع حياته الدنيا ، إذاً هذا الوكيل إذا جاءه خطابٌ من سيده ، ما هو أخطر شيءٍ عليه أن يفعله ؟ أن يتأَكَّدَ من صحَّةِ نسبة هذا الخطاب إلى سيده ، هذا شيءٌ مفروغٌ منه ، قبل كل شيء ، قبل أن تفعل شيئاً أنت عبدٌ لله ، ولك إلهٌ عظيم يدُلُّ عليه هذا الكون ، فالكون فيه آياتٌ لا تعدُّ ولا تُحْصى ، هذا الإله العظيم ، والخالق الحكيم ، والمربي الرحيم ما نسيك من فضله ، ولا من توجيهاته ، ولا من بياناته ، ولا من تحذيره ، ولا من تبشيره ، أرسل هذا الخطاب ، يجب أن تؤمن إيماناً قَطْعِيّا ، والإيمان أنواع : إيمان ظني ، وإيمان تَبَرُّك ، وإيمان تقليدي ، يجب أن تؤمن إيماناً قطعياً بأن هذا الكلام كلام الله ، لماذا ؟ لأن فيه أمراً وفيه نهياً ، معظم الناس لا يقفون موقفاً واضحاً من كتاب الله ، فيه آيات تأْمُر وآيات تنهى ، وهو لا ينتهي ولا يأتمر ، وإذا قرأ القرآن قال : صدق الله العظيم ، وقَبَّلَه من جوانبه الستة ، ووضعه في مكانٍ من بيته مرموق ، وهو لا يُطَبِّقُه ، فإذا جاء ملك الموت ، ورأى أنه انحرف انحرافاً خطيراً عن ربه ، ولم يطبِّق ما به ، وقبل أن يأتي ملك الموت ، كان يدفع ثمناً باهظاً لمخالفة هذا الكلام ، فحينما يأكل مالاً حراماً ، حينما يعتدي ، حينما يحيد ، حينما ينحرف ، يدفع الثمن باهظاً ، وحينما يأتي ملك الموت ، يجد نفسه أنه خسر خسارةً كليةً وأبدية ، فلذلك الإنسان عليه أن يقف موقفاً واضحاً من كلام الله عزَّ وجل ، هل هذا كلام الله ؟ ما الدليل ؟ .
       ما قولك أيها الأخ الكريم إذا كنت في مجلسٍ ، وأردت أن تحدِّث الناس عن آيات الله ، فقال لك أحدهم : ما الذي يؤكِّد لك أن هذا الكلام كلام الله ؟ بماذا تجيبه ؟ إذا سكت أُسقِطَ في يدك ، إذا لم تجد جواباً شافياً مقنعاً لهذا الإنسان تزلزلت ، وهذا الذي يبني إيمانه على سماع أقوال الآخرين من دون بحثٍ ، من دون تَحَقُقٍ ، من دون تمحيصٍ ، هذا الإيمان لا يصمُد أمام الشهوات .
2 – لا بد من العلم :
قلت لكم سابقاً : تصوروا ميزاناً في كِفَّتِهِ الأولى وزن خمسة كيلوات ، ولنرمز إلى هذا الوزن بالشهوات ؛ التي هي حب المال ، حب اللذائذ ، حب العلو في الأرض ، فكل واحد فيه ينطوي على شهوات لا يعلمها إلا الله ، بعضها مشروع ، وبعضها غير مشروع ، بعضها مباح ، وبعضها فيه انحراف ، وفي الكِفّة الثانية العلم ، إن لم يكن في الكفة الثانية علمٌ يقينيٌ  قطعيٌ ، مبنيٌ عن بحثٍ ودرسٍ ، وتَحَقُقٍ وبرهانٍ وحجةٍ فإن كفَّة الشهوات تبدو راجحة ، هذا العلم القليل ، هذا التقليد اليسير ، هذا السماع لبعض دروس العلم ، هذا السماع لبعض الخطب لا يستطيع أن يقف في وجه هذا الوزن الكبير ، قد يبحث الإنسان ، ويبحث ، ويدقق ، ويفكِّر ، ويتأمَّل ، ويُطالع ، ويقرأ ، ويلتقي ، ويسأل ، ويجتمع ، إلى أن تتكون عنده قناعاتٌ قطعيةٌ صحيحةٌ يقينيةٌ في الكفة الثانية ، حتى يبدأ الميزان بالتحرُّك ، حتى تقف ، لأن العلم قيدٌ ، ولابدَّ من العلم اليقيني .. ، قال سيدنا علي : " يا بني ، العلم خير من المال ، لأن العلم يَحْرُسُكَ ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق " .
        إن قضية التَعَلُّم قضية مصيرية ، فقد يظن الإنسان أحياناً أنَّه إذا كان لديه وقت فراغ حضر مجلس علم ، وجاء ليستفيد ، لكنَّ ساحة نفسه مُمْتَلئة بأشياء متعلقة بالدنيا ، فإذا زاد عنده وقتٌ حضر مجلس علم ، وإلا أعرض ، هذا هو الغلط بعينه ، لأن ما من شيءٍ أخطر في حياتك من أن تعرف الحقيقة ، لا حباً بأحد ، يجب أن تحب ذاتك قبل كلَّ شيء ، وكلكم يعلَم أن الإنسان مفطورٌ على حب ذاته ، على حب وجوده ، على حب استمرار وجوده ، على حب سلامة وجوده ، على حب كمال وجوده ، من أجل وجودك في الدنيا ، من أجل سلامة وجودك في الدنيا ، من أجل كمال وجودك في الدنيا ، من أجل استمرار وجودك بعد الموت في جنةٍ عرضها السماوات والأرض لا بدَّ من معرفة هذا الكتاب ، أهو كلام الله حقاً ؟ إذا كان هذا الكلام كلام الله حقاً فما الدليل ؟ كلُّ شيءٍ من دون دليلٍ قطعيٍ لا يصْمُد أمام الفتن ، لا يصمد أمام الشهوات .
3 – كثرة الضغوط على الإنسان :
        إنّ الإنسان في الحياة الدنيا مُعَرَّض إلى قوةٍ ضاغطة ، وإلى قوةٍ جاذبة ، الجذب إغراء ، والضغط إكراه ، هكذا شاءت حكمة الله عزَّ وجل ؛ أن يكون الإنسان في حياته الدنيا  مُعَرَّضاً لقوةٍ ضاغطة ، يأتيه ضغطٌ من أهله ، من زوجته ، من أولاده ، ممن فوقه ، في العمل ، يأتيه الضغط ليفعل معصيةً ، لينحرف عن منهج الله ، ليأكل مالاً حراماً ، ليعتدي على الناس ، ليُطْلِق بصره في الحرام ، ليأخذ ما ليس له ، هذا ضغط ، وقد يأتيه إغراءٌ  يدفعه إلى منكر ، إلى معصية ، إلى ندوة ، إلى نُزْهَة ، إلى لقاء لا يرضي الله عزَّ وجل ، فأنت أيها الأخ الكريم بين ضغطٍ وجذبٍ ، بين قوى اجتماعيةٍ ونفسيةٍ ضاغطة ، وقوةٍ أخرى جاذبة ، ماذا تفعل ؟ لا بدَّ لك من منهج .
         دقق لو أنك اقتنيت آلةً غالية الثمن ، إذا كانت هذه الآلة غالية الثمن خطيرة الوظيفة فإنك تحرص عليها حرصاً بالغاً ، لاحظ نفسك فقبل كلَّ شيء تبحث عن تعليمات الصانع ، عن تعليمات الشركة الصانعة ، بدافعٍ من حرصك على سلامة هذه الآلة ، وعلى حُسْنِ سير عمل هذه الآلة ، وعلى كفاءة هذه الآلة ، وعلى مردود هذه الآلة ، تبحث عن تعليمات الصانع ، فهلاَّ بحثت يا أخي عن تعليمات الخالق ، عن منهج الخالق ؟ أيُعْقَل أن يكون الله عزَّ وجل قد أنعم عليك بنعمة الإيجاد ، وتركك هملاً بلا أمر ، ولا نهي ، ولا تعريف ، ولا بيان ، ولا توجيه ، ولا شيءٍ من هذا القبيل !؟ أَيُعْقَل أن الله عزَّ وجل أنعم عليك بنعمة الإيجاد ، ولم يبَيِّن لك من أنت ، وما دورك في الحياة ، وما مهمَّتك ، وما هويتك ؟ ما معنى أنَّك إنسان ؟ ولماذا حملت الأمانة ؟ ما معنى الأمانة ؟ ما هي مقومِّات التكليف ؟ ما هي الحرية التي تتمتع بها ؟ ولماذا هذه الشهوة التي أودعها فيك ؟ سؤال خطير ، لماذا أودع الله فينا هذه الشهوات ؟
4 – دافع تحقيق الشهوة عند الإنسان :
        إنّ الإنسان أي إنسان ، في أي مكانٍ وزمان يجد نفسه مندفعاً إلى تحقيق شهواته ، يندفع إلى الطعام ، وإلى الجنس الآخر ، وإلى كسب المال ، وإلى أن يكون ذا شأنٍ في الحياة ، هذه الشهوات لماذا أودعها فيك ربُّ الأرض والسماوات ؟ هل من أجل أن يفتنك ؟ مستحيل ، من أجل أن يوقعك في شباك الشهوة ؟ من أجل أن يدفعك إلى المعصية ، إنه خالقٌ عظيم ، وهذا الكون يؤكِّد عظمته لا يفعل هذا ؟ إذاً لا بدَّ من أن الله سبحانه وتعالى حينما أودع فيك هذه الشهوات إنما أودعها لترقى بها إلى رب الأرض والسماوات ، ما أودعها فيك إلا لتكون هذه الشهوة دافعاً لك إليه ، مُحَرِّكاً إلى التقرب منه ، كيف تتقرَّب من الله عزَّ وجل إذا لم تكن تحبُّ المال ؟ لأنك تحب المال ، وإذا أنفقت المال في سبيله تشعر بالقرب ، تشعر بالمؤاثرة ، تشعر بأنك فعلت شيئاً عظيماً ، لو أن هذا المال لا يساوي عندك إلا التراب فما قيمة إنفاقه ؟ كيف ترقى بغض البصر إن لم يحبِّب إليك الله النساء ؟ ما قيمة غضِّ البصر ؟ تغضُّ البصر فترقى إلى الله عزَّ وجل ، يتزوج الإنسان فيرقى ، يرقى بالزواج شكراً ، ويرقى بغض البصر صابراً ، تكسب المال الحلال فترقى ، ترقى شاكراً ، وتترَفَّع عن المال الحرام فترقى صبراً ، تكظم غيظك فترقى صابراً ، لولا أنك تغضب ، فما قيمة كظم الغيظ ؟ لولا أنَّك تستغفر فما قيمة الحلم ؟ لولا أنك تخاف فما قيمة التوَكُّل ؟ إذاً الله سبحانه وتعالى حينما أودع فيك هذه الشهوات إنما أودعها فيك لترقى إلى رب الأرض والسماوات .
5 – حرية الاختيار :
وحينما منحك حرية الاختيار :
 
 
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
(سورة الكهف : آية " 29)
 
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾
(سورة الإنسان)
         لولا هذه الحرية التي مَتَّعَكَ الله بها لما استطعت أن تُثَمَّن أعمالك ، وما قيمة الأعمال إذا كنت مُكْرَهاً عليها ؟ فمهما كان العمل عظيماً ، ومهما كان جليلاً ، ومهما كان خطيراً ، إذا كنت مكرهاً عليه فلا قيمة له ، إنه عملٌ ساقط لا قيمة له إطلاقاً ، إذاً : ألا ينبغي أن تقرأ كتاباً لتعرف من أنت ؟ لماذا أنت في الدنيا ؟ لماذا أنعم الله عليك بنعمة الإيجاد ؟ من أجل أن يرحمك :
 
 
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
(سورة هود: آية 119)
لماذا أنعم الله عليك بهذه الشهوات ؟ من أجل أن ترقى بها إلى رب الأرض والسماوات ، لماذا أنعم الله عليك بحرية الاختيار ؟ من أجل أن تُثَمِّن عملك ، ما قيمة العمل من دون حرية ؟ لماذا فطرك فطرةً عالية ؟ أيُّ إنسان في أي مكانٍ وزمان نفسه تحب الفضيلة ، تحب الخير ، تحب الإنصاف ، تحب العدل ، تحب الرحمة ، تحب العفاف ، تحب النزاهة ، تحب اللُّطف ، هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها لماذا ؟ من أجل أن تكون فطرتك عوناً لك على طاعة ربك ، فإذا انحرفت عن منهج الله عزَّ وجل عَذَّبَك ضميرك ، كما يقولون ، أو عذَّبتك فطرتك ، أو ضاقت نفسك ، فإذا أقبلت على الله ، وطبَّقْت أمره ارتاحت نفسك ، هذا هو السر .
6 – المنهج الإلهي :
       فيا أخي الكريم ، لا بدَّ من منهجٍ إلهي ، لا بدَّ من بيان إلهي ، لا بدَّ من كتابٍ كريم فيه تفصيل كلُّ شيء ، فيه بيان كل شيء ، إنه هذا الكتاب ، المشكلة يجب أن تؤمن إيماناً قطعياً ، إيماناً يقينياً ، إيماناً لا ريب فيه ، لا شك فيه ، لا تردد فيه ، لا حرج فيه ، لا ضبابية فيه ، يجب أن تؤمن هذا الإيمان بأن هذا الكلام كلام الله ، لأنك إذا آمنت بأن هذا الكلام كلام الله فهذا الإيمان يحملك على طاعة الله ، بادئ ذي بدء حباً بذاتك ، حباً بوجودك ، وسلامة وجودك ، واستمرار وجودك ، وكمال وجودك ، هذه هي الفطرة ، أنت كعبدٍ جاءك هذا الخطاب ، فإن كان من عند الله ، وخالفت أمره أهلكت نفسك في الدنيا والآخرة ، وإن كان فرضاً كما يَدَّعي المدعون من عند غير الله ، ونفَّذْت ما فيه فقد حرمت نفسك ملذات الدنيا ومباهجها على حد قول الملحدين .
        إذاً : القضية الكبرى في حياتك أن تعرف أن هذا الكلام كلام الله بالدليل ، لذلك لا يقبل أهل السنة والجماعة الإيمان إذا كان تقليداً ، لماذا ؟ يمكن أن تقلد مؤمناً في بعض تصرفاته ، هذا مقبول منك ، من قلَّد عالماً لقي الله غانماً ، أما أن تقلِّد الآخرين في العقيدة فهذا شيء غير مقبول ، لماذا ؟ لو جاء إنسان مضل ، وله مظهر صالح فقلدته في عقيدته الفاسدة فقد أهلكت نفسك ، فلا بدَّ من أن تتأكَّد من صحة عقيدتك ، لأن أهم موضوعٍ بعد إيمانك بوجود الله ، وبأسمائه الحسنى أن تؤمن بأن هذا الكلام كلامه .
 
 ما هو الدليل على أن القرآن كلام الله تعالى ؟
 
ما هو الدليل الأكبر على أن هذا الكلام كلام الله ؟ أكبر دليل أنَّ الله سبحانه وتعالى في بعض الآيات الكريمة يقول :
 
 
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ﴾
(سورة الطور)
الدليل هو أن هذا القرآن مُعْجِز ، معنى معجز أن البشر يعجزون أن يأتوا بمثله ، وما دام معجزاً إذاً فهو معجزةٌ للنبي e ، لأن الله سبحانه وتعالى حينما يُرْسل رسولاً أو نبياً .
كيف يشهد للناس أن هذا الإنسان هو رسوله ؟
      الأنبياء السابقون : مثلاً حينما أرسل الله سيدنا موسى إلى فرعون ، فقد زوَّده الله بدليلٍ يؤكِّد صدق نبوته ورسالته ، الله سبحانه وتعالى جعل العصا تنقلب ثعباناً بين يديه ، هل بإمكان كلِّ بني البشر مجتمعين أو منفردين في أيِّ عصرٍ أن يصنعوا من العصا ثعباناً ؟ لا ، أما سحرة فرعون فإن حبالهم وعصيهم كانت وهماً وخيالاً في نظر موسى عليه السلام ، قال تعالى :
 
 
﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾
(سورة طه : آية 66)
ولكن سحرة فرعون حينما رأوا العصا تنقلب ثعباناً مبيناً كبَّروا إيماناً ، وقالوا :
 
 
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴾
(سورة طه)
 
﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴾
(سورة الشعراء)
 
 معجزات الأنبياء :
 
هم جاءوا بأنابيب ، ووضعوا فيها الزئبق ، وضعوها على أرض مُحَمَّاة ، فتمدَّدَ الزئبق ، وتحرك ، فحرَّك هذه الأنابيب ، وكأنها أفاعٍ ، أما حينما رأوا العصا تنقلب إلى ثعبانٍ حقيقي عرفوا أن هذا ليس بسحر ، بل هذا نبيٌ من عند الله حقاً ، لأن هذا الفعل لا يستطيعه إنسانٌ كائناً من كان ، إذاً بشكل مُبَسَّط حينما يرسل الله إنساناً نبياً رسولاً إلى قومٍ فإنه يزَوِّده بالدليل ، الدليل على أنه نبي ، وعلى أنه رسول المعجزات ، فالمعجزات أمرٌ يجريه الله على يدي نبيٍ يفوق طاقات البشر ، ويخرق قوانين الطبيعة وخواص المواد ، ويتحدَّى به النبي قومه ، فلا يقدر أحدٌ على معارضته ، هذا تعريف المعجزة ، ولا يقدر أحدٌ على معارضته ، و سُمِّيَت المعجزات أيضاً دلائل النبوة ، أعلام النبوة ، علامات النبوَّة ، وسمَّاها القرآن البِّينة ، وسماها القرآن البرهان ، وسماها القرآن الآية ، إنها آيةٌ بينةٌ ، برهانٌ ، دلائل النبوة ، أعلام النبوة ، علامات النبوة ، معجزات ، أي شيءٌ خارقٌ لقوانين الطبيعة ، فيه تجاوز لخواص المواد ، لا يستطيعه الإنسان كائناً من كان ، يتحدَّى به النبي قومه سُمِّيَت ويدعوهم إلى الإيمان بالله عزَّ وجل فهو .
كلكم يعلم أن الله سبحانه وتعالى حينما أرسل الأنبياء والمرسلين زوَّدهم بمعجزات حسِّية ، هذه المعجزات تتناسب مع طبيعة العصر الذي هم فيه ، مع الشيء المتألِّق في هذا العصر ، في عهد فرعون كان السحر قد بلغ شأواً رفيعاً ، فجاء سيدنا موسى بمعجزةٍ تبطل سحرهم ، في عصر سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام جاء سيدنا عيسى بإحياء الموتى ، وهذا شيءٌ يفوق كل طاقات الطبيب ، كان الطبُّ متفوقاً ، ولكن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان قوم النبي e قوم فصاحةٍ وبلاغة ، قوم بيان ، كانوا شعراء ، كان عندهم أسواق للأدب ، كانوا فُصَحَاء ، كانت الفصاحة تجري على ألسنتهم كالماء العذب السلسبيل ، لذلك جاءت معجزة النبي عليه الصلاة والسلام قُرْآناً يُتْلَى إلى يوم القيامة ، والفرق كبير بين معجزة النبي e التي هي القرآن والمعجزات الحسية التي جاء بها الأنبياء من قبله ، تلك المعجزات وقعت ، وانتهت ، وأصبحت خبراً يصدِّقه المصَدِّقون ، أو يكذِّبه المكذبون ، ولكن معجزة النبي عليه الصلاة والسلام هي قرآنٌ يتلى إلى يوم القيامة ، بعد مئة عامٍ ، بعد مئتي عام ، بعد خمسمئة عام ، بعد ألف عام ، بعد ألفي عام ، إلى يوم القيامة ، هذه معجزةٌ قائمةٌ بذاتها بينةٌ واضحةٌ لكل ذي بصر .
 
 الكرامة :
 
      شيءٌ آخر أيها الإخوة ، هذا ينقلنا إلى موضوع الكرامة ؛ هل هناك كرامة ؟ المعجزة فهمناها ، هي خرقٌ لنواميس الكون ، تجاوزٌ لخواص المواد ، يتحدى بها النبي قومه ، يؤكِّد بها نبوَّته ، يدعوهم إلى الله بها ، ولكن الولي أله كرامة ؟ نعم ، إن الكرامة ثابتةٌ بنَصِّ كتاب الله عزَّ وجل ، ولكنَّ الولي لا يتحدى بكرامته الناس ، ولا يدعي بها النبوة ، إنما هي في حقيقتها كرامةٌ للنبي عليه الصلاة والسلام ، ولا يمكن أن تسمَّى الكرامة كرامةً إلا إذا كان هذا الذي أجراها الله على يديه متابعاً للنبي عليه الصلاة والسلام ، فهذه الكرامة في حقيقتها تأكيدٌ لمعجزة النبي عليه الصلاة والسلام ، فمثلاً إذا قال عليه الصلاة والسلام ، إضافةً إلى التداوي عن طريق الطبيب :
(( دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ )) .
[الجامع الصغير عن أبي أمامة بسند حسن]
      فإذا وقع إنسان في مرض عضال ، وقرأ حديث النبي عليه الصلاة والسلام وطبقه ، ودفع جزءاً من ماله الثمين ابتغاء وجه الله عزَّ وجل ، لعلَّ الله عزَّ وجل يشفيه ، أو يشفي ابنه ، وتَمَّ الشفاء بعد أن قال الأطباء : إن هذا المرض لا شفاء له ، ما اسمُ هذا الشفاء ؟ اسمه كرامة ، ماذا يؤَكِّدُ ؟ يؤكد نبوة النبي عليه الصلاة والسلام .
       فإذا قال النبي عليه الصلاة والسلام :
(( الأمانة غنىً  )) .
[الجامع الصغير عن أنس بسند ضعيف]
       فإذا كنت أميناً تغتني الغنى المادي ، لأنك إذا كنت أميناً وثِق الناس فيك ، وإذا وثِق الناس فيك فهذا أكبر رأس مالٍ تملكه ، إنه ثقة الناس فيك ، فإذا كنت أميناً وثق الناس فيك ، إذا كنت أميناً ، وأكرمك الله بالكفاية ، ورزق الحلال الوفير فهذه كرامة ، هذه كرامةٌ تؤكِّد نبوَّة النبي عليه الصلاة والسلام ، وإذا قال النبي عليه والسلام :
(( بَشِّر الزاني بالفقر ولو بعد حين)) .
[ورد في الأثر]
إن أيّ إنسان في أعلى درجات الغِنى اتّبعَ الزنا فافتقر ، هذا الفقر يؤكد نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :
((ما ترَك عبدٌ أمرًا لله إلا عوَّضه اللهُ خيراً منه في دينه ودنياه )) .
[الجامع الصغير عن ابن عمر بسند فيه مقال]
       فإذا تركت شيئاً لله ، والأمر يبدو لك صعباً ، والطُرُقْ كلُّها مسدودة ، سَدَّ الله عليك كل أبواب الحلال ، فُتِحَ لك باب كسبٍ حرام ، وأنت في أشد الحاجة لهذا المال ، أنت على أَحَرّ من الجمر لدرهمٍ واحد ، جاءك مالٌ وفير من طريقٍ مشبوه ، وطرق الحلال كلُّها مُغَلَّقة ، كُلَّما فتحتَ باباً أغلق ، كلما مشيت في طريقٍ سُدَّ هذا الطريق ، وقرأت هذا الحديث الشريف : ((ما ترَك عبدٌ أمرًا لله إلا عوَّضه اللهُ خيراً منه في دينه ودنياه )) ، فإذا صدَّقت كلام النبي ، وأنت إذا صدقت كلام النبي صدقت نبوَّته ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام :
 
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
( سورة النجم )
إذا صدقت كلام النبي عليه الصلاة والسلام ، وتركت هذا الشيء لله ، ولم تعبأ بضيقك المادِّي ، فإذا بك فجأةً بعد حينٍ من الزمن قد فتح الله لك باباً لم يكن في الحسبان ، هذه كرامة ، كرامةٌ لمن ؟ كرامةٌ لك ، لأنك تابعت النبي عليه الصلاة والسلام ، وهي تأكيدٌ لنبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، لذلك سيدنا سعد رضي الله عنه قال : << ثلاثةٌ أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس ، من هذه الأشياء الثلاثة : ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنَّه حقٌ من الله تعالى >> .
الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى عَلَمٌ من أعلام المسلمين ، الفقيه الأول ، العلماء جميعاً عالةٌ على هذا الفقيه الكبير ، حديثٌ شريفٌ واحد أجرى في حياته انعطافاً تاريخياً ، هذا الحديث النبوي الشريف :
((من طلب العلم تَكَفَّل الله له برزقه )) .
[ الجامع الصغير عن زياد بن الحارث الصدائي بسند فيه مقال ]
        بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يُيَسِّر له أعماله ، يرزقه رزقاً حلالاً طيباً بجهدٍ معقول ، بجهدٍ قليل ، بجهدٍ يتيح له أن يطلب العلم ، أن يتعلَّم العلم ، لذلك حديثٌ شريف ، يترك في نفس المؤمن أثراً طيباً ، إذاً لابدَّ من طلب العلم ، لكن من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا ، وأقرب مما اتقى .
       فلو أنَّ إنساناً حان وقت درس العلم ، حان وقت مجلس العلم ، فإذا شيءٌ يلوح له فيه كسب للمال ، لو أنه فرضاً ترك مجلس العلم ، ولحق هذا الكسب من المال ، ما قولك في أن هذا الكسب يضيع منه ، ويضيع منه مجلس العلم في وقتٍ واحد ، فإذا آثرت دنياك على آخرتك خسرت الدنيا والآخرة ، وإذا آثرت آخرتك على دنياك ربحتهما معاً ، هكذا النبي قال ((ما ترَك عبدٌ أمرًا لله إلا عوَّضه اللهُ خيراً منه في دينه ودنياه )) ، ومن ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا ، وأقرب مما اتقى  .
هذا رجل أكل المال الحرام ليعيش في بحبوحة ، إنه رجل أنشأ عملاً فيه معصية لله عزَّ وجل ، أنشأ داراً يعصى فيها الله عزَّ وجل ، أنشأها ، وربح منها أموالاً لا تُعَدُّ ولا تُحْصى ، وكان يخطط أنه إذا كبرت به السن وجد هذا المال الوفير ليقضي به حياته بشكلٍ رغيد ، فإذا بمرضٍ خبيث يداهمه في وقتٍ مبكرٍ جداً ، قال لي أحد تلامذتي ، وهو قريبٌ له ، وكان خاله : دخلت عليه فإذا هو يبكي ، قلت : يا خالي ما يبكيك ؟ قال : يا بُني ، جمعت هذا المال من أجل أن أستمتع به في خريف عمري ، لكن هذا المرض عاجلني .. ، فمن ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا ، وأقرب مما اتقى  .
طَبِّقوا هذا الحديث ، لا يمكن أن تبحث عن شيءٍ عن طريق معصيةٍ إلا فقدت هذا الشيء ، وسقطت من عين الله عزَّ وجل ، وإذا بحثت عن شيءٍ يُرضي الله عزَّ وجل رضي الله عنك ، وأرضى عنك الناس ، هكذا الحديث : كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِلَى مُعَاوِيَةَ سَلَامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
(( مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ )) .
[الترمذي]
        فلا نبتعد كثيراً ، لو أن إنساناً أرضى زوجته ، وأسخط ربَّه ، لابدَّ من أن يسخط عليه ربُّه ، ولا بدَّ من أن تسخط عليه زوجته ، لأنه أرضاها بسخط الله ، إذا أرضى شريكه على حساب دينه ، سيسخط الله عليه ، وسيسخط عليه شريكه ، فلذلك هذه الكرامة شيء رائع جداً ، الكرامة أنَّك إذا طَبَّقت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تقطف ثمارها يانعةً ، وقطف ثمارها كرامةٌ لك ، وكرامةٌ رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وتأكيدٌ لنبوَّته ، وتأكيدٌ لمعجزته .
      إذاً : الكرامة ليس فيها تَحَدٍّ ، وليس فيها إثبات نبوة ، والولي الذي يجري الله على يده هذه الكرامة ليس بالضرورة أن يكون معصوماً ، أما النبي حينما يجري الله على يديه معجزةً فلِيتحدَّى بها قومه ، وليثبت بها نبوته ، فهو بكل تأكيد معصومٌ من قِبَل الله عزَّ وجل .
 
 السِّحر :
 
وهناك شيءٌ ثالث يقودنا إليه الموضوع نفسه ؛ إنَّه السحر ، الساحر يركب متن الفسوق والعصيان ، الساحر فاجر ، الساحر عاصٍ ، والذي يأتي به لا علاقة له إطلاقاً لا بالكرامة ، ولا بالمعجزة ، إن الذي يأتي به من ضمنِ طاقة البشر ، ولكنه بشر له مهاراتٌ خاصة ، مهارات عالية جداً ، من ضمن طاقة البشر ، وطاقة الجن ، وطاقة الحيوان ، شيءٌ بإمكان المخلوق أن يفعله ، إنسياً كان أو جنياً أو حيواناً ، لكنَّ المعجزة شيءٌ يفوق طاقة البشر ، أمرٌ فيه خرقٌ لقوانين الكون ، يجريه الله على يدي النبي الكريم ليثبت بهذا الشيء نبوته للناس .
        إنَّ الذي ساقنا إلى هذا الموضوع هو أن هذا الكلام كلام الله ، قد نقرأه ، وقد نستفيد منه ، وقد نتبارك به ، وقد نعجب بآياته ، ولكن هل أنت مستعدٌ لهذا السؤال ؟
 
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ
 
ما الدليل على أن هذا الكلام كلام الله ؟ هل عندك دليل ؟ الحقيقة أن الآيات قد وردت في هذا الدرس :
 
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾
(سورة القصص)
         من جاءك بهذه الأخبار ؟ من تلا عليك هذه القصة ؟ من عرَّفك بما حدث مِن آلاف السنين ؟ جاءت وقائع هذه القصص مطابقةً للواقع ، لو أن هذه القصص من صُنْع النبي عليه الصلاة والسلام أو من تأليفه ، وعند أهل الكتاب الكتب والقصص وما شاكل ذلك لكذَّبوه فوراً :
 
﴿كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾
(سورة القصص)
 
 مراحل تحدي الله للناس بالإتيان بمثل القرآن :
 
       شيء آخر أيها الإخوة الأكارم ، كما قلت قبل قليل : ربنا عزَّ وجل جعل هذا القرآن مُعْجِزاً ، كما لا يستطيع إنسانٌ على وجه الأرض أن يجعل من العصا ثعباناً ، أو أن يجعل البحر طريقاً يَبَساً ، أو أن يجعل هذه النار المحرقة منطفئةً ، أو برداً وسلاماً على إبراهيم ، كما أنه لا يستطيع أي إنسان على وجه الأرض أن يصنع تلك المعجزات الحسية ، كذلك لا يستطيع إنسانٌ على وجه الأرض أن يأتي بمثل هذا الكتاب ، والدليل أن الله سبحانه وتعالى تحدَّى الناس جميعاً :
 
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾
(سورة الإسراء)
       الآية الأولى :
 
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ﴾
(سورة الطور)
       الآية الثانية ربنا عزَّ وجل خَفَّف عنهم فقال :
 
﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
(سورة هود)
        الآية الثالثة خفف أيضاً فقال سبحانه :
 
﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
(سورة يونس)
         الآية الرابعة أخطر ، قال عزوجل :
 
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾
(سورة البقرة )
       هذه ( لن ) لتأبيد النفي ، لا يستطيع أن يقولها إلا خالق الكون ، الإنسان يقول لك : أنا أغنى الناس الآن ، أما أن يقول إنسان : أنا أغنى الناس إلى الأبد ، فهذا مستحيل ، هذا ليس في طاقة البشر ، الإنسان يقول : أنا أقوى الناس اليوم ، أما أن ينفي أن يكون أحدٌ مثل قوته في المستقبل فهذا فوق طاقة البشر ، لكن الله سبحانه وتعالى قال :
 
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾
(سورة البقرة : آية 24)
       بهذا الكلام تحدَّى الله سبحانه وتعالى العرب ، وكانوا أعداء ، ألِدَّاء ، خصوماً ، معاندين ، وفعلوا كل شيء ليطفئوا رسالة النبي e ، فلو كان بمقدورهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، أو بِعَشْرِ سورٍ من مثله ، أو بسورةٍ واحدة لفعلوا .
        وإليك أقصر سورة في القرآن :
 
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ *إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾
(سورة الكوثر)
       هذه أقصر سورةٍ في القرآن الكريم ، ربنا سبحانه وتعالى تحدَّاهم أن يأتوا بسورةٍ واحدة ، ومع ذلك ما استطاعوا ، إذاً أكبر دليلٍ على أن هذا الكلام كلام الله هو إعجازه ، إعجازه بحثٌ طويل ، وأتمنى على كلٍ منكم أن يفكِّر في هذا الموضوع ، لأنه حينما يُفَكِّر في هذا الموضوع ، ويمتلك الدليل القطعي على أن هذا الكلام كلام الله عندئذٍ يجد نفسه يطبِّق أمره ، وينتهي عما عنه نهى ، تماماً كما لو وضع في كفة خمسة كيلو ، والكفة الثانية فيها خمسة غرامات من معلومات وقناعات لديك ، هي غير متحرِّكة ، عندك شيء من القناعات الخفيفة ، عندك معلومات بسيطة تلقيتَها من المُعَلِّمين في المرحلة الابتدائية ، سمعت بعض الخُطَب ، سمعت بعض الدروس ، هذه كلها غرامات لا تستطيع أن تقف في وجه هذه الشهوات التي رمزنا إليها بقوة خمسة كيلوات ، فكلما تأمَّلت ، كلما تعمَّقت ، كلما درست ، كلما بحثت ، كلما ناقشت ، كلما بحثت عن الدليل نَمَتْ معلوماتك ، ونما إيمانك ، وازداد هذا الوزن ، فإذا كنتَ في بعض اللَّحظات تقف في طريق الشهوات ترتدع ، وتستعمل المكابح ، لأن هذا طريق الهلاك ، فكلما نَمَتْ قناعات الإنسان انعكس هذا على سلوكه ، كلما عرف الله أكثر أطاعه أكثر ، لأنأرْجحَكم عقلاً أشدُّكم لله حبًّا .
 
 الواقع شاهد  على صدق القرآن :
 
       بعض الأدلة على أن هذا الكلام كلام الله ، الأدلة كثيرة جداً ، فهذا الموضوع يحتاج إلى سنوات ، عندنا إعجاز في مضمونه ، هناك إعجاز تشريعي ، كحكمِ قطع يدِ السارق ، قبل أن نناقش الأمر مناقشة نظرية ، في بعض البلاد المتقدمة بمقياس العصر في كل ثلاثين ثانية ، وهذا رقم قرأته قبل عشر سنوات تقريباً ، وهو إحصاء قديم ، في كل ثلاثين ثانية ترتكب جريمة قتلٍ أو سرقةٍ أو اغتصاب ، هذا إحصاء في عام واحد في بعض هذه البلاد المتقدمة بمقياس العصر ، لا أقول : متقدمة إطلاقاً ، قد تكون متأخرة جداً ، لكن أقول : متقدمة بمقياس العصر ، في بعض هذه البلاد جرى إحصاءٌ لعامٍ واحد فقط ، تمَّ إحصاء ستة عشر مليون سرقة وقعت في عام واحد ، وفي بلاد أخرى تطبِّق قانون قطع اليد ، ترى العجب العجاب ، ترى شيئاً لا يصدَّق ، ترى الأموال الطائلة توضع في أكياس على الشاحنات ، وتنقَل من محافظة إلى محافظة .
فكما سُئل الإمام الشافعي:
يدٌ بعشر مئينٍ عسجدٍ وُدِيَتْ     ما بالها قطعت في ربع دينارٍ ؟
***
      ديتها عشر مئات من الدنانير الذهبية ، إذا قُطعت خطأً في حادث، فأجاب الإمام الشافعي فقال :
عزُّ الأمانة أغلاها ، وأرخصها    ذُلُّ الخيانة فافهم حكمة الباري
***
لما كانت أمينة كانت ثمينة ، فلما خانت هانت .
      هذا إعجاز تشريعي ، العالم بأنظمته الوَضْعِيَّة ، بمشرِّعيه ، بحقوقييه ، بأذكيائه ، بقادته ما اهتدوا إلى أن قطع يد السارق ينشر الأمن في البلاد ، لأن قطع يد السارق بمنزلة التطعيم ، إذا رأى طفلٌ صغير يداً مقطوعةً معلَّقة ، وسأل أباه : ما هذا يا أبتِ ؟ وقال له أبوه : يا بني ، هذا إنسان سرق فقطعت يده ، فإن كراهية السرقة تسري في دم هذا الصغير ، ويصبح المجتمع آمنًا .
         أخطر شيء في المجتمع العدوان على المال وعلى العرض ، لذلك أكثر الجرائم سببها عدوان على الأعراض ، أو عدوان على الأموال ، هذا الكلام كلام الله عزَّ وجل ، مِن عند حكيمٍ عليم ، فصَّلَ تفصيلات دقيقة في كسب المال ، حرَّم الربا ، وأباح البيع ، حرَّم الغش ، وحرم التدليس ، وحرم الغرر ، وحرم الغَبن ، وربنا عزَّ وجل في آيات كثيرة ، والنبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة وضَّح كلَّ شيء في موضوع كسب المال ، وأمر بغضِّ البصر ، وأمر بالزواج ، ونهى عن السفاح ، وأمر بالاستئذان ، ومنع الخلوة ، من أجل صون العرض ، فلذلك في القرآن إعجاز تشريعي .
        إنّ ما يعانيه الغرب الآن من هذا المرض العضال ، مرض الإيدز معلومٌ لدى الجميع ، بينما في المجتمعات المسلمة النظيفة العفيفة ـ والحمد لله ـ الناس في خير ، وفي طُمأنينة ، وفي دَعَة ، هذا المرض الخطير ، هذا الشبح الخطير بعيدٌ جداً عن بلادنا ـ والحمد لله رب العالمين ـ بفضل هذه النظافة الأخلاقية ، بفضل هذا النظام ، هذا المنهج ، هذا الزواج الشرعي ، وهذا البُعد عن كل انحرافٍ خطير .
 
تشريعات المعاملات في القرآن حكمة بالغة :
 
       إذاً : في هذا الكتاب إعجاز تشريعي ، علماء القانون في العالم ، المُشَرِّعون في العالم حديثاً وقديماً ، القانون الروماني ، قانون حَمورابي ،  قانون بلاد الفراعنة ، ما اهتدوا إلى هذا التشريع ، تشريع الزواج ، تشريع الطلاق ، تشريع تعَدُد الزوجات ، في مثل أيام الحروب وأيام الكوارث ، تشريع المواريث ، هل يعقل أن تضغط هذه القوانين المتناهية في التشعيب بآيات عدة في القرآن الكريم ؟ إذاً يمكن أن نقول : في القرآن إعجاز تشريعي ، في ما جاء به من نظام ، وغضّ البصر .
       قرأت كتاباً ألَّفه رجل من بلاد الغرب اسمه ألكسي كاريل ، عنوانه : ( الإنسان ذلك المجهول ) .. قرأت في هذا الكتاب جملة أدهشتني ، هذا الكاتب بتأمُّلاته ، وتصوراته ، وبحثه عن الحقيقة اهتدى إلى أن خير نظام للحياة الاجتماعية أن يقصر الرجل طرفه على زوجةٍ واحدة ، أن يقصر طرفه ، ولم يقل : أن يبقى على زوجة واحدة ، أي أن يغض بصره ، ولم يقل : الله عزَّ وجل قال :
 
 
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
(سورة النور : آية 30)
       هذه مدرسة ، كيف أن الله سبحانه وتعالى ضماناً للسعادة الزوجية ، وضماناً لهذا الإلف بين الزوجين ، وضماناً لسلامة هذا العش الزوجي ، أمر بغض البصر ، وكل من يغضُّ بصره يعرف الثمرة ، أولاً : يشعر أنه مع الله دائماً ،  لأن من غضَّ بصره عن محارم الله أورثه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه ، فإذا كنت في الصلاة فأنت تصلِّي في اليوم خمس مرات ، بينما أنت في موضوع غض البصر تتصل بالله في كل يوم آلاف المرات ، كلَّما مرَّت أمامك امرأةٌ سافرةٌ متهتكةٌ ، بدافعٍ مما أودعه الله فيك من شهوات يجب أن تنظر إليها ، فإذا خِفْتَ مقام ربك ، ونهيت النفس عن الهوى تشعر بهذا القرب من الله عزَّ وجل ، والمكافأة في البيت حينما يوفِّر الله لك مع أهلك سعادةً ، حينما يبثّ في روع أهلك محبتك ، وحينما يبث في رُوعك محبتهم ، بفضل غض البصر ، ففي القرآن إعجاز تشريعي ، وتكفينا هذه الآية :
 
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
(سورة الإسراء : آية 9 )
       هذا كلام مطلق ، والمطلق على إطلاقه .
 
﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾
      أقوم في حياتك الزوجية ، وأقوم في حياتك الاجتماعية ، وأقوم في حياتك التجارية ، وفي حياتك الوظيفية ، وفي حياتك الجسدية ، وكلَّما طبَّقت آيات القرآن قطفت ثماره فوراً ، هذا إعجاز تشريعي .
      والله الذي لا إله إلا إن موضوع الإعجاز التشريعي يمكن أن يُمضي فيه الإنسان سنوات ، فإذا وازن بين هذا التشريع العظيم والتشريعات الوضعية ، فالمال كلُّه لأكبر الأولاد عند بعض التشريعات الوضعية ، ونصف المال للزوجة حين الطلاق ، شيءٌ مخيف ، لذلك يهجرها ، ولا يطلِّقها ، إنسان كد وعمل حتى جَمَّع أموالاً طائلة ، والمال شقيق الروح كما يقولون ، لذلك إذا أراد أن يطلِّق امرأته تأخذ نصف ماله ، فالأفضل عنده أن يهجرها ، ويبقيها معلَّقةً بلا تطليق .
        إذاً : في القرآن إعجاز تشريعي ، أنا لا أستقصي الآن ، هذا الدرس لا يحتمل استقصاء ، أضرب بعض الأمثلة ، في القرآن إعجاز علمي .
 
صورٌ من إعجاز القرآن العلمي :
 
1 – الحوين المنوي :
        الآن قد كشفوا أن الذي يحدد نوع الجنين هو الحوين المنوي ، وليس البويضة ، فهناك موَرِّثات ثلاثة وعشرين زوجاً ، آخر زوج إما على شكل " X  " أو " y " في الحوين المنوي ، قال ربنا عزَّ وجل :
 
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾
(سورة النجم)
      من نطفة لا من بويضة .
2 – وكل في فلك يسبحون :
وأشار القرآن إلى أن كل شيء يتحرَّك ، لذلك بدءاً من الذرة وانتهاءً بالمجرة :
 
﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾
(سورة يس)
3 – دوران الأرض :
       أشار إلى دورة الأرض حول نفسها فقال :
 
﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾
(سورة النمل : آية 88)
4 – ارتفاع الضغط بالارتفاع إلى السماء :
      من صعد في عهد النبي e إلى السماء وشعر بقلة الضغط ، وشعر بأن دمه يكاد أن ينفجر !؟ هذا شيء ما عرفه الإنسان إلا بعد أن ركب الطائرة :
 
﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾
(سورة الأنعام : آية 125)
5 – الحاجز بين البحرين :
        ففي كتاب الله إشارات علمية كثيرة جداً كُشِفَت وعُرِفَتْ الآن :
 
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
(سورة الرحمن)
        علماء البحار الآن اكشفوا أن بين كل بحرين برزخًا ، حاجزًا وهميًّا ، يمنع اختلاط البحرين ، لكلِّ بحرٍ ملوحته ، وكثافته ، وحرارته ومكوِّناته ، ولا يختلط هذا بهذا ، وكذلك لكل بحر لونه ، إذا ركبنا الفضاء ، أو ركبنا المركبات الفضائية أو الطائرات رأينا بين البحر الأحمر والخليج ، والبحر العربي خَطًّا ، وبين البحر الأسود والأبيض كذلك ترى خطاً ، وبين الأطلسي والمتوسط تجد خطاً أيضاً .
 
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾
      البرزخ ، والذرة ، والحوين ، والشمس .
 
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾
(سورة يس : آية 38)
 
إذا كان هذا هو القرآن فلماذا أنتم عنه معرضون ؟!
   
    من رأى هذه الحقيقة ؟ لم تُرَ إلا في العصور المتأخِّرة ، هذا إعجاز علمي ، والحديث عن إعجاز القرآن العلمي حديثٌ طويلٌ جداً لا يكفيه أشهرٌ ، وإن شاء الله تعالى في درسٍ قادم نتابع بعض هذه الألوان من إعجاز كلام الله عزَّ وجل ، حتى نتثبت ، ونعلم أن هذا الكلام كلام الله ، فإذا جاءك خاطب لابنتك وكان دِينُه رقيقًا ، وجاءك خاطب آخر ، وهو مؤمن ، فإذا كنت مؤمناً بهذا الكلام أنه من عند خالق الكون فلابدَّ أن تأتمر بأمر الله عزَّ وجل وبنصيحته .
 
﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾
(سورة البقرة : آية 221)
        أما إذا كنت لا تعلم أن هذا الكلام كلام الله فإنك عندئذٍ تبحث عن الغنى ، وعن الشكل ، وعن المال ، وما شاكل ذلك .
 
والحمد لله رب العالمين
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب