سورة البقرة 002 - الدرس (48): تفسير الآيات (142 - 147) الدين الإسلامي هو دين الوسطية

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة البقرة 002 - الدرس (48): تفسير الآيات (142 - 147) الدين الإسلامي هو دين الوسطية

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة البقرة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة البقرة - تفسيرالآيات:: (142 - 147) - الدين الإسلامي هو دين الوسطية

20/03/2011 18:27:00

سورة البقرة (002)
الدرس (48)
تفسير الآية: (142 ـ 147)
الدين الإسلامي هو دين الوسطية
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس الثامن والأربعين من دروس سورة البقرة .
 الله سبحانه وتعالى حينما كلَّف الإنسان حمل الأمانة جعله مخيراً :
 
مع الآية الثانية والأربعين بعد المئة وهي قوله تعالى  :
﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) ﴾ .
أيها الأخوة الكرام ، في هذه الآية نقاطٌ كثيرة ، من أبرز هذه النقاط أن الله سبحانه وتعالى حينما كلَّف الإنسان حمل الأمانة جعله مخيراً :
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ .
( سورة البقرة الآية : 148 ) .
 وقال :
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) .
( سورة الكهف)
وقال :
﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ .
( سورة الأنعام)
تؤكد هذه الآيات كلها أن الإنسان مخيَّر ، وإذا سعد الإنسان بهذا الاختيار فلأن الله شاء له أن يختار ، إذا اختار طاعة الله عز وجل والتقرب منه استحق دخول الجنة .
 الإنسان مخير في حدود ما كُلِّف :
 
لولا أن الله سمح له أو أذن له أن يكون مختاراً لما اختار ، وهذا معنى قوله تعالى  :
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ .
 ( سورة التكوير ) .
لولا أن الله شاء الله لكم أن تكونوا أصحاب مشيئةً حرة لما شئتم ، إذاً لأن الإنسان حمل الأمانة ، وكلف طاعة الله عز وجل ، كان مخيراً من أجل أن يثمن عمله ، ولكن الله طليق الإرادة ، أي شيءٍ يعطيك إيَّاه  يأخذه منك في أية لحظةٍ ، فالإنسان في الأساس مسير حينما يولد ، مسير في أمه وأبيه ، وعصره وزمانه ، ومكانه وقدراته ، وما إلى ذلك مما ليس له اختيارٌ فيه ، وهذه الأشياء التي سُيِّرت فيها هي أكمل شيءٍ إليك ، ليس في إمكانك أبدعُ مما أعطاك ، ثم أنت مخيَّر في حدود ما كُلِّفت .
أنت مخير في دائرة التكليف افعل ولا تفعل ، أمرك أن تصلي ، بإمكانك أن تصلي وأن لا تصلي ، أمرك أن تكون صادقاً ، بإمكانك أن تصدق أو أن تكذب ، أمرك أن تغض البصر ، بإمكانك أن تغض وأن تطلق ، أنت مخير في حدود ما كلفت ، ولكن ولأن الله رب العالمين ، من أجل أن يربيك تربيةً تقيك دخول النار ، لو أنك اخترت اختياراً غير صحيح لأدبك الله عز وجل .
 مع التأديب يُسْلَب الإنسان اختياره ليؤدَّب أو ليكافأ :
 
كيف يؤدبك الله ؟ يأخذ من كل ذي لبٍ لبَّه ، ثم يسوقه إلى مصيبة ، أنت الآن مسيرٌ ، مسيرٌ بدفع ثمن اختيارك ، فكنت مسيراً حينما ولدت ، من قبل أمك وأبيك ، فكونك ابن فلانة وابن فلان ، أنت فيهما مسيراً ، وولدت في دمشق مثلاً ، وفي عام كذا ، أنت فيه مسير ، وقدراتك كذا وكذا أنت فيه مسير ، ثم حُمِّلْتَ الأمانة ، وحملت أن تكون مخيراً فيما كلفت ، حينما تستخدم هذا الاختيار بشكلٍ غير صحيح يأتي التأديب رحمةً بك ، مع التأديب يُسْلَب الإنسان اختياره ليؤدَّب أو ليكافأ ، وهذا هو معنى قول النبي الكريم :
((  إن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه )) .
[الجامع الصغير عن ابن عباس]
لماذا حولت القبلة الآن من مكة المكرمة إلى بيت المقدس ؟ لأن قريش قالت : هذه الكعبة ليست بيت الله إنها بيتنا وبيت آبائنا وأجدادنا . والأصنام من حول الكعبة ، فلحكمةٍ أرادها الله عز وجل أمر بتحول القبلة من مكة المكرمة إلى بيت المقدس .
وقال اليهود : يعارض ديننا ويتَّجه إلى قبلتنا . أراد الله عز وجلأن يكون الإسلام شاملاً لكل الأديان ، فتوجه إلى بيت الله الحرام :
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ .
( سورة آل عمران ) .
ثم أمر بالتوجه إلى بيت المقدس ، المكان الذي جاءت فيه نبَّوات سيدنا موسى وعيسى ، ثم حولت القبلة إلى مكة المكرمة ثانيةً ، فهؤلاء الذين رأوا أن القبلة حولت من مكان إلى مكان ، هم عند الله سُفَهاء ، علم الله عز وجل أنهم سيقولون ، قال :
     
﴿ سَيَقُولُ (142) ﴾ .
حينما نزلت هذه الآية هل قالوا ؟ لم يقولوا ، السين للاستقبال :
     
﴿ سَيَقُولُ (142) ﴾ .
هؤلاء الذين سيقولون وصفهم الله عز وجل بأنهم سفهاء .
 
تعريف السفيه :
 
من هو السفيه ؟ السفيه هو الذي يبدد ماله أو قدراته بلا جدوى . أوضح مثل لو أن إنساناً أمسك ألف ليرة وأحرقها أمامك بلا سبب ، وبلا هدف هو سفيه ، وأنا مضطر أن أسوق الموضوع إلى فرع ثم أعود إلى أصل الموضوع ، مُرَكَّب في الإنسان أن الوقت أثمن من المال ، بدليل أن الذي ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ يصاب بمرضٍ عضال ، وهناك عملية جراحيةٌ في بلدٍ بعيد ، ربما أمدت في عمره بحسب قول الأطباء سنواتٍ معدودات ، يبيع بيته وكل ما يملك ليجري هذه العملية التي يأمل أن يعيش من خلالها سنواتٍ معدودات ، ما معنى ذلك ؟ أن الوقت أثمن من المال ، فالذي يُبدد المال يُتَّهم بالسفه ، والذي يبدد الوقت هو أشد سفاهةً .
هذا الذي يجلس يُمضي ساعاتٍ وساعات وراء المسلسلات التي لا طائل منها ، هذا الذي يمضي ساعاتٍ وساعات في حديثٍ فارغٍ لا جدوى منه ، هذا الذي يمضي ساعاتٍ وساعات في لعب النَرد ، هذا يُعَدُّ أشد سفهاً من الذي يبدد المال لأنه يبدد الوقت الذي هو أثمن من المال ، السفيه إنسان غير عاقل ، إنسان يتلف الجوهر ويبحث عن الفحم ، يُهمل اللؤلؤ ويأخذ الأصداف ، السفيه لا يلتفت إلى النفيس ويتَّجه إلى الخسيس ، هذا هو السفيه .
ثم إن الإنسان حينما يرفض شيئاً يعبِّر عن احتقاره له ، إن رفض بيتاً فلأنه صغير ، أو لأنه في منطقةٍ ليست مناسبة ، أو لأن اتجاهه نحو الشمال ، إن رفضت عملاً فلأن دخله قليل ، إن رفضت فتاةً لأن أخلاقها لا تُعجبك ، إنك حينما ترفض تحتقر هذا المرفوض ، إلا في شيءٍ واحد حينما ترفض الدين فإنك تحتقر نفسك :
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾
( سورة البقرة)
السفيه هو الذي يردُّ النفيس ليأخذ الخسيس ، هو الذي يرد الثمين ليأخذ الرخيص، هو الذي يزهد في الآخرة ليأخذ الدنيا الفانية هذا سفيه ، وكل إنسانٍ ما عرف الله سفيه ولو كان أذكى الأذكياء ولو حمل أعلى الدرجات ، السفاهةُ أن تعرض عن النفيس وتتبع الخسيس .
 إذا كان الإنسان مع الشيطان فهمُّه الانتقاد :
 
هؤلاء الذي أشركوا ، والذين ابتعدوا عن الله ، والذين شردوا عنه ، والذين غرقوا في المعاصي والآثام ، هؤلاء عند الله سفهاء ، والسفيه دائماً يعترض ، وينتقد ، ويطعن . اجلس في أي مجلس تجد أن همّ الناس الوحيد أن يطعنوا في الدعاة إلى الله ، أن يطعنوا بالمؤمنين ، ليس له هم إلا الطعن ، لأنه حينما يطعن يتوهم أنه يستعيد توازنه ، هو حينما خرج عن منهج الله ، وحينما عصى الله عز وجل ، وخالف قوانين فطرته اختل توازنه الداخلي ، فحينما يتَّهم المؤمنين الصادقين باتهاماتٍ باطلةٍ لا أصل لها هو يستعيد توازنه ، فهؤلاء السفهاء رأوا أن القبلة تحوَّلت من مكة المكرمة إلى بيت المقدس ثم إلى مكة المكرمة :
     
﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا (142) ﴾ .
لماذا رجعوا إلى مكة المكرَّمة ؟ بربكم لو أن هؤلاء الناس الذين وصفوا بأنهم سفهاء ، وأنهم سيقولون كذا وكذا ، لو أنهم سكتوا ماذا فعلوا ؟ لو سكتوا لأبطلوا القرآن ، من أجل أن تعلم أن إرادة الله طليقة ، يفعل ما يشاء ، وصفهم الله مُسبقاً بأنهم سفهاء ، وأنهم سوف يقولون كذا وكذا ، وبالفعل هكذا قالوا :
    
﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا (142) ﴾ .
إذا كان الإنسان مع الشيطان يكون همُّه الانتقاد ، لسانه لا يفتر ، ينتقد دائماً ، يجد متعةً في النقد ، عمل تخريبي ، عمل شيطاني ، عمل فيه أذى ، ليس له همٌّ ثان إلا أن ينتقد زيداً وعبيداً وفلاناً وعلاناً ، هو لا يقدم شيئاً ولايفعل شيئاً ، هذا النموذج قذر ، مُنحط ، نموذج يكرهه الله عز وجل ، ماذا قدَّمت ؟ لا يقدِّم شيئاً ، ينتقد كل شيء ، من هذا القبيل  :
     
﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ (142) ﴾ .
 ليس هناك مكان مقدس لذاته إلا أن يقدَّسه الله عز وجل :
 
ليس هناك مكان مقدَّس لذاته ـ هذه نقطة مهمة جداً ـ ليس هناك مكان مقدس لذاته إلا أن يقدَّسه الله عز وجل ، فالله عز وجل أمر الإنسان وهو سيِّد المخلوقات أن يقبِّل الحجر الأسود ، والتسلسل كما تعلمون ؛ جماد ، نبات ، حيوان ، إنسان . أمر الله أشرف مخلوق أن يقبل أقل مخلوقٍ رتبةً ، وفي منسكٍ آخر أمره أن يرجم حجراً في الجمرات التي هي رمزٌ لإبليس ، لا يوجد مكان مقدس ، الله عز وجل يقدس الشيء أو يهدر كرامة الشيء ، ولذلك سواء توجَّه المسلمون إلى بيت المقدس ، أم إلى مكة المكرمة ، هم يتوجَّهون إلى الله عز وجل ، وليس هناك مكان مقدس في ذاته .
     
﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) ﴾ .
يهديه الله عز وجل إلى طريقٍ مختصر ، المستقيم هو أقصر طريق بين نقطتين ، يهدي من يشاء مرضاة الله عز وجل ، من يشاء رحمة الله ، من يشاء محبة الله ، من يشاء الفوز بالجنة والنجاة من النار  .
     
﴿ مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) ﴾ .
أيها الأخوة ، لو أن الله عز وجل قال : تحوَّلوا عن مكة المكرمة للعلة الفلانية ، وتوجهوا إلى بيت المقدس للعلة الفلانية ، هذا الأمر فقد قيمته التعبُّدية ، حينما أعطيك أمراً لمصلحتك الواضحة الصارخة أقول لك : افعل كذا من أجل كذا . أنت تقبل على تنفيذ هذا الأمر ، لا حباً بالآمر ، ولكن حباً بذاتك ، فقد الأمر قيمته المعنوية ، وقيمته التعبُّدية . يقول لك أحدهم : أنا أصلي لأنني قرأت مقالة أن الصلاة فيها رياضة . ليس له أجر فيها ، ولا قيمة لهذه الصلاة إطلاقاً ، أو أن يقول : أنا أصوم لأنني شعرت أن الصيام أريح لجسمي ، أحس براحة ، أحس بخفة ، وأجد أمعائي تحسنت ، ونشاطي ازداد ، فأنا أصوم والحمد لله . هذا ليس صيام تعبُّد ، هذا صيام رجيم ، هذا صيام مصلحة .
لو أن الأمر الإلهي جاء معللاً لفقد قيمته التعبُّدية ، توجَّهوا إلى بيت المقدس للعلة الفلانية ، توجهوا إلى مكة المكرمة للعلة الفلانية ، إلهٌ عظيم يحب أن يرى انصياعنا لأمره ، لذلك قال علماء الأصول : علة كل أمرٍ أنه أمر .
 أمر الله هو المقدس :
 
لا أنسى هذا الموقف الذي وقفه إنسان غربي أسلم بعمق ، حين التقى بعالمٍ من علماء دمشق ، وطرح موضوع لحم الخنزير ، وهذا العالم أفَاض وأفاضَ ، وشرح وأطال وأطنب في مضار لحم الخنزير ، فابتسم هذا الإنسان الغربي المسلم وقال : كان يكفيك يا أستاذ أن تقول لي إن الله حرمه . يكفي ، كلام الله ، إلهٌ عظيم هو العلم ، والخبرة ، والرحمة، والحكمة ، هو الخالق ، يقول لك : لا تفعل هذا . انتهى الأمر .
    
﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) ﴾ .
ليس للأمكنة قداسةٌ بذاتها ، إلا أن يأمرك الله أن تشد الرحال إليها ، أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحيٌ يوحى ، أن نشُدَّ الرحال إلى مكة المكرمة ، وإلى بيت المقدس ، وإلى المدينة المنورة :
((  لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى  )) .
[البخاري عن أبي هريرة]
نرجو الله سبحانه وتعالى أن يتاح لنا في القريب العاجل أن نزور المسجد الأقصى. لا يوجد مكان مقدس في ذاته أمرنا الله عز وجل أن نشُد الرحال إليه ، فالتقديس هو لأمر الله ، أمر الله هو المقدس ، قال الله عز وجل : دعوا مكة لأن قريشاً يقولون إنها بيتنا وليست بيت الله ، إنه بيتنا وبيت آبائنا وأجدادنا . وفيها ما لا يحصى من الأصنام ، لذلك قال الله عزَّ وجل : دعوا مكة المكرمة واتجهوا إلى بيت المقدس ، ولعل في هذا الاتجاه الجديد حكمةً بالغة ذلك أن الإسلام هو خاتم الأديان ، أو خاتم الشرائع إن صح التعبير ، وأن هذا الدينيستوعب كل الشرائع السابقة ، فلذلك نحن نقدس بيت الله الحرام ، ونقدس بيت المقدس الذي هو مهبط الرسالات السماوية ، ومسرى نبينا عليه الصلاة والسلام .
لكن هذه الآية فيها إعجاز ، أي أن الله عز وجل طليق الإرادة ، وفي أية لحظةٍ يسلب ما أعطاك إياه ، فلو فكر هؤلاء الناس السفهاء لحظةٍ ، هم وصفوا بأنهم سفهاء ، وسوف يقولون كذا وكذا ، لو سكتوا لأبطلوا القرآن ، ولكنهم لا يستطيعون .
 
مخاطبة الله عز وجل الأمة العربية :
 
قال تعالى :
     
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾ .
يخاطب الله الأمة العربية  :
     
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾ .
هذا الموضوع يحتاج إلى بعض التفصيل ، أمةً وسطاً أي وسطاء بين الله وخلقه ، وهذا تكريمٌ عظيم :
﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(104) ﴾
( سورة آل عمران : 104)
وقال :
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ .
( سورة آل عمران الآية : 110 ) .
من أدق معاني كلمة ﴿ كُنْتُمْ ﴾ في هذه الآية ، أي أن كلمة " كنتم " في هذه الآية تعني أصبحتم ، أي عندما جاءتكم هذه الرسالة على رسول منكم من هذه الأمة العربية .
 علة الخيرية :
 
قال تعالى :
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ .
( سورة آل عمران الآية : 110 ) .
عِلَّة الخيرية أنكم :
﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ .
( سورة آل عمران الآية : 110 ) .
لو أن هذه الأمة تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعادت بشراً ممن خلق الله عز وجل  :
﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
(سورة المائدة : من آية " 18 " )
 أشرف مرتبة تنالها الأمة العربية أنها أمة وسط :
 
حينما نعصي ، وحينما يهون أمر الله علينا ، نهون على الله ، وهذا ما ترونه وكأن الله تخلَّى عنا ، لأن أمر الله هان علينافهنا على الله :
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾ .
( سورة مريم ) .
وقال :
     
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾ .
أي أنتم وسطاء بين الله وبين خلقه :
﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(151)فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (152) ﴾ .
( سورة البقرة )
فَاذْكُرُونِي أي أنتم وسطاء ، أي كما هديتكم كونوا هداةً للخلق ، وهذه أشرف مرتبة تنالها الأمة العربية ، أن الله سبحانه وتعالى أنزل كتابه بلسانٍ عربيٍ مبين ، وجعل هذه الأمة وسطاً ، أو وسطاء بين الله وبين خلقه ، لـذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا سلمان الفارسي :
(( يَا سَلْمَانُ لا تَبْغَضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَأَبْغَضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ ؟ قَالَ : تَبْغَضُ الْعَرَبَ فَتَبْغَضُنِي )) .
[الترمذي عن سلمان]
 ديننا يأمرنا أن نعيش الواقع بقيَمٍ مثالية :
 
يجب أن لا يسترسل الإنسان في تعداد مثالب هذه الأمة ، ليس هذا مقبولاً عند الله نرجو الله أن يصلح الناس جميعاً ، وأن نكون وسطاء لله بين الله وبين خلقه ، وأن نعيد لهذه الأمة مجدها ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام جاء في الجاهلية إلى أمة كانت تأكل الميتة ، وتعبد الأصنام ، وتسيء الجوار ، وتقطع الرحم ، وتكذب ، وهي غارقة في الخمور والربا ، وغارقة في الزنا ، كانت عشر أنواع من الانحرافات في الزواج متفشية فيها ، كما قال سيدنا جعفر : " كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه ، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده ، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء " .
إذاً أمةً وسطاً ، أي وسطاء بين الله وببن خلقه . تحدثت في خطبةٍ قديمة عن الوسطية في الإسلام ، وهو موضوع دقيق جديد جدَّاً ، ومفصَّل ، ومبوَّب ، أرجو أن تعودوا إليهالوسطية في الإسلام .
     
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾ .
هناك أممٌ آمنت بآلهةٍ متعددة ، وهناك أممٌ أنكرت وجود الله ، ونحن المسلمون آمنا بلا إله إلا الله :
     
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾ .
هناك أممٌ غرِقت في المادة إلى قمة رأسها ، وهناك أممٌ عاشت مثاليةً خياليةً غير واقعية ، هؤلاء تطرَّفوا ، وهؤلاء تطرَّفوا ، أما نحن والحمد لله فديننا دين الواقع ، ودين الفطرة ، بل إن ديننا يأمرنا أن نعيش الواقع بقيَمٍ مثالية ، قال عليه الصلاة والسلام :
((  أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي  )) .
[البخاري عن أنس بن مالك]
 
ديننا دين الفطرة والوسطية :
 
نحن ديننا دين الفطرة ، دين الوسطية ، الإنسان مأمور أن يعبد الله وأن يسعى لرزق يومه ، ما من شهوةٍ أودعها الله فينا إلا فتح لها قناةً نظيفة تسري خلالها ، دين وسطي، الأمة التي تطرفت عادت الآن إلى وسطية الإسلام بضغط من الواقع ، عادت شعوب الإسلام الآن مُكرهةً . الأمةٌ التي تطرفت عادت الآن إلى وسطية الإسلام بضغطٍ من الواقع السيئ الذي نتج عن هذا التطرُّف ، لا عن تعبُّدٍ ولكن عن رجوعٍ إلى مصالحها .
مثلاً الاتحاد السوفيتي حرم الخمر قبل أن ينهار ، كثير من القوانين الآن تصدر مطابقة لتعليمات الشرع ، مثلاً منعت بعض الجامعات في أمريكا الاختلاط ، لأنهم وجدوا أن عدد اللقطاء في الحدائق أصبح لا حدود له ، فحرمت الاختلاط ، سمعت أن بعض البلاد في أوروبا حرَّمت الخمر ، الخمر مثلاً محرم في السويد ، لا يستطيع الإنسان هناك أن يشرب الخمر إطلاقاً إلى أن يذهب إلى الدنمارك ، فالآن الشعوب المتطرفة يميناً أو يساراً عادت إلى الإسلام لا عن تعبُّدٍ ، ولا عن طاعةٍ لله ، ولكن عن مصلحةٍ ، فديننا دين وسطي بين تعدد الآلهة وبين إنكار الآلهة ، بين إنكار النبوة أو بين أن يتهم الأنبياء كما في العهد القديم بالفسق والفجور والزنا وما إلى ذلك ، أنبياؤنا عبادٌ مكرَّمون :
﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33)﴾ .
( سورة آل عمران )
 بعض معاني الوسطية :
 
هناك من لا يعمل وهو زاهدٌ في الدنيا ، وهناك من يعمل وينسى كل شيء ، نحن أُمرنا أن نعمل وأن نعبد الله وأن نصلي خمس صلواتٍ كل يوم ، في أي موضوع وصفه الإسلام كان وسطياً ، إذا ضربك إنسان على خدك الأيمن ، في بعض الأديان يجب أن تدير له خدك الأيسر ليضربك عليه صفعةً ثانية ، ولكن الله عز وجل قال :
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(40) ﴾
(سورة الشورى)
هناك وسطية ، لو عدتم إلى هذه الخطبة الوسطية في الإسلام لوجدتم فيها كل شيء ، بحث مطوَّل جداً :
     
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾ .
وسطاء من جهة ، والوسط دائماً مركز الدائرة ، المركز في الوسط والمحيط يساوي الأطراف ، فالإسلام في الوسط ، مكان تقاطع الأفكار ، لا يوجد تقاطع في التطرف ، أما الوسط فيه تقاطع ، هذا المعنى رياضي أيضاً ، الشمس لا تكون في أشد سطوعٍ إلا وهي في وسط النهار ، فالوسط اعتدال ، والوسط قوة ، والوسط عَدْل ، والوسط توسط بين شيئين متطرفين ، هذه كلها من معاني الوسطية :
     
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾ .
 ديننا دين متوازن :
 
ديننا متوازن ، بين عدم الزواج كلياً ، وبين الزنا من دون قيد أو شرط ، لدينا زواج،وفي حالات خاصة مسموح بثانية وثالثة ورابعة :
     
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾ .
ترك العمل تطرُّف ، والانغماس بالعمل تطرف :
    
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾ .
وقال :
 رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ (37) ﴾
(سورة النور)
وقال :
     
﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (143)﴾ .
 
تشهدون لهم الحق :
    
﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (143)﴾ .
 أعظم داعية هو الذي يتكلم من خبرات يعيشها :
 
أرسل الله عز وجل هذا النبي الكريم الذي هو سيِّد الأنبياء والمرسلين لهذه الأمة المباركة ، وكلَّف هذه الأمة كما أن النبي شهد لها بالحق أن تشهد للناس بالحق . الذي يرى ويتكلم عما رأته عينه يكون كلامه بليغاً جداً ، أما إذا سمع فقط !! إذا شخص لم يذهب إلى بيروت إطلاقاً ، وقلنا له : صف لنا بيروت ، يقول : والله قرأت عنها أنها على الساحل ، قرأت عنها أنها محاطة بجبال خضراء ، ما أدري مبلغ هذا الكلام من الصحة . أما لو عاش إنسان في بيروت وقلت له : صف لنا بيروت . يتكلم بطلاقة وبوضوح ، وبقوة تأثير عجيبة ، ينقل لك خبراته ، فلذلك إذا أراد الإنسان أن يدعو إلى الله ، يجب أن لا تتكلم بشيءٍ لست قانعاً به ، لا تتكلم بشيءٍ لست واثقاً منه ، لا تتكلم بشيءٍ لا تراه رأي العين ، حينما تشهد اشهد للناس ، لذلك أعظم داعية هو الذي يتكلم من خبرات يعيشها ، من حقائق يلمَسها ، من أفكار هو قانعٍ بها ، هذه هي الدعوة .
     
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (143)﴾ .
هذه الأمة العربية التي شرفها الله وكرَّمها ، ونقلها من رعاة الغنم إلى قادة الأمم ، وأمرها أن تكون وسطاً بين الله وبين خَلقه ، ماذا حل بها ؟
مرة كنت في أمريكا ، وسمعت خطبة لإنسانٍ باكستاني ، قال في هذه الخطبة شيئاً لطيفاً ، وهو يخاطب المصلين وأكثرهم من الأمة العربية ـ توجد جالية عربية كبيرة جداً في مدينة هناك ـ قال : أنتم سادتنا نحن بكم هدانا الله عز وجل ، لولاكم لكنا عباداً للأصنام ، عُباداً للنيران ـ ذكر من فضل هذه الأمة على بقية الشعوب ما يشعر الإنسان بأن هذه الأمة أعلى الأمم ـ قال : ما لكم نسيتم هذه المُهمة ، ما لكم نسيتم هذا الشرف العظيم الذي منحكم الله إياه ، أنتم في بلاد تبيعون الخمر ، أهكذا كان آباؤكم وأجدادكم ؟! بعد أن أثنى على هذه الأمة الثناء العطر ، ذكر مثالبهم في بلاد الغرب ، فأنت يجب أن تفتخر أنك تنتمي إلى أعظم أمة ، إلى أمةٍ أنزل الله القرآن الكريم بلسانها .
 
واقع الأمة المؤلم :
 
قال تعالى :
﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(3) ﴾
(سورة الزخرف)
وقال :
﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195) ﴾
(سورة الشعراء)
تنتمي إلى أمةٍ هي الوسيطة بين الله وبين خلقه ، وسيطة،ومتوسطة ، ومعتدلة ، وقوية ، ونيِّرة ، وعادلة ، هذه معاني الوسطية كلَّها .
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (143)﴾ .
إنك حين ترى واقع الأمة المؤلم ، لماذا تتألم ؟ أين كنا وأين أصبحنا ؟ فبعض المسلمين أو أكثرهم فتنوا بالغرب ، فعاشوا حياة الغرب ، ونسوا دينهم ، والأمانة التي حملهم الله إيَّاها،وعاشوا في انفصامٍ في شخصيتهم ، يعتزون بدينهم وبماضيهم ، ويضربون في هذه الحضارة المتوهِّجة التي نسوا فيها أوامر ربهم ، هذه حالة صراع ، وحالة انفصام شخصية ، تصيب كل إنسان لم يقو إيمانه بحيث يتجاوز كل هذه العقبات والصوارف ، بل جعله إيماناً وسطاً ، إيماناً ضعيفاً جذبته هذه القوى من يمينٍ أو من شمال .
     
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (143) ﴾ .
 التحول للقبلة امتحان عبودية :
 
التحول للقبلة امتحان عبودية ، إذا كان الأب جالساً على المائدة ، والطعام نفيس ، وابنه جائع ، ولهذا الأب يدٌ طويلة في تربية ابنه وفي إكرامه ، قال له : يا بني لا تأكل . فإذا كان هذا الابن يعرف قدر أبيه ، وحكمة أبيه ، ومحبة أبيه ، ورحمة أبيه ينصاع للأمر ولو لم يفهم الحكمة . بطولتك أن تنصاع للأمر ولو لم تفهم الحكمة ، لماذا ؟ لأن الحكمة إذا  توضَّحت تماماً فقد الأمر قيمته التعبُّدية ، وأقبلت عليه طمعاً بمصلحتك الشخصية ، لكن الله يُريدك عبداً له ، لذلك من حين لآخر تأتي أوامر قد لا تفهمها أنت :
     
﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ (143)﴾ .
الإنسان غير المهتدي ، المتعلق بالتقاليد والعادات لا يحتمل ، فيقول لك مثلاً : هذه الكعبة بيت الله ، لماذا انصرف عنها المسلمون إلى قبلة اليهود ؟!
     
﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)﴾ .
 زوال الكون أهون عند الله من أن تدع شيئاً لله دون أن تأخذ شـيئاً أثمن منه :
 
الله عز وجل خلقنا ليسعدنا ، وخلقنا لنصل إليه ، وخلقنا كي نعرفه ، فهل يعقل أن يكون من أفعال الله ما يبعدنا عنه ؟ مستحيل ، أب همه الأول أن يكون ابنه متعلماً ، فهل من المعقول أن يمنعه يوم الامتحان من تقديم الامتحان ؟ هذا يتناقض مع هدف الأب كلياً .
     
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ (143)﴾ .
والله أيها الأخوة ، والله الذي لا إله إلا هو ، هذه عبارة أستخدمها كثيراً : زوال الكون أهون على الله من أن تتودد إلى الله ثم يضيّعك ، من أن تؤثر جانب الله على مصالحك ثم يضيعك ، زوال الكون أهون عند الله من أن تدع شيئاً لله دون أن تأخذ شـيئاً أثمن منه :
((  ما ترك عبد لله أمراً لا يتركه إلا لله إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه )) .
[الجامع الصغير عن ابن عمر]
هذا كلام مستحيل ، مستحيل أن تخاف من الله وأن يخيفك من أحد ، مستحيل وألف مستحيل أن تقلق على مصيرك في الآخرة وأن تضيّع الآخرة :
     
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ (143)﴾ .
هذه ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ أيها الأخوة أشد أنواع النفي في القرآن ، أنا مثلاً أسأل إنساناً : هل سرقت هذا المبلغ ؟ إذا قال لك : لا . هو قد يكون سارقاً ، ولكنه لم يسرق هذا المبلغ ، أما إذا قال لك : ما كان لي أن أسرق . إذ قلت له : هل أنت جائع ؟ يقول لك : لا . الجوع ليس عاراً ، أما إذا قلت له : هل أنت سارق ؟ يقول لك : كلا . أداة ردعٍ ونفي ، أو ما كان لي أن أسرق ، أي هذا ليس من شأني ، ولا من طبيعتي ، ولا من مكانتي ، ولا من رغبتي ، ولا أرضاه ، ولا أفعله ، ولا أفكر فيه ، ولا أقر عليه ، هناك تقريباً عشر أفعال منطوية في كلمة : ومـا كان الله .
     
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ (143)﴾ .
 مستحيل أن تستوي حياة المؤمن مع حياة الشارد عن الله لأن هذا يتناقض مع وجود الله :
 
لا تخف ، ما دمت تطلب الحقيقة ، ما دمت تخطب ود الله عز وجل لن يضيعك الله عز وجل ، وهناك آلاف القصص التي لا تنتهي عن إنسان آثر جانب الله فكسب الدنيا والآخرة ، ولا تنسوا هذه العبارة أرددها كثيراً : من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً ، ومن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً .
     
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ (143)﴾ .
تقبل عليه ، تخطب وده ، تصطلح معه ، تطيعه ، تخدم له عباده ، تخاف من سخطه ، تخاف أن تعصيه ، ويعاملك مثل الناس ؟!! والله هذا يتناقض مع وجود الله :
﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾
( سورة الجاثية الآية : 21 ) .
أتكون حياتك كحياة الشارد عن الله ؟! مستحيل ، حياتك ، عملك ، صحتك ، زواجك ، سمعتك ، مستقبلك ، مكانتك ، مستحيل أن يستوي هؤلاء مع هؤلاء هذا يتناقض مع وجود الله:
﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
( سورة الجاثية الآية : 21 ) .
 
مستحيل أن يعامَل المؤمن كالكافر :
 
قد يقول قائل : المعاملة بالآخرة فقط ، لا ، لا ، بالدنيا أيضاً ، والدليل  :
﴿ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾
 ( سورة الجاثية الآية : 21 ) .
هذه الآية وحدها أيها الأخوة والله تملأ قلبكم أمناً وطمأنينة ، تملأ قلبكم ثقةً بالله عز وجل ، من سابع المستحيلات ، مستحيل وألف مستحيل أن يعامَل المؤمن كالكافر ، المستقيم كالمنحرف ، الصادق كالكاذب ، الأمين كالخائن ، المحسن كالمسيء ، مستحيل   .
﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾
( سورة الجاثية الآية : 21 ) .
أيها الأخوة الكرام:
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18) ﴾
( سورة السجدة)
وقال :
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ﴾ .
( سورة القلم ) .
وقال :
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ .
( سورة القصص ) .
 لا يستوي المحسن مع المسيء :
 
قال تعالى :
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ (143)﴾ .
شخص يسكن بأطراف المدينة ، ركب أول سيارة ، وثاني سيارة ، وأمضى ساعة على الطريق ، وبقي ساعة جالساً على ركبتيه في المسجد ، لا يوجد كأس من الشاي ، ولا يوجد ضيافة ، ولا أي شيء ، ثم يعود إلى البيت ، استهلك من وقته ثلاث ساعات،هل يستوي مع إنسان يجلس وراء جهاز اللهو يتابع المسلسلات ، أهذا كهذا ؟! هل يستوي من يأتي مجلس علم مع لاعب النرد حتى الساعة الثانية مساءً معقول ؟ إنسان يجلس في بيت الله يستوي مع إنسان في جلسة مختلطة ؛ نساء كاسيات عاريات وغمز ولمز هذا مع هذا ؟ إنسان يخشى المال الحرام ، يركل بقدمه مئات الألوف لشبهة فيها ، وهناك إنسان يأخذ المال من أي طريق وبأي طريقة ! هذا كهذا مستحيل ، والله لو استويا لكان الدين كله باطلاً ، مستحيل وألف مستحيل أن يستوي المحسن مع المسيء ، الورع مع المتساهل ، كل شيء بحساب دقيق.
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ (143)﴾ .
أإنسان يغض بصره عن محارم الله كالذي يملأ عينيه من الحرام ؟ أهذا كهذا عند الله عز وجل ؟ إن توهَّمت أنهما متساويان أنت بهذا تشكك في عدل الله ، وفي رحمة الله ، وفي حكمة الله ، مستحيل ، كن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك .
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ (143) ﴾ .
 النبي عليه الصلاة والسلام منصاع لأمر الله لكنه يتمنى أن تكون القبلة في مكة المكرمة :
 
امرأة تخشى الله ، تحجبت محبةً لله ، يقول الغافلون عنها : لا أحد يخطبها ؛ أما المتفلِّتة والفاسقة والفاجرة والتي تعرض مفاتنها على الناس هذه التي تخطب . هل هذا كلام ؟ هذا كلام إبليس ، امرأةٌ طائعةٌ لله ترجو الله واليوم الآخر لها عند الله مكانة كبيرة جداً ، هذه يهيِّئ الله لها من يكرمها ، ومن يحفظها ، ومن يقودها إلى الجنة . هناك كلام شيطاني ، إذا لم نعمل معصية نخسر ، هذا كلام الشيطان بعينه ، إذا لم يكن هناك اختلاط لا تُخْطَبُ البنت ، هكذا عند الناس ، مثلاً إذا لم تظهر مفاتنها لا أحد يعرفها .
      
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ (143)﴾ .
إذا لم نكذب لا نعيش وعندنا أولاد ، هكذا كلام الناس ، إذا لم نغش لا نعيش ، يجب أن نكون مثل الناس ماذا نفعل ؟ الناس كلها تغش ونحن مع الناس ، هذا كلام الشيطان :
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18) ﴾
( سورة السجدة)
وقال :
     
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)﴾ .
النبي عليه الصلاة والسلام منصاع لأمر الله ، لكن عواطفه كانت أن تكون القبلة في مكة المكرمة :
     
﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ (144) ﴾ .
 النبي عليه الصلاة والسلام كان يقلِّب وجهه في السماء منتظراً الوحي :
 
أي ينتظر الوحي من السماء ، يا رب أنت حوَّلت القبلة إلى بيت المقدس هل من عودةٍ إلى بيت الله الحرام ؟ كان عليه الصلاة والسلام يقلِّب وجهه في السماء منتظراً الوحي :
﴿ قَدْ نَرَى (144) ﴾ .
نرى فعل مضارع ، أي الآن :
   
﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا (144) ﴾ .
تتفق مع عواطفك ، لما خرج من مكة المكرمة ، قال عليه الصلاة والسلام :
(( اللّهُمَّ إِنَّكَ أخْرَجْتَني مِنْ أَحَبَّ الْبِقَاعِ إِلَيَّ فَأَسْكِنِّي في أَحَبِّ الْبِلاَدِ إلَيْك  )) .
[الجامع الصغير عن ابن عبد البر]
فسكن في المدينة المنورة ، فمكة المكرمة من أحب البلاد إلى رسول الله .
     
﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (144) ﴾ .
هذه القبلة تجمع المسلمين في اتجاهٍ واحد ، أينما ذهبت ؛ إلى بلاد أمريكا ، إلى أوروبا ، إلى آسيا ، إلى اليابان ، يجب أن تتوجه نحو بيت الله الحرام .
 
مكة المكرمة هي الوسط الهندسي لليابسة :
 
بالمناسبة مكة المكرمة وسط هندسي لليابسة ، لو أخذنا العالم القديم ورسمناه على الخارطة وأخذنا أبعد مُدن هذا العالم وجعلناها نقاطاً على محيط العالم ، ووصلنا بين هذه المدن فكانت أقطاراً ، أقطار العالم القديم تتقاطع في مكة المكرمة ، أي أن مكة تبعد عن أقصى مدينة في آسيا ، وأستراليا ، وأوروبا ، وإفريقيا ثمانية آلاف كيلو متر ، ولو ضمن العالم الجديد أمريكا الشمالية والجنوبية ، فجعلنها خارطة مسطحة ، وأخذنا أقطار العالم الجديد مع القديم ، لتقاطعت هذه الأقطار في مكة المكرمة ، فمكة تبعد عن أطراف العالم القديم مع الجديد ثلاثة عشر ألف كيلو متر بالضبط ، هذا في بحث قُدِّم للجامعة حول أن مكة المكرمة هي الوسط الهندسي لليابسة .
     
﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (144) ﴾ .
لكن ليست القبلة هي الكعبة بالذات ، وإنما هي جهة الكعبة ، بالجهة تحل مليون مشكلة ، أما لو أن القبلة هي الكعبة بالذات لاحتجنا في كل مسجد إلى قياس دقيق جداً ، وقد تختل القبلة زاوية درجة أو درجتين،أما القبلة هي خط ، خط مكة المكرمة ، فهي نحو الجنوب  .
     
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)
ورد في التوراة أنه سيأتي نبيٌ للمسلمين هو محمدٌ بن عبد الله ،  وسوف تتحول القبلة عن مكة المكرمة إلى بيت المقدس ، وتعود إلى مكة المكرمة .
﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)
 إن أراد الإنسان أن يؤمن فأي شيءٍ يدلُّه على الله :
 
أيها الأخوة ، هؤلاء الذين أوتوا الكتاب ، والذين عرفوا من خلال كتابهم المقدَّس أن القبلة سوف تتحول إلى بيت المقدس ، ومع ذلك أنكروا على النبي الكريم أن يتجه إلى قبلتهم ، فقالوا : تُعارض ديننا وتتجه إلى قبلتنا . ومشركو مكة المكرمة أنكروا على النبي ذلك لأن هذه الكعبة بيت آبائهم وأجدادهم .
    
﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)
الإنسان الذي يعلم الحقيقة ويتكلم خلافها هذا مجرم ، الذي تكلم بلا علم آثم ، أما الذي يتكلم بخلاف ما يعلم فهذا مجرم .
    
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
لمن الآيات ؟ لمن يريد أن يؤمن ، أما حينما لا يريد الإنسان أن يؤمن ، لو التقى بالأنبياء جميعاً واحداً وَاحداً ، وشاهد كل معجزاتهم واحداً وَاحداً لا يؤمن ، الإنسان يؤمن إذا أراد أن يؤمن ، إن أراد أن يؤمن أي شيءٍ يدلُّه على الله ، وإن رفض أن يؤمن لو جلس في أكبر قاعدة في الفضاء الخارجي ، ورأى المجرَّات المئة ألف مليون مجرة بشكل مدهش لا يؤمن ، لو رأى الخلايا في جسم الإنسان تحت مجهر إلكتروني لا يؤمن ، لو رأى الآيات التي لا تعد ولا تحصى لا يؤمن ، لأنه كآلة بالغة التعقيد ـ آلة تصوير ـ ولكن لا يوجد فيها فيلم، فمهما لقطت هذه العدسة من مناظر رائعة ، هو لم يرد الحقيقة وقلنا لا يوجد عنده فيلم ، لا يصور شيئاً ، وأصغر آلة تصوير ، وأرخص آلة تصوير مع الفيلم تلتقط صورة ، فالقضية قضية أن تريد الحقيقة أو لا تريدها ، إن أردتها وجدتها في كل شيء ، وإن عزفت عنها لن تجدها في أكبر شيء .
 الكون بحدّ ذاته معجزة فإن لم تؤمن به في وضعه الراهن الطبيعي فلن تؤمن إذا خُرقت نواميسه :
 
قال تعالى :
     
﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ (145) ﴾ .
أي أن الذين شاهدوا البحر صار طريقاً يبساً ، هل هناك من آيةٍ أعظم من ذلك . فلما خرجوا من اليم قالوا :
﴿ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138) ﴾ .
(سورة الأعراف )
الذين رأوا الناقة تخرج من الجبل ، الذين رأوا إبراهيم في النار لم يحترق ، رأوا المعجزات ومع ذلك لم يؤمنوا ، فالكون بحد ذاته معجزة ، فإن لم تؤمن به في وضعه الراهن الطبيعي لن تؤمن إذا خُرقت نواميسه .
     
﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ (145) ﴾ .
هناك أشياء متناقضة كيف نجمعها ؟ يقول لك : وحدة الأديان . لا يمكن ، أشياء كلها متناقضة:
     
﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ (145) ﴾ .
 الآيات التالية تخاطب أمة محمد عليه الصلاة والسلام :
 
هذا كلام الله عز وجل :
     
﴿ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) ﴾ .
طبعاً مستحيلٌ أن يتبع النبي أهواءهم ، ولكن هذه الآية لأمته من بعده ، أي يا أمة محمد،ولئن اتبعت أهواءهم ، هوى الكافر أن تكون على شاكلته ، هوى الكافر أن تكسب المال الحرام ، هوى الكافر أن تكون المرأة مُتعةً للجميع ، هوى الكافر أن تعيش الدنيا فقط ، هوى الكافر أن تتكتل تكتُّلات مصلحة ، ليست على حق .
    
﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) ﴾ .
أي يا أمة محمد إياكم أن تتبعوا أهواء الكفار ، لا يقودوكم إلا إلىالشر ، إلا إلى الضياع ، إلا إلى التفتُت ، إلا إلى التشرذم ، إلا إلى الفقر .
     
﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ (146)  ﴾ .
بعض علماء التفسير قال : يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم . وبعض علماء التفسير قالوا : يعرفون تحول القبلة كما يعرفون أبناءهم ، ومع ذلك أنكروا .
     
﴿ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) ﴾ .
كتم الحق جريمة :
    
﴿ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) ﴾ .
الممترين أي المتشككين .
 
والحمد لله رب العالمين
 
 

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب