سورة البقرة 002 - الدرس (50): تفسير الآيات (154 - 155) امتحان الله للمؤمن ولوازمه

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة البقرة 002 - الدرس (50): تفسير الآيات (154 - 155) امتحان الله للمؤمن ولوازمه

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة البقرة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة البقرة - تفسيرالآيات:: (154 - 155) - امتحان الله للمؤمن ولوازمه

20/03/2011 18:29:00

سورة البقرة (002)
الدرس (50)
تفسير الآيات: (154 ـ 155)
امتحان الله للمؤمن ولوازمه
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب  النابلسي
 
 
{ بسم الله الرحمن الرحيم }
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
الأموات أحياء بكل معاني هذه الكلمة :
 
أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الخمسين من سورة البقرة، ومع الآية الرابعة والخمسين بعد المئة :
   
﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾.
هم أحياءٌ بكل معاني هذه الكلمة، بكل خصائص الحياة، بكل أبعاد الحياة، بكل أسباب الحياة، بكل ثمار الحياة، أحياء، لذلك الخطأ الشنيع أن تقول: فلان فقيد، هو لم يُفقد هو بكيانه، بخبراته، بمعنوياته، بذاكرته، لكن الذي يختفي وعاؤه الذي كان فيه، هذا الجسد، تماماً لو خلع أحدكم ثيابه وارتدى ثياباً جديدة، هل يفتقد ؟ هو بجسمه، وشـحمه، ولحمه، وعظمه، ودمه، وحواسه، وعقله، وفكره..
    
﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾.
أنتم ماذا ترون ؟ ترون الجسم قد فني، ترون اللحم قد تفسَّخ، ترون القوام قد وضع في القبر، ولكن هل ترون نفسه ؟!!
 
حالة الإنسان بعد الوفاة :
 
النبي عليه الصلاة والسلام عقب معركة بدر، نادى كبار المشركين الذين قتلوا: يا أمية ابن خلف، يا عتبة، يا فلان، يا شيبة ـ بأسمائهم واحداً وَاحداً ـ هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، لقد كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس "، قالوا: " يا رسول الله أتخاطب قوماً جيفوا؟!" قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ". هم يسمعونني.
درس بعض العلماء حالة الإنسان بعد وفاته ـ هناك في العالم حالات نادرة جداً ـ كإنسان توقف قلبه لدقائق ثم عادت له الحياة، التقوا به، هذا الذي مات مؤقتاً قال شيئاً لا يصدق: " رأينا نفوسنا فوق أجسامنا محلقةً في الهواء، وتذكرنا كل أعمالنا، وقيَّمناها كلها بمقدار خدمة الناس."
أي أن مئات من الناس الذين ماتوا موتاً مؤقتاً، على اختلاف مللهم ونحلهم ودياناتهم وأعراقهم وأجناسهم أمروا بالحقائق التي جاء بها الأنبياء.
﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾.
[ سورة ق الآية: 22 ]
 
الخيار مع الإيمان خيار وقت :
 
والأدق من ذلك أن الذي يعد أكفر كُفَّار الأرض الذي قال:
﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة النازعات الآية: 24]
﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
[ سورة القصص الآية: 38]
هذا نفسه قال عندما جاءه الموت:
﴿ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾
[ سورة يونس الآية: 90]
الخيار مع الإيمان خيار وقت، إما أن تؤمن قبل فوات الأوان فتنتفع بإيمانك، وإما أن تؤمن بعد فوات الأوان فلا تنتفع بإيمانك، ولكنك بالنهاية لا بد من أن تؤمن، ولكن متى ؟ البطولة أن تؤمن وأنت حيٌ ترزق، والغباء والحمق أن تؤمن بعد فوات الأوان.
 
البطولة أن تضحك أخيراً : 
 
ما قولكم بطالب أدى امتحاناً فنال صفراً في المواد كلها، ورسب، وبعدها رجع إلى البيت، وقرأ أجوبة كل الأسئلة، تقدم بطلب إلى وزير التربية: أنه يرجى إدراجي مع الناجحين، لأنني عرفت كل الأسئلة وأجوبتها بالتمام والكمال. متى عرفتها ؟ بعد الامتحان، مستحيل. فالخيار مع الإيمان خيار وقت:
      
﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾.
دقق في كلام سيدنا علي:يا بنيمات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.
ذكرت اليوم في كلمة ألقيتها، أن الإنسان حينما يولد، كل من حوله يضحك وهو يبكي وحده، مفارقة، هو يبكي، وكل من حوله يضحك فرحاً بقدومه، أما حينما يموت كل من حوله يبكي، فإذا كان بطلاً يضحك وحده، ومن يضحك أخيراً يضحك كثيراً، ومن يضحك أولاً يبكي كثيراً.
 
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾.
[ سورة المطففين الآية: 34 ]
﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ*إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون]
 
لا تستقيم على أمر الله إلا بالإيمان :
 
الآية الأخرى:
 
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾.
[ سورة المطففين الآية: 34 ]
 
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾.
[ سورة آل عمران الآية: 169]
    
﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾.
أيها الأخوة، المشكلة أنك إن لم تؤمن باليوم الآخر، وإن لم تؤمن بهذه الحياة الأبدية التي لا نهاية لها، إن لم تؤمن بهذه الحياة، وإن لم تؤمن بيومٍ يدفع الإنسان ثمن كل أعماله، إن لم تؤمن بيوم الحساب، إن لم تؤمن بيوم الجزاء، إن لم تؤمن بيوم الدينونة، إن لم تؤمن بيوم القيامة، إن لم تؤمن بيوم الفَصل، إن لم تؤمن بالحاقَّة، إن لم تؤمن بالقارعة، إن لم تؤمن بيوم الطامَّة الكبرى، لا تستقيم على أمر الله.
إذا آمن المواطن أنه لا بد أن يحاسب في موضوعٍ ما ينضبط، إذا أيقن أنه لا تخفى على واضع القانون خافية، ولا بد من أن يضبطه، وأن ينزل به أشد العقاب، يستقيم، فكيف مع الله عز وجل ؟!
 
الابتلاء امتحان وليس شراً :
 
أيها الأخوة، الآية الثانية :
     
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾.
لا بد من كلماتٍ بين يدي هذه الآية، الابتلاء ليس شراً، كيف أن الناس يفهمونه شراً لا أدري، الابتلاء امتحان، ما هو الشر ؟ أن تسقط في هذا الامتحان. فإذا نال شخص أعلى شهادة، تربَّع على أعلى منصب بسبب شهادته، وله دخلٌ خيالي بسبب شهادته، هذه الأيام العصيبة التي دخل فيها الامتحان هل يراها شراً ؟ لولا هذا الامتحان لما نال هذه الشهادة، ولما كان في هذا المنصب، ولما كان له هذا الدخل الكبير، هل يعد هذا الإنسان الامتحانات التي خاضها شراً ؟ أعوذ بالله، بل هي خيرٌ محض.
الابتلاء هو الامتحان، لماذا الامتحان ؟ من لوازم الإعداد الابتلاء، إنك عندما تعد طالباً ليكون طبيباً لا بد من أن تمتحنه، إنك حينما تعد إنساناً ليكون قائداً عسكرياً لا بد من أن تمتحنه، إنك حينما تعد إنساناً ليكون محامياً لا بد من أن تمتحنه، كلمة إعداد من لوازمها الامتحان.
 
الامتحان من لوازم الإعداد :
 
نحن في حياةٍ دنيا، أهم ما في هذه الحياة أنها إعداد لحياة عليا، هذه الحياة الدنيا المحدودة القصيرة المفعمة بالمتاعب، هي إعداد لحياة عُليا أبدية لا نغص فيها ولا نصب، إذاً لا بد من الامتحان.
فأول نقطة بالدرس أن الامتحان من لوازم الإعداد، وما دمنا نُعَدُّ في هذه الحياة لليوم الآخر ؛ لجنة عرضها السماوات والأرض إذاً لا بد من أن نمتحن، والدليل قوله تعالى:
 
﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾.
[ سورة المؤمنون الآية:30 ]
هذا من سنن الله في خلقه، إيَّاكم أن تتوهموا أنه يمكن أن تعيشوا حياةً مديدة من دون ابتلاء، وكل إنسانٍ له مادة امتحان مع الله، قد تمتحن بالخير:
 
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾.
[ سورة الأنبياء الآية: 35 ]
وقد تمتحن بالشر، قد تمتحن بالعطاء وقد تمتحن بالأخذ، قد تمتحن بالغنى وقد تمتحن بالفقر، قد تمتحن بالصحة وقد تمتحن بالمرض، قد تمتحن بالوسامة وقد تمتحن بالدمامة، قد تمتحن بالقوة وقد تمتحن بالضعف، لا بد للمؤمن من مادة امتحانٍ مع الله، إما أن تمتحن فيما أعطاك، وإما أن تمتحن فيما سلبك، على كلٍ امتحان.
 
آيات من الذكر الحكيم تبين أن الإنسان ممتحن في كل أطوار حياته : 
 
قال تعالى:
 
﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾.
[ سورة المؤمنون الآية:30 ]
 
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾.
[ سورة العنكبوت الآية: 2]
 
 ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾
[  سورة آل عمران الآية: 142 ]
 
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
[  سورة آل عمران الآية: 92]
إذاً يجب أن توطِّن نفسك على أنك ممتحن في كل أطوار حياتك ؛ أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ـ رسب في الامتحان ـ قال: ألم تعلم أني الرزاق القوي المتين، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم. سأل عبد آخر: أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال: يا رب أنفقته على كل محتاجٍ ومسكين لثقتي بأنك خيرٌ حافظ وأنت أرحم الراحمين.  قال: يا عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك.
 
الامتحان من خصائص الحياة الدنيا :
 
أيها الأخوة... يجب أن نؤمن جميعاً أن الامتحان من خصائص الحياة الدنيا، كما يجب أن يؤمن أي طالب في العالم أن الامتحان من خصائص المدرسة، هل رأيتم أو سمعتم في العالم كله جامعة بلا امتحان ؟ مستحيل، هل هناك جامعة تنتسب إليها وبعد مضي زمن محدد تمنح الدكتوراه من دون امتحان ؟ أنت تقدم طلباً فتُمنح الدكتوراه، مستحيل، من لوازم التعليم في العالم كله الامتحان، والإعداد في العالم كله من لوازمه الامتحان، فإذا كانت الدنيا دار ابتلاء، دار إعداد للآخرة فمن لوازمها الامتحان:
 
﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾.
[ سورة المؤمنون الآية:30 ]
الامتحان ليس شراً ولا خيراً، خير إذا نجحت فيه وشر إذا رسبت فيه، حيادي، أنت مخير، لا خير ولا شر، كما قلت قبل قليل: إنسان ينعم بدخل فلكي، لأن معه شهادة نادرة، لأنه دخل امتحانات صعبة ونجح فيها، هل يعد الامتحان شراً له ؟ بالعكس، كل هذه المكانة مع كل هذا الدخل لأنه نجح في الامتحان، وإنسان رسب في الامتحان، الامتحان شر له، فالامتحان صفة مطلقة لا خير ولا شر، ليس خيراً ولا شراً، الامتحان شر إذا رسبت فيه، وخير إذا نجحت فيه.
 
المؤمن رابح في جميع الأحوال :
 
قد تبتلى بالخير:
 
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾.
[ سورة الأنبياء الآية: 35 ]
وقد تبتلى بالشر. قد تبتلى فيما أعطاك وقد تبتلى فيما منعك، لذلك ورد في بعض الأدعية: " أن يا رب ما رزقتني مما أحب فاجعله عوناً لي فيما تحب، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ". في الحالتين المؤمن رابح:
 (( عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْر.))
[أحمد عن صهيب].
(( إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا )).
[أحمد عن صهيب].
قال بعض العلماء: بستاني في صدري، فماذا يفعل أعدائي بي ؟ " أي أن سعادتي من داخلي، أما أهل الدنيا سعادتهم من مركباتهم، من بيوتهم، من دخلهم، من صحتهم. سعادة أهل الإيمان تنبع من داخلهم، والسعادة مستقرة ومستمرة ومتنامية، ولكن اللذات مؤقتة، ومتدنية، ومتلاشية، لذلك جعل الله عز وجل من خصائص الحياة الدنيا الابتلاء، قد تعطى المال وتسلب منك بعض الصحة، ماذا تقول ؟ تعطى الصحة ويؤخذ منك المال، تعطى الصحة والمال ولك زوجةً لا ترضيك، تعطى زوجةً ترضيك وأولاداً ليسوا كما تريد، أولادٌ كما تريد الدخل لا يعجبك، الدخل يعجبك هناك مشكلات بالصحة، الصحة طيبة ولكن هناك مشكلات بالعمل:
 
﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾.
[ سورة المؤمنون الآية:30 ]
 
حياة المؤمن فيها تأديب وابتلاءٌ وإكرام :
 
حينما توطِّن نفسك على أن هذه الدنيا دار ابتلاء تسعد بها، فإذا وطَّنت نفسك على أن هذه الدنيا دار نعيم تشقى بها، إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها، وإن أشقاهم فيها أرغبهم فيها:
 
﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾.
[ سورة المؤمنون الآية:30 ]
سئل الإمام الشافعي: يا إمام أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ قال: لن تُمَكَّن قبل أن تبتلى.
حياة المؤمن لا تخلو من تأديب إذا أخطأ، ولا تخلو حياته من ابتلاء إذا هو استقام، مستقيم ويبتلى، ماذا يقول ؟ ولا تخلو حياته من إكرام إذا هو صبر في الابتلاء، أي أن الله أدبه فتاب، تاب واستقام، ابتلاه وصبر الآن إكرام، كأن حياة المؤمن فيها تأديب وابتلاءٌ وإكرام، بمراحل ثلاث متداخلة أو متمايزة.
لماذا الابتلاء ؟ هنا السؤال دقيق، هذه الآية دقيقة جداً، هذه الآية خاصةٌ بالمؤمنين، هذه الآية خاصةٌ بمصائب المؤمنين. مصائب الكفار مصائب ردعٍ، أو مصائب قصمٍ، لكن مصائب المؤمنين مصائب دفعٍ إلى الله، ورفعٍ في الدرجات، دفع ورفع، فهناك فرق.
 
مثال يبين أن مصائب المؤمن مصائب دفع ورفع ومصائب الكافر مصائب قصم وردع :
 
ذكر لي أحد أخواننا الأطباء الذين يعملون في مستشفى، أنه جاء مريض مصاب بورم خبيث في الأمعاء، يقول لي الطبيب: ما رأيت في حياتي مريضاً راضياً عن ربه متفائلاً صابراً شاكراً كهذا المريض، كلما دخل عليه زائر يقول له: اشهد أنني راضٍ عن الله، يا رب لك الحمد على هذا المرض. قال لي: إذا قرع الجرس يتنافس الأطباء على الدخول عليه والممرضين في خدمته، ما سمعوه يتأوه ولا يتألم علماً أن آلام هذا المرض لا تحتمل، بل رأوه صابراً مستبشراً ورائحته طيبةٌ عطرة. قال لي: والله عشنا عدة أيام ونحن في جنة مع هذا المريض ـ المصاب بورم خبيث في الأمعاء ـ ثم توفاه الله عز وجل. قال لي: لحكمةٍ بالغةٍ بالغة، ولدرسٍ بليغ أراد الله أن يلقنه لمن في المستشفى، جاء مريض آخر بالمرض نفسه ـ ورم خبيث بالأمعاء ـ قال لي: لم يبقَ هناك نبي لم يسبه، كلمات الكفر لا تخلو من شفتيه، رائحته نتنة، عصبي المزاج، هرب الممرضون من خدمته، تحاشى الأطباء أن يدخلوا عليه، ثم مات ـ المرض واحد ـ المرض نفسه ؛ شخص كان مبعث جذب للناس، مريض مبعث راحة لهم، وكان متفائلاً ومستبشراً، والآخر بالعكس.
قرأت بحثاً علمياًفيه شيء لا يصدق عنوانه ( بوابَّات الألم ) يذكر أن الآلام التي نحس بها تبدأ من الأعصاب الخارجية ـ أعصاب الحس ـ أعصاب حسية بالدرجة الأولى، تنقل هذه الأعصاب الإحساس إلى النخاع الشوكي، ثم إلى قشرة الدماغ، هناك بوابات على هذا الطريق الطويل ـ طريق الآلام ـ  منيتحكم بهذه البوابات ؟ لو أن هذه البوابات أغلقت لانقطع الألم. قال العلماء: يتحكم بهذه البوابات الحالة النفسية للمريض. فإذا كان مؤمناً قد لا يتألم أبداً.
 
العطاء أحد أكبر أعمال المؤمن في الحياة :
 
السؤال الآن: لماذا الابتلاء ؟ نحن كما تكلمنا قبل قليل يحتاج التعلم للامتحان، ويحتاج الإعداد إلى امتحان، الدنيا إعداد للآخرة إذاً لا بد له من الامتحان.
هناك معنى آخر نحن بحاجة إليه: المؤمن جاء إلى الدنيا ليعمل عملاً صالحاً ـ كلام دقيق ـ طبعاً حينما يؤمن بالله، ويستقيم على أمره، ليس هناك في حياته شيءٌ يعلو على عملٍ صالحٍ يفعله ليكون ثمن الجنة. ماذا فعلت يا عبدي ؟ ما الثمن الذي دفعته لدخول الجنة ؟ الثمن هو عمل صالح، هو الإنفاق. قال تعالى:
 
﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * ﴾.
[ سورة البقرة ]
إن أحد أكبر أعمال المؤمن في الحياة العطاء، الكافر عمله الأخذ، لدى النملة جهاز ضخ وجهاز مص، فإذا التقت بأختها النملة الجائعة، عندها جهاز ضخ ؛ يضخ لأختها النملة الجائعة خلاصة الغذاء، لدى النملة الجائعة جهاز مص، النملة تأخذ وتعطي، تمص وتضخ، الكافر يمص فقط، لا يضخ على الإطلاق، فلماذا الابتلاء ؟ أي أنك مخلوق لجنة عرضها السماوات والأرض، ثمنها العمل الصالح.
 
هناك معركة أزلية أبدية بين الكفر والإيمان :
 
هناك في الأرض مؤمن وكافر، ما معنى مؤمن وكافر ؟ أي أن هناك معركة بين الكفر والإيمان، بين الحق والباطل، بين الخير والشر، معركة أزلية أبدية من آدم إلى يوم القيامة، قد يقوى الكفار أحياناً، قد يجوع المؤمن، أحياناً تكون المقدَّرات بيد الكفار لحكمةٍ أرادها الله، المال بيدهم، الأعمال بيدهم، ولكن المؤمن لا يعصي الله عز وجل، لأن طاعة الله عنده فوق كل شيء، المؤمن في حياته الدنيا، بحسب معركة الحق والباطل الأزلية الأبدية، قد يحتاج إلى أن يجوع، فإذا ابتلاه الله عز وجل بالجوع، كيف يواجه هذه المعركة الشرسة ؟ مثلاً: إنسان دخله كبير، فجأةً يتلاشى دخله، فإذا عوَّد أهله على الحياة الخشنة من حين لآخر، والدخل قل، فهو يستطيع أن يعيش حياة خشنة إذا قلَّ الدخل، أما إذا لم يعود نفسه ولا أهله على الحياة الخشنة، ماذا يفعل ؟ إما أن يأكل الحرام، وإما أن يمالئ السُلطان، النبي قال:
((اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم)).
[كشف الخفاء عن عمر].
أي وطن نفسك على الجوع، فإذا كنت بموقف صعب خُيِّرت بين أن تبيع دينك وبين أن تعيش حياة راقية، لا، لا أبيع ديني، أعيش حياة خشنة وأحافظ على ديني، فالله عز وجل أثنى على الأقوياء، والأقوياء هم الأغنياء، بالمعنى الدقيق والعلماء، لكن إذا كان طريق القوة المالية أن ترتكب الحرام، كلا فالفقر وسام شرف، وإذا كان طريق الغنى أن تفعل الحرام، الفقر وسام شرف، الضعف وسام شرف، والفقر وسام شرف.
 
الحكمة من وجود معركة بين الحق والباطل :
 
المشكلة أن المؤمن مخلوق لعملٍ صالحٍ جليل يجعله في جنة ربه إلى أبد الآبدين، هذا العمل الصالح يقتضي أن تخوض معركة الحق والباطل. لماذا هيأ الله أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق وحبيب الحق ؟ لو خلق الله أعداء النبي بأمريكا مثلاً لكان أريح، كلهم هناك في قارة بعيدة، لا يوجد إلا أصحابه، دعا إلى الله فآمنوا به، وذابوا محبةً به، وانتهى الأمر، ليس هناك هجرة، ولا بدر، ولا أحد، ولا خندق، ولا يوجد منافقون، ولا يوجد شيء أبداً، لكن دون معركة لا توجد جنة، دون خصومات لا توجد جنة، ما الذي يرقى بالمؤمن ؟ الطرف الثاني يعاكسه فيرقى المؤمن.
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾.
[سورة الأنعام الآية: 112]
حكمةٌ بالغة، فأولاً: المؤمن في حياة إعدادية لحياة أخرى، وهو في مدرسة، ولا بد من أن يخوض معركة الحق والباطل، مستحيل، لا بد منأن تخوض معركة الحق والباطل، إذاً أراد الله عز وجل أن يهيِّئك لهذه المعركة فابتلاك بشيءٍ من الخوف، أحياناً يهددك إنسان، يلوح لك شبح مصيبة فتخاف، قد تخاف على صحتك، قد تخاف على دخلك، قد تخاف على سلامتك، قد تخاف على زوجتك وأولادك، فالخوف جزء من حياة المؤمن.
 
الخوف بيد الله ويمكن إزالة أسبابه بالتوحيد والإيمان :
 
قال تعالى:
    
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ﴾.
قد يأتي عدوٌ لك فيتهددك، هو بيد الله، فربنا عز وجل أراد أن تقوى معنوياتك، وأن تتدرب على تحدي الخوف، وأن تزيل أسبابه بالتوحيد والإيمان، فربنا عز وجل قال :
      
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ﴾.
هذا الخوف ينتهي من حياتك:
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾
[ سورة المعارج ]
المتصل لا يخاف، المتصل أقوى إنسان لأنه مع الواحد الديَّان، المتصل بالله أقوى إنسان لأن الله عز وجل قال:
﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾.
[ سورة غافر الآية: 60 ]
معركة بين سيارات كهربائية ـ ألعاب الأطفال بالأعياد ـ يوجد مع المشرف حركة، فإذا قطع الكهرباء وقف كل شيء، فإذا كانت علاقتك مع هذا المشرف، واقترب خصم قطع الكهرباء فجمد كصنم بأرضه.
علاقة المؤمن طيبة مع ربه،هو ربَّاني، مستجاب الدعوة، وأكبر خصم له في قبضة الله، " فإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ "
 
علاج الخوف الصبر حتى يحكم الله :
 
يجب أن نؤمن أن الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات إعدادات وتدريبات على خوض معركة الحق والباطل، الصحابة الكرام أكلوا ورق الشجر في أثناء القطيعة التي فرضها عليهم المشركون، والآن ترون دولاً قوية جبارة طاغية تجعل شعباً محروماً من كل شيء، خمسمئة ألف طفل يموتون كل عام جوعاً في العراق، فالمعركة شرسة، يجب أن توطِّن نفسك على أن الحق والباطل يتصارعان دائماً، فأنت داعية، وأنت مؤمن، وأنت لك باع طويل في خدمة الخلق، قد تحتاج إلى أن تكون صابراً، قد تخاف، علاج الخوف أن تصبر حتى يحكم الله:
﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾.
[ سورة آل عمران الآية: 146]
 
الخوف والجزع نقاط ضعف لصالح إيمان المؤمن :
 
يدربك الله على أن تخوض معركة الحق والباطل، وأن تنجح في هذه المعركة، فهو يعطيك شيئاً من خوف، مثل للتوضيح:قد يهجم جرثوم على جسم فيفتك به، وينهي حياته، لكن كي نهيئ الجسم إلى مقاومة هذا الجرثوم نعطيه جرثوماً مضعفاً، خفيفاً، فالأجهزة المناعية تهيئ مصلاً مضاداً لهذا الجرثوم، فإذا حدثت هجمة شرسة قوية ، فالسلاح جاهز، ماذا فعلنا حينما حقننا تحت الجلد جراثيم مضعَّفة ؟ دربنا الجسم على صنع مصل مضاد لهذا الجرثوم.
كذلك الله عز وجل يخوفك، حتى إذا جاء الخوف الحقيقي تكون صامداً، لا تنهار، وأساس الإنسان أنه يخاف، يخاف لمصلحته، لأن أمنه عند الله، فإذا خاف يلجأ إلى الله، الإنسان سريع العطب، شديد الخوف، هكذا قال الله عز وجل:
 
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾.
[ سورة المعارج ]
قلبه مقطوع، كثير الجزع:
 
﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾.
[ سورة المعارج ]
هذه نقاط ضعف لصالحه، لصالح إيمانه.
 
التخويف من الله عز وجل علاج :
 
الإنسان يخاف فإذا لاح له شبح مصيبة أكبَّ على أعتاب الله، أقبل على الله، لاح له شبحمصيبة فالتجأ إلى الله، لو كان لا يخاف لم يلتجئ، فالخوف سبب لجوئه إلى الله وكل السعادة عند الله، ولكي يجلبك الله لعنده خوفك.
قال لي إنسان: كان الموسم جيداً جداً، وضعت خمسمئة ألف لكي أقضي شهراً بأمريكا لأتمتع على مزاجي، ولا يوجد عندي شيء حرام ـهكذا قال لي بالضبط ـ وصل إلى هناك، شعر بآلام في الظهر فراجع طبيباً، قال له: سرطان بالنخاع الشوكي. فانهار، قطع رحلته، وعاد إلى بلده، يتردد من جامع إلى جامع، وتاب توبة نصوحاً، ثم تبين بعد ذلك أن التشخيص خطأ وأنه ليس مصاباً بشيء، الله عز وجل خوَّفه، لو أن الإنسان لا يخاف، هذا التخويف من الله عز وجل علاج.
    
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ﴾.
هذا خوف لمصلحتك، فهو جعلك تماماً كآلة غالية جداً، ثمنها ثلاثين مليوناً، والكهرباء مضطربة، يقول لك: عندنا الكهرباء مئتين وعشرين، تأتي أحياناً مئة وخمسين، أحياناً تأتي مئة وعشرة، أحياناً قد تأتي مئتين وسبعين، فتحرق جميع الآلات، لذلك تجدهم يضعون في الآلات مصهراً ـ يسموه الفيوز ـ عبارة عن وصلة ضعيفة جداً، إذا كان التيار شديداً تنصهر وتقطع الكهرباء، فتحمي الآلة، فثلاثين مليوناً حفظتهم بهذا الفيوز، الإنسان هكذا بالضبط، يوجد عنده فيوز هو الخوف، متى جاءه شبح مصيبة ينهار رأساً فينقطع، فيدعو الله عز وجل، يتوب لله، لو لم يخف لا يتوب.
 
الخوف يرقى بالمؤمن : 
 
صدقوني أيها الأخوة ولا أبالغ، إذا دخلت جامعاً ورأيت فيه خمسة آلاف شخص أربعة آلاف منهم أتوا إلى الله بعد مشكلة، بعدما خوفهم الله عز وجل، خوفهم فركضوا إليه، أحب أحدهم أن يداعبني ذات يوم فقال لي: ما ملخص دعوتك ؟ قلت له: كلها كلمتين إما إن تأتيه ركضاً لوحدك، أو أن يأتي بك ركضاً، بمصيبة:
(( عجب ربنا من قومٍ يقادون إلى الجنة بالسلاسل )).
[رواه أحمد والبخاري عن أبي هريرة]
   
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ﴾.
يكون الإنسان خائفاً على صحته فيأخذ احتياطات، فحص تام، نبض، ضغط، فجأة يأتيه شيء من حادث سير، ما كان يخطر بباله، كلما أخذت أمناً، أخذت احتياطات ونسيت الله، فتفاجأ من باب لم تكن تحسبه، كلما أخذت احتياطاً من جهة تجد أن عند الله  خيارات كثيرة، تأتي مشكلة لم تحسبها أبداً من جهة ثانية، يمكن أن يدمر الإنسان لأتفه الأسباب.
هل تصدق أن الإسلام كله وعظمته مبني على خيط عنكبوت ؟  خيط العنكبوت هذا على غار ثور منع المشركين أن يقتحموا الغار والنبي داخله، لو انتهت حياة النبي لانتهى الإسلام وقتها. فسلامة وعظمة هذا الدين وهو كالطود الشامخ ألفاً وخمسمئة عام سببه خيط عنكبوت.
أيها الأخوة، هذه مصائب المؤمنين، الخوف هذا يرقى بهم، وهناك كذلك خوف أرقى من هذا، فقد ورد: رأس الحكمة مخافة الله،حينما تخاف أن تنقطع صلتك بالله، فتتمسك بأهداب الشرع هذا خوف راقٍ جداً، ليس خوفاً من مصيبة، بل خوفاً من أن تنقطع عن الله، حريص على هذه الصلة مع الله، هذا الخوف الذي يرقى بك إلى الله عز وجل.
 
الله يعرف مأخذ كل إنسان وما يزعجه :
 
على كلٍ الخوف طبيعي، سيدنا موسى:
 
﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾
[ سورة القصص ]
كان جالساً مرتاحاً في قصر فرعون ولا يوجد عنده أية مشكلة، ولكنه محتاج إلى أن يرقى، فتورط مع القبطي، وكزه فقضى عليه، قال:
﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ ﴾
 [ سورة القصص ]
خوفه الله عز وجل، فركض إلى سيدنا شعيب، استقبله، زوجه ابنته، وعاد إلى فرعون رسولاً معه آيات، هذا الرُقي والقفزة العالية جداً سببها الخوف، لو لم يخف لما خرج من قصر فرعون.
ارتقى سيدنا يوسف بالسجن، لماذا ارتقى ؟ لأنه مكث بالسجن، قال لي أحدهم: خلوة مع الله. ماذا يفعل أعدائي بي ؟ إن حبسوني فحبسي خلوة، وإن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن قتلوني فقتلي شهادة.
هناك شخص يهزه الخوف، أخبرني أحدهم عن شخص عنده سيارة ركبها أخوه فحطمها في حادث، وثمنها عدة ملايين ـ والقصة قديمة ـ لغبائه الشديد لم يتنازل ليراها، بل قال لهم: بيعوها. إذاً هذا محصن ضد المال، لا يهمه، لكن الله عز وجل خوفه من موضوع ثانٍ، قابل شخصاً، قسا عليه بالكلام، شعر بوخزة في قلبه، ركض لعند الطبيب، فقال له الطبيب: الوضع غير طبيعي !! من أين أخافه الله ؟ من قلبه، الله يعرف من أين مأخذك، يعرف مفتاح كل واحد منا ؛ إنسان مفتاحه المال، إذا أضاع راتبه يجن، وإنسان مفتاحه معنوياته، إذا أهين ينهار، وآخر معنوياته مزرعته، إذا أتتها موجة صقيع فخسر كل الموسم ينهار، فربنا عز وجل قال:
    
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾.
الله يعرف مأخذ كل إنسان وما يزعجه، هذه اسمها مصيبة لأنها تصيب الهدف.
 
الجوع يؤدب الإنسان :
 
قال تعالى:
﴿ وَالْجُوعِ ﴾.
أنا أقول الآن: الذي يسرف في الطعام والشراب أو يشتري طعاماً لا حاجة له به وهناك أناس يموتون من الجوع هذا يتركب جريمة، الذي يلقي الطعام في القمامة هذا مجرم، هذه النعمة ثمينة جداً هناك من يشتهيها، عندما يجوع الإنسان يعرف ما معنى الجوع.
رجل أسلم في أمريكا، وصام أول رمضان، وكان الصيام صعباً جداً عليه لأنه كان ملحداً ثم أسلم وحسن إسلامه، فجلس أول يوم في رمضان في بعض البلاد شمال أمريكا والنهار يقرب من ستة عشر ساعة، وكان الحر شديداً في أيام الصيف، حوالي الساعة الثانية عشرة لم يستطع إكمال يوم عمله، فترك الجامعة وعاد إلى البيت، استلقى على الفراش حتى المغرب، يقول بكتابه ـ وقد كان يتفرج على الرائي، وفيه أخبار عن شعوب بنجلاديش والفقر هناك ـ فقال هذه الملاحظة: أنا جعت ولكنني سآكل الآن، أما هذا الذي يجوع ولا طعام عنده ؟! ألا ترون هؤلاء الجياع في السودان، في الصومال، يموتون من الجوع، قال: أنا أجوع وهالني الجوع ولكن سوف آكل بعد قليل، أما هذا الذي يجوع وليس عنده ما يأكل!!
الجوع يؤدب الإنسان، فقد تجد شخصاً في رمضان، شخصية مهمة جداً ؛ عالم جليل مثلاً، تاجر كبير، بمنصب رفيع، صام أول يوم والدنيا صيف، الساعة الثانية عشر ظهراً كل خواطره كأس من الماء، كأس شراب عرق سوس، أين عظمة الإنسان ؟ كل خواطره على كأس ماء، إذا رأى شراباً بارداً تذوب نفسه له لأنه صائم، الصيام يعرفك بحجمك، عبد ضعيف، أنت تتوقف كل مشاعرك على كأس ماء تشربه، إذا جاع الإنسان أيضاً كذلك يحس بألم الجوع.
 
الامتحان يفرز الناس إلى مؤمن و غير مؤمن :
 
أخواننا الكرام، هدف الامتحان أحياناً الفرز، عند أخواننا المهندسين قاعدة اسمها التحميل، مثلاً شرفة فيها خطوط تشعر أن الصبة غير صحيحة، فماذا يفعل المهندس ؟ يحملها، فيأتي بعشرين برميلاً يملأهم بالماء، فإذا وقعت يبني مكانها، فإذا صمدت معناها أنها جيدة، عملية فرز. فأحياناً ربنا عز وجل يعمل امتحاناً، فالإنسان إما أن يسقط وإما أن يرقى، وكل فترة فيها امتحانات، وحتى الصحابة امتحنوا ؛ بالخندق:
 
﴿  إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * ﴾.
[  سورة الأحزاب الآية: 10]
قال أحدهم:"أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ". كأنه كفر.
 
﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾.
[سورة الأحزاب الآية: 11]
أما الذين آمنوا، قال بعضهم: " ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ". لكن:
﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ﴾.
[سورة الأحزاب الآية: 23]
نحن ممتحنون، والامتحان يفرزنا جميعاً، مرة قال لي أخ كان بمصر: حدث زلزال في القاهرة، فالأطباء امتحنوا ؛ بعضهم ركب سيارته إلى الإسكندرية وكان لا علاقة له بالزلزال إطلاقاً، وبعضهم عمل الوقت كله في المستشفى لخدمة المصابين. فانظر لهذا الزلزال كيف فرز الأطباء فرزاً كاملاً، واحد أظهر أنانيته وطلبه للسلامة، ابتعد عن مكان الزلزال ؛ والثاني بقي في المستشفى ليلاً نهاراً بشكل مستمر يعالج المصابين من الزلزال. يرسل الله مصيبة فيفرز الناس.
 
الله عز وجل يدربنا على أن نواجه الباطل بقوة و صبر : 
 
لذلك أيها الأخوة البطولة بالامتحان، المركبة من أي نوع، من أي جنس، تمشي بطلاقة في المنحدر حتى من دون محرك، أما في الصعود لا تصمد إلا المركبة القوية، كيف تمتحن المركبات ؟ بالصعود، هل سمعت إنساناً امتحن مركبة بالنزول ؟ يكون مجنوناً، لا بد من الصعود لكي يمتحن المحرك تماماً، قد يمتحن الله عز وجل ناساً بالرخاء، فتجدهم كلهم شاكرين، يقول لك التاجر: الله ذو فضل عظيم. ما دامت الغلة جيدة، أما إذا وقف السوق وعليه دفع، فماذا يتكلم ؟ هل يرى هذا من الله ؟ هل يقول: يا رب لك الحمد ؟ سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبة قال: " الحمد لله ثلاثاً ؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها ".
أرجو الله سبحانه وتعالى في درسٍ قادم أن نتابع هذه الآية، هذه آية المصائب، مصائب المؤمنين بالذات، فالله عز وجل يدربنا على أن نواجه الباطل بقوة وبصبر، لو جعنا في جوع، لو خوفونا في خوف وفي جوع، نقص بالأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين، أحياناً إنسان يملك بستاناً يقول لك: لا أقبل ضمانه أقل من مليونين. تأتيه موجة صقيع خلال أربع ثوان يصبح كله أسوداً.
﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾.
[سورة القلم الآية: 19]
يا ترى أيهما أغلى عندك هذه الغلة أم الله عز وجل ؟ إذا كان البستان أغلى من الله كفر الإنسان، إذا كان الله غالياً عليك تقول: يا رب لك الحمد، أنا راضٍ بما فعلت..
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا    فليس لي عنهم معدلٌ وإن عدلوا
والله وإن فتنوا في حبهم كبدي      باقٍ على حبهم راضٍ بما فعلوا
***
الخوف والجوع والنقص في الأموال والأنفس والثمرات تدريب على العمل الصالح :
 
يقول سيدنا علي: الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ". وكل إنسان يصبر، والله هناك آية قرآنية يقرأها الإنسان فيقشعر جلده:
 
﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ﴾
[ سورة ص الآية: 44]
قد تكون مؤمناً مستقيماً ودخلك لا يكفيك عشرة أيام، وأنت صابر تضغط المصروف، فهذه بطولة، أن ترى أحدهم كتلة كفر ومعه ملايين ولا تتأثر إطلاقاً، هذه دنيا تغر وتضر وتمر، كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله:
 
﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ*مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾.
[سورة آل عمران ]
 
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾.
[ سورة إبراهيم الآية: 42]
أنت راضٍ، فهذا الخوف، والجوع، والنقص في الأموال والأنفس والثمرات، تدريب على العمل الصالح، تدريب على النجاح في الحياة الدنيا، تدريب للفوز بالآخرة، وفي درسٍ آخر نتابع هذا الموضوع.
 
 
 والحمد لله رب العالمين
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب