سورة القصص 028 - الدرس (7): تفسير الأيات (43 – 46)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة القصص 028 - الدرس (7): تفسير الأيات (43 – 46)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 269- اسم الله القاهر 2           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - الخلافات الزوجية           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 086 - سورة النساء 038 - 040           برنامج الكبــائـر:  الكبائر - 38 - البدعة           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 268- اسم الله القاهر 1           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - كيف نتعامل مع المسنين         

New Page 1

     سورة القصص

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة القصص - (الآيات: 043 - 046)

07/01/2012 19:02:00

 
سورة القصص (028)
 
الدرس (7)
 
تفسير الآيات: (43 ـ 46)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 
 

 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السابع من سورة القصص ، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قول تعالى:
 
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً
 
 
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
(سورة القصص)
1 – وقفة مع : بَصَائِرَ وهُدًى رَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
[ ، وعند كلمة ]هُدًى [ ، وعند كلمة ]رَحْمَةً [ ، وعند كلمة ]لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ       لابدَّ من وقفةٍ عند كلمة ]بَصَائِرَ [ .
        إن الله سبحانه وتعالى يصف الكتاب الذي أُنزل على سيدنا موسى ، بل إن هذا الوصف ينطبق على كل كتابٍ سماوي ، خالق الكون خلق الإنسان في أحسن تقويم ، خلقه ليُسعده في حياةٍ أبدية ، جاء به إلى الدنيا كي يستعدَّ لهذه الحياة الأبدية ، لابدَّ من بيانٍ إلهي ، لابدَّ من خطابٍ إلهي ، لابدَّ من تنويرٍ إلهي .
 
 
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
(سورة النور )
       لابدَّ من توجيهٍ إلهي ، لابدَّ من دستورٍ إلهي ، لابدَّ من قانونٍ إلهي ، الدستور والقانون والتوجيه ، والبيان والإرشاد والخطاب ، إنَّه جوهر كتاب الله عزَّ وجل ، جوهره ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول :
 
 
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾
(سورة القصص : آية 43)
2 – ما معنى : القرون الأولى ؟
القرون الأولى : قوم نوحٍ وعادٍ وثمود .
3 – معنى : بصائر :
بصائر جمع مفردها بصيرة ، مدائن مدينة ، وبصيرة على وزن فَعِيلة ، وفعيل صيغةٌ من صِيَغ مبالغة اسم الفاعل ، يعني الشيء الذي يبصر ، الشيء الذي يجعلك تبصر .
4 – من مقتضيات ( بصائر ) :
فكأَنَّ الله سبحانه وتعالى أنزل على رسله الكتاب كي نبصر الحقيقة ، مع أن الله سبحانه وتعالى زَوَّدنا بعقلٍ متطابقٍ تطابقاً تاماً مع الكون ، وخلق الكون وفق سنن ، لكل شيءٍ سبب ، ولكل شيءٍ غاية ، ولا يتناقض الشيئان ، هذه سنةٌ ثابتةٌ من سنن الكون ، وأودع فينا العقل كذلك ، هذا العقل البشري جهاز إدراك ، فهو قوةٌ مدركة ، فلا تفهم الأشياء من حولها إلا بأسبابها ، ولا تفهم الأشياء من حولها إلا بغاياتها ، ولا تقبل التناقض ، إضافةً إلى أن الله سبحانه وتعالى خلق الكون تجسيداً لأسمائه الحسنى ، خلق في الكون آياتٍ لا تعدُّ ولا تحصى تدل عليه ، وأودع فيك العقل ، وزوَّدك بفطرةٍ سليمة ، ترتاح إذا عرفتَ الله ، وسرت على منهجه ، وفوق كل ذلك أنزل على رسله الكُتُب من أجل أن ترى ، إن لم تر بعقلك ، إن لم تر بفطرتك ، إن لم تر بالحوادث رأيت بالكتاب ، كأن الله سبحانه وتعالى نوَّع مصادر الهدى ؛ يمكن أن تصل إلى الله بعقلك ، ويمكن أن تصل إليه بفطرتك ، ويمكن أن تصل إليه من خلال استقراء الحوادث ، ويمكن أن تصل إليه من خلال الكُتُب التي نزَّلها على رُسُله ، فلذلك يقول ربنا عزَّ وجل :
 
 
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾
(سورة القصص : آية 43)
5 – الكتاب بصائر وتبصرة :
إنّ الكتاب يُعينك على أن تبصر ، يدعوك إلى أن تبصر ، يجعلك تُبصر ، بصائر جمع بصيرة ، وبصيرة على وزن فعيلة ، مؤنَّث بصير ، وفعيل بمعنى فاعل ، صيغة مبالغة اسم الفاعل ، فإذا عرفت الله عزَّ وجل من خلال هذا الكتاب ، وعرفت لماذا أنت في الدنيا ، أين كنت ؟ وإلى أين المصير ؟ وما مهمَّتك في الدنيا ؟ وما طبيعة الحياة الدنيا ؟ ما جوهرها ؟ ولماذا خلقت ؟ إذا عرفت ذلك كله كان هذا الكتاب هدىً لك في الوسائل ، الكتاب بَصَّرَك بالغايات ، والكتاب هداك إلى الوسائل ، بيَّن لك الكتاب كيف تُعامل الآخرين ؟ كيف تأخذ ما لك ؟ وتعطي ما عليك ، كيف تتزوَّج ، كيف تُزَوِّج ؟ كيف تبيع ؟ كيف تشتري ؟ كيف تعامل الناس ؟ كيف تتصل بربك ، بعد أن كان الكتاب بصائر لك في تعريفك بوجود الله ، وأسمائه الحسنى ، وحقيقة الإنسان ، وحقيقة الحياة ، ولمحة عن الماضي ، ولمحة عن المستقبل .
       الآن يعود الكتاب هادياً لك في المنهج التفصيلي ، لذلك :
 
 
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
(سورة الإسراء : آية 9)
       لذلك :
 
 
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
(سورة طه)
       هذا كلام رب العالمين ، كلام الذي خلق الإنسان ..
 
 
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾
      فلا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، ولا يمكن أن ترى حادثةً ، أو حالةً ، أو شخصاً اتبع هدى الله عزّ وجل وشقيت نفسه أو ضل عقله ، هذا كلام الخالق ، مصداقيَّته مئة في المئة .
      يا أيها الإخوة الأكارم .
 
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى﴾
(سورة القصص )
6 – الرحمة من نتائج كون الكتاب بصائر :
      إذا عرفت الله عزّ وجل ، واهتديت إلى ما يرضيه جاءتك الرحمة ، لأن الرحمة مشروطةٌ بتطبيقه ، فالكتاب بَصَّرَكَ بالحقيقة الكبرى في الكون ؟ بَصَّرَك بحقيقتك ؟ بَصَّرَك بمهمتك ؟ والكتاب هداك إلى الوسائل ، إلى كل منهجٍ تفصيليٍّ يحقق لك الغايات ، فإذا عرفت الله عزّ وجل ، وسرت على منهجه التفصيليِّ كان الكتاب رحمةً لك .
[ من أوسع الكلمات ، يرتاح جسمك ، وترتاح نفسك ، ويطمئِنُّ قلبك ، وتسعد نفسك ، ويستقرُّ فكرك ، وتسكن أعضاؤك ، وتستقرُّ في بيتك ، إنها رحمة ، وكلمة ]رَحْمَةً         وكلمة ]رَحْمَةً [ تعني الشيء الذي ترتاح له ، الشيء الذي يريحك .
7 – الرحمة مطلب كل البشر :
والإنسان لا يرتاح ، ولا يطمئن ، ولا تسكن نفسه إلا إذا كان مستنداً إلى قَوِيّ ، إلا إذا طمأَنه القوي على مستقبله ، والناس الآن يبحثون عن الطمأنينة ، يبحثون عنها في بعض الخُرافات أحياناً ، هذا الذي يأتي المُنَجِّم أو المُنَجِّمة يبحث عن ماذا ؟ إنه يبحث عن الطمأنينة ، وقد يبحث عن الطمأنينة من خلال مالٍ يُجَمِّعُهُ ، وقد يبحث عن الطمأنينة من خلال علاقاتٍ متينةٍ مع شخصيَّاتٍ مهمةٍ يُقِيُمها ، وقد يبحث عن الطمأنينة من خلال عنايةٍ فائقةٍ بجسده ، إنه في النهاية يبحث عن الطمأنينة ، ولكن الطمأنينة الحقيقية لا يملكها إلا الله عزّ وجل ، فإذا كنت معه منحك إياها :
 
 
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
(سورة الأنعام)
         مَن هم ؟ مَن هو الفريق الذي يستحقُّ الأمن ؟ الأمن كلمة دقيقة جداً ، الأمن شيء ، والسلامة شيء ، السلامة عدم حدوث الخطر ، ولكن الأمن عدم توقُّع الخطر ، وأنت من خوف الفقر في فقر ، ومن خوف المرض في مرض ، وتوَقُّع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها :
 
 
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
(سورة الأنعام)
       واللهِ الذي لا إله إلا هو ما من نعمةٍ على وجه الأرض تفوق نعمة الأمن ، ولا أمن إلا بالقرب من الله عزّ وجل ، قد تطمئن بالمال فتأتي مصيبة لا يُجْدي فيها المال ، أو مرضٌ عضال ، ماذا يفعل هذا المال ؟ أنت مطمئنٌ بالقوة ، فتأتي مصيبة لا تنفعها القوة ، أنت مطمئنٌ بالصحة ، أنت مطمئنٌ بالأولاد ، فأيُّ مصدرٍ إذا اعتمدتَه ليكون مصدر أمنك غير الله عزَّ وجل يجعله الله تأديباً لك ، ومصدر قلقٍ لك ، والجهة التي اعتمدتها جهةً لأمنك تغدو بالشرك بالله جهة قلقك :
 
 
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
       ألم يذكر الله عزّ وجل أن من نعمته على قريش أنه هو :
 
 
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾
( سورة قريش )
         إذا فقدت نعمة الأمن لا ينفع المال ، ولا تنفع القوة ، ولا تنفع العشيرة ، ولا ينفع شيءٌ من هذا القبيل ، لذلك حينما يفقد الإنسان رحمة الله عزَّ وجل يبحث عن الطمأنينة في مظانٍّ ليست صحيحة ، يبحث عنها عند الأقوياء ، يبحث عنها عند الأغنياء ، يبحث عنها في المُتَع الرخيصة ، يبحث عنها في مباهج الدنيا ، ولكنَّ هذه المصادر كلها مصادر مزيفة ، والمؤمن وحده هو الذي ينعم بالأمن ، وإنّ الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خَلقه ، ولكنه يُعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين  .
        إذاً : من خصائص الكتاب أنْ يُبَصِّرك بالهدف الكبير ، وبالحقيقة الكبيرة ، وبحقيقتك وحقيقةِ الدنيا ، وهذا الكتاب يهديك إلى المنهج التفصيلي في كل شؤون حياتك ، مضافاً إليه السنة النبوية ، لقول الله عزّ وجل :
 
 
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
(سورة الحشر : آية 7  )
      وإذا آمنت بمضمون الكتاب ، واتبعت منهجه يصبح رحمةً على قلبك ، والرحمة في الدنيا غايةُ كلِّ حيّ ، لذلك :
 
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾
(سورة فصلت : آية 30)
 
﴿وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
(سورة القصص)
     كلما جاءت في القرآن الكريم كلمة لعلَّهم يتذكرون :
 
 
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾
(سورة عبس)
      هذه إشارةٌ دقيقة إلى الفطرة ، فأنت بالفطرة مؤمنٌ بالله عزَّ وجل ، فإن لم تؤمن تضايقت نفسك ، وشعرت بالقلق ، وشعرت بالضياع ، وشعرت بالتمزُّق ، وشعرت بتفاهة الحياة ، ولا ترتاح النفس إلا إذا عرفت ربها ، هكذا فُطِرَت ، هكذا جُبلت ، هكذا صُممِّت ، هكذا خُلقت ، لذلك فالإسلام دين الفطرة ، والدين الذي يتطابق مع طبيعة الإنسان تطابقاً كُلِّياً هو الإسلام ، فإذا بحثت عن الإسلام بحثت عن فطرتك ، وإذا بحثت عن الإيمان بحثت عن طبيعتك ، إذا طبَّقت مبادئ الدين قطفت الثمار اليانعة ، لذلك :
 
 
﴿وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
(سورة القصص)
8 – لعلهم يتذكرون
         أنت لا تقول لإنسان : تذكر هذه الحادثة ، إن لم تقع الحادثة ، تذكر هذا المنظر ، إن لم ير هذا المنظر ، قد تُطلع الإنسان على منظر فتقول : انظر إلى هذا المنظر ، هذا مقبول ، أما أن تقول له : تذكَّر هذا المنظر ، معنى تذكَّر هذا المنظر أيْ قد رأيته من قبل ، لذلك ربنا عزّ وجل يقول :
 
 
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾
(سورة عبس)
         كان الله تعالى يقول : أنا حينما خلقتكُم ، وحينما فطرتُكُم ، فطرتكم على معرفتي ، وجعلت فطرتكم لا ترتاح إلا بمعرفتي ، فإذا عرفتموني فقد سعدت نفوسكم ، من هنا قال الله عزَّ وجل في الأثر القدسي : " ابن آدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتّك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء" .
[ ، ومعنى : ]هُدًى [ ، ومعنى : ]رَحْمَةً          إذاً : هذه معنى : ]بَصَائِرَ [ ، ومعنى :
 
 
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
(سورة القصص)
       ذكرتها لك فاملأ نفسك وقلبك وعقلك منها .
 
 في القرآن الكريم إعجاز في المضمون وفي الشكل :
 
       كما قلت في الدرس الماضي : في القرآن الكريم إعجاز ، الله سبحانه وتعالى أرسل أنبياءه ، وأرسل رسله ، ولابدَّ من أن يعطيهم دليلاً على أنهم أنبياؤه ، لابدَّ من أن يعطيهم دليلاً على أنهم رُسُلُه ، ما الدليل ؟ الدليل هو المعجزات ، لا يستطيع مخلوقٌ على وجه الأرض كائناً من كان أن يجعل العصا ثعباناً مبيناً ، فإذا جاء إنسان ، وألقى العصا التي بيده فإذا هي ثعبان مبين ، إذاً هذا مؤَيَّدٌ من خالق الكون ، فالمعجزة في أصلها دليلٌ قطعيٌ على نبوَّة النبي ورسالة الرسول ، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو معجزة النبي عليه الصلاة والسلام ، إنه يدُلُّ على أن النبي عليه الصلاة والسلام هو رسول الله ، لكنَّ هذا الكتاب معجزةٌ باقية ، بينما معجزات الأنبياء السابقين حادثة وقعت ، وانتهت ، وأصبحت خبراً ، أكرر : هذا الكتاب معجزةٌ باقية ، وقد تحدثت في الدرس الماضي ، عن أن إعجاز القرآن موضوعٌ كبيرٌ جداً لا تكفيه دروس ولا حلقات ، ولكن بشكل مختصر هناك إعجازٌ في المضمون ، وهناك إعجازٌ في الشكل .
    
1 – الإعجاز في المضمون :
 
في المضمون : التشريع الذي في القرآن شيءٌ معجز ، البشرية مع تطورها ، ومع تداخل التأثيرات فيها ، مع انتقالها من طورٍ إلى طور ، يبقى تشريع القرآن الكريم تشريعاً صالحاً لكلِّ زمانٍ ومكان ، وقد ضربت على هذا بعض الأمثلة ، كيف أن القرآن الكريم أمر بقطع يدِ السارق ، والمجتمعات الحديثة التي تدَّعي أنها مجتمعاتٌ متألِّقة في كل ثلاثين ثانية ترتكب فيها جريمة اغتصاب ، أو قتلٍ ، أو سرقة ، هذا في مجتمعات الغرب ، وفي مجتمعات الشرق اهتدوا بعد فوات الأوان ، وبعد أن دفعوا الثمن باهظاً إلى أنه لابدَّ من تحريم الخمر ، المجتمعات الآن في شرقها وغربها تقترب من الإسلام ، لا حباً بالإسلام ، ولا إيماناً به ، ولكنها مُضْطَرَّة ، لأن الحل الإسلامي هو الحلُّ الأمثل .
         إذاً هذا الكتاب الكريم مُعْجِز في تشريعه ، مُعْجزٌ في قضاياه العلمية .
 
 ليس في القرآن آية مناقضة للحقائق العلمية المقطوع بها :
 
       أولاً : ما في القرآن الكريم آيةٌ واحدةٌ جاءت حقيقةٌ علمية وناقضتها ، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله لوجد الإنسان فيه نقصاً وخللاً .
      مثلاُ : من يخطر في باله في عهد النبي e أن هناك وسائل للنقل حديثة سوف تكون ، كانت الحياة يومئذ تقوم على الناقة ، وعلى الحصان ، وعلى الدوابِّ ، يقول ربنا عزّ وجل :
 
 
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾
(سورة النحل : آية " 8)
 
 صورٌ من إعجاز القرآن من حيث المضمون :
 
1 – وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
لو أن الآية انتهت عند هذا الحد ، وجاء الإنسان المعاصر ، وركب الطائرة ، وركب السيارة ، وركب الباخرة ، وركب هذه الوسائل السريعة ، وقرأ الآية ، والنبي عليه الصلاة والسلام مهما كان عبقرياً ، مهما كان ذكياً ، مهما كان متفوقاً فلا يستطيع أن يَخْرِقَ المجهول ، لكن الله سبحانه وتعالى عالم الغيب والشهادة قال :
 
 
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
(سورة النحل)
قولُه : ]وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [ ؛ غَطَّت كل الوسائل ، إنه كتاب خالق الكون .
2 – أنثى العنكبوت هي التي تبني البيت :
في عهد النبي ما كان للعلم أن يعرف أن العنكبوت زوجان : ذكرٌ وأُنثى ، وأن الأنثى هي التي تبني البيت ، لكن ربنا سبحانه وتعالى قال :
 
 
﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾
(سورة العنكبوت : آية 41)
       بتاء التأنيث الساكنة ، ولم يكن هذا معروفاً على عهد النبي e .
3 – قلة الضغط الجوي بالصعود إلى السماء :
       لم يكن معروفاً على عهد النبي e أن الإنسان إذا صعد في الطبقات العليا من الجو قلَّ الضغْطُ ، وشعر بالضيق الشديد :
 
 
﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾
(سورة الأنعام : آية 125)
      هذا من إعجاز القرآن العلمي .
4 – نوع الجنين يحدده الحُوين المنوي :
      ما كان أحدٌ يعرف أن نوع الجنين يحدده الحُوين المنوي :
 
 
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى *مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾
(سورة النجم)
 
5 – كل شيء يدور حول نواةٍ :
       ما كان أحدٌ يعرف في عهد النبي e أن كُلَّ شيءٍ يدور حول نواة ، قال تعالى :
 
 
﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
(سورة الأنبياء : آية 33)
6 – جريان الشمس :
      ما كان أحدٌ يعرف في عهد النبي e أن الشمس تجري :
 
 
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾
(سورة يس)
      طبعاً المجال لا يتسع لاستقصاء الآيات ، لكن أضربُ بعض الأمثلة ، لأن القرآن طافحٌ بآياتٍ لا حصر لها تُبَيِّن أن هذه الآيات لا يمكن إلا أن تكون من عند خالق الكون ، لذلك قال الإمام عليٌ كرَّم الله وجهه : << في القرآن آياتٌ لَمَّا تُفَسَّر بعد >> .
        إذاً في المضمون فيه إعجازٌ علمي ، وفيه إعجاز تشريعي ، وفيه إعجاز إخباري ، القرآن فيه حديثٌ عن غيب الماضي ، وآيات غيب الماضي ، ليست أخباراً عن الماضي فحسب ، بل إشارة إلى هذا العقل البشري ، أنْ أيها الإنسان فَكِّر ، هذا النبي الأُمِّي الذي ما قرأ ، وما كتب ، وما حَصَّل من ثقافة عصره شيئاً ، ولا اتصل ، بل عاش في صحراء ، عاش في البادية ، من أين له هذه الأخبار الدقيقة ؟ من أين له أن يأتي بأخبار سيدنا موسى مع شعيب ؟ وسيدنا موسى مع فرعون ؟ مِن أين له أن يأتي بقصَّة مريم الصديقة ؟
 
 
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾
(سورة القصص : آية 44)
 
 الإعجاز الإخباري في القرآن الكريم :
 
أي حينما حَمَّلناه التوراة التي فيها الأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، وما كنت أنت يا محمد معه ، فمِن أين جئت بهذه الأخبار ؟ ألستَ نبي الله ؟
 
﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾
      ما حضرتَ معه المناجاة :
 
 
﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾
( القصص : آية 45)
        أيْ أنه جاء من بعد سيدنا موسى أقوامٌ وأقوامٌ وأقوام تطاول عليهم العُمُر ، وأنهم نسوا حظاً مما ذُكِّروا به ، وأنهم نسوا كتاب الله ، نسوا التوراة التي أُنزلت على نبيِّهم ، إذاً  يقتضي الأمر أن يبعث الله عزَّ وجل في كل حِقْبةٍ رسولاً ، حينما تضيع معالم الحقيقة ، حينما يفرَّغ الدين من مضمونه ، حينما يغدو الدين طقوساً لا معنى لها ، حينما تصبح الديانة شيئاً لا مغزى له يأتي نبيٌّ جديد ليجدد لأمتي دينها :
 
 
﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِياً﴾
معنى ]ثَاوِياً [ ، أي مقيماً .
 
 
﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾
        كلمة : ]وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [ ، أي أن إرسال الله الأنبياء والرسل سنةٌ ثابتةٌ من سننه تعالى .
       وهناك آيات أُخرى :
 
 
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
(سورة المؤمنون)
 
﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾
(سورة القصص)
أي تقتضي رحمة الله عزَّ وجل ، وتقتضي عدالته ، وتقتضي حكمته ، ويقتضي علمه أن يُرسلَ للناس في كل حينٍ رسولاً يرشدهم إلى ربِّهم :
 
 
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾
(القصص : آية "46)
        إنها آياتٌ بعضها يأخذ برقاب بعض ، بعضها يؤكِّد بعضها الآخر .
 
 
  إخبار القرآن عن غيب الناضي والحاضر والمستقبل :
     
إن ما في هذا القرآن من أخبار ، ما فيه من قِصَص ، ما فيه من حوادث وقعت في الماضي السحيق ، في الماضي البعيد ، ما كان للنبي عليه الصلاة والسلام أن يَعْرِفها ، فطبيعته ، وصحراؤه التي عاش فيها ، وبيئته التي نشأ فيها ، وانقطاعه عن العالم الخارجي ، وأُمِّيَتَه ، وطبيعة المكان الذي نشأ فيه ما كانت تسمح له أن يطَّلع على هذه الأخبار ، هذا غيب الماضي .
       وأما غيب الحاضر فكل مؤامرات اليهود التي حاكوها أنبأه الله بها في حياته ، وقد تآمر أعداء النبي عليه الصلاة والسلام تآمروا على أن يباغتوه ، وهو يصلِّي مع أصحابه ، فجاءت آيات الصلاة في أثناء الحرب تكشف نواياهم الخبيثة .
       عُمَيرُ بن وهب قصته معروفة ، فقد تآمر مع صفوان بن أميَّة على أن يقتل النبي عليه الصلاة والسلام ، فعندما قَدِمَ المدينة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عمير ألم تقل لصفوان كذا وكذا وكذَا ؟ فاعترف بما كان بينه وبين صفوان ، وأسلم من فوره .
       ففي السيرة المطهَّرة ، وفي القرآن الكريم آياتٌ كثيرة تشيرُ إلى غيب الحاضر ، وآياتٌ كثيرةٌ كثيرة تشيرُ إلى غيب المستقبل .
 
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾
(سورة الروم)
         إنّ فتحَ مكة من غيب المستقبل :
 
 
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾
(سورة البقرة : آية 142)
        هذه من غيب المستقبل ، وفعلاً فقد قال السفهاء ، ولو أن هؤلاء السفهاء سكتوا لنقضوا القرآن الكريم ، قال عنهم : إنهم سفهاء ، وقد قالوا ما قال الله عنهم ، لو أنهم فكَّروا وسكتوا لأصبح كلام الله باطلاً :
 
 
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾
(سورة البقرة : آية 142)
        هذه الآية من إعجاز القرآن في الإخبار بالمستقبل ، وثمة آياتٌ كثيرة تتحدَّث عن المستقبل ، والحديث عن علامات الساعة :
 
 
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ﴾
(سورة الإسراء : آية " 104)
      تتحدث عن اليهود ، وما سَيَطالهم في المستقبل .
 
 
﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً ﴾
      هذا من غيب المستقبل :
 
 
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾
(سورة التوبة : آية " 33)
        الآن الدين الإسلامي في بعض البلاد الغربية إما أنه الدين الثاني أو الثالث ، وفي فرنسا عشرة ملايين مسلم ، فإقبال الناس على الدين الإسلامي في شتَّى أنحاء العالم إقبالٌ منقطع النظير ، لأن الإسلام يمثِّل الوسط ، والكمال في الوسط ، وكل المبادئ المتطرِّفة تميل عن الوسط :
 
 
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾
(سورة التوبة : آية 33)
        هذه الآية من غيب المستقبل ، إذاً في القرآن آياتٌ فيها غيب الماضي ، وآياتٌ فيها غيب الحاضر ، وآياتٌ فيها غيب المستقبل ، وهذه كلها من إعجاز القرآن الإخباري ، هناك إعجازٌ علمي ، وهناك إعجازٌ تشريعي ، وهناك إعجازٌ إخباري .
 
من الإعجاز العلمي في القرآن : الإحكام الحسابي :
 
وهناك إحكامٌ حسابي ، من يصدِّق أن كلمة ( يوم ) وردت في القرآن ثلاثمئة وخمساً وستين مرة ، أي بعدد أيام السنة ، وأن كلمة ( شهر ) وردت في القرآن اثنتي عشرة مرة ، وأن كلمات ( الجنة ) تكافئُ كلمات ( النار ) ، وأن كلمات ( الدنيا ) تكافئ كلمات ( الآخرة) ، وأن كلمات ( الشياطين ) تكافئ كلمات ( الملائكة ) ، وأن كلمة ( البَر ) وردت في القرآن مع كلمة ( البَحْرِ ) بنسبة البرِّ إلى البحر تماماً حتى في الأعشار ، كلمة ( البَرْ ) وردت ثلاث عشرة مرة ، وكلمة ( البحر ) وردت ثلاثاً وثلاثين مرة ، ونسبة تسعة وعشرين في المئة تقريباً إلى واحد وسبعين هي نسبة البر إلى البحر ، هذا إحكام عددي ، وفيه أيضاً إعجاز رياضي ، وإعجاز بلاغي .
       لا يتسع المجال لا في درس ولا درسين ، ولا في عام بأكمله للوقوف عند نقاط الإعجاز في القرآن الكريم ، لكن كل نقطة من نقاط إعجازه تثبت للمؤمن أن هذا الكلام كلام الله ، وأنك إذا أيقنت أن هذا الكلام كلام الله فيجب أن تأخذ به على أنه كلام الله ، والله سبحانه وتعالى هو خالق الكون ، وإليه المصير ، فأنت أحياناً إذا ثبت لديك أن هذا الكلام كلام زيد من الناس ، وتعرف مَن زيد ، وما عند زيد من عطاء ، وما عنده من عقاب ، وإذا ثبت أن هذا الكلام كلامه ، وأنَّه يأمُرك بكذا ، وينهاك عن كذا ، فلماذا تنضبط ؟ ولماذا تفعل ما أمر ، وتنتهي عما عنه نهى ؟ ليقينك بشيئين ، بمن هو زيد ، وأنَّ هذا الكلام كلام زيد ، هذا أنت تفعله وأنت لا تدري في تعامُلك اليومي ، إذا لا تنسوا هذه الآية :
 
 
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾
(سورة الطلاق : آية 12)
      اختار الله عزّ وجل من بين أسمائه كلها القدرة والعلم ، أيْ أنَّك إذا أيقنت أن علمه يطولك ، وقدرته كذلك تطولك ؛ قال سبحانه :
 
 
﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾
(سورة طه)
 
 ها هو الله فاستقيموا :
 
       فما من شيءٍ إلا وهو مُطَّلِعٌ عليه ، نياتك ، أعماق نفسك ، ما الذي تظن أنه لا يعلمه أحد ؟ خفايا مشاعرك ، طموحاتك ، أهدافك البعيدة جداً يعلمها ، علمه يطولك ، وقدرته تطولك ، أنت كلّك بيده ، بدءاً من خلاياك ، إلى أجهزتك ، إلى أعضائك ، إلى مشاعرك ، إلى قلبك ، إلى عقلك ، إلى أهلك ، إلى أولادك ، إلى عملك ، إلى من هم دونك ، إلى من هم فوقك ، كلهم بيده ، إذا أيقنت أن علمه يطولك ، وقدرته تطولك فلابدّ من أن تستقيم على أمره ، ألا تستحيي أن تستقيم على أمر زيدٍ أو عبيد إذا أيقنت أن علمه يطولك وقدرته تطولك ؟!!
        بربِّك إذا كنت تقود مركبةً ، والإشارة حمراء ، وإلى جانب الإشارة ضابطٌ كبير في الشُرطة ، وحوله الجنود مع درَّاجاتهم النارية أتخترق هذه الإشارة الحمراء ؟ ضابط كبير في شرطة السير ، وحوله الجنود ، وهو يقف على هذه الإشارة بعيونٍ فاحصة ، وأنت على الإشارة ، أتخترق هذه الإشارة ؟ أتتخطاها مخالفاً ؟ لماذا لم تفعل ؟ وما من إنسانٍ على وجه الأرض فيه ذرة تفكير يَتَخَطَّى الإشارة في هذا الظرف ، أما بعد الساعة الثانية ليلاً فليس هناك شرطي ، فَعِلْمُ واضع النظام في تلك الساعة لا يطولك ، فأنت إذاً تتخطى ، وقد تكون أحياناً أهم من هذا الذي يخالفك فتتخطى الإشارة ، أما إذا أيقنت أن علمه يطولك ، وقدرته تطولك فلن تخالف الأمر ، ألا يستحيي المرء من الله عزَّ وجل أن ينضبط مع إنسان ، وأن يطبِّق أمر زيد أو عبيد بدقة ، بينما هو يعصي خالق الأكوان ، حينما يعصي الإنسان ربه على ماذا يعتمد ؟ على صحته ؟ حينما يعصي الإنسان ربه على ماذا يعتمد ؟ على ماله ؟ على زوجته ؟ على أولاده ؟ على مكانته ، على وظيفته ، على قدرته ؟ كلُّها أمور جوفاء هزيلة ، إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك ؟
        لذلك أيها الإخوة الأكارم ، هذا القرآن من عند الله ، إذا أيقنت أنه من عند الله فلابدَّ من أن تأخذ مضمونه على محمل الجَدّ ، يقولون : إن الكاتب العظيم هو الذي يؤلِّف كتاباً تقرؤه فتبدأ متاعبك ، لماذا تقرؤه فتبدأ متاعبك ؟ لأن هذا الكتاب يضعك عند مسؤولياتك ، ويبيِّن لك الأخطار ، لو أن إنساناً يشعر ببعض الضعف في صحَّته ، فالتقى طبيباً بارعاً ، وقال له : هذه الأعراض بداياتٌ لمرضٍ خطير ، فإنه لا ينام الليل ، يفكِّر في العلاج ، يفكِّر في الدواء ، يفكِّر في الاحتياط ، فكيف إذا كان الله عزّ وجل يقول لك :
 
 
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾
(سورة التحريم)
 
أمر إلهي ..
 
﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾
     أنت لست مأموراً أن تتقي النار وحدك ، بل عليك أن تتقي النار مع أهلك ، مع زوجتك ، مع أولادك ، مع بناتك .
        فيا أيها الإخوة المؤمنون ، كلما عرفتَ الله عزّ وجل معرفةً أعظم عرفت خطر كلامه ، قد يأتيك أمر معيَّن ، والتوقيع من فلان ، وهو برتبة عَريف ، هذا الأمر لك منه موقف ، فإذا كان الضابط الملازم فلان ، فلك موقف آخر ، فإذا كان ضابطاً ركناً ، فلك موقف ثالث ، وإذا كان له رتبة عالية جداً ، وأنت جندي عنده فلك موقف رابع ، أما إذا كان يحمل أعلى رتبة في الجيش ، وبإمكانه أن يفعل بك ما يفعل ، وأن يعطيك ما يعطيك ، فكلَّما علت الرتبة في التوقيع كان لك موقف آخر ، فإذا كان الأمر من خالق الكون ، مِن الذي إليه المصير :
 
 
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾
(سورة الغاشية)
         ربنا عزَّ وجل يقول للنبي عليه الصلاة والسلام :
 
 
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴾
(سورة المدثر)
       هذا الإنسان يا محمَّد إن لم يستجب لك فدعه لي ، أنا أعرف كيف أُداويه ، أنا أعرف كيف أجعله يندفِعُ إلى بابي عقب مصيبةٍ مُرَّة .
       فيا أيها الإخوة الأكارم ، والله الذي لا إله إلا هو ما منا واحدٌ إلا وهو غالٍ على الله ، ما منا واحدٌ إلا وهو مطلوب من الله عزَّ وجل غالٍ فإما أن تأتيه مسرعاً بمحض اختيارك ، وإما أن يسوقك الله إليه مسرعاً ، لكن البطولة أن تأتيه وحدك مسرعاً ، وأنت قويٌ ، وأنت صحيحٌ ، وأنت غنيٌ ، وأنت معافى ، من دون مصيبة ، من دون مرض ، من دون مشكلة .
       هذا كله في إعجاز القرآن من حيث المضمون .
 
2 ـ إعجاز القرآن من حيث الشكل وصُوره :
 
      أما إذا انتقلنا إلى إعجازه من حيث النظم والشكل ، فحدِّث ولا حرج ، هذا موضوع يحتاج إلى اختصاص ، يحتاج إلى درس خاص ، نظم القرآن الكريم ، طريقته في تبليغ الأمر ، طريقته في النهي ، طريقته في العرض ، نظمه للكلام ، التقديم ، التأخير ، كيف يعدِل ربنا عزَّ وجل عن الخبر للإنشاء ؟ وعن الأمر للوصف ، وكيف ينتقل من المخاطب إلى الغائب ؟ وكيف في الآية الواحدة يخاطب العقل والقلب معاً ؟ بنود إعجاز نظم القرآن بنودٌ طويلةٌ جداً  ، وعليها شواهد دقيقة ، وتحتاج إلى اختصاص في اللغة ، وأكتفي بشاهد واحد يوضح لكم بعض ما في كتاب الله من إعجاز ، قال ربنا عزَّ وجل :
 
 
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾
(سورة هود : آية 6)
1 – تنكير الشمول : مِن دابَّةٍ :
       هذا قرآن ، لماذا جاءت كلمة ] دَابَّةٍ [ نكرة ، ولم تأتِ معرفة ؟ لأن الله لو قال : الدوابُّ على الله رزقها ، معنى ذلك أن الدواب التي تعرفونها ، فـ ( أل ) التعريف ، أو أنها ( أل ) العهد ، أي الدواب الأليفة ، أي الأنعام على الله رزقها ، لكن الله عزَّ وجل لما جاء بكلمة دابة جاء بها نكرة ، فهذه إشارة إلى أن هذا التنكير تنكير شمول ، تقول : طالبٌ ، هذه الكلمة تنطبق على كل طالب في العالم ، أما إذا قلت : الطلاب سوف نعطيهم الجوائز ، تقصد أنت الطلاب المتفوقين ، أو طلاَّب هذه المدرسة ، أو طلاَّب هذا المسجد ، إذا عَرَّفت الكلمة خَصصَّتها ، فإذا نَكَّرتها عممتها ، فربنا عزَّ وجل قال :
 
 
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾
       هذا التنكير تنكير شمول ، لكن إذا دخل معلم على طُلاَّبه ، وقال : سأعطيكم جوائز ، هذا الكلام يشمل الحاضرين ، ولا يشمل الغائبين ، ثم تأتي كلمة ( من ) .
 
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾
      فهذه ] مِنْ [ تفيد استغراق أفراد النوع فَرداً فرداً ، فإذا قال المعلم : ما مِن طالبٍ إلا وله جائزة ، هذا الكلام شمل الغائبين ، ومنهم اثنان غائبان يغطيهم ، أما إذا قال : طلاَّب هذا الصف لهم عندي جائزة ، فالمقصود الحاضرين ، إذاً لمّا نَكَّر ربنا عزَّ وجل كلمة ] دَابّةٍ [ ، تنكير شمول أضاف لها ]مِنْ [ لاستغراق أفراد النوع ، ثمّ نفى واستثنى ، لو قال : الدواب على الله رزقها ، أي على الله نَكَّر وعلى غير الله ، ويقول لما ربنا :
 
 
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
(سورة الفاتحة)
2 – تقديم ما حقه التأخير : إيَّاك نعبد :
        هنا في الجملة قصْر ، فلو قال : نعبد إياك ، لصار المعنى : نعبدك ، ونعبد غيرك ، أما :
 
 
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾
      فتعني : لا نعبد إلا أنت ، من تقديم المفعول به على الفعل ، فصار في الجملة قصر ، بأسلوب  النفي والاستثناء ، ]مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ [ ، إذاً الرزق مقصورٌ على الله عزَّ وجل .
      الآن لو قال الله عزَّ وجل : ما من دابةٍ إلا الله يرزقها ، فلا يعني على وجه الإلزام ، فقد يرزقها ، أو لا يرزقها ، ولكن عندما قال : ] إِلاَّ عَلَى [ ، فإن ( على ) تفيد الإلزام ، فكلمة ( مِن ) أعطت معنى ، وكلمة ( دابةٍ ) أعطت معنى ، وكلمة ( من ) حصرت في معنى محدد ، ومثلها كلمة ( ما ) لها معنى ، وكذلك كلمة ( إلا ) أفادت معنى .
        ذات مرةٍ حاولت في هذه الآية أن أصيغها صياغة أخرى ؛ في اثنتي عشرة صياغة ، فأشعر أن المستوى هبط فجأةً ، فمِن حَذْفِ ( من ) هبط المستوى ، ومن إلغاء القصر هبط المستوى ، لذلك هناك إعجاز في نظم القرآن الكريم ، والشواهد والدلالات على هذا البند كثيرة جداً ، لكنها تحتاج إلى اختصاص ، اختصاص في البلاغة ، اختصاص في اللغة ، في النحو ، في الصرف ، في بنية الكلمة ، في أوزان الأفعال :
 
 
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾
(سورة البقرة : آية 286)
3 – كسبت واكتسبت :
       لماذا قال الله هذا ؟ لمَ لم يقل : لها ما كسبت ، وعليها ما كسبت ؟ أو لها ما اكتسبت وعليها ما اكتسبت ؟ هذا موضوعٌ دقيقً جداً ، الفرق بين كَسَبَ وبين اكتسب كالفرق بين فَعَلَ وافتعل ، الفرق دقيق جداً ، وهذه كذلك لها بحث ، ليس هنا مجال للحديث عن إعجاز القرآن اللغوي ، لكن أهل الاختصاص والخبرة يدركون ذلك كما فعل السحرة ؛ سحرة فرعون حينما رأوا العصا أصبحت ثعباناً فقالوا :
 
﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴾
(سورة طه)
      واللهِ الذي لا إله إلا هو ؛ أهل اللغة إذا دققوا في نظم القرآن لا يملكون إلا أن يسجدوا لله عزّ وجل لشعورهم أن هذا الكلام كلام إله ، وليس كلام بشر ، بل إنه فوق طاقة البشر ، لذلك قال ربنا عزّ وجل :
 
 
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾
(سورة فصلت  : آية 42)
      الحديث عن إعجاز القرآن حديث طويل ، لكنّي أعطيكم مقتطفات ، ونماذج على سبيل المثال ، لا على سبيل الحصر والقصر :
 
 
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾
(سورة القصص)
      أيْ أنَّ هذا القرآن رحمةٌ من الله عزّ وجل من ربِّك لقومك يا محمد e .
 
 
 
﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
 
       هذه هي الفطرة .
 
    وقفة مع الفطرة :
 
أيها الأخُ الكريم ، مع وقفة قصيرة ، لو لم تكن فطرة الإنسان كما هي عليه ، لو لم تكن فطرته عالية لفَعَلَ السوء ، ولارتكب المعاصي ، واعتدى ، وأكل مالاً حراماً ، واعتدى على أعراض الناس ، لو لم تكن فطرته عالية لما شعر بوخزِ الضمير ، ولا بالانقباض ، ولا بالضيق ، ولا بالشقاء ، بل بقي مقيماً على معاصيه حتى الموت ، ولكن رحمة الله عزّ وجل تتمثل بهذه الفطرة التي فطره عليها ، فطرةٌ عالية ، هذه الفطرة كلما حاد عنها ضاقت نفسه .
الهستريا والشعور بالقلق :
       مثلا : انتقلْ إلى بلاد الغرب حيث لا دين ولا خلق ، ولا شيء من هذا القبيل ، فإنك ترى عجباً ، وقد قرأنا في علم النفس أن الشاب إذا فعل شيئاً منكراً شعر بحالةٍ اسمها الكآبة ، الشعور بالكآبة ، ما هي الكآبة ؟ هي مرض نفسي خطير ، الإحساس بالكآبة هو تأنيب الضمير ، يوجد مرض اسمه ( الهستيريا ) ، والناس يستخدمون كلمة ( هستيريا ) بمعنى الجنون ، ولكنه مصطلح في علم النفس دقيق ،  مرض ( الهستيريا ) هو شلل عضوي لسبب نفسي .
        يُذكَر في كتاب علم النفس شاهدٌ عليها ، أن طبيباً شاباً كان في زيارة مريض متقدِّم في السن له ابنةٌ شابة ، وقد وضع يده على جسمها ، وهذه خيانة في مهنة الطب ، أصيبت يده بالشلل لشعوره بالذنب ، رغم أنه طبيب ، وهذا يعالج المرضى نفسياً ، أصابه شلل عضوي كامل مَرَدُّه شعورٌ بالذنب ، هذه هي الفطرة .
       شاهد آخر : جنديّ في المعركة كان بإمكانه أن ينقذ رفيقه من الموت فلم يفعل ، فأصيب بالشلل ، هذا المرض اسمه ( هستيريا ) ، وهو مرضٌ أساسه الشلل العضوي لأسبابٍ نفسية ، لو فحصت الأجهزة العصبية تجدها سليمة ، العضلات سليمة ، مراكز التَنَبُّه سليمة ، كل شيء في الإنسان سليم ، لكنَّ نفسه المذنبة ليست سليمة ، وهي السبب .
        موضوع الفطرة موضوع دقيق جداً ، وأنت لا ترتاح إلا إذا استقمت على أمر الله ، مادام هناك خلل ، ومادام هناك كذب ، ومع الكذب يتولَّد انقباضٌ ، ومادام عنده نفاق فهناك انقباض ، ومادام لديه تقصير في العبادات فهناك انقباض ، لو أن الإنسان استيقظ بعد طلوع الشمس وفاتته بصلاة ، ولم يعلم أحد به ، ولكنه يشعر بانقباض ، وكأنه فَعَلَ ذنباً كبيراً ، لكن إذا صلَّى الفجر بشكل أو بآخر في وقت الفجر ، وعاد إلى النوم ، ويستيقظ بعد أن صلى الفجر في وقته براحة ، هذه فطرة .
      إن قالت لك أمك : أنا متألِّمة يا بني ، هل عندك دواء ؟ إذا قلت لها : الآن الحصول على الدواء صعب ، فالساعة الثانية ليلاً ، فقالت لك : لا عليك ، وسكتتْ ، هل ترتاح إذا نمت في فراشك ؟ وأنت تعلم أن هناك صيدليات مناوبة ، فلو ذهبت إلى إحدى الصيدليات المناوبة ، ولم تجد الدواء ، وذهبت إلى الثانية ، والثالثة ، والرابعة ، وعدت إلى البيت ، في الحالتين أمك لم تأخذ الدواء ، لكنك تنام مرتاحاً ، لماذا ؟ لأنك فعلت الذي عليك ، فقد ارتاحت نفسك ، رغم أنَّ الدواء لم يُحضَر ، لكن في المرة الأولى شعرت بالضيق .
      إن قالت لك زوجتك : ابنك حرارته مرتفعة ، فأهملت أخذه للطبيب ، فإنك تشعر بالضيق ، فإذا ذهبت إلى الطبيب ، وقال لك : يجب أن يبقى هكذا حتى الصباح ، حتى أعرف بالضبط ما هو الموضوع ، فإنك ترتاح ، إذاً راقب نفسك تجد أنك لا ترتاح نفسك إلا إذا تصرَّفت وفق الشرع فيما أمرك ونهاك ، وأي مخالفةٍ للشرع تعود عليك بانقباضٍ وألمٍ نفسيٍّ لا يوصف ، هذه هي الفطرة ، وأكبر معين لنا على طاعة الله هو الفطرة ، إذا حِدْتَ عنها شعرت بالقلق .
      لذلك عيادات الأمراض النفسية في بلاد الكفر تفوق عيادات أمراض الجسد ، بل إن النسبة التي قرأت عنها هي مئة وخمسة وخمسون في المئة ، أي أن كل إنسان يُعالِج مرة ونصفًا عند طبيب نفسي ، بينما أصحاب الأمراض الجسمية مرة واحدة بسبب الشعور بالانحراف .
           قد ينجو الإنسان أحياناً من القانون ، لكن هل ينجو من نفسه ؟ لا ، إنه لا ينجو ، إنسان دهس طفلاً في الساعة الثانية ليلاً ، لا يوجد شرطة ، ولا أحد يتعقبه ، أول ليلة لم ينم ، ولا الثانية ، ثم مضى عليه عشرون يوماً لم يذق طعم النوم ، ذهب إلى طبيب نفسي فقال له : ما القصة ؟ فقال له : هكذا جرى بعد الحادثة لم أستطع النوم ، فأخبره الطبيب أنه لا يمكن أن تنام إلا إذا دفعت دية هذا الغلام ، فدفع ديته لأهله من وراء حجاب حتى استطاع أن ينام ، إذاً : هذه هي الفطرة ، فكلما جاء في القرآن :
 
 
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
(سورة الدخان)
          ما فطركم الله عليه ، وما أمركم ، وما نهاكم عنه .
         إنَّ بنيتك مبنيَّة وفق الإيمان ، إذا خالفتَها تشعر بألم ، فمثلاً بالنسبة لبيتك ؛ لو أنك تناولت طعاماً نفيساً وحدك في السوق ، وأهلك وأولادك يأكلون طعاماً خشناً ، هل ترتاح ؟ لا ، بل إنك تتضايق ، مع أن الطعام لذيذ ، وهذا ضيق الفطرة لهذه الخيانة ، من لهم غيرك ؟ ائتِ به إلى البيت ، هذه هي الفطرة ، هل تبتغي الراحة النفسية ؟ تصرَّف وفق الشرع تماماً ، كن عند الأمر والنهي ، ولو في النظرة الخائنة ، فلو أن الإنسان نظر إلى امرأة لا تحلُّ له نظرةً عابرة ، وجاء ليصلي ، فإنه يشعر أن بينه وبين الله حجابًا ، لماذا نظرت يا عبدي ؟ لماذا نظرت إلى امرأةٍ لا تحلُّ لك ؟ فإذا كنتم تبتغون راحة نفوسكم فإن راحتها في طاعة الله عزّ وجل ، إذا أحببتم نفوسكم ، إذا كنتم مفرطين في الأنانية فأطيعوا الله عزّ وجل ، تَقَصُّوا أمره في كل ما أمر عندئذٍ لتسعدوا .
       في البيع ، لو أنك كذبت على المشتري ، وقلت له : إن هذا القماش جيد ، وهو ليس كذلك ، وحان وقت صلاة الظهر ، فإنك لا تقدر أن تصلي الظهر ، تدخل إلى الجامع فتتوضأ ، وتصلي ، لكنك لم تتصل بالله عزّ وجل ، بينك وبين الله حجاب ، لأنك غششت مسلماً ، أو غششت غير مسلم .
      لو أنك قَصَّرت في إطعام هِرَّة ، لو أنك ضربت حيواناً أليفاً فتألم ، تشعر أنَّ بينك وبين الله حجاباً ، هذه هي الفطرة .
      أنا أُلِحُّ على الفطرة ، لأن الإسلام هو دين الفطرة ، في معاملتك لزوجتك ، لوالدتك ، لأولادك ، لأقاربك ، لجيرانك ، لزبائنك ، لموظَّفيك ، للمراجعين ، أمامك مُراجِع ، ومعاملته تحتاج إلى توقيع ، وعندك صديق ، والحديث لطيف ، والقهوة ساخنة ، فتقول له : تعال غداً ، فهل يمكنك أن تصلي الظهر ؟ ما ذنبه هو ، قد أتى من مكان بعيد ، وبإمكانك أن تقطع الحديث الممتع مع صديقك ، وأن تحُل له أمر هذه المعاملة ، لذلك هؤلاء الذين يضعون العراقيل أمام الناس فإنهم يدفعون الثمن باهظاً ، من أين يدفعونه ؟ من سعادتهم ، دائماً عندهم ضيق ، كل إنسان مخالف لقوانين الفطرة تجد عنده عصبية وضيقًا ، وانفجارًا سريعًا ، فوراً ينفجر ، هذا كله ضيق داخلي ، حينما يبني مجده على أنقاض الناس ، حينما يبني سعادته على شقائهم ، حينما يبني ثروته على فقرهم ، حينما يعيش على حسابهم ، حينما يعذِّبهم ، حينما يخيفهم ، فهذا صار أشقاهم ، اختل توازنه الداخلي ، تجده سريع الغضب ، ينفجر بسرعة ، ولأتفه سبب ، إذا رأيتم أحداً انفجر لسبب تافه ، فاعرفوا أنه مريضٌ نفسياً ، وهذا خالف قوانين فطرته ، ينفجر لأتفه الأسباب ، يضرب ضرباً مُبَرِّحاً بلا سبب ، قد يضرب ابنه لسبب تافه ، أنا أعرف إنساناً يضرب طفله الصغير الرضيع إذا بكى ، هذا عنده اختلال داخلي ، وهذا الاختلال من مخالفة قوانين الفطرة .
 
 السعادة كل السعادة في طاعة الله :
 
      فيا أيها الإخوة الأكارم ، السعادة كل السعادة تكمن في طاعة الله عزّ وجل ، تقطف ثمارها في الدنيا قبل الآخرة ، فالله تعالى يقول :
 
 
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ﴾
(سورة الانفطار)
     أما النعيم مطلق .
 
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾
     من غير تحديد ، في الدنيا للأبرار نعيم ، بالإضافة إلى نعيم الآخرة .
 
 
﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ﴾
         في القرآن إشارات كثيرة إلى أن النعيم مستمر ، إذا كنت مع قوانين الفطرة ، إذا كنت مع أمر الله فأنت في نعيم داخلي ، لذلك في قلب المؤمن سعادةٌٍ لا يعرفها إلا من ذاقها ، لو قُسِّمت على أهل بلدٍ لكفتهم ، ما هي السعادة ؟ أنه يتصرَّف وفق أمر الله ونهيه ، وهو مُنْسَجمٌ مع كتاب الله عزّ وجل ، لا كذب ، ولا غيبة ، ولا نميمة ، ولا نظرة ، ولا يأكل قرشًا من مال حرام ، ولا استعلاء ولا كبر ، ولا نفاق أبداً ، بل هو منضبط في سمعه وبصره ولسانه ، وكسب المال وإنفاقه ، وفي بيته ، ومع أهله وأولاده ، كلما كنت أكثر انضباطاً كنت أكثر سعادةً ، كل هذا الشرح جاء على كلمة :
 
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
(سورة الدخان)
       وبعد ، فما أكثر آيات القرآن الكريم التي تردفها (لعل) التي تفيد الرجاء ، وما أكثر آياته التي تأتي فيها كلمة يتذكرون :
 
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾
(سورة عبس)
 
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
(سورة الدخان)
      بقيت الآية التالية الدقيقة ، ونرجئ شرحها للدرس القادم إن شاء الله :
 
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾
 
والحمد لله ربِّ العالمين
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب