سورة البقرة 002 - الدرس (58): تفسير الآيات (177 - 177) فقه الأولويات

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة البقرة 002 - الدرس (58): تفسير الآيات (177 - 177) فقه الأولويات

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة البقرة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة البقرة - تفسيرالآية: (177 - 177) - فقه الأولويات

20/03/2011 18:37:00

سورة البقرة (002)
الدرس (58)
تفسير الآية: (177)
فقه الأولويات
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب  النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
سياق هذه الآية جاء بعد تحوِّل القبلة من بيت المقدس إلى مكة المكرَّمة :
 
أيها الأخوة المؤمنون... مع الدرس الثامن والخمسين من دروس سورة البقرة، ومع الآية السابعة والسبعين بعد المئة، وهي قوله تعالى :
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾.
أيها الأخوة الكرام... سياق هذه الآية جاء بعد تحوِّل القبلة من بيت المقدس إلى مكة المكرَّمة، وهذا التحويل عند ضعاف الإيمان، وعند المنافقين أحدث بلبلةً، لأن أهل الدنيا متعلِّقون بالأشكال، متعلِّقون بالقشور، وتحويل القبلة لم يكلفهم شيئاً، كانوا يصلون إلى هذه الجهة فصاروا إلى هذه الجهة؛ ومع ذلك أحدثوا فتنةً، وبلبلةً، واضطراباً، فالله عزَّ وجل ردَّ عليهم فقال:
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ ﴾.
كذا وكذا.
 
همّ الشيطان الأوحد أن يشغل المسلمين بقضايا جانبيَّة فرعيَّة :
 
قبل أن أشرح هذه الآية لا بد من وقفةٍ متأنية، في كل شيءٍ جوهر وعَرَض، مثل أضعه بين أيديكم: المركبة فيها شيء أساسي جداً هو المحرك، العجلات، الوقود، المِقود، فيها أشياء حاجيَّة، فيها أشياء تحسينيَّة، فيها أشياء كماليَّة، وفيها أشياء تزيينية، فلو اهتممنا بالتزيين، وتركنا الأساسيات لحدث هناك خلل كبير، لا بد من أن تقوم هذه المركبة على كل ذلك، الأكمل أن يكون فيها أشياء أساسيَّة، وأشياء حاجية، وأشياء تحسينيَّة، وأشياء كمالية، وأشياء تزيينية، أما أن نضحي بالأساسيات من أجل التزيين هذا ضعفٌ في العقل، وسوء فهم لمهمة هذه المركبة. وهذا مثل.
الدين أساسه الإيمان بالله، أساسه صحة العقيدة، أساسه الاستقامة على أمر الله، أساسه العمل الصالح، أساسه التخلُّق بالأخلاق الإسلاميّة، أساسه أنتحمل همَّ المسلمين، أساسه أن تنهض بالمجتمع الإسلامي إلى ما يحب الله ويرضى، وفيه شكليات كثيرة جداً، كأن يختلف المسلمون على درجة القبلة، في أمريكا انشق المسلمون صفَّين، صفٌ يصلي باتجاه الكعبة مباشرةً، وصفٌ يصلي باتجاهٍ معاكسٍ للكعبة ليصل بعدها إلى الكعبة عن طريقٍ طويل، وهذه قضية كبرى هي مسار خلافٍ، وخصومةٍ، ونزاعٍ بين الجماعات الإسلامية.
أرأيتم أيها الأخوة إلى مهمة الشيطان؟ مهمته أن يفرِّق كلمة المؤمنين، أن يحرِّش بينهم، أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء، أن يشغلهم بقضايا جانبيَّة، وهذه مشكلة المشاكل اليوم، همّ الشيطان الأوحد أن يشغل المسلمين بقضايا جانبيَّة فرعيَّة، فرعيَّة جداً، هذه مشكلة كبيرة أن ننسى ما يعانيه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها من قضايا خطيرة جداً تمسُّ وجودهم، وتمس سلامتهم، وتمس مستقبل أبنائهم، وأن نعادي بعضنا بعضاً لقضايا جانبيَّة جداً.
كنت أقول إن أعداء المسلمين يتعاونون وبينهم خمسةٌ بالمئة من القواسم المشتركة، والمسلمون ـ وللأسف الشديد ـ يتقاتلون وبينهم خمسة وتسعين بالمئة من القواسم المشتركة.
 
الله عزَّ وجل يريد من الإنسان جوهر الدين وأصوله ودعائمه وأركانه :
 
الإنسان أُمر أن يصلي باتجاه المشرق، ثم أُمِرَ أن يصلي باتجاه المغرب، ما الذي حصل؟ العبرة أن تكون مع الله، العبرة أن تتصل بالله، العبرة أن تكون سعيداً بقربك من الله، الجهات لا قيمة لها..
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ ﴾.
من بلاغة القرآن الكريم أن البر وهو شيء معنوي، صار مجسَّداً في هذه الآية، له كيان، البر الذي تبحثون عنه، البر الذي يسعدكم، البر الذي يرفع من شأنكم، ليس أن تختلفوا في جهة القبلة.
فقد يأتي أُناس ويقولون: هذا المسجد، أو أي مسجد آخر لا تصح الصلاة فيه لأنه ينحرف عن القبلة ثلاث درجات، المذاهب الفقهيَّة واسعة جداً، ومن أوجه المذاهب الفقهية في هذا الموضوعأن القبلة جهةٌ، وليست نقطةٌ، فما دامت جهة فإن كل المساجد المتجهة نحو الجنوب تصحُّ الصلاة فيها، أما إذا كانت نقطة فنحتاج إلى علماء رياضيات لقياس الزوايا، وندخل في متاهاتٍ لا تنتهي، فكأن الله عزَّ وجل لا يريدنا أن ندخل في التفاصيل المُملة، والتفاصيل المُخلَّة، والتفاصيل التي تبعدنا عن بعضنا، يريد الله عزَّ وجل منا جوهر الدين، أصوله، يريد دعائمه وأركانه، وإذا اتبعنا هذه الدعائم والأركان بالتفاصيل الدقيقة المتفق عليها فهذا أمر جيد جداً.
فالله عزَّ وجل يرد على هؤلاء الذين أحدثوا بلبلةً واضطراباً في شأن تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرَّفة فيقول:
   
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ ﴾.
دائماً هناك أُناس يتمسَّكون بالتفاصيل، والقشور، وتفاصيل التفاصيل، وينسون الأصل، فربما أقاموا النكير لعدد درجات المنبر، أربع درجات لا يجوز، السنة ثلاثة، ندخل بمتاهات لا تنتهي.
 
البر الذي يريده الله عز وجل هو الذي يقربنا إليه :
 
فيما قرأت أن رجلاً أسلم حديثاً في مصر، وأراد أن يتعلَّم على يد شيخ من شيوخ الأزهر، بدأ بكتب الفقه بالتسلسل، بدأ بأحكام المياه، أبقاه ستة أشهر في أحكام المياه، وفي أشياء ربما في وقتها كان لها مهمة كبيرة جداً، المياه؛ حكم الوضوء بمياه الآبار، وبمياه المجاري السطحية، والبركة الراكدة، والبركة كم قُلَّة، وحكم الوضوء بماء الحمّص، وماء العدس، فهذا بعد ستة أشهر خرج من جلده، وترك هذا الشيخ وترك الإسلام كلَّه، ثم التقى مع أحد علماء مصر الكبار قال له: الماء الذي تشربه توضَّأ منه! فألغى له ستة أشهر من التفاصيل قد لا يحتاجها، قد يحتاجها الاختصاصيون، قد يحتاجها المتعمِّقون بالفقه، أما طالب علم يريد أن يعرف الله ينبغي أن لا تغرقه في تفاصيل ليس الآن بحاجة إليها، هناك موضوعات كثيرة لسنا بحاجةٍ إليها.
إنسان وقف على المنبر ـ هنا في الشام ـ وقال:إذا أعطيت إنساناً مئة ليرة ليصرفها لك أربع قطع ذات الخمس والعشرين ليرة، فقد أكلت الربا، الحضور ضَجّوا، أهذا هو الربا؟ إذا صرف إنسان المئة ليرة إلى أربع خمسة وعشرينات!! قال له: سواءً بسواء، ويداً بيد. فأنت أعطيته قطعة واحدة وأعطاك أربعة، صار هناك ربى الفضل، فقام رجل من المصلين وقال له: اسكت يا جاهل. وهو بين المصلين، أربع خمسة وعشرينات يساووا مئة هذه سواءٌ بسواء . فأحياناً الإنسان يدخل في تفاصيل، يدخل في إشكالات، يدخل في قضايا فرعية جداً، وينسى الأصل، وينسى جوهر الدين، وينسى أصل الدين. على كلً..
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ ﴾.
البر الذي يريده الله عز وجل هو الذي يقربنا إليه، لا أن ندخل في خصومات، وفي مشاحنات حول قضايا فرعيَّة جداً من الدين.
 
فقه الأولويات :
 
قال تعالى:
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ﴾.
إنسان يقول لك أحياناً: توجد في الفاتحة أربع عشرة شدَّة، إن لم تأتِ بها كلها فالصلاة باطلة. أنت حمَّلت الإنسان ما لا يطيق، حملته على أن يزهد في صلاته، حملته على أن يترك الصلاة إذا قلت له: لا بد من أربع عشرة شدة يجب أن تأتي بها، إن أتيت بها هذا أكمل شيء طبعاً، لكن لا تكفِّر الناس.
مرة دخل أخ إلى الجامع، وقال: كل إنسان لا توجد على رأسه "طاقيَّة" فصلاته باطلة. أنا كان على رأسي طاقيَّة والحمد لله، هكذا بهذه البساطة؟!
هذا الذي يجعل من الفرع أصلاً، ومن الشيء الهامشي جوهراً، ومن قضيةٍ فرعيةٍ جداً جذعاً، هذا إنسان يحتاج إلى مزيد من الفقه، بل إنه ظهر ما يسمى بفقه الأولويات، فإن هم أطاعوك بذلك، أقنعتهم أنه لا إله إلا الله ـ يا معاذ لأهل اليمن ـ وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأبلغهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات، فإن أجابوك إلى ذلك فقل لهم أمر الصيام، ثم أمر الزكاة، ثم أمر الحج، هكذا.
إنني أريد ما يعانيه المسلمون اليوم من مشكلاتٍ خطيرة أساسها التمسك حتى القتال، أو حتى الخصومة الفاجرة، أو حتى الصدام لأجل قضايا هامشية جداً وفرعية لا تقدم ولا تؤخر، ثم إهمال جوهر الدين.
مثلاً: هذا الذي يحرص كي يقبل الحجر على أن يدفع رجلاً، ويركل رجلاً، ويدفع صدر رجلٍ، ويزيح رجلاً، آذى سبعة أشخاص إيذاء شديداً ليقبِّل الحجر الأسود، هل هذا فقيه؟ لا والله، والله هناك من يأتيه أذى لا يوصف من إنسانٍ في أثناء الحج، وفي مكان تقبيل الحجر الأسود، هذا الذي يضحي بفرائض من أجل سنن لا يملك فقه الأولويات، نحن بحاجةٍ إلى أن نعرف أصل الدين، وجوهر الدين، وأركان الدين، والقصد العام من الدين، وأن نعرف الأساسيات، والحاجيَّات، والتحسينات، والكماليات، والتزيينات، هكذا.
 
يجب ألاّ نقيم وزناً للتفاصيل على حساب أصول الدين :
 
قال تعالى :
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ ﴾.
الذي يجعلك باراً، الذي يجعلك إنساناً كاملاً، الذي يجعلك إنساناً يحقق مرضاة الله، الذي يجعلك إنساناً يحقق الهدف من وجودك أن تفعل كذا وكذا.
إذا عطرت إنساناً بعطر غير زيتي يكاد يخرج من جلده من غضبه،علماً أنه قد يسهر ليتابع بعض المسلسلات حتى الساعة الواحدة ليلاً، إذا عطرته بعطر غير زيتي يقول لك: هذا نجس، حسناً، الأَوْلى أن تتعطر بعطر زيتي، أما هذه الجلسة حتى الساعة الواحدة، وأنت تتابع مشاهد فاضحة، هذه ألا يوجد شيء عليها؟! تجده يحاسبك على سمْسم بين أسنانه في رمضان، ويأكل مئات الألوف؛ اغتصاباً، واحتيالاً، وعدواناً. فالشخصية السخيفة، هذه التي تتمسَّك بتفاصيل دقيقة جداً، وتنسى أصول الدين هذه شخصيةٌ مرفوضة، وهذه شخصيةٌ لا يحبها الله عزَّ وجل. سدّدوا، وقاربوا، هذا الكلام إياكم أن تفهموا منه أن تتساهلوا في تفاصيل الدين، أبداً أنا ما قصدت هذا، ولكن قصدت ألاَّ تنسى أصل الدين، أن لا تنسى جوهر الدين، أن لا تنسى المنطلقات الكبرى للدين، مقاصد الدين، وأن لا تتابع التفاصيل على حساب الأصول.
لو فرضنا أن المحرِّك جيد، والعجلات ممتازة، والمقود حساس، والوقود ممتلئ، وكل شيء جيد، ثم حسَّنت منظر المركبة لا يوجد مانع، بل هذا أفضل، إذا كانت نظيفة ومزينة ومرتبة، أما أن تعتني بزينتها والمحرك محروق!؟ تعتني بزينتها وفيها خطر قد يقضي على ركابها؟! هذا الذي أريده، أنا لا أدعوكم إلى التساهل بالتفاصيل، هذا الدين منهج تفصيلي كامل، ولكن أدعوكم إلى ألاّ تقيموا وزناً للتفاصيل على حساب أصول الدين..
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾.
أي أن أصل هذا الدين أن تؤمن بالله، أصل هذا الدين معرفة الله، أصل هذا الدين أن يمتلئ قلبك تعظيماً لله، أن تؤمن به موجوداً، وأن تؤمن به واحداً، وأن تؤمن به كاملاً، أن تؤمن به فعَّالاً، إلهاً في الأرض وفي السماء، أن تؤمن أن الأمر كلَّه بيده، أن تؤمن أن النفع والضر بيده وحده، أن تؤمن أنه مصدر الكمال والجمال والنوال، أن تؤمن أن المصير إليه، أن تعرفه معرفةً دقيقةً، تفصيليةً، كاملةً، مستوفيةً، حتى تكون هذه المعرفة دافعاً لك لطاعته.
 
معرفتك بالله إن لم تحملك على طاعته فلا قيمة لها :
 
أيها الأخوة... معرفتك بالله إن لم تحملك على طاعته فلا قيمة لها، كما عرف إبليس أن الله خالقٌ:
﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾.
[سورة ص الآية : 76 ].
وأن الله عزيزٌ:
   ﴿  فَبِعِزَّتِكَ ﴾.
[ سورة ص الآية : 82 ].
وأن الله ربٌ:
﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾.
[ سورة الأعراف الآية : 14 ].
آمَن بالله خالقاً، ورباً، وعزيزاً، وآمن باليوم الآخر، وكل هذا الإيمان جعله يستنكف أن يسجد لسيدنا آدم:
﴿ أسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ*قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.
[ سورة ص الآيات : 75-76 ].
إذاً هذه المعرفة التي لا توصل إلى طاعة هي معرفةٌ إبليسيَّة لا قيمة لها، مقياس معرفتك التي تحملك على طاعة الله، هذا مقياس المعرفة، فليس البر أن تتعلَّق بشكليات الدين، وأصول الدين تهملها، ليس البر أن تتعلَّق بالتفاصيل وجذوع الدين تقطعها، ليس البر أن تقيم خصومةً، وشحناء، وبغضاء في قضايا جانبيًّة، وأنت لست مطيعاً لله عزَّ وجل.
 
أخطاء وقع بها المسلمون اليوم :
 
مرة حدثني أخ على الهاتف، دخلنا في مناقشة عقيمة، وبقينا حتى ساعة متأخرة كدنا نختصم حول تعريف صلاة التهجُّد، وصلاة قيام الليل، أي صلاةٍ هي قيام الليل، وأي صلاةٍ هي تهجُّد؟ أنا ما أجبته بل قلت له: قم صل ركعتين لله وقل: يا رب هاتان الركعتان صليتهما في سبيلك، وتقرباً إليك، وأنا لا أعرف ماذا تسمِّيهما، يا رب سمها ما شئت، قم فصلِّ فقط.
إذا سأل ابن والده: أنا إن أردت أن أدرس يا والدي كم تحب أن يكون بُعْدُ الكتاب عن طرف الطاولة، كم سنتيمتراً؟ قال له:خمسة سنتمترات، وكم تحب أن تكون زاوية الكتاب؟ قال له: ثلاثين درجة، أحضر منقلة، وكم تحب أن يكون حرف الكتاب الأيمن بعيداً عن حرف الطاولة الأيمن؟ وحرف الكتاب الأيسر عن حرف الطاولة الأيسر؟ قال له: ادُرس وخلّصني. اقرأ، يريد أن يدرس فأذْهَبَ كل وقته بالمسافات، والقياسات، افتح هذا الكتاب واقرأ وأنت مضطجع، افتح الكتاب واقرأ وأنت تمشي، افتح الكتاب واقرأ وأنت جالس في غرفة الانتظار، العبرة أن تقرأ. آتيكم بأمثلة..
بلاغ منع تجول: " يمنع التجول تحت طائلة إطلاق الرصاص "، انتَبَهَ للحروف، والخط، والحبر،والوقت، والتوقيع، والختم، ولكن لم ينتبه لمضمون الكتاب، أهم شيء بهذا البلاغ مضمونه، أهم شيءٍ في الكتاب ـ هذا الكتاب المعلَّق ـ أن تقرأه وأن تدخل البيت، أما أن تقف وتنسى مضمونه، وتتابع تفاصيل مملة حول نوع الخط، وحول الحبر، وحول التوقيع، وحول الختم!! هذا الذي وقع فيه المسلمون اليوم، تركوا أصول الدين، تركوا جوهر الدين وانغمسوا في التفاصيل التي لا تقدِّم ولا تؤخر.
مرة ثانية أتمنى أن يكون كلامي واضحاً: أنا لا أدعوكم لإهمال التفاصيل، لا أدعوكم لترك بعض دقائق هذا الشرع الحكيم، هذامنهج كامل، ولكن أنا أرفض أن يعتني الإنسان بالتفاصيل، ويقيم خصومةً وعداوةً بينه وبين جماعاتٍ أخرى، وينسى أصول الدين، ممكن نقيم معركة بين ماذا ينبغي أن نفعل في القعود الأخير، أن نفعل هكذا أشهد أن لا إله إلا الله، أم نفعل هكذا، أم نعمل هكذا؟ اختر واحدة لا يوجد مانع، أما أن نقيم مشكلة، نُحدِث خصومة، نكفّر الناس هذا شيء غير معقول.
أنا لا أتكلَّم من هواء بل من واقع، هذا هو واقع المسلمين في شتى بقاع الأرض، فكم من مسجد في أوروبا وأمريكا دخله رجال الأمن بأحذيتهم ليفضّوا نزاعاً بين جماعتين إسلاميتين حول قضايا تافهة في الدين، قضايا تفصيلية، وهذا الجامع للجماعة الفلانية، وهذا الجامع للجماعة الفلانية، هؤلاء يكفرون هؤلاء، هذه مشكلة الآية.
 
أصل الإيمان كلِّه أن تؤمن أن كل شيءٍ يجري بأمر الله وعلمه :
 
قال تعالى:
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ ﴾
أي إنك لا تكونُ باراً، ولا مقبولاً عند الله عزَّ وجل إذا دخلت في هذه المتاهات، وتلك التفصيلات، وهذه الخصومات ونسيت جوهر الدين..
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾.
أي أن أصل الإيمان كلِّه أن تؤمن بالله، لا أن تؤمن به خالقاً فحسب، لأنها قضية سهلة جداً، ما من إنسان إلا قلَّة شاذَّة منحرفة جاءت في آخر الزمان أنكرت وجود الله، أما البشرية جمعاء من آدم إلى يوم القيامة تؤمن أن الله خلق الكون، حتى عُبَّاد الوثن:
﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه ﴾
[سورةلقمان الآية : 25]
ليس هذا هو الإيمان المطلوب. الإيمان المطلوب أن تؤمن به فعَّالاً، أن تؤمن به متصرِّفاً؛ رافعاً وخافضاً،معطياً ومانعاً، معزاً ومذلاً، قابضاً وباسطاً، أن تؤمن أن كل شيءٍ يجري بأمره وعلمه.
 
كل شيء بيده سبحانه حتى التفاصيل الدقيقة جداً :
 
قال تعالى:
﴿ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾
[سورة القصص الآية : 7]
هذا الصندوق الذي فيه سيدنا موسى من يسيره؟ الله جلَّ جلاله:
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾
[ سورة الأنعام الآية : 59]
الله عزَّ وجل كل شيء بيده حتى التفاصيل الدقيقة جداً، فهل هناك أقل من سقوط ورقة في الخريف إنه يعلمها؟ فصِحَّتُك، وأجهزتك، وأعضاؤك، وقلبك، ورئتاك، وكل الأجهزة والأنسجة، والخلايا تعمل بأمر الله، وزوجتك، وأولادك، وعملك، ورزقك، ومن فوقك، ومن تحتك، ومن حولك كلهم بيد الله عزَّ وجل.
البر أن تؤمن به خالقاً، ومسيّراً، ومربياً، أن تؤمن به واحداً، وكاملاً، وموجوداً، أن تؤمن بأسمائه الحسنى كلها اسماً اسماً؛ هو السميع، والبصير،والعليم، والخبير، والغني، والودود، واللطيف، والقابض، والباسط، والخافض، والرافع، والمعز، والمذل، والرحمن، والرحيم، والقيوم، والحي، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، هكذا، ولكن هل يوجد إنسان يأخذ شهادة عُليا ولم يدخل مدرسة؟ في إنسان يأخذ شهادة عُليا في خمس دقائق بكلمة قالها؟
 
من لوازم الإيمان بالله أنتؤمن باليوم الآخر :
 
أخواننا الكرام... لماذا أمر الدنيا فقط واضح جداً؟ هل هناك إنسان يقول لك: أنا دكتور، وهو أُمّي؟ مستحيل، هل مِن إنسان أخذ دكتوراه في يومين؛ أم في ثلاث وثلاثين سنة؟ هل من إنسان يصبح عالماً، وما دخل مدرسة إطلاقاً؟ فكيف تريد أن تقول: أنا مؤمن ومحصل ولم تحضر أي مجلس علم، وليس لك أستاذ تتعلَّم منه؟ هذا الكلام مستحيل.
البر أن تؤمن بالله، العبرة أن تتحدَّث عن الله ساعات طويلة مما عقلت عنه، هل يمكنك أن تحدثنا عن الله عزَّ وجل؛ عن أسمائه الحسنى، وعن صفاته الفضلى، وعنأفعاله، وعن قرآنه، وعن كلامه حديثاً طويلاً واضحاً؟ معنى هذا أنت مؤمن، تجد الإنسان في أمور الدنيا طليقاً جداً، فإذا سألته عن أمر من أمور الآخرة لا يعلم شيئاً، من قلة معرفته بالصحابة ترَضَّى على عنترة، فهو لا يعرف، حسب أن عنترة صحابي فتَرَضَّى عليه، يتقن أشياء كثيرة جداً، أما الأشياء الأساسية في الدين لا يعلمها أبداً..
﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ ﴾.
الإيمان بالله يحتاج إلى وقت، متى جلست وفكرت بهذا الكون؟ متى جلست وقرأت شيئاً عن عظمة الله؟ متى فرَّغت جزءاً من وقتك لحضور درس علم لتتعلَّم؟
﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ ﴾.
بعد ذلك الإيمان بالله من لوازمه أنتؤمن باليوم الآخر. أنقل لكم هذه الحقيقة:مستحيل، وألف مستحيل أن تستقيم إن لم تؤمن بأن هناك يوماً سوف تقف فيه بين يدي الله عزَّ وجل، وسوف تحاسَب عن كل كلمةٍ، وعن كل حركةٍ، وكل سكنةٍ، وكل درهمٍ كيف اكتسبته وكيف أنفقته؟ الإيمان باليوم الآخر يردع الناس، لا يمكن أن تستقيم حياتنا إن لم نؤمن باليوم الآخر، هناك أكثر من خمسة وعشرين ألف دعوى كلها كيدية؛ اغتصاب أموال، اغتصاب أراضي، اغتصاب بيوت، أشياء مزوَّرة، أشياء غير صحيحة، كل هؤلاء الذين يفعلون هذا ما ذاقوا طعم الإيمان، مستحيل أن تؤمن بالله وأن تأخذ ما ليس لك.
 
أنواع الإيمان :
 
أيها الأخوة... موضوعٌ مهمٌ جداً جاء مكانه في هذه الآيات، الإيمان أربعة أنواع؛ نوع حسي، ونوع عقلي، ونوع إخباري، ونوع إشراقي.
 
1 ـ الإيمان الحسي :
 
الإيمان الحسي أن تدرك الشيء بحواسك الخمس، أن تدرك وزنه بأن تحمله، لونه بأن تنظر إليه، سطحه أملس أم خشن بأن تلمسه، رائحته إن كانت له رائحة، هذه معرفة حسيَّة، الأشياء نعرفها بحواسنا الخمس؛ نعرف أشكالها، وألوانها، وأوزانها، ورائحتها، هذه ليس فيها خلاف، ونحن وغيرنا من بقية الحيوانات سواء، بل إن بعض الحيوانات متفوقة عنا جداً في بعض الحواس؛ فالصقر يرى ثمانية أضعاف الإنسان، والحمار الذي يحتقره الناس هو المخلوق الأول الذي يعرف الزلزال قبل وقوعه بربع ساعة، لذلك وضعوا حماراً في تركيا في السجن بتهمة كتم معلومات. الكلب يشم مليون ضعف عن الإنسان، هناك طيور تطير مئة وخمسة وعشرين كيلو متراً في الساعة، موضوع طويل، ما من حيوان إلا وهو متفوقٌ على الإنسان في بعض الخصائص، دعونا من هذا.
 
2 ـ الإيمان العقلي :
 
المعرفة الأساسية هي المعرفة العقليَّة، المعرفة العقلية شيءٌ غابت عينه وبقيت آثاره، طريق المعرفة به عن طريق العقل، فالإيمان بالله، ذات الله عزَّ وجل لا تدركها الأبصار، ولكن الكون كله يدل عليه، الكون كله يدل على الله، أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى متجسِّدة في هذا الكون، فالإيمان بالله أولاً من خلال خلقه، ومن خلال أفعاله، ومن خلال زلزال بتركيا، وزلزال باليونان، وزلزال بتايوان، وإعصار شرَّد اثنين ونصف مليون بأمريكا، سرعته مئتان وخمسة وعشرون كيلو متر، لا يبقي ولا يذر، وفيضانات بالسودان، كل يومين هناك خبر، معنى ذلك أن هذه أفعال الله عزَّ وجل:
﴿ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾
[سورة الإسراء الآية : 58]
قالوا: حرب البلقان رسالة إلى أوروبا، وقالوا: زلزال تركيا رسالة من السماء إلى الأرض. لأن مسجداً في مركز الزلزال المسجد لم يمس بأذى، وبالمركز في أزمير، وحوله أنقاض، وبالبرلمان التركي لأول مرة يقف رئيس المحكمة الدستورية ـ لأول مرة بتاريخ تركيا الحديث ـ ليقول: نحن حاربنا الله ورسوله، وحاربنا الحجاب، واتفقنا مع اليهود ضد المسلمين فعاقبنا الله عزَّ وجل، لم يسبق في تاريخ تركيا الحديث أن يقال هذا الكلام في مجلس رسمي. فالله عزَّ وجل يعرّفنا بذاته من خلال الكون، ويعرّفنا بذاته من خلال أفعاله التي نراها، مسجد في مركز الزلزال لم يُمس بأذى وكل ما حوله أنقاض، هذه رسالة من الله إلى عباده. فالإيمان بالله يمكن أن تؤمن به من خلال خلقه، ومن خلال أفعاله، ومن خلال كلامه..
﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ ﴾.
الإيمان بالله هو الأصل، ولكن يجب أن تؤمن بالله إيماناً يقينياً، وعلامة ذلك أن يحملك على طاعته، فإن لم يحملك على طاعته فلا قيمة له، صار إيماناً إبليسياً؛ وهذا حال معظم الناس، تجده يحضر الصلاة ويقول لك: والله يا أخي الإسلام عظيم،دين يا أخي، دين الله هذا. لا في إسلام ببيته، ولا بعمله، ولا بتجارته، ولا بحركاته، ولا باحتفالاته، ولا بمآسيه، كله بدع، وكله انحرافات، وهو يقول لك: أنا مسلم..
تعصي الإله وأنت تظهرُ حبه    ذاك لعمري في القياس شنـيعُ
لو كان حبك صادقـاً لأطعته    إن المحب لمـن يحب يطـيعُ
*   *   *
فأول شيء الإيمان بالله. الآن بعد أن آمنت بالله، الله عزَّ وجل له كتاب هو القرآن، من خلال إعجاز القرآن تؤمن بكتابه، من جاء بهذا الكتاب المعجز؟ إنسان اسمه محمد عليه الصلاة والسلام، إذاً هو رسوله، عنطريق العقل فقط، عن طريق العقل الذي هو مناط التكليف تؤمن بالله، وبكتابه، وبرسوله، انتهى دور العقل.
 
3 ـ الإيمان الإخباري :
 
الآن جاء دور النقل، جاء دور الإيمان الإخباري، الله أخبرك بوجود يوم آخر وصراط، وجنة، ونار، وحساب، وعذاب، وحوض، وبرزخ، هذه كلها إخبار من الله، أخبرك بوجود ملائكة، أخبرك بوجود جن، أخبرك أن يوم القيامة لا نهاية له إلى أبد الآبدين، هذه كلها أشياء إخبارية العقل لا يستطيع أن يعرفها بذاته..
﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ ﴾.
عن طريق عقله:
﴿ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾
[سورة يس الآية : 68]
﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية : 26]
﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾
[سورة محمد الآية : 24]
والعقل مناط التكليف..
﴿ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾.
إيمان إخباري..
﴿ وَالْمَلَائِكَةِ ﴾.
إيمان إخباري..
﴿ وَالْكِتَابِ ﴾.
إيمان تحقيقي عقلي..
﴿ وَالنَّبِيِّينَ ﴾.
إيمان تحقيقي عقلي، انتهى الإيمان.
 
العقل والنقل :
 
يجب أن تؤمن بالله ـ بشكل مختصر ـ خالقاً مربياً مسيراً، موجوداً واحداً كاملاً، أسماؤه حسنى مع التفاصيل، وصفاته فُضلى، وهو إلهٌ في الأرض وفي السماء، وإليه يرجع الأمر كله، آمنت بالله، من كمال الله أن لا يدع عباده من دون أمر ونهي، إذاً أرسل كتباً، ومن كمال الله عزَّ وجل ألاّ يظلم العباد، الدنيا تفاوت كبير؛ هناك غني وفقير، هناك قوي وضعيف، وسيم ودميم، صحيح ومريض، متى تسوّى الحسابات؟ في اليوم الآخر.
فاليوم الآخر يمكن أن تؤمن به عن طريق العقل، أو عن طريق النقل معاً، الله أخبرنا به، أما العقل لا يقبل، حياة العمر قصير، قوى كبيرة، قوى مستضعفة، عناصر قوية، عناصر مستضعفة، أغنياء فقراء، أقوياء ضعفاء، أصحاء مرضى، تفاوت كبير جداً، ثم موت ينهي كل شيء، فإذا ما في يوم آخر فالوضع غير مقبول أبداً، وغير معقول.
فيجب أن تؤمن بالله بعقلك، وباليوم الآخر بعقلك، وبالكتاب بعقلك، وبالنبيين بعقلك، أما الملائكة بالنقل، بالإخبار..
﴿ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾.
 
الإيمان يجب أن يؤكده الفعل :
 
لكن إذا آمنت ولم تتحرَّك فما قيمة إيمانك؟ هذا بالدرس القادم إن شاء الله.
﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾.
أيها الأخوة الكرام... إنسان في معه مرض جلدي وهو بحاجة ماسَّة إلى أن يتعرَّض لأشعة الشمس، جالس في غرفة قميئة رطبة لا ترى الشمس أبداً، وهو فصيح يقول: يا لها من شمسٍ ساطعة، ما أجمل أشعة الشمس! إنها أشعةٌ كالذهب. لكنك أين تجلس؟ إن كان المرض يحتاج إلى أشعة الشمس لمَ لمْ تخرج إليها؟ فما قيمة إيمانك بأشعة الشمس الساطعة، والمطهِّرة، والمبهرة، وأنت بعيدٌ عنها؟ لا بد من حركة، إذا لكم يكن هناك حركة كلام فارغ مهما قلت: أنا إيماني قوي.
إنسان قال: الشمس ساطعة وهي ساطعة، ماذا فعل؟ ما فعل شيئاً، ما أضاف شيئاً، إذا قال: ساطعة. فهذه حقيقة بديهيَّة معروفة، وإذا قال: غير ساطعة، يحتاج إلى مشفى المجانين. إذا أنت أقريت بالحقيقة ما فعلت شيء، وإذا أنكرتها لم يكن عندك عقل، لكن متى تنتفع بالحقيقة؟ إذا استفدت منها، أنا بحاجة ماسة لأشعة الشمس، أؤمن بالشمس وأخرج كي أتعرَّض لأشعتها المطهرة، اجعل في بالك إذا لم يكن هناك حركة ليس هناك شيء:
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا
[ سورة الأنفال الآية : 72].
 
على المؤمن أن يتحرك نحو خدمة الخلق :
 
الآيات الكريمة أكثر من مئتي آية:
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
[ سورة البروج الآية : 11].
أي أنه إيمان بلا عمل مستحيل، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن حتى تعبِّر عن ذاتها بحركةٍ نحو الخلق، أما مؤمن سكوني، مؤمن من بيته إلى دكانه، وليس له علاقة بأحد، هذا مستحيل، لا يعاون أحد أبداً، لا يتمنى أن يقول الحق لإنسان، لا يبلغ عن النبي ولا حديثاً ولا آية، فقط همه شخصه!! هذا ليس مؤمناً..
﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ ﴾.
في حركة، لا بد من حركة، أن تتحرك إلى بيتٍ من بيوت الله، أن تتحرَّك لخدمة الخلق، لنشر الحق، أن تحمل همّ المسلمين هذا موضوع الدرس القادم، ما في حركة ما في شيء أبداً، هكذا إنسان قناعاته ممتازة، وعواطفه جيدة، الآن في نمط جديد؛ قناعاته إسلامية، وعواطفه إسلامية، وعنده خلفية إسلامية، وأرضية إسلامية، ونزعة إسلامية، ولكن لا يوجد  عمل إطلاقاً، يضع في بيته آية الكرسي، ويضع مصحفاً في جيبه لكنه لا يعمل إطلاقاً، ولا عمل صالح له، فقط له مظاهر، صار إسلامه إسلاماً فلكلورياً، إسلاماً استعراضياً ولكن لا يوجد إسلام عملي، فيجب أن نؤمن أنه لا بد من عمل، لا بد من حركة نحو خدمة الخلق:
((بلِّغوا عني ولو آية)).
[الجامع الصغير عن ابن عمرو].
إنسان يحضر الدروس منذ عشرين سنة، وليس بإمكانه أن يتكلم كلمتين في مجلس!! يشرح آية، يشرح حديثاً، ينصح، يعطي حكماً شرعياً، طلب العلم فريضة، وتعليم العلم فريضة.
أيها الأخوة... أرجو الله سبحانه وتعالى في درسٍ قادم أن نتابع هذه الآيات.
 
والحمد لله رب العالمين

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب