سورة البقرة 002 - الدرس (61): تفسير الآيات (180 - 184) الوصية والعبادات الشعائرية

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة البقرة 002 - الدرس (61): تفسير الآيات (180 - 184) الوصية والعبادات الشعائرية

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة البقرة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة البقرة - استكمال تفسيرالآية: (180 - 184) - الوصية والعبادات الشعائرية

20/03/2011 18:40:00

سورة البقرة (002)
الدرس (61)
تفسير الآيات: (180-184)
الوصية والعبادات الشعائرية
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب  النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
في هذه الآية الكريمة مركز ثقل ألا وهو الموت :
 
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الواحد والستين من دروس سورة البقرة ومع الآية الثمانين بعد المئة، وهي قوله تعالى:
 
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾.
أيها الأخوة الكرام... في هذه الآية الكريمة مركز ثقل، ألا وهو الموت فالله عز وجل يقول:
 
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾.
[ سورة الملك: 2 ]
ولأنه قدم الموت على الحياة فهناك حكمة بالغة بالغة، ذلك أن الموت أخطر من حدث الحياة، حدث الموت أخطر من حدث الحياة، لأن الإنسان حينما يولد أمامه خيارات كثيرة، وفوق هذه الخيارات كل أغلاطه أو ذنوبه يمكن أن يتوب منها، البدايات، أما الموت حينما يأتيه الموت:
 
﴿لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾
[سورة الأنعام: 158]
 
﴿ وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ﴾
[ سورة الأحزاب: 18 ]
 
خطورة الموت أنه يحدد مصير الإنسان الأبدي إلى ما شاء الله :
 
خطورة الموت أنه يحدد مصير الإنسان الأبدي إلى ما شاء الله، ومعنى كلمة أبدي أي ألف مليار سنة، أعمارنا نحن بين الستين والسبعين كما ورد في بعض الأحاديث، ألف مليار، ملْيار، مليار، مليار مليار، مِليار، إلى أن ينقطع النفس، أكبر رقم تتصوره واحد في الأرض وأصفار إلى الشمس، مئة وستة وخمسون مليون كيلومتر أصفاراً بين كل صفرين ميليمتر، هذا الرقم إذا نسب إلى لانهاية، إلى الأبد فهو صفر، أي رقم مهما كبر إذا نسب إلى لا نهاية فهو صفر، فما معنى؟
   ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾.
[ سورة التغابن: 9 ]
وما معنى؟
﴿ نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾.
[ سورة التوبة: 21 ]
وما معنى؟
   ﴿ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ﴾.
[ سورة البقرة: 167 ]
هذا هو النعيم المقيم، وهذا هو النعيم الذي خلق الإنسان من أجله، أما هذه السنوات المعدودات، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
 
أكبر خسارة أن تخسر الآخرة وأكبر ربح أن تربح الآخرة :
 
يا أيها الأخوة الكرام: حدث الموت إن لم يدخل في صميم حياتنا، وفي صميم عقيدتنا، وبرامجنا، وسلوكنا، فقد يكون حدثاً مؤلماً جداً.
 
﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ* عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾
 [سورة المدثر: 8 ـ 10 ]
والله قد تأتي على من شارف الموت تأتي عليه ساعة يقول لم أر خيراً قط، من شدة الآلام التي تنتابه، ألم الخسارة الكبرى.
 
﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾.
 [سورة الزمر: 15]
أكبر خسارة أن تخسر الآخرة، وأكبر ربح أن تربح الآخرة ولو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:
((أكثروا ذكر هادم اللذات إنه مفرق الأحباب، مشتت الجماعات )).
[رواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة]
قال:
(( عش ما شئت فأنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارق واعمل ما شئت فإنك مجزي به )).
[ أخرجه الشيرازي والبيهقي عن سهل بن سعد البيهقي عن جابر ] .
 
البطولة أن تعد لما بعد الموت :
 
يا أيها الأخوة... كما قال عليه الصلاة والسلام: "إن أكيسكم أكثركم للموت ذكرا، وأحزمكم أشدكم استعداداً له، ألا وإن العاقل من يتجافى عن دار الغرور، ومن ينيب إلى دار الخلود، ومن يغير نفسه لسكنى القبور، وليوم النشور ".
يا أيها الأخوة الكرام... هل من حدث في حياتنا جميعاً أشد واقعيةً من الموت، حدث الغنى، فقد يصيبنا وقد لا يصيبنا، وحدث الفقر، فقد يصيبنا وقد لا يصيبنا، وحدث المرض كذلك، أما حدث الموت فلا يمكن أن ينجو منه أحد، ومادام الموت انتقال من دار إلى دار، من دار الفناء إلى دار الخلود، فماذا أعد الإنسان لهذه الدار الطويلة؟!
أيها الأخوة الكرام:﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾، لذلك فقد أدخل المؤمن حدث الموت في برامجه اليومية، لأنه كلما وقف موقفاً، وكلما دعي إلى عمل، وإلى قول، ولقاء، وسفر، يسأل نفسه هذا السؤال، ماذا أجيب الله يوم القيامة، لِمَ فعلت؟ ولِمَ لَمْ تفعل؟
 
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾.
[ سورة الحجر: 92 ـ 93]
النقطة الدقيقة هي أن كل واحد منا له عمر، كيف مضى؟ مضى كلمح البصر، وإن سأل نفسه هذا السؤال الحرج، كم بقي؟ وفي الأعم الأغلب عند معظم الكهول قد يكون الذي بقي أقل من الذي مضى، مادام الذي مضى قد مضى كلمح البصر، فالذي بقي يمضي أيضاً كلمح البصر،  وما هي إلا ساعة وتعلن وفاة الإنسان، ونحن كل يوم نستمع إلى عالم جليل، إنسان له شأن خطير، وافته المنية فجأةً، وقد يكون ملكاً، وقد يكون عالماً كبيراً، وقد يكون بمنصب رفيع، الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل.
البطولة أن تعد لما بعد الموت، الموت أهون مما بعده للمؤمن، وللكافر الموت أقل مما سيكون من عذاب أليم ما بعد الموت.
 
الفرق بين الوصية وبين الهبة :
 
قال تعالى:
 
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾.
قال علماء الفقه وعلماء التفسير معاً: هذه الآية نسخت بآيات المواريث، على كلٍ ورد عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لا وصية لوارث، الوارث بآيات المواريث لا وصية له، الوصية مالٌ يستحق بعد الموت، أما الهبة فمالٌ يعطى في الحياة، فالأب له أن يهب أولاده بالعدل في حياته ما يشاء والأولى أن يعدل، لأن النعمان بن البشير أتى النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: يا رسول الله اشهد أني نحلت ابني حديقة، قال: ألك ولد غيره؟ قال: نعم، قال: أنحلت كلاً منهم ما نحلت ابنك، قال: لا، قال: فأشهد غيري فإني لا أشهد على زور. فالعدل في توزيع الهبات من صفات المؤمن، وقد يرجح الفقهاء أن تجعل الهبة لأولادك بحياتك مساوية لبعضهم بعضاً للذكور والإناث لأنها هبة، الأولى أن تكون مساوية، بالتساوي، أما بالإرث:
﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾.
[ سورة النساء: 11 ]
إذاً أول نقطة في هذه الآية، يجب أن نفرق بين الوصية وبين الهبة،الوصية تستحق بعد الموت، ولا وصية لوارث، أما الهبة فتستحق بالحياة، والله عز وجل سيسأل هذا الإنسان لمَ أعطيت زيداً ولم تعطِ عبيداً، ولمَ أعطيت ابنك هذا ولم تعطِ ابنك ذاك، فإذا كان معك جواب لله عز وجل واضح جلي فربما تثبت حجتك أمام الله، قد يكون ابنك عاجزاً، مصاباً بعاهة دائمة، لا يستطيع كسب قوت يومه، فلو وهبت له في حياتك دكاناً يعيش من أجرتها فلا مانع، معك عند الله جواب، أما قد يكون لك ابن من زوجة تحبها، وابن من زوجة لا تحبها، فتعطي ابن الأولى وتحرم ابن الثانية، فهذا ظلم شديد، وسوف تحاسب عنه يوم القيامة، حقاً على المتقين، الذي يتقي الله عز وجل، يتقي غضبه وسخطه، يجب أن يوظف ماله للآخرين، ولكن حينما يخصص الإنسان قبل موته مبلغاً لأعمال البر، فهذا المبلغ يجب أن لا يزيد عن الثلث، والأولى يجب أن لا يزيد عن الربع.
 
الوصية يجب أن تُوَثَّق :
 
الإنسان حينما يوصي ببعض ماله لطلاب العلم، أو لبناء المساجد، أو لأعمال البر، ينبغي له ألاَّ يزيد هذا المال المخصص عن الثلث، أو عن الربع، والثلث كثير، إذاً عن الربع. أما لو ترك بيتاً صغيراً، وترك أولاداً عدة، وزوجة، ليس لهم إلا هذا البيت، فلا يمكن أن يوصي ببعض هذا البيت لطلاب العلم، أو لأعمال البر، لأنه إن فعل هذا فسيضطرون لبيع البيت، وإلى أن يتشردوا، فإن تركت شيئاً قليلاُ فلعله يكفي أهلك الأقربين، وأنت معفى من الوصية، أما إن تركت مالاً وفيراً، وخصصت من هذا المال للفقراء، والمساكين، والمساجد، ودور العلم، وطلابه، فهذا يمكن أن يكون مقبولاً، على ألاّ تزيد الوصية عن الثلث، والأولى ألاّ تزيد عن الربع، الوصية تؤدى بعد الوفاة، أما هذا الذي يوصي لابنه ببيت، والابن وارث، هذه وصية باطلة، لك أن تهبه في حياتك، لعلة ولسبب وجيه يقبله الله منك، أما أن تخصص له بعد الموت شيئاً يزيد عن بقية الورثة فهذا باطلٌ شرعاً. 
 
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ *فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
هذا المتوفى إن كتب وصية واضحة جلية أشهد عليها رجالاً عدولاً، وسجلها بالمحكمة الشرعية، أو عند كاتب العدل، ثم جاء من بعده من يبدل هذه الوصية، ومن يزورها، ومن ينكرها، فالإثم على من بدل لا على الموصي، يعني هذا أدى ما عليه، أما الآن ـ وهذه نصيحة أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون واضحة عند الناس ـ درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك، يعني والعياذ بالله أكثر الأهل الآن لا تسخوا أنفسهم لتنفيذ وصية والدهم، أكثر من عشر وصايا في حوزتي، يعني أودعت عندي أمانة ولم تنفذ، ورجل ترك لأولاده عدة أبنية، أوصى بمئة ألف لم تنفذ، لذلك درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم لا ينفق بعد مماتك، لذلك الوصية يجب أن توثق، الآن لا يكفي أن تكتب، إذ لا بد أن توثق عند كاتب العدل، أو في المحكمة الشرعية، كي تنفذ، إن أردت أن تنفذ فعلاً، أما إن كتبتها، ولا تعلم ما سيكون فالأغلب أنها لا تنفذ.
 
الوصية الواجبة :
 
قال تعالى:
﴿ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
في حالات يكون الأب جاهلاً، يحب أحد أولاده محبة أساسها التملق لإحدى زوجاته، فيكتب له، أو يخصه في حياته بأكثر أمواله، فلو أن هذا الابن عرف أن أباه سوف يدخل النار بهذه الوصية، أو بهذا العطاء، أو بهذه الهبة، وتنازل عن وصيته إلى أخوته، أو صحح هذه الوصية وجعلها وفق التشريع الإسلامي، فلا إثم عليه، بل بالعكس أنقذ والده من إثم كبير، فإذا ظلم الأب، وأعاد أحد أولاده الحق إلى نصابه، معنى ذلك أن هذا الابن البار أنقذ أباه من حساب عسير يوم القيامة، ﴿ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً ﴾، أي انحرافاً عن الحق، أو﴿إثماً﴾، وانغماساً في الباطل، ﴿ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾،فالله عز وجل ينظر إلى القلب، إن كان في القلب رغبة بإنقاذ هذا المتوفى من عذاب الله، ولاسيما وقد ورد في بعض الأحاديث أن الرجل يعبد الله ستين عاماً فيظلم في الوصية فتجب له النار، ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾،
بالمناسبة ثمة وصية واجبة، إنسان له بيت باسمه، ليس عنده مبلغ من المال، أودع عنده أمانة، يجب أن يكتب وصية هذا المبلغ ليس لي، لأن الإنسان إذا مات فالمال الذي بحوزته يكون حكماً له، ولو أن الورثة أصغوا إلى كل اعتراض، ولكل طلب، لجاء من يكذب، لذلك لا يطالب الإنسان ورثةً إلا بالدليل والبيان، فإذا كان في مال معك ليس لك وقد أودع عندك أمانة، فيجب أن تضعه في حرز حريز، وأن تكتب عليه ويجب أن تكتب وصية تشير فيها إلى أن هذا البيت ليس لي، وهذا المبلغ ليس لي، وهو لفلان بن فلان، يؤدى له عند الطلب، وكم من مأساة وقعت، وأناس ماتوا فجأةً، وفي حوزتهم أموال ليست لهم، لذلك إذا كان في حوزتك أموال ليست لك، أو تسجيل صوري بالعقارات، ينبغي أن تكتب وصية وأنت في الثامنة عشر من عمرك، مهما يكن سن من أودعت عنده هذه الأموال قليلة فيجب أن يكتب الوصية.
 
الفرق بين الأمر التشريعي والأمر التنظيمي :
 
قال تعالى:
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾.
كلمة ﴿ كُتِبَ ﴾:
 
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾.
[سورة البقرة: 178]
 
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾
أوامر تشريعية ثابتة، عندنا أمر تشريعي من عند الله عز وجل، وببيان رسول الله، وثمة أمر تنظيمي، وفرق كبير بين الأمر التشريعي وبين الأمر التنظيمي، يروي كتاب السيرة أن هؤلاء الذين أوصاهم النبي أن يقفوا على رأس جبل أحد، وأن يكونوا مع الرماة، وخالفوا وصيته، ونزلوا إلى أرض المعركة، طمعاً بالغنائم، هؤلاء صلى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، ذلك أنهم خالفوا أمراً تنظيمياً، ولم يخالفوا أمراً تشريعياً، أما الأمر التشريعي الذي ورد في القرآن الكريم، والذي ورد في السنة الصحيحة المطهرة، فهذا أمر له حساب خاص، " كتب عليكم "، " كتب عليكم "، " كتب عليكم "، " يا أيها الذين آمنوا ".
ذكرت لكم في درس سابق أن الله يخاطب عامة الناس بأصول الدين، ويخاطب المؤمنين بفروع الدين، فالمؤمن آمن بالله رباً، وخالقاً، ومسيراً، وواحداً، وموجوداً، وكاملاً، فما دمت قد آمنت بالله عليماً، حكيماً، قديراً، غنياً، خبيراً، هذا أمره، تأتي التفاصيل للمؤمنين، أما هذا الذي شرد عن الله، وغفل عنه، فينبغي له أن يؤمن به أولاً حتى يستجيب لأمره ثانياً.
 
العبادات في الإسلام نوعان عبادات تعاملية وعبادات شعائرية :
 
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾.
[ سورة البقرة: 183]
في هذه الآية إشارة إلى أن الشرائع السماوية متقاربة، لأن الإنسان هو الإنسان، عنده ثوابت، عنده متغيرات، وله نفس، وعنده طباع، في ميول، في رغبات، والخالق واحد ففي الأعم الأغلب ينبغي أن تأتي التشريعات الإلهية متشابهة، إلا إذا كان هناك ظروف خاصة جداً في مكان، أو في زمان، أو في أمة، فقد تأتي تشريعات خاصة بها، أما شريعة النبي عليه الصلاة والسلام فهي الشريعة الخاتمة لكل البشرية جمعاء، ولذلك جاءت متوافقة مع كل حاجات المجتمعات، ذلك أنها خاتمة الشرائع، فهذه الإشارة إلى أن الصيام كتب على الذين آمنوا، وكتب على الذين من قبلهم، قال: لعلكم تتقون.
أيها الأخوة... بادئ ذي بدء العبادات في الإسلام نوعان؛ عبادات تعاملية، صدق وأمانة، وإخلاص، وتواضع، وأداء حقوق، ووفاء بالوعد، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، والإنصاف، وأن تعطي كل ذي حق حقه، هذه عبادات تعاملية، وعندنا عبادات شعائرية، الكلام الدقيق جداً هو أن العبادة التعاملية هي الأصل، فإن صحت صحتْ معها العبادة الشعائرية، فالشعائرية أن تقف وتصلي، ويأتي رمضان فتصوم، وتذهب إلى الحج فتحج، عبادات بعضها بدني، وبعضها مالي، بعضها بدني مالي، وبعضها شعائري، لها أوقات معينة، في أماكن معينة كالحج، في مناسك معينة، في جزئيات معينة، فهذه عبادات شعائرية، يعني هي مناسبة كي تتصل بالله ومنوعة.
 
إن صحت العبادة التعاملية صحت العبادة الشعائرية:
 
الصلاة التي فرضها الله علينا خمس مرات في اليوم من أجل أن تتصل به، والصيام الذي فرضه الله علينا ثلاثون يوماً في كل عام من أجل أن نتصل به، والزكاة التي فرضها الله علينا على الأغنياء من أجل أن نتصل به، والحج الذي فرضه الله علينا في العمر مرة من أجل أن نتصل به، ولكن هذه العبادة الشعائرية شحنة طاقة، والتعاملية حركة، وكلكم يعلم أنّ في الفيزياء طاقة ومادة، العبادة التعاملية، تخرج من البيت عينك لها عبادة، فعبادتها غض البصر، وأذنك لها عبادة، وعبادتها ألا تصغي للباطل، وأن تستمع للحق، ولسانك له عبادة؛ أن يكون رطباً بذكر الله، ورجلك لها عبادة أن تقودك إلى بيوت الله، وإلى الأعمال الصالحة، يدك لها عبادة أن تفعل فيها الخيرات، لا أن تضرب بها، فالعبادات تعاملية وشعائرية، التعاملية هي الأصل، إن صحت صَحت العبادة الشعائرية، والشعائرية تقف أمام ربك كي تخاطبه تقريباً، وأرجو أن تكون الأمثلة واضحة، بعض الشركات يأتي موظفوها الذين هم في الحقيقة مندوبو مبيعات يأتون إليها في الساعة الثامنة، فيأخذون التعليمات، ويذهبون طوال النهار يبيعون ويروجون بضائع هذه الشركة، وفي المساء يأتون لأخذ عمولتهم ففي تعليمات، وعمولة، وحركة، ثماني ساعات في الأسواق، وساعة قبض عمولة، وساعة أخذ تعليمات، هذا مثل دقيق جداً، تأتي إلى المسجد كي تتلقى تعليمات الخالق، وتنطلق إلى البيت، وإلى عملك، وفي البيت في تعليمات وأنت في البيت، في تعليمات وأنت تأكل، وأيضاً وأنت مع أهلك، في تعليمات وأنت مع أولادك، وكذلك إذا قمت إلى النوم، وإذا استيقظت، وإذا دخلت الحمام، وإذا جلست إلى الطعام، ضمن البيت هناك مئات التعليمات، والآن لبست ثيابك وخرجت، ثمة تعليمات في الطريق، وصلت إلى محلك التجاري ثمة تعليمات في البيع والشراء، وأصول عرض البضاعة، فليس هناك يمين كاذبة، ولا تدليس، ولا غش، ولا احتكار، ولا إلى آخره، فأنت مع تعليمات دقيقة جداً، تكاد تبلغ مئات الألوف، منهج الله كامل، فأنت أخذت التعليمات من المسجد في خطبة الجمعة، أو في درس التفسير، أو في أي درس آخر وانطلقت إلى البيت وإلى العمل، وعدت في المرة الثانية كي تتصل بالله لتأخذ العمولة، والأجر هو التجلي، ما لم نفهم الدين هكذا، من يفهم الدين أنه صلوات في المسجد ليس غير وهو حر في عمله يفعل ما يشاء فهذا إنسان فهمه خاطئ وبعيد جداً عن الواقع.
 
بعضٌ من حِكَم الصيام :
 
أيها الأخوة الكرام... الصيام عبادة شعائرية، وكذلك الصلاة في اليوم خمس مرات، فهي خمس شحنات، وكل شحنة من الصلاة تكفيك للصلاة الثانية، ولدينا شحنات أسبوعية وهي خطبة الجمعة، هذه تكفيك أسبوعاً كاملاً، عندنا شحنة سنوية؛ رمضان الكريم، ولدينا شحنة العمر وهو الحج، فمن شحنة يومية، إلى أسبوعية، إلى سنوية، إلى شحنة العمر، ولذلك من حج فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر ما تقدم من ذنبه.
أيها الأخوة الكرام... هذه الفريضة، فريضة الصيام فرضها الله على الإنسان الذي آمن به وعرفه لحكم بالغة جداً، فمن هذه الحكم أن الصيام يقوي الإرادة، أي في الدين مباحات، ومحظورات، وفي رمضان تغدو المباحات محظورات، الطعام والشراب، وكأس الماء، ولقاء الأهل، هذا كله محرم في رمضان، أو في نهار رمضان، إذاً هذا الشهر يقوي في الإنسان إرادته، فإذا مضى الشهر يرى أن الشيء الذي كان محظوراً أصبح مباحاً لذلك يتمسك بالطاعات، وهو في رمضان ترك المباحات، فلأن يترك المحظورات من باب أولى، إذاً أحد حكم هذا الصيام أنه يقوي الإرادة، وأحد حكم الصيام أنه يعرف الإنسان بافتقاره إلى الله عز وجل، يعني مادمنا في الإفطار كلما شعرنا بحاجة إلى الماء شربنا، وكلما شعرنا بحاجة إلى الطعام أكلنا، وننسى أننا عبيد لله عز وجل، وننسى أن وجودنا متوقف على ماء وطعام، ففي رمضان يشعر الإنسان بشكل واضح وجلي بقيمة الطعام والشراب، وبافتقاره إلى ما عند الله عز وجل، فكأن الصيام درس من دروس العبودية لله، وتقوية للإرادة، وكأن الصيام عبادة الإخلاص، فقد تكون وحدك، وليس أحد مطلع عليك، لا يمكن أن تضع في فمك قطرة ماء، وقد تكون في بيتك وحدك والثلاجة فيها ماء بارد عذب كالزلال، وأنت في عطش شديد ومع ذلك لا تشرب، فالصيام عبادة الإخلاص يقوي إخلاص الإنسان لله عز وجل، ويقوي شعوره بعبوديته لله، وافتقاره إليه، ويقوي إرادته، والإنسان حينما يصوم ثم يقف في التراويح ليصلي يشعر أنه فعل شيئاً في سبيل الله، أنه ترك شهوته ابتغاء مرضاة الله، فكأن هذا العمل الطيب يعينه على أن يقبل على الله عز وجل فصار في رمضان صيام، وقيام، فالصيام هو الثمن، والقيام قبض الثمن، ثمن القيام الصيام، لذلك من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
 
علة الإفطار في رمضان السفر أو المرض :
 
قال تعالى:
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون* أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ َ﴾.
وهناك حكم بالغة لهذه الأيام الثلاثين فلو زادت عن الثلاثين لكان الصيام عبئاً على معظم الناس، ولو قل عن الثلاثين لعله لم يحقق الفائدة المرجوة منه.
 
﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ َ﴾.
علة الإفطار في رمضان السفر أو المرض، فالمريض أو المسافر له أن يفطر في رمضان، لكن عليه أن يصوم هذه الأيام التي أفطر فيها أياماً بعد رمضان، إن صمت رمضان في وقته فهو أداء، وإن صمت أياماً من رمضان بعد مضيه فهي قضاء.
 
﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ َ﴾.
الذي يطيق الصيام وهو مسافر، أو مريض يطيق الصيام ويفطر فالأولى أن يضيف إلى قضاء رمضان فدية طعام مسكين، وبعضهم قال: وعلى الذين لا يطيقونه، على كلٍ القرآن حمال أوجه.
 
﴿ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ َ﴾.
أي حينما تصومون تشعرون بالقرب من الله عز وجل وهذا " خير لكم إن كنتم تعلمون ".
والحمد لله رب العالمين



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب