سورة البقرة 002 - الدرس (66): تفسير الآيات (190 - 195) الإعداد والإيمان

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة البقرة 002 - الدرس (66): تفسير الآيات (190 - 195) الإعداد والإيمان

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة البقرة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة البقرة - تفسيرالآية: (190 - 195) - الإعداد والإيمان

20/03/2011 18:45:00

سورة البقرة (002)
الدرس (66)
تفسير الآيات: (190-195)
الإعداد والإيمان
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب  النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
الآيات التالية هي أول ما نَزَلَ في القتال :
 
أيها الأخوة المؤمنون... مع الدرس السادس والستين من دروس سورة البقرة، ومع الآية التسعين بعد المئة، وهي قوله تعالى:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾.
ورد في بعض الروايات أن هذه الآيات هي أول ما نَزَلَ في القتال، أول الآيات التي نزلت في قتال الكفار والمشركين هي هذه الآيات، ولكن ماذا نزل قبلها ؟ نزل قوله تعالى:
﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ*الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز*الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.
 [ سورة الحج: 39-41]
 
تدرج آيات القتال :
 
هذه الآيات:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾.
هي أول آياتٍ نزلت في القتال، وكان قد سبقها إشارةٌ من الله عز وجل إلى أن هؤلاء الذين آمنوا قد ظُلِموا حينما قوتلوا وأخرجوا من ديارهم ونُكِّلَ بهم بغير حق، وكان قد نزل قبل هاتين الآيتين:
 ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾.
 [ سورة النساء: 77 ]
إذاً آيات القتال تدرَّجت، أول إشارة إلى القتال:
﴿ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾.
 [ سورة النساء: 77 ]
لا تقاتلوا، الإشارة الثانية: أنتم مظلومون، الإشارة الثالثة:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾.
 
أسباب نهي المؤمنين عن القتال وهم في مَكَّة المُكرمة :
 
أيها الأخوة الكرام... قد يسأل سائل: لماذا نُهِيَ المؤمنون عن القتال وهم في مَكَّة المُكرمة؟ الجواب:
 
1 ـ حتى يُرَبَّى أصحاب رسول الله على الطاعة :
 
طبيعة الحياة في مكة أساسها عدم قبول الضَيْم، أساسها الثأر، أساسها الهجوم، فهؤلاء المؤمنون الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء يعدُّهم الله عز وجل ليكونوا قادةً في المستقبل، لقد نقلوا من رَعْيِ الغنم إلى قيادة الأمم، هؤلاء الذين عاشوا في مكة قبل نزول الإسلام، عاشوا حياةً أساسها الانفعال الشديد، أساسها الاضطراب، أساسها الأخذ بالثأر، فلا بد من أن يُرَبَّى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة..
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾.
 [ سورة النساء: 77 ]
أيْ أنتم مكلفون أن تصلوا وأن تصوموا وأن لا تفعلوا شيئاً، وقد تحمَّل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الضيم، والقهر، والتطاول، والشَتْم، والإيذاء المادي، والتعذيب، وكان الأمر الإلهي:
﴿ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾.
 [ سورة النساء: 77 ]
الحكمة الأولى من أمر الله ـ طبعاً أخواننا الكرام البحث تاريخي فقط، أي من أمانة البحث أن أوضح لكم تفاصيل هذه الآيات ـ فالصحابة الكرام يربيهم الله عز وجل ليكونوا قادةً للأمم ليحملوا رسالة، ولا بد لهذه القيادة وحمل الرسالة من نظام، من طاعة، فلا بد من أن يطيعوا مع أنهم تحملوا فوق ما يطيقون، كان بإمكان أحدهم أن يكيل الصاع صاعَيْن لخصمه، ولكن الأمر من الله عز وجل أن:
﴿ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾.
 [ سورة النساء: 77 ]
 
2 ـ وُجود بقية خلقٍ كان عند العرب قبل الإسلام :
 
هناك حكمةٌ أخرى من أن الله عز وجل منع المؤمنين وهم في مكة من القتال، السبب هو وُجود بقية خلقٍ كان عند العرب قبل الإسلام، حينما يأتي رجل في الجاهلية ويُسْلِم يقول له عليه الصلاة والسلام:
((أسلمت على ما أسلفت من خير)).
[الجامع لأحكام القرآن عن حكيم بن حزام ].
وكان عليه الصلاة والسلام يقول:
((خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام)).
[من تفسير ابن كثير عن  أبي هريرة].
عندما قاطع كفار قريش بني هاشم لتضييق الخناق على النبي، بقية المروءة حتى في مجتمع الجاهلية دعتهم إلى تمزيق الصحيفة، إذاً كان هناك بقية من الناس لا يحتملون الظُلم، فمن أجل أن تَسْلُكَ الرسالة طريقها إلى الانتشار والتوسع، فكان من الحكمة والمسلمون في مكة أن لا يقاتلوا، جاءهم أمرٌ بعدم القتال، أولاً كي يدربوا على الطاعة، وتحمُّل الشدائد والمكاره، والقهر، والضغط، والضيم، والأمر بعدم القتال، ثم إن الحياة الجاهلية فيها بقيةٌ من خير برزت في مكَّة المكرمة حينما مُزِّقت الصحيفة، وتعامل كفار قريش مع المؤمنين بدافعٍ من بقية الخُلُق الذي أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:
((بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ)).
[من الجامع الصغير عن جابر ].
 
3 ـ القتال في مكة يعني أن تنشِب معركةٌ في كل بيت وهذا يتناقض مع الدعوة الإسلامية:
 
الشيء الثالث وهو الأهم هو: أن المؤمنين في مكة أفراد في بيوت، وأن الذين يعذبونهم وينكِّلون بهم هم أهلهم، فلو أُمِرَ المؤمنون في مكة بالقتال نشبت حربٌ في كل بيت، لتمزقت الأسرة، وهذه حكمةٌ بالغة، حيث لم يكن هناك كيان للمسلمين، ليس لهم أرض، ليس لهم كيان، هم أفراد في أُسر مشركة، فلو أمر المؤمنون في مكة بالقتال لكان يعني هذا أن تنشِب معركةٌ في كل بيت، ولأصبحت الحياة في مكة لا تطاق، حربٌ أهلية، والإسلام جاء للسلام، جاء لترسيخ معاني الود، معاني الخُلُق، فلأن المسلمين ليسوا على أرضٍ تجمعُهم، وليس لهم كيانٌ يقودُهم، هم فُرادى متفرقون في بيوتات مشركة، فلو أمروا بالقتال لكان معنى هذا أن تنشِب معركةٌ في كل بيت، وهذا يتناقض مع الدعوة الإسلامية، الدعوة التي هي من عند الله، والتي تسعى إلى إقرار السلام في المجتمع، هذه بعض الحِكَم التي يمكن أن تُسْتنبط.
 
4 ـ كان المسلمون في مكة قِلَّة ليس لهم أرض ولا قيادة تجمعهم :
 
الحكمة الرابعة: كان المسلمون قلةً في مكة المكرمة، فالمسلمون قلة، وحينما يؤمرون بالقتال صار هذا أمراً بالانتحار، لا بد من أن يأخذوا بالأسباب، لا بد من أن يكون هناك أملٌ بالنصر، أما أشخاص ضعفاء، شباب، متفرقون في بيوت مشركة، يؤمَرون بقتال أهلهم وآبائهم فهذا شيء مستحيل، أولاً: هم قِلَّة ليس لهم أرض، وليس لهم قيادة تجمعهم، ثانياً: ظهرت نخوةٌ في الجاهلية أعادت لهم بعض حاجاتهم، رابعاً وهو: أن الحياة في الجاهلية فيها عنف، فيها عدم نظام، فيها اضطراب، فلو ترك الأمر على غاربه لنشبت معارك لا تنتهي.
 
الحكمة من نصر الله تعالى للمؤمنين :
 
إذاً الحكمة من أن الله أمر المؤمنين أن يكفوا أيديهم وأن يصلوا، وأن يصوموا، وأن يؤدّوا الزكاة، كانت حكمةً رائعة وقتها، فلما هاجر المؤمنون إلى المدينة، وأصبح لهم أرض تَجَمَّعوا عليها، أصبح لهم كيان، أصبحت لهم قيادة حكيمة، عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، الآن سبقت هذه الآيات إشارة إلى أن هؤلاء المؤمنين أُذِنَ لهم:
﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾.
[ سورة  الحج: 39]
لكن الحكمة تقتضي ذلك..
﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز*الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.
 [ سورة الحج: 39-41]
فالله عز وجل حينما ينصر المؤمنين من أجل ماذا ؟ من أجل أن يقيموا الصلاة في الأرض، وأن يكونوا رُسُلاً إلى البشرية جمعاء.
 
أساس مشروعية القتال في الإسلام :
 
أيها الأخوة... الآية التي هي موضوع درسنا اليوم:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾.
قبل أن أمضي في شرح هذه الآية لا بد من ضرب مثل، تصور بلدةً لها وليّ أمرٍ تسميه: رئيس بلدية، تسميه: حاكم البلدة. لها ولي أمرٍ، هذا الإنسان على درجة عالية جداً من العلم والأخلاق، أراد أن ينشئ في هذه البلدة معهداً من أعلى مستوى، يستقدم له أعلى الأساتذة، هذا المعهد مجهَّز بكل وسائل التعليم، والتربية، والتثقيف، والتأديب، أراد ولي أمر هذه البلدة أن ينشئ معهداً يربي شبابه تربيةً عالية، من أجل أن يسعد هؤلاء الشباب في حياتهم، وأن يحتلوا مناصب مرموقة، وأن يصلوا إلى أعلى درجات السعادة في الدنيا، أُنْشِأَت هذه المدرسة، وبنيت بناءً راقياً، واستحدث فيها كل وسائل التعليم، وَعُيِّنَ فيها كبار المدرسين.
ثم فوجئ صاحب هذه البلدة أن فئةً من قُطَّاع الطرق ومن المنحرفين تصرف الطلاب عن المدرسة، إما أن تغريهم بارتياد أماكن منحطة، أو مشاهدة أفلام مُنْحَطَّة، أو إبعادهم عن هذه المدرسة، أو أن تمنعهم بالقوة من أن يدخلوا هذه المدرسة، هل يقف ولي أمر هذه البلدة مكتوف اليدين ؟ هل يسمح لفئةٍ أن تمنع نشر العِلم في البلدة ؟ هل يسمح لفئةٍ لِتحول بين الطُلاَّب وبين دخول معهدهم ؟ هل يسمح لفئةٍ أن تغري الطلاب بالانحراف الخلقي وتعويدهم على المخدرات والخمور والزنا وما إلى ذلك ؟ لا بد من التدخل، لا بد من التدخل من أجل أن تؤدي هذه المدرسة رسالتها، فهؤلاء الذين يقفون على مسالك الطرق إلى المدرسة، يمنعون الطلاب من الدخول إليها، أو يصرفونهم إلى أماكن اللهو والانحطاط، هؤلاء شاذون، هؤلاء خرجوا عن مبادئ هذه البلدة وعن قيمهم، فلا بد أن يُحال بينهم وبين ما يصنعون، هذا هو القتال في سبيل الله.
الجماعة المؤمنة من حقها أن تعرف ربها، من حقها أن تسعد به، من حقها أن تصل إلى غايتها في الدنيا، من حقها ألا تُفْتَنَ عن دينها، فأنت كأب لو كان لابنك صديق أفسده عليك، وجعله يهرب من المدرسة، وينغمس في الرذيلة والمخدرات، بماذا تشعر تجاه هذا الصديق؛ صديق ابنك ؟ تشعر أنه اعتدى عليك أعلى عدوان.
فأعلى عدوان على الإطلاق أن تعتدي على دين الإنسان، أن تفسده، هؤلاء الذين ينشرون الرذيلة بطريقةٍ أو بأخرى، عن طريق المجلات، أو عن طريق الفضائيّات، أو عن طريق الكُتُب، على ماذا يعتدون هؤلاء ؟ يعتدون على دين الإسلام، يفتنونه عن دينه، فإما أن تعتدي على الدين مباشرة، وإما أن تفتن الناس عن دينهم، لذلك هؤلاء الذين يعيشون على انهيار البيوت، ويعيشون على إفساد الشباب، يعيشون على إفساد الفتيات، هؤلاء الذي يعيشون ليمنعوا دخول الطُلاَّب إلى المدرسة، ليمنعوا نشر العِلم، مع أن ولي أمر هذه البلدة لم يجبر أحداً على دخول هذا المعهد، لكن طُلاَّب المعهد من حقهم أن يصلوا إلى معهدهم سالمين، وأن يستمعوا إلى الدروس هادئين، وأن يصلوا إلى أهدافهم مرتاحين.
لذلك مشروعية القتال في الإسلام، حينما جاء بها القرآن، وحينما طبَّقها النبي عليه أتمُّ الصلاة والسلام أساسها من أجل ضمان حُرية العمل، من أجل ضمان حرية العبادة، من أجل ضمان حرية الاستقامة على أمر الله، من أجل ضمان حرية طلب العلم، هذا هو.
 
شُرِّع القتال في الإسلام من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا :
 
الآية الأولى أيها الأخوة يقول الله عز وجل:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾.
أول نقطة في هذه الآية: ينبغي أن يكون القتال في سبيل الله إعلاءً لكلمة الله، أما الحروب القذرة التي تشهدها البشرية اليوم، تارة يقولون تطهير عِرْقي، ذبح على الهوية، لأنه مُسْلم، وتارة يقولون: من أجل اتخاذ البلاد مجال حيوي، أطماع اقتصادية، أينما كان البترول تجد المطامع تحوم حوله، فهذه الحروب الحديثة التي تقودها بعض البلاد القوية، حروبٌ لا علاقة لها إطلاقاً بنشر فكرةٍ، ولا بتحقيق مبدأٍ، ولا بترسيخ دينٍ، إنما المصالح فقط تحرف هؤلاء الذين يعتدون على حقوق الشعوب، الآية دقيقة جداً أول شيء:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾.
القتال المشروع في الإسلام من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، ومن أجل ألا تكون فتنة، ومن أجل أن يكون الدين لله، أنت لا تسمح لابنك أن يرتاد بيتاً إلى جوارَك تمارس فيه كل أنواع الرذيلة، يعتدون على طُهْر الأطفال، وعلى عفَّتهم، وعلى أخلاقهم، وعلى انضباطهم بإغراءات، لا بد أن تقف بين هؤلاء وبين ما يفعلون، هذا هو الأصل.
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾.
الهدف أن يكون الدين مُهَيْمِنَاً، والهدف أن يكون الدين لله، والهدف ألا تكون فتنةٌ، والهدف أن تنصُر مظلوماً.
 
الآداب التي جاء بها الإسلام في القتال :
 
قال تعالى:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾.
 
1 ـ لا تقاتل إلا من يُقاتل فالنساء والأطفال والشيوخ لا يقتَلون :
 
المرأة لا تُقتل، والصبي لا يُقْتل، والشيخ الفاني لا يقتل، وهذا الذي التجأ إلى صومعةٍ يعبد الله فيها لا يقتل، هكذا النصوص تأتي، يقول عليه الصلاة والسلام:
((نهى عن قتل النساء والصبيان وإذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه )).
[من شرح الجامع الصغير ].
تأكيداً لكرامة الإنسان و " أعف الناس قتلةً أهل الإيمان ". عندهم أخلاق، حتى في حربهم أخلاقيون، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قتل الصَبْرِ أي أن تدعه بلا طعامٍ حتى يموت، فلذلك أول شيء:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾.
حسب تعليمات هذا القرآن العظيم لا يُقاتَل إلا المُقاتِل، أما هذه الحروب الحديثة تنزل هذه القنبلة فتقتل النساء والأطفال والشيوخ معاً، ولا تفرِّق بين وليدٍ رضيعٍ بريءٍ طاهرٍ وبين مقاتلٍ شرسٍ خبيث، هذه الأسلحة التي اخترعتها أوروبا وأمريكا، هذه لا تفرِّق بين طفلٍ ومُقاتل، ولا بين امرأةٍ ومقاتل، ولا بين شيخٍ ومقاتل، والآية تقول:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾.
هذا من حيث النوعية، لا تقاتل إلا من يُقاتل، فالنساء والأطفال والشيوخ لا يقتَلون.
 
2 ـ ينبغي أن تكون متأدِّباً بآداب القتال :
 
الشيء الثاني ينبغي أن تكون متأدِّباً بآداب القتال، فلا تجعل خصمك يموت صبراً، جوعاً، أو عطشاً، أو تعذيباً، ولا تضرِب الوجه حفاظاً على كرامة الإنسان، ولا تقتل امرأةٍ، ولا طفلاً، ولا شيخاً، ولا تعقروا ناقةً إلا لمأكلةٍ، ولا تقطعوا شجراً، هذه هي الآداب التي جاء بها الإسلام حتى في القتال.
 
الفتنة أشد بكثيرٍ من القَتل :
 
قال تعالى:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾.
لمجرَّد أن تعتدي على إنسان فالله عز وجل لا ينصُرك ولا يأخذ بيدك بل يهزمك.
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾.
هذا الإنسان الذي تقاتله هو إنسان شارد عن الله، ينبغي أن تُريه عدلاً، وإنصافاً، وقوةً، وبأساً من دون أن تظلمه، ثم يقول الله عز وجل:
﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾.
الإنسان حينما يُقْتَل مظلوماً يدخل الجنة، أما حينما يُفْتَنَ عن دينه يدخل النار، فلا شك أن الفتنة أشد بكثيرٍ من القَتل.
 
العدوان على الدين والعدوان على الجسم :
 
كان الجاهلي يأتي بابنته الصغيرة التي هي كالقمر، يأخذها إلى خارج المدينة، ويحفر لها حفرة، ويضعها في الحفرة، ويهيل عليها التراب، تقول له: يا أبت يا أبت، تتوسل إليه إلى أن تموت، قلبٌ كالصَخْر، مع أن هذا العمل وَحْشِي، مع أن هذا العمل ينفر منه كل طبعٍ سليم. قد يكون من الأمانة أن نذكر أنّ السبب في وأد البنات كان بسبب الشرف:
﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾.
[ سورة التكوير: 8-9 ].
ومع ذلك هذا الذي يُرَبِّي ابنته حتى تَكْبُر؛ يطلق لها العنان، يسمح لها أن تمشي بأية طريقة، وأن ترتدي أي ثياب، ولو كانت فاضحةً مكشوفةً، هذا الأب الذي يفتن ابنته عن دينها، ويسمح لها أن تُظْهِر مفاتنها، ويسمح لها أن تلعب بالنار، هذا الأب جُرْمُهُ عند الله أشدُّ من قتلها، هذا الأب جرمه عند الله أشد من قتل ابنته صغيرةً، لأنها لو قُتِلَت صغيرةً لدخلت الجنة، أما حينما تفتن عن دينها، فقد اعتدي عليها بأبلغ من الاعتداء على جسمها، فهناك عدوان على الدين، وعدوان على الجسم، العدوان على الجسم بالقتل، أحياناً إنسان يقتل إنساناً بحادث سير دون قصد، هذا اعتدى على جسمه، أما هذا الذي يفتن الناس، يشيع بينهم الأفكار الهدَّامة أحياناً، يؤلِّف الكُتب التي تطعن في الدين، يغري الشباب بأن يفعلوا الفاحشة، ينقُل ما في النوادي الليلية إلى البيوت، هذه الصحون الفضائية ألا ترونها أمامكم ؟ تنقل كل شيء للبيوت.
هؤلاء الذين يعتدون على الدين، الإنسان دينه استقامته، دينه عفته، دينه صلاته، دينه طاعته لله، دينه تعلقه بالآخرة، فأية طريقةٍ؛ عن طريق مجلةٍ أو كتابٍ، أو فيلمٍ أو مسلسلٍ يأتينا من الخارج ليهدم أخلاق أبنائنا ويفسد شابَّاتنا، هذا عدوان على الدين، فصار هناك عدوان على الدين، وعدوان على الجسم.
 
الأشهر الحرم ضمان لعدم استمرار القتال :
 
يقول الله عز وجل:
﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ﴾.
شاءت حِكمة الله عز وجل أن يجعل الأمْنَ في مكانٍ وزمان، فالأشهر الحُرُم فيها أمن، السبب، الآن تدور معركة:
﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾.
 [ سورة الحجرات: 9 ]
قد تستمر المعركة ثماني سنوات، لو طَبَّقَ الفريقان هذه الآية حيث لا يوجد قتال في أشهر الحرم، فحينما يهدأ الناس، ويرتاحون من القتال، ويتذوَّقون طعم السلم، يحافظون عليه، فكأن الله جعل هذه الأشهر الحرم ضماناً لعدم استمرار القتال، لأن الله هو الذي خلق هذه الأنفس، هو الخبير بطبيعتها، قد تستمر المعركة ثماني سنوات، وقد يذهب ضحيتها مليون إنسان، بسبب أنهم تابعوا القتال في الأشهُر الحُرُم، حينما يلتزم الناس جميعاً بهذا المبدأ؛ أن الاقتتال في الشهر الحرام لا يوجد، يرتاح الناس، ذاقوا طعم السلم، فمالوا إلى حل المشكلة، من دون أن تتفاقَم، وجعل الله مكاناً آمناً هو بيت الله الحرام، قال:
﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾.
هذا مكان آمن..
﴿ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ﴾.
إذا هم بدؤوا القتال في هذا المكان الطاهر المقدَّس، أنتم تابعوا القتال، ولا تبدؤوهم أنتم حتى يبدؤوا..
﴿ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾.
أيْ إذا بدؤوا القتال في بيت الله الحرام، أو في الشهر الحرام فقاتلوهم.
 
الله تعالى يلوح للمقاتلين الحاقدين في الآية التالية بالعفو :
 
قال تعالى:
﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
يا أيها الأخوة.. هذه الآية رائعة جداً، فهذا الذي يقاتل المؤمنين، هذا الذي يريد أن يطفئ نور الله عز وجل، هذا الذي يريد أن يحول بين الناس وبين طاعة الله عز وجل، هذا الذي يُشيع الفساد في الأرض، هو نفسه لو توقَّف عن إفساده، وتاب إلى الله، لقبله الله وعفا   عنه، لأن الله رب الجميع، كأن الله لوَّح لهؤلاء المقاتلين، المشركين، الكُفَّار، الحاقدين، المجرمين لوَّح لهم بالعفو..
﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
الله عز وجل لا يُبْغِضُ الكفار، ولكنه يبغض أعمالهم، لا يغضب منهم، ولكن يغضب عليهم، هذه نقطة دقيقة جداً.
﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
عبدي لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي، طبعاً هذا كلام تاريخي كما أقول مرة ثانية، أستعرض لكم تركيب هذه الآيات التي نقلت المؤمنين من طور قبول الضيم في مكة المكرمة إلى طور أن يقفوا وقفةً قويةً في المدينة المنورة بعد الهجرة.
 
مشروعية القتال في الإسلام لئلا تكون فتنة :
 
قال تعالى:
﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾.
كأن الله عز وجل أشار في هذه الآية إلى أن مشروعية القتال في الإسلام لئلا تكون فتنة، وكلُّكم يعلم أنه في بعض البلاد البعيدة عن منهج الله، التي لا تُقيم للدين وزناً، ولا تسمح للإنسان أن يقيم شعائر الله، في هذه البلاد يُفْتَن الإنسان عن دينه، يمنع أن يؤدِّي شعائر الله، يمنع أن يدخل المسجد، يمنع أن يُحَجِّبَ زوجته.
﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾.
وقال :
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾.
[ سورة  الزمر: 53]
 
كل تجاوزٍ للحُرُمات لا بدّ له من قصاصٍ رادع :
 
ثم يقول الله عز وجل:
﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴾.
أيْ أنك حينما تجترئ على حُرْمَةِ هذا الشهر أيضاً المسلمون يجترئون عليك، دائماً هناك معاملة بالمثل، هذا الشهر حرام، حرامٌ أن تقاتل فيه، أما إذا بدأت القتال فيه لا ينبغي أن تكون آمناً فيه، أنت اعتديت على حُرْمَة هذا الشهر فينبغي أن يُعتدى عليك في هذا الشهر، ولو كان حراماً.
﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾.
كل تجاوزٍ للحُرُمات لابدّ له من قصاصٍ رادع، لأنه لا يوجد نظام بالأرض إلا وله مؤيّد قانوني.
﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾.
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ*وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا  ﴾
[ سورة الشورى: 39-40]
 
على الإنسان أن يعد لعدوه أعلى درجات القوة وهذا أمر إلهي :
 
أخواننا الكرام.. نحن مع أعدائنا الشَرِسِين الذين شَرَّدوا الشعوب، واقتلعوا الإنسان من جذوره، هؤلاء ينبغي أن يؤدبوا، لذلك يقول الله عز وجل:
﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾.
كلكم يرى ويسمع: أعداؤنا يخرقون كل الأنظمة الدولية، ولا يطبّقون أي قرارٍ على الإطلاق ومع ذلك لا أحد يُحاسبهم، بينما نحن أي خطأ يصدر عن بلد يُعتدى عليه اعتداء إلى أن يجوع أهله، ويموتون من الجوع. هناك الآن إحصاءات دقيقة أن خمسمئة ألف طفلٍ يموتون كل عامٍ جوعاً ومرضاً في بعض البلاد التي خضعت لمقاطعةٍ اقتصادية.
﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾.
فالله عز وجل قال:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ  ﴾.
[ سورة الأنفال: 60 ].
هذا أمر إلهي، أي يجب أن تعد لعدوك أعلى درجات القوة، (مَا اسْتَطَعْتُمْ) باستنفاذ كل وسائل القوة.
الشيء الثاني: أية قوةٍ هذه ؟ كلمة عامة، هذه جاءت أولاً عامة، وجاءت نَكِرَة، جاءت عامة كي تغطي كل أنواع القوة التي تأتي على خواطرنا، وجاءت مضافةً إلى بعضها.
 
الآية التالية هي آية الإعداد :
 
قال تعالى:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾.
[ سورة الأنفال: 60 ]
في عهد النبي الإعداد يشمل رباط الخيل، في عهودٍ لاحقة يشمل المنجنيق وصنع السفن الحربية، في عهود بعدها يشمل المُدَرَّعات والطائرات، والآن كما ترون يبدأ القصف ويستمر إلى أن تُدَمَّر البُنْيَة التحتية للبلد كلياً، من دون أن ينزل جنديٌ واحد، وذلك عن طريق الطيران، وعن طريق إحكام الأهداف، لذلك:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ  ﴾.
[ سورة الأنفال: 60 ].
القوة تعني أن تستخدم كل وسائلها بأدق تفاصيلها، (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) من أجل ماذا ؟
﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾.
[ سورة الأنفال: 60 ].
أحد أكبر أدوار القوة أنك لا تستخدمها لكنها تفعل فعلها، فالذي يملك سلاحاً قوياً مَرْهوب الجانب، والدليل:
﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾.
[ سورة الأنفال: 60 ].
ينبغي أن يكون عدوكم عدواً لله عز وجل.
 
الإعداد والإيمان شرطان ضروريان لتحقيق النصر :
 
قال تعالى:
﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾.
هذه معيةٌ خاصة، الآية التي ذكرتها قبل قليل:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾.
[ سورة الأنفال: 60 ]
هذه آية الإعداد، لكن النصر يحتاج إلى شيئين: إلى إعدادٍ وإلى إيمان. والإيمان والإعداد كلاهما شرطٌ لازمٌ غير كافٍ، فمن آمن ولم يعد لعدوه أعلى درجات القوة لا يستحق النصر، ومن أعد لعدوه أعلى درجات القوة ولم يؤمن لا يستحق النصر، فلا بد من الإيمان والإعداد، إلا أن الذي يُثْلِجُ القلوب أن الله عز وجل ما كلَّفنا أن نعد القوة المكافئة ولكن كلفنا أن نعد القوة المُتاحة، فنحن إن أردنا أن يرفعنا الله عز وجل، وأن ينصُرنا على شُذَّاذ الآفاق المفسدين في الأرض، ينبغي أن نعد لهم ما استطعنا من قوةٍ، وينبغي أن نعد إيماناً قوياً في مستوى إعدادنا، فإذا جمعنا الإيمان والإعداد استحققنا النصر.
دعوتُ مرةً في خطبة إذاعيةٍ وقلت: اللهم انصرنا على أنفسنا حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا. بشارةٌ لكم:
﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾.
[ سورة غافر: 51 ].
لا يمكن للمؤمن إلا أن ينتصر، قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾.
[ سورة الصافات: 173].
ولكن ينبغي ألا نقصر؛ لا في الإعداد ولا في الإيمان، إن قصَّرنا في الإيمان خسرنا المعركة بسبب ضعف إيماننا، وإن قصرنا في الإعداد خسرنا المعركة بسبب تقصيرنا في الإعداد، الإيمان والإعداد كلاهما شرطٌ لازمٌ غير كافٍ، والحقيقة أن المعركة بين حَقَّين لا تكون لأن الحق لا يتعدَّد، وأن المعركة بين حقٍ وباطلٍ لا تطول لأن الله مع الحق، أما إن كانت بين باطِلَين فقد تطول.
 
على المؤمن أن يعدَّ للكفار الإيمان والقوة التي يفهمونها :
 
أيها الأخوة:
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾.
﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾.
هذه المعية الخاصة، معهم بالنصر، والتأييد، والحِفظ، والتوفيق.
﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾.
ما علاقة هذه الآية بالقتال ؟ القتال يحتاج إلى رجال، ويحتاج إلى أموال، فلا بد من أن تبذلوا مُهَجَكم وأموالكم معاً، فالأمة التي تريد أن تنتصر على شُذَّاذ الآفاق، هي الآن في معركة مصير، معركة نكون أو لا نكون، فلا بد أن نعد الإيمان لشذاذ الآفاق، ولا بد أن نعد لهم القوة التي يفهمونها هم.
 
من رحمة الله بنا أنه كلفنا أن نعد القوة المُتاحة وليست القوة المكافئة :
 
لكن رحمة الله بنا أنه كلفنا أن نعد القوة المُتاحة، وعلى الله الباقي، وليست القوة المكافئة، قد لا نستطيع إعداد القوة المكافئة، ولكن بالإمكان أن نُعِدَّ القوة المُتاحة، وأن نقوي إيماننا بالله عز وجل كي نستحق أن تنطبق علينا الآية الكريمة:
﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾.
[ سورة الصافات: 173].
﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾
[ سورة الحج: 40]
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ﴾.
[ سورة النور: 55 ]
أما حينما تنطبِق الآية الثانية على المسلمين:
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾.
[ سورة مريم: 59]
لقد لقي بعض المسلمين هذا الغي الذي توَعَّدَهُم الله به، ورد عن رسول لله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قيل يا رسول الله: فمن قلة يومئذ ؟ قال: لا ـ مليار ومئتا مليون ـولكنكم غثاء كغثاء السيل يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب من قلوب عدوكم لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت)).
[أبو داود عن ثوبان ].
 
ملخص لما ورد في درس اليوم :
 
من أجل أن تنطبِق علينا آيات النَصر والتأييد على هؤلاء الذين يتحدَّوْنَ أمم الأرض، شُذاذ الآفاق، ينبغي أن نعد الإيمان، وينبغي أن نعد لهم القوة المتاحة التي بين أيدينا، والقتال يحتاج إلى رجال وإلى أموال:
﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾.
أيْ يجب أن تنفقوا، وأن تُحَصِّنوا بلادكم، هناك الآن تحصينات كثيرة ينبغي أن نتحصّن بها باستثمار الثروات الطبيعية، وبالصناعة الوطنية، وبالوحدة الوطنية أيضاً، وبالعلم أيضاً تتفوق به، هذا كله ينبغي أن يكون مُلاحظاً.
﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾.
إن بَخِلَ الناس في الإنفاق، وإن تقاعسوا عن نصرة دين الله عز وجل، تجاوز الكفار الحدود.
﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.
أخواننا الكرام.. وردت هذه الآيات المُتَعَلِّقة بالقتال على التدريج التالي أولاً: أمر المؤمنين حينما كانوا في مكة المكرمة بالكف عن القتال لحكمٍ كثيرةٍ جداً ذكرتها لكم من قبل. ثم نُوِّهَ بأنهم ظُلِموا، بأنهم قوتلوا وأخرجوا ونُكِّلَ بهم، وهذه الإشارة إلى أن من حقهم أن يأخذوا ما فقدوه من عدوهم. ثم جاءت الآيات تأمرهم بعد أن صار لهم كيان في المدينة، وقيادة حكيمة أنهم يجب أن يأخذوا بأسباب القوة، وأن يقفوا أمام أعدائهم وجهاً لوجه، وهذا الذي حصل في التاريخ.
نرجو الله سبحانه وتعالى أن يعيد لهؤلاء المسلمين مجدهم التَليد، وأن يجعلهم يحملون هذه الرسالة التي أنيطت بهم، وأن ينشروها في الآفاق عن طريق تعميق إيمانهم، وإعداد القوة المتاحة لعدوهم. ثم تأتي آيات الحج فهذه إن شاء الله في دروسٍ أخرى.
 
والحمد لله رب العالمين



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب