سورة البقرة 002 - الدرس (72): تفسير الآيات (213 - 214) الاختلاف بين البشر

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة البقرة 002 - الدرس (72): تفسير الآيات (213 - 214) الاختلاف بين البشر

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة البقرة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة البقرة - تفسيرالآية: (213 - 214) - الاختلاف بين البشر

20/03/2011 18:51:00

سورة البقرة (002)
الدرس (72)
تفسير الآيات: (213-214)
الاختلاف بين البشر
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
محور الآية التالية موضوع الاختلاف بين البشر :
 
أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الثاني والسبعين من دروس سورة البقرة، ومع الآية الثالثة عشرة بعد المئتين، وهي قوله تعالى:
﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾.
أيها الأخوة الكرام: محور هذه الآية موضوع الاختلاف بين البشر، الواقع أن هناك اختلافات بين البشر لا تعد ولا تحصى، والناس اليوم مذاهب، واتجاهات وشيع، وملل، ونحل، وأعراق، وأقوام، وقبائل، وعشائر، فما سبب هذا الاختلاف بين الناس؟ ومتى يكون الاختلاف طبيعياً؟ ومتى يكون عدوانياً؟ ومتى يكون محموداً؟ الإجابة عن هذه الأسئلة في هذه الآية، وتمهيداً لهذه الآية لا بد من التنويه بأن الله جل جلاله جبل الناس جبلةً واحدة، وهذه الجبلة تعني أن طبعهم وهو أقرب إلى الجسد متناقض مع التكليف، وكلمة تكليف تعني أنه ذو كلفة، أيْ يحتاج إلى جهد، طبعاً الدراسة أصعب من عدم الدراسة، وأن تؤسس عملاً أصعب بكثير من أن تبقى بلا عمل، وكلمة تكليف تعني شيئاً يحتاج إلى جهد، ولحكمة بالغة بالغةٍ أرادها الله عز وجل كان التكليف متناقضاً مع الطبع، والطبع أقرب إلى الجسم، والتكليف متوافق مع الفطرة، والفطرة أقرب إلى النفس، فلك جسم، ولك نفس، ومعك تكليف، وهذا التكليف يتناقض مع خصائص الجسم.
 
التكليف يتناقض مع الطبع ولذلك كان ثمنه الجنة :
 
مثلاً؛ التكليف يأمرك أن تصلي الفجر في وقته، والإنسان في الشتاء غارق في نوم عميق، وعلى فراش وثير، وتحت لحاف دافئ، فهذا التكليف أن تصلي الفجر في وقته يتناقض مع حاجة الجسم إلى الاستمرار في النوم، والتكليف يأمرك أن تغض البصر عن امرأة حسناء، والطبع يقتضي أن تملأ عينيك من محاسنها، والتكليف يأمرك أن تنفق المال، وقد حبب المال إليك، والطبع يقتضي أن تأخذ المال لا أن تنفقه، بل أن تجمعه، والتكليف يأمرك أن تكف عن الخوض في قصص الآخرين، وفي فضائحهم، وفي سقطاتهم، أما الطبع فيقتضي أن تستمع، وأن تتابع قصص الآخرين، وأن تكشف أسرار ما في البيوت، فالتكليف إذاً يتناقض مع الطبع، ولأنه يتناقض مع الطبع كان ثمنه الجنة.
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾.
[سورة النازعات: 41].
لكن التكليف يتوافق مع الفطرة، فأنت حينما تصلي الفجر في وقته ثم تنام، وتستيقظ مرتاحاً إلى أقصى حدود الراحة، لأنك كنت عبداً طائعاً لله عز وجل، تنام بعد صلاة الفجر نوماً هنيئاً، وحينما تغض بصرك عن محارم الله وقد منعت نفسك من أن تملأ عينيك من محاسن امرأة لا تحل لك، وتشعر أن الله يحبك، وأنك في ظل الله، وحينما تنفق المال الذي أنت في أمس الحاجة إليه تشعر أنك آثرت رضاء الله على حظوظ نفسك فترقى، وحينما تضبط لسانك، وتسكت، مع أنك تتمنى أن تتكلم، وتشعر أن الله يحبك، فشتان بين أن تأخذ لذةً عابرةً منقطعةً تعقبها كآبة، وبين أن تسعد بقرب الله عز وجل، لأنك كنت عبداً مطيعاً، إذاً معنا تكليف، ولنا جسم، وفي ثنايا هذا الجسم نفس، والنفس متوافقة مع التكليف، والدليل:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾
[سورة الروم: 30 ].
 
طبيعة النفس متوافقة تماماً مع خصائص ديننا :
 
كل خصائص النفس متوافقة مع التكليف حينما تصدق، وحينما تكون أميناً، وتعتز بالله، وتوحده، وتنصف وتقف موقفاً عادلاً، وترحم الآخرين، وتكون أباً كاملاً تشعر بسعادة لا توصف، لأن طبيعة النفس متوافقة تماماً مع خصائص هذا الدين، والذي أنزل هذا الكتاب هو الذي جبل هذه النفس، ولذلك يضيع الإنسان، ويشقى، ويتمزق، وتنشأ عنده صراعات إلى أن يصل إلى الله، فإذا وصل إليه كان أسعد الناس، وإذا وصل إليه سكنت نفسه، واطمأن قلبه، وصحت رؤيته، وسدد الله كلامه، ووفقه في الدنيا وفي الآخرة.
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾.
[سورة السجد: 18].
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾.
[سورة القلم: 36].
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾.
[سورة القصص: 61].
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ ﴾
[سورة الجاثية: 21].
 
معنى التكليف :
 
أيها الأخوة، كل هذا تمهيد لفكرة خطيرة، التكليف أن تتعاون، وأن تعمل ضمن فريق، وأن يكون المؤمنون يداً واحدة، وصفاً واحداً، كجسم إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، هذا هو التكليف.
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾.
[سورة المائدة: 2 ].
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾.
[سورة آل عمران: 103 ].
 التكليف أن نتعاون، وأن يتواضع بعضنا لبعض.
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
[ سورة الشعراء: 215].
((المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم..))
[رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو]
اقرأ الآيات والأحاديث تجد العجب العجاب، فالتكليف في الكتاب والسنة يأمرك أن تتعاون مع أخوانك، وأن تنكر ذاتك أمام مصلحة المسلمين، أيعقل أن يأتي كتاب لقائد جيش وهو في ساحة المعركة: ارجع جندياً، وكلف فلاناً بالقيادة، فيقبل الكتاب، ويبلغ هذا القائد الجديد ويرجع جندياً، من يفعل هذا؟ هذه لن تكون إلا في عالم المسلمين، أما في عالم آخر يستعصي هذا القائد وينشق، ويشكل خطراً على من عزله، أما المسلمون!
أذكر قصة من الصعب أن تصدق. بعد أن فتحت بلاد سمرقند نمي إلى أهلها أن فتحها لم يكن شرعياً، فذهب وفد خلسةً إلى مركز الخلافة في دمشق، والتقوا بسيدنا عمر بن عبد العزيز، وقد نعته المؤرخون بأنه خامس الخلفاء الراشدين، وذكروا له أن بلادهم فتحت على غير ما شرع الله عز وجل، الذي شرعه الله عز وجل أن يعرض على هؤلاء الإسلام، فإن أسلموا لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وانتهى الأمر، فإن لم يسلموا يعرض عليهم دفع الجزية، وهي بمثابة البدل النقدي، فإن أبوا قوتلوا، أما هم فقوتلوا مباشرةً، وفتحت بلادهم، واستولى المسلمون على أرضهم، وعندما علموا فيما بعد أن فتح بلادهم لم يكن شرعياً أرسلوا وفداً إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، فلما علم الأمر كتب قصاصة صغيرة إلى قائد المسلمين في سمرقند أن يخرج من سمرقند، وأن يعيد فتحها وفق ما شرعه الله عز وجل، وهذا الوفد ما صدَّق أن جيشاً بأكمله سينسحب لقصاصة، والذي حدث أنه حينما عرض على قائد الجيش هذه القصاصة قبلها، وأمر بالانسحاب، وعندئذٍ أسلموا، ولم يرضوا أن ينسحب جيش المسلمين .
 
الطبع فردي والتكليف جماعي :
 
أيها الأخوة، موضوع الدرس اليوم دقيق جداً، فأنت كمؤمن مكلف أن تتعاون وأن تعمل ضمن فريق، وأن تكون لبنة في بناء، وأن تكون حجراً في هرم، لا أن تكون شيئاً نافذاً شاذاً منحرفاً، وما يجري بين المسلمين اليوم من خلافات، وقتال، وخصومات، وحروب بقيت عشرين عاماً بين فصائل في أقصى بلاد الشرق، الحرب فيما بينهم وكلهم يرفعون شعارات واحدة، عشرون عاماً!! هذا الاختلاف بين المسلمين، وهذا القتال، لأنهم بعيدون جداً عن منهج الله عز وجل، فالتكليف يأمرهم أن يتعاونوا، وأن ينكروا ذاتهم، وأن يضع أحدهم خده لأخيه كي يدوس عليه، هذا هو التكليف، ولأنهم تفلتوا من طاعة الله فالطبع يقتضي الفردية، هنا الشاهد، الطبع فردي والتكليف جماعي، فأنت تتعاون مع أخوانك المؤمنين بقدر طاعتك لله، وتشاكسهم وتشذ عنهم وتكون عبئاً عليهم وتورث بينهم العداوة والبغضاء بقدر بعدك عن الله.
إذاً الحقيقة الأولى: التكليف يأمرك أن تكون اجتماعياً، متعاوناً، منكراً لذاتك، والطبع يقتضي أن تكون فردياً، إنه إنسان عدواني، شرير، يريد أن يحطم الناس ويبقى وحده، هذا نموذج ما يعانيه المسلمون اليوم، كلما ابتعدوا عن الله عز وجل كانوا فرديين، وآثروا مصالحهم الخاصة على مصلحة المسلمين، وكلما اقتربوا من الله عز وجل وأخلصوا له تعاونوا، والنبي عليه الصلاة والسلام وصف المؤمنين بأنهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، والله عز وجل وصف المؤمنين أنهم كالبنيان المرصوص:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾.
[سورة الصف: 4].
هذا هو وصف الله عز وجل ووصف النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمؤمنين، هذا تمهيد لأنواع الاختلاف بين الناس، والآن الطبع فردي والتكليف جماعي، والطبع متعلق بمصالح الإنسان المادية والتكليف متعلق بمصالحه النفسية، فالتكليف متوافق مع الفطرة ومتناقض مع الطبع.
 
الأهواء تحطم والحق يجمع ويوحد :
 
قال تعالى:
﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي سيدنا آدم والسيدة حواء وأولاده وهو نبي كريم، والتوجيه واحد، والتغذية واحدة، والمنبع واحد وهو الوحي، ولكن حينما نشأت المصالح والأهواء اختلفوا، فما الذي يجمعنا؟ الحق. ما الذي يفرقنا؟ الهوى، هذه قاعدة، الأهواء تفرق والحق يجمع، وعظمة الحق أنه من الله، أما حينما يأتيك التشريع من إنسان، وهو مرتب لمصلحته قد ترفضه، لأنه إنسان مثلك، شرع ومنعك، أما حينما يأتيك التشريع من خالق الأكوان فإنك ترضى به، فالناس لا ينصاعون إلا لتشريع سماوي، أما التشريع الأرضي فهو في الأعم الأغلب لمصلحة من وضع هذا التشريع دائماً وأبداً، والذي يشرع تأتي المواد كلها لمصلحته، وقد تغفل مصالح الآخرين، ولذلك ما دام التشريع أرضياً فهناك حروب، وخصومات، ومذابح لا تنتهي إلى يوم القيامة، أما إذا كان التشريع علوياً من عند الله عز وجل فقد انتهى الأمر، فهذا كلام ربنا، حينما ينتفع المشرع بما شرع تنشأ خصومات لا تنتهي، إذا كان المشرِّع من بني البشر، وهو منتفع بما شرع، وحصل هناك خصام لوجود طرف آخر يرفض هذا التشريع، أما حينما يأتي التشريع من عند خالق الأرض والسماء ينصاع الناس:
﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
وسيدنا آدم وزوجته وأولاده كانوا على منهج واحد، وعلى وحي وتوجيه واحد، فاتفقوا وتعاونوا، ولكنهم تفرَّقوا عندما دخل الهوى، والآن يجتمع أناس على عمل طيب، وعندما يدرُّ هذا العمل عليهم أرباحاً طائلة يختلفون، إذْ صار هناك مال، ومكاسب مادية، ويريد كلّ إنسان أن يأخذ أكبر حصة له ويتجاهل حق أخيه، فتنشأ الخلافات، وكم من شركة انهارت، وكم من مشروع رائع تحطم بسبب الأهواء، فالأهواء تحطم، والحق يجمع ويوحد، وهذه قاعدة أساسية.
 
المبادئ متكاملة أما المصالح فمتناقضة :
 
الحق يجمع والأهواء تفرق، والمبادئ تجمع والمصالح تفرق، والمبادئ متكاملة أما المصالح فمتناقضة:
﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾.
عندما اختلفوا، ودخلت الأهواء، أخذ الأنبياء يأتون تباعاً، وكلما جاء نبي وضح منهج الله عز وجل، وأمر الناس بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وحكم الشرع الذي هو من عند الله محل الأهواء التي هي من عند البشر:
﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾.
لمن أطاعهم:
﴿وَمُنذِرِينَ﴾.
لمن عصاهم:
﴿ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ﴾.
فأنت آية بالغة التعقيد، ولك صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، فهذه الآلة لا تسلم ولا تؤتي مردوداً عالياً إلا بإتباع تعليمات الصانع، فربنا عز وجل كلما رأى عباده مزقتهم الأهواء، وانحازوا إلى مصالحهم، وأثمر هذا عداءً، وقتالاً، وخصومات، وعداوات، أرسل نبيّاً آخر مع منهج قويم، أمرهم ونهاهم، وبّشرهم وحذّرهم، وأعطاهم كتاباً افعل ولا تفعل، ﴿ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ﴾، إذا جاءت كلمة الكتاب في القرآن معرفة بأل دلَّت على مطلق منهج الله عز وجل، مطلق المنهج، ﴿ بالحق ﴾، هذا الكتاب بالحق، من عند الحق، ومن عند العدل الرحيم الحكيم، كتاب بالحق، أي لابَسَ نزوله الحق، هو من عند الحق، والحق في كل دقائقه وجزئياته.
 
ربنا عز وجل غني على أن ينتفع بالتشريع :
 
﴿ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾، اختلف الناس باختلاف أهوائهم ومصالحهم، فإذا جاء التشريع من عند خالق البشر ممن لا ينتفع بتشريعه رضي به الناس، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:
((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ)).
[مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ ].
ربنا عز وجل غني على أن ينتفع بالتشريع، لكن الإنسان إذا شرع مفتقر إلى أن ينتفع بالتشريع، فإذا انتفع بالتشريع كان له خصوم يرفضون هذا التشريع، وإذا دققت وعمقت تجد أن كلَّ خلافات البشر في الأرض اختلاف مصالح، وأهواء، وتنازع، وثروات مما يشعل الحروب بينهم، فالحروب عند المسلمين حروب دعوة، وحروب نشر حق، وريادة أمم، أما الحروب الآن فهي مرة حروب نفط، ثم حروب ماء، ثم حروب قمح، أو حروب مناطق نفوذ، الحروب كلها من أجل المصالح والثروات والمكتسبات، وحروب أحياناً من أجل الإذلال والتدمير والإهلاك، فاختلفوا، ﴿ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾، العدل يسع الجميع.
 
العدل يسع الجميع :
 
قاضٍ في العهد العباسي فيما أذكر طُرِق بابه، فسأل خادمه: مَن لدى الباب؟ فإذا بطبق من التمر، أو من الرطب في بواكيره، وكان هذا القاضي معروفاً بحبه هذا الرطب في بواكيره، فهو أكلٌ نفيس جداً، وفاكهة غالية، وبمستوى عالٍ جداً، في أوله، فسأل خادمه من قدم هذا الطبق يا بني؟ قال: رجل لدى الباب، قال: صفه لي، قال: صفته كيت وكيت، فعلم أنه أحد الخصوم، أو أحد المتداعيين، فرد الطبق، وبعد أيام طلب مقابلة الخليفة، وطلب منه أن يعفيه من منصب القضاء، قال: ولمَ؟ قال: والله جاءني غلامي قبل أيام بطبق من الرطب في بواكيره، وعلمت أنه من أحد المتخاصمين، وفي اليوم التالي تمنيت أن يكون الحق مع الذي قدم هذا الطبق، مع أني لم أقبله، فكيف لو قبلته؟ هذا العدل، فالعدل يسع الجميع: ﴿ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾، إذا كان التشريع إلهياً انصاع كل الناس له، وبالمناسبة لو أن واحداً يدّعي أنه مسلم وجئته بحكم شرعي قرآني، وتلكأت نفسه في قبوله فليس بمؤمن، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
[سورة الأحزاب: 36]
أنت عبد والذي جاء بهذا الكتاب نبي كريم، وهذا الكتاب من عند خالق عظيم، فإذا وضعت أحكام الكتاب على بساط البحث والمناقشة فلست مؤمناً:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
[سورة الأحزاب: 36]
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾
[سورة النساء: 65].
 
أنواع الاختلاف :
 
لماذا يجتمع المسلمون؟ لأن إلههم واحد، وكتابهم واحد، ونبيهم واحد، ولأن التشريع الذي ينصاعون له ليس من عند أنفسهم بل من عند خالقهم، وهذا أحد أسباب وحدتهم، وحينما يدعون هذا التشريع فتركهم له أحد أسباب فرقتهم.
أحد الأصدقاء كلما ذهب إلى بلد غربي يسمعهم يطعنون في واقع المسلمين، وتخلفهم، وفقرهم، وخصوماتهم، وحروبهم الداخلية، قال لي: ضقت ذرعاً أينما أذهب، هؤلاء لا يرون الإسلام من خلال الكتاب والسنة، بل من خلال واقع المسلمين، فقال لي: لقد صار عندي قناعة أن أقول لهم انظروا إلى واقعنا المتخلف، انظروا إلى فقرنا، وإلى الخصومات فيما بيننا، هذا كله بسبب تركنا لمنهج ربنا، فصار حجة معاكسة، والدليل على أن منهجنا صحيح أننا حين تركناه انظروا ماذا حل بنا؟!
 
1 ـ خلاف نقص المعلومات وهو طبيعي لا يُمدح ولا يذم :
 
الخلاف الأول خلاف اختلاف نقص المعلومات وهو طبيعي، في آية أخرى:
﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ﴾
[سورة يونس: 19 ].
خلاف نقص المعلومات طبيعي، فلو فرضنا أنَّنا في يوم التاسع والعشرين من رمضان وسمعنا صوت مدفع، يا ترى أهو مدفع الإثبات أم هناك في الجبل صخرة تفجر من أجل شق طريق؟ صرنا في اختلاف، لماذا اختلفنا؟ لنقص المعلومات، فإذا استمعنا إلى أنه قد ثبت أن غداً أول أيام عيد الفطر انتهى الاختلاف إذْ توضحت المعلومات، فهناك اختلاف طبيعي جداً لا يمدح ولا يذم، هذا اختلاف نقص معلومات.
 
2 ـ اختلاف عدوان وبغي وأهواء ومصالح :
 
أما إذا جاء الحق هنا تكون المشكلة:
﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾.
[ سورة آل عمران : 19 ].
البينات جاءت. المسلمون الآن لا تبتعدوا كثيراً؛ فالمسلمون معهم كتاب واحد من المشرق إلى المغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، ومعهم سنة واحدة، ونبي واحد، مع ذلك فهم مختلفون، ملل ونحل، وطوائف ومذاهب، ونزعات واتجاهات، إلى درجة أنك تحار ما هذه الفرقة مع أن عوامل الوحدة بين أيدينا، لماذا يتعاون أعدائنا وبينهم قواسم مشتركة لا تزيد عن خمسة بالمئة، ولماذا نحن نتقاتل وبيننا قواسم مشتركة تزيد عن خمسة وتسعين بالمئة؟ إنه اختلاف أهواء، واختلاف مصالح:
﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾.
[ سورة آل عمران : 19 ].
البغي هو العدوان، وحينما أريد أن آخذ ما ليس لي أعتدي، وحينما أريد العدوان أبحث في النصوص عن شيء يغطي عدواني، وحينما أريد أن آخذ ما ليس لي أنا معتدٍ، لأن الإنسان مثقف مفلسف بالأساس، فهو يبحث عن تبرير لعدوانه، ويختلق أنواع التبريرات، فالاختلاف الأول اختلاف حيادي، لا يمدح ولا يذم، اختلاف نقص المعلومات، أما الاختلاف الثاني فهو اختلاف عدوان وبغي وأهواء ومصالح، ولذلك تجد أكثر الأديان مع أنها ذات نصوص واحدة اختلفت، وتشعبت، وتمزقت، ونشأت بينها العداوة والبغضاء، ثم الخصومات، ثم القتال، ثم سالت الدماء بينهم:
 
﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾.
[ سورة آل عمران: 19 ].
بغياً أي عدواناً، بغى عليه أي اعتدى عليه: ﴿ بغياً بينهم ﴾، ولذلك استعيذوا بالله من اختلاف العدوان، واشكروا الله على اختلاف التنافس. وسيأتي بعد قليل اختلاف راقٍ جداً،
أنا قد أختلف معك، وكلانا يحبه الله عز وجل، قد أختلف معك لضعف المعلومات، وهذا اختلاف طبيعي، وقد أختلف معك بسبب عدواني، وهذا اختلاف قذر، واختلاف يبغضه الله عز وجل، قال تعالى:
    ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾.
[ سورة المائدة: 2 ].
احملوا هموم المسلمين، وتعاونوا.
 
3 ـ اختلاف التنافس :
 
القسم الثالث:
﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾.
إنسان وجد أن الدعوة إلى الله عز وجل هي أعظم الأعمال، وإنسان آخر وجد أن تأليف الكتب أطول أمداً، والدعوة الشفهية أعمق أثراً لكنها قصيرة تنتهي بموت الداعي، أما تأليف الكتاب فقد يكون الكتاب أضعف تأثيراً لكنه أطول أمداً، وإنسان آخر يتجه إلى بناء المساجد، وإنسان رابع أسّس المياتم، وإنسان خامس أسّس جمعية خيرية، وإنسان سادس أصدر كتباً إسلاميةً، فكل إنسان اجتهد أن يرضي الله بطريق  التنافس، هذا شيء مقبول، مقبول منهم جميعاً، فما قيمة الدعاة من دون مسجد، فهذا الذي بنى المسجد، وهيّأ راحة المصلين فيه، إذْ هو دافئ في الشتاء بارد في الصيف، مفروش فرشاً نظيفاً، فيه مرافق عامة جيدة، هذا الذي عمل بيديه وبجهده وخبرته، واستخدم علمه بالهندسة ليوفر للمصلين مكاناً مريحاً، فهذا وصل إلى الله من خلال هندسته، والذي طلب العلم من وقت مبكر، وتعلم، ودرس في هذا المسجد هذا وصل إلى الله عن طريق التعليم، وهذا أمَّ الناس في الصلاة، وهذا ألَّف كتاباً صار مرجعاً، أنا لا أنسى مرة عدت إلى آية في بعض التفاسير، وجعلتها محور خطبة، ولاقت عند الناس قبولاً طيباً جداً، وقد أثنى الناس جميعاً على هذه الخطبة، وأنا اعتمدت في خطبتي على تفسير قديم، انتبهت إلى أن هذا المفسر مات قبل ألف عام، ولكن خيره مستمر، هو ماذا فعل؟ ترك تفسيراً رائعاً، ثم توفاه الله عز وجل، كل من قرأ هذا التفسير، واستفاد منه  ونقل ما فيه للناس، في صفيحة المفسر الذي ألف هذا الكتاب، وقد تجد كتاباً في الحديث الشريف متداولاً بين المسلمين تداولاً عجيباً، ما من مسجد، وما من بيت، وما من معهد إلا وفيه هذا الكتاب، فالذي ألفه له نيات عالية جداً، فالله عز وجل جعل هذا الكتاب متداولاً بين كل المسلمين، إنسان يرى التأليف، وإنسان يرى الدعوة، وإنسان يرى الرد على الخصوم، وآخر يرى خدمة الآخرين، وإطعام الطعام، والعناية بالأيتام والأرامل، فهذا كله مقبول. الآن بالعلم هذا يرى أن علم العقيدة هو كل شيء، وعلم التوحيد أصل الدين، ويأتي إنسان يرى التفسير أهم شيء، أن تفسر هذا القرآن، ويأتي إنسان آخر في علم الحديث، يتعمق إما بالمتن أو بالمصطلح، يقول لك: السنة فيها تبيان كتاب الله عز وجل، وإنسان يؤرخ لهذا التاريخ المجيد، وينقي هذا التاريخ مما دخل فيه وليس منه، إنه إنسان عظيم، إنسان يجدد هذا الدين، قد نختلف اختلاف تنافس، وقد نختلف اختلاف نقص معلومات، ونحن معذورون، وقد نختلف اختلافاً - لا سمح الله - عدواناً وبغياً، اختلاف مصالح وأهواء، فنحن ساقطون من عين الله عز وجل، وقد نختلف اختلاف تنافس، فاختلاف التنافس يحبه الله، في النهاية كلنا متكاملون، وكل واحد منا يكمل أخاه، ولذلك قال علماء التوحيد: أمة النبي عليه الصلاة والسلام معصومة بمجموعها، بينما شخص النبي معصوم بمفرده.
 
في اختلاف التنافس نتكامل جميعاً وهذا هو المنطق :
 
قال تعالى:
﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾.
أي وأنت في دائرة الحق هناك خلافات، وهذا خلاف تنافس مقبول. فهناك فقيه نحن بحاجة ماسة إليه فقيه متشدد ومتعمق، ويأتي بكل الوسائل، ويمحصها، فهو على العين والرأس، ويأتي مفسر ونحن في أمس الحاجة إليه،  ويأتي المحدث والموحد صاحب علم التوحيد، والمؤرخ، ونحن في أمس الحاجة إليهم جميعاً، ويأتي اللغوي، فلولا فهمنا لهذه اللغة، ومعرفة دقائقها وقواعدها ما فهمنا كتاب الله عز وجل، فهذا اشتغل باللغة، وهذا اشتغل بالتاريخ، وهذا اشتغل بعلم التوحيد، والآخر بالتجويد، وإنسان اشتغل بالمواريث نحن في أمس الحاجة إليهم جميعاً، نختلف اختلاف تنافس، أما في النهاية فكلنا يكمل بعضنا بعضاً، نتكامل جميعاً، وهذا هو المنطق، وهذا هو الشيء الذي ينبغي لنا أن يكون؛ أن نتعاون وأن نتكامل:  
﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
والآية التي تليها:
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾.
 
الامتحان الصعب الذي يفرز فيه المؤمنون هو امتحان الشدة :
 
هناك حقيقة أخرى أيها الأخوة، هناك عبادتان؛ عبادة أن تعبده في الرخاء، وهذه عبادة مقبولة، وترقى بها، ولكن لا بد من عبادة أخرى؛ أن تعبده وأنت في الشدة، إن لم تنجح بهذه العبادة فهناك مشكلة كبيرة، فالإنسان بالرخاء يشكر، وهذا شيء طبيعي، وأضعف الناس إيماناً يشكر في الرخاء، أما المكان الذي يتفاوت فيه المؤمنون في الامتحان الصعب الذي يفرز فيه المؤمنون وهو امتحان الشدة، ولا ينجو من هذا الامتحان أحد، والدليل هذه الآية: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا﴾، مثلاً الصحابة الكرام ومعهم سيد الأنام عليه الصلاة والسلام في الخندق:
 ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴾.
[سورة الأحزاب: 10].
أيعدنا صاحبكم ـ و لم يقل: رسول الله ـ أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته، كأنه لم يؤمن برسالة رسول الله " إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ".
﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾.
[سورة الأحزاب: 11].
﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ﴾.
[سورة الأحزاب: 12 ].
﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ﴾.
[سورة الأحزاب: 23].
 
مصائب التأديب مهمتها نقل الإنسان من المعصية إلى الطاعة :
 
هذه سنة الله في خلقه، أنا لست متشائماً ولكن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، وطن نفسك إذا كنت في الرخاء فلا بد من امتحان في الشدة، الشدة لا تدوم، وتنقضي سريعاً، والمحنة إن صبرت عليها، وقبلتها من الله، ورضيت عن الله بها، انقلبت إلى منحة، والشِّدَّة إن صبرت عليها، وقبِلتَها من الله، ورضيتَ عن الله بها انقلبت إلى شَدَّة إليه، كانت شِدَّة، فأصبحت شَدَّة، وكانت مِحْنَة، فأصبحت مِنْحَة، ولم ينجُ النبي عليه الصلاة والسلام من الابتلاء:
(( سئل النبي صلى الله عليه و آله و سلم : أي الناس أشد بلاء ؟ قال : الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل )).
[الترمذي من حديث سعد بن أبي و قاص]
أيعقل أن يخرج إلى الطائف مشياً على قدميه ثمانين كيلو متراً؟ حاول أن تمشي إلى النبك مشياً مع الخوف، والملاحقة، والتكذيب، والإخراج، وبعد أن تصل إلى هذه المدينة، فإذا بأهلها يكذبونك، ويستهزؤون بك، ويغرون سفهاءهم أن يؤذوك، فتلجأ إلى حائط تقول: يا رب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي، سيد الخلق، هو سيد الخلق، وحبيب الحق، أما حينما جاءه جبريل، وقال له: أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، فلو أنه من الأشخاص العاديين!! لو أُتيح لأحدهم أن ينتقم من خصمه، يقول لك: والله أتمنى أن أقطعه إرْباً إرْباً، فلو قال: بلى أطبق عليهم الجبلين لم يكن رسول الله، لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده، لم يتخلَّ عن قومه، ودعا لهم، واعتذر عنهم، ورجا أن تكون ذريتهم صالحة، هذه هي النبوة، فلذلك: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ﴾، أهكذا الجنة؟ صحة، ودخل كبير، وبيت جميل، وأولاد أبرار، وزوجة جميلة، وبنات أطهار، ومركبة فخمة، وكل يوم نزهة، وكل يوم دعوة، ثم على الجنة رأساً، لا تصدقوا هذا الكلام، هذا كلام مضحك، لا بد من شدة، قد يبتلى الإنسان بماله، وأحياناً بفقد ماله، ويبتلى بصحته، وبأهله، وبأولاده، يبتلى بخصمه، وعمله، سئل الشافعي رحمه الله تعالى: " أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين، قال: لن تمكن قبل أن تبتلى "، أنا متفائل جداً، حياة المؤمن لا بد لها من مرحلة تأديب، فإذا كان هناك معاصٍ، فمرحلة ابتلاء، وإذا كان هناك استقامة، ثم مرحلة التكريم، وفي الأعم الأغلب تستقر حياة المؤمن المستقيم على التكريم، لكن لا بد من مرحلة الابتلاء، تأديب إذا كان هناك معصية، الآن هناك استقامة، هو أين هو؟ دقق؛ وقف إنسان على شاطئ بحر، قد تأتيه موجة عاتية فتأخذه إلى البحر، هناك إنسان يقف بعد مئة متر، وهذا بعد مئتين، وهذا بعد خمسمئة متر، وهذا في قمة الجبل، كيف يمتحن هؤلاء؟ بموجة عاتية، فالذي في قمة الجبل لا يتأثر، هو في الأعماق، فمصائب التأديب من أجل أن ينقلك ربُّنا عز وجل من المعصية إلى الطاعة.
 
الله عز وجل عزيز لا يعطيك ما عنده إلا بجهد جاهد :
 
دخلنا الآن في الطاعة، مصائب الابتلاء من أجل أن ينقلك من الحد الأدنى إلى الحد الأقصى، من الساحل إلى قمة الجبل، فهذا الابتلاء لا بد منه، الأنبياء ابتلوا، والصحابة والصديقون والمؤمنون ابتلوا، لا يمكن أن ينجو أحد، فأنت وطِّنْ نفسَك أنه ليس كل شيء في الحياة سهلاً فهناك ساعة شدة، وأحياناً هناك خوف، وهمّ، وحزن، وقلق، وشبح مرض، وابن له مشكلة، وابن مريض، وزوجة متعبة، فهذا كله ابتلاء، ولذلك قال: يا بنيتي ما بك؟ قالت: حمى لعنها الله، قال: لا تلعنيها، فو الذي نفس محمد بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب.
(( ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ، وما يغفر الله أكثر )) .
[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]
(( وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه ، إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده ، أو إقتاراً في رزقه ، أو مصيبة في ماله أو ولده ، حتى أبلغ منه مثل الذر ، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه )) .
[ورد في الأثر ] .
" أم حسبتم "، أيمكن لطالب أنْ يقدِّم استدعاءً لرئاسة الجامعة: (يُرجى منحي دكتوراه في أسرع وقت ممكن، وشكراً لكم، التوقيع فلان) هذا يحتاج إلى مشفى المجانين، الدكتوراه تحتاج لسانس، ودبلوم عام، أو دبلوم خاص، أو ماجستير، دراسة، ودوام، وتلخيص، وأطروحات، واجتياز امتحان شفوي، وامتحان خطي، وامتحان عملي، ثم دبلوم، وماجستير، وتأليف كتاب، ومناقشة كتاب، ثم دكتوراه، ثم يضع بجانب اسمه دال فقط، كان من دون دال فصار بدال فقط، شهادة تحتاج كل هذا الجهد، وجنة عرضها السماوات والأرض هكذا بكلمة!
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
 [ سورة العنكبوت: 2].
أتطلب جنة عرضها السماوات والأرض بهذه السهولة، تطلب الأبد، سعادة الأبد بلا ثمن، ولا إنفاق، ولا جهد، ولا غض بصر، ولا ضبط لسان، ولا إنفاق، ولا شيء، طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب هو استهزاء بالجنة، ادخل محل سجاد درجة أولى، تجد عندهم خمسين سجادة بعضها فوق بعض، لا، أريد نوعاً أرقى، قام وأحضر نوعاً أجود، هذه أجود، لا، أريد أفضل، شغله ثلاث ساعات، وأخيراً أحضر له واحدة من الدرجة الأولى ثمنها ثمانمئة ألف، تأخذها بخمس ليرات؟ أيخرج من المحل سالماً، سجادة ثمنها خمس ليرات! جنة بليرتين لفقير، وركعتين بلا وضوء، ودخلنا الجنة بهذه البساطة، جنة الله تأتي بهذه البساطة!! هؤلاء الذين سهروا الليالي وأنفقوا أموالهم، وقدموا خدمات للحق، ووظفوا كل ما آتاهم الله في سبيل الله، هؤلاء يستحقون الجنة، الله عزيز، ليت القضية سهلة، الله عز وجل عزيز، لا يعطيك ما عنده إلا بجهد جاهد، وبصدق حديد: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ﴾.
 
مواقف بطولية للصحابة الكرام :
 
سيد الخلق ماذا قال؟ قال:
(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ )) .
[ أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان]
نحن ماذا قدمنا؟  والله ما قدمنا شيئاً، واللهِ أمام ما فعله الصحابة الكرام واللهِ ما فعلنا شيئاً، نحن حَمَلَنا الإسلام، أما هم حمَلُوا الإسلام، فإذا صار المسلمُ ملتزِماً بالدين فالناس كلهم يعظِّمونه، يبجِّلونه، ماذا قدَّم؟ ما قدمت شيئاً أمام الذين هاجروا، أنفق أحدهم كل ماله وهو سيدنا الصديق، الثاني خسر كل ماله، ربحت التجارة أبا يحيى، نحن ما فعلنا شيئاً، تروي الروايات أن سيدنا عبد الله بن رواحة عينه النبي قائداً ثالثاً في بعض الغزوات، أول قائد سيدنا زيد، أمسك اللواء بيده وقاتل حتى قتل، وأخذ الراية أخوه سيدنا جعفر قاتل بها حتى قتل، فجاء دور الثالث، وكان الموت سريعاً فيهم، فقام وتردد، هكذا تروى الروايات، وكان شاعراً، فقال:
يا نفس إلا تقتلي تموتي    هذا حمام الموت قد صليتِ
إن تفعلي فعلهما رضيتِ    وإن توليتِ فقد شــقيتِ
*   *   *  
وأخذ الراية فقاتل بها حتى قتل، فبلغ ذلك النبيَّ عليه الصلاة والسلام فقال: أما زيد فأخذ الراية وقاتل بها حتى قتل وإني لأرى مقامه في الجنة ـ مباشرة ـ ثم أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قتل وإني لأرى مقامه في الجنة، يطير بجناحين، لأنه أمسك الراية باليد اليمنى فضربت اليمنى، فأمسكها باليسرى فضربت اليسرى، فأمسكها بعضديه فسماه النبي جعفر الطيار، إني أراه يطير في الجنة بجناحين، أنشؤوا الآن فيما أعتقد في المطار مسجداً سموه مسجد جعفر الطيار، وهو أنسب اسم طبعاً، لأنه في المطار سمِّي جعفر الطيار، وسكت النبي عليه الصلاة والسلام، فقلِق الصحابة على الثالث فقالوا: ما فعل عبد الله؟ قال: ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه، لأنه تردد ثلاثين ثانية في بذل دمه، وهناك ناس يترددون في الطاعة، وفي أداء الصلاة، ويترددون في صيام رمضان، و تحجيب زوجتهم، يترددون في الأشياء الواضحة، فهذا الذي تردد في بذل دمه ثلاثين ثانية كان مقامه أقل من صاحبيه.
أيها الأخوة الكرام: أنتم تطلبون الجنة، تطلبون جنة عرضها السماوات والأرض تطلبون سعادة الأبد، ولا بد من جهد جاهد:﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا﴾، وكان سيدنا عمر إذا أصابته مصيبة قال: الحمد لله ثلاثاً، الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذا لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها، حتى يقول الرسول والذين أمنوا معه من شدة الابتلاء: متى نصر الله؟ يا رب رحمتك بنا، هنا حرب على المسلمين من ثلاثمئة إلى أربعمئة ألف في العراء، والبرد الشديد، هنا أيضاً حرب على المسلمين يا رب: ﴿ متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ﴾، نرجو الله سبحانه وتعالى أن يرينا أياماً بيضاً.
والحمد لله رب العالمين



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب