سورة البقرة 002 - الدرس (83): تفسير الآيات (255 - 255) آية الكرسي

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة البقرة 002 - الدرس (83): تفسير الآيات (255 - 255) آية الكرسي

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة البقرة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة البقرة - تفسيرالآية: (255 - 255) -آية الكرسي

20/03/2011 19:03:00

سورة البقرة (002)
الدرس (83)
تفسير الآية: (255)
آية الكرسي
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
الله جلّ جلاله إذا تحدَّث عن ذاته تحدث بضمير المُفْرَد :
 
أيها الأخوة المؤمنون؛ مع الدرس الثالث والثمانين من دروس سورة البقرة، ومع الآية الخامسة والخمسين بعد المئتين، وهي آية الكرسي، وهي من أعظم آيات القرآن الكريم. يقول الله عزَّ وجل:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
"الله" عَلَمٌ على الذات، الذاتُ الإلهيةُ اسمها (الله) وهو علَمٌ على الذات، أو علمٌ على واجب الوجود، لأن هناك واجبَ الوجود،  وممكن الوجود، ومستحيل الوجود، فالله جل جلاله واجب الوجود، والكون ممكن الوجود، ممكنٌ أن يكون، وممكنٌ ألا يكون، وإذا كان فهو ممكنٌ على ما هو كان، أو على غير ما هو كان، لكن الله جل جلاله واجب الوجود.
فكلمة(الله) علمٌ على الذات الإلهية، صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى، خالق السماوات والأرض، لا إله إلا هو؛ الرحيم، الكريم، البَرّ، الغفور، الفعَّال لما يريد، القاهر فوق عباده، القوي، المتين، ذو الجلال والإكرام، الحَكَمُ، العدل، فإذا قلت: الله، فكل أسمائه الحسنى منطويةٌ في هذه الكلمة. وجرت الآيات الكريمة أن الله جل جلاله إذا تحدَّث عن ذاته تحدث بضمير المُفْرَد:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه: 14]
﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾
[ سورة الكوثر: 1]
 
الله جلّ جلاله إذا تحدث عن أفعاله تحدث بضمير الجمع :
 
وإذا تحدث عن أفعاله، يأتي ضمير الجمع لأن كل أسمائه الحسنى في أفعاله، فكل أفعاله فيها علمٌ، وفيها حكمةٌ، وعدلٌ، ورحمةٌ، ولُطفٌ، إن تحدث عن ذاته..
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾
[ سورة يس: 12]
وإن تحدث عن ذاته العليّة:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه: 14]
فـ"الله" صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى، والله علمٌ على الذات، والله واجب الوجود..
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
فالإله هو المعبود، والإنسان مَن يجب أن يَعبد؟ أن يعبد الذي خلقه، فالله هو الخالق، ومَن يجب أن يعبد؟ أن يعبد الذي يعلم سرَّه ونجواه، فالله يعلم السر والنجوى، من هو الذي ينبغي له أن يُعبَد؟ يُعبَد مَن يستمع إليه إذا ناجاه، الله هو السميع العليم، ومن يجب أن يُعبَد؟ يُعبَد من هو على كل شيءٍ قدير، فالله على كل شيءٍ قدير، ومَن ينبغي له أن يُعبَد؟ يُعبَد الرحيم الذي يحبُّه ويرحمه، فإذا قلت: لا إله إلا الله، أي لا معبود بحقٍ إلا الله، أي لا يستحق العبادة إلا الله، ليس لك أن تَعبُد إلا الله، أما إذا توجهت إلى غير الله، فتوجَّهت إلى لا شيء:
﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾
[ سورة فاطر: 14 ]
 
الله أهلٌ أن تعبده لأنه حيٌ باقٍ على الدوام :
 
أنت مَن تعبد في الأصل؟ تعبد جهةً موجودة، فالله موجود، وتعبد جهةً تسمعك إذا دعوت، وتراك إذا تحرَّكت، وتعلم مافي سرك، فالإله يسمع، ويعلم، ويرى، سميعٌ بصيرٌ عليم، وأنت مَنْ تدعو؟ تدعو مَن هو موجود، وتدعو مَن يسمعك إذا تكلَّمت، ومَن يراك إذا تحرَّكت، ومَن يعلم ما أسررت إذا لم تتكلم، فمَنْ تدعو؟ تدعو مَن هو قديرٌ على كل شيء، قادرٌ على أن يلبِّي حاجتك مهما عَظُمَت، واللهُ كذلك، فمَنْ تدعو؟ تدعو مَن يحبك، فأنت في الدنيا لا تسأل إلا جهةً موجودةً تسمعك، وقادرةٌ على أن تلبيك، وتحب أن تلبيك، فإذا قلت:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
أي لا معبود بحقٍ إلا الله، لا ينبغي لك أن تعبد إلا الله، ولا يستحق العبادة إلا الله، والله أهلٌ أن تعبده لأنه حيٌ باقٍ على الدوام، فلو عبدت إنساناً يموت لضاعت كل آمالك، وضاع كل عملك..
 اجعـل لربك كل  عزِّك       يـســـتقر ويثبــت
 فإذا اعتززت بمن يموت      فإن عزك ميـــــتُ
*   *   *
مَن يجب عليك أن تعبد؟ أن تعبد الحيّ الباقي على الدوام، الذي هو مطلعٌ عليك، وعليمٌ بأحوالك، ومقدرٌ لتضحياتك، ومَن هو قادرٌ على تلبية حاجاتك، ورحيمٌ بك؛ وأنت في بطن أمك، وأنت في القبر، فهذا الذي يجب أن تعبده.
بالمناسبة أَلِهَ أي تحيَّر مِن شدة الوجد، أي إنك تعبد إلهاً لو عرفته على حقيقته لذابت نفسك شوقاً إليه، ولتحيَّرت لجماله، وتحيرت لِكماله، ولِقدرته، وعطائه، خلَقَك ليُسعِدك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم*تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[ سورة الصف: 10-11 ]
يجب أن تعبد مَن إذا تاجرت معه ربحت منه ربحاً خيالياً، فاللهُ صاحبُ الأسماء الحسنى، وهو الذي خلق، وهو الذي ربَّى وأمد، وهو الذي سيَّر،وهو الذي يجب عليك أن تعبده، فهناك مَن يعبد حجراً، أو بشراً، أو شمساً، أو قمراً، وهذه العبادة لا تعود على صاحبها بالنفع، لأن هذا الحجر لا يتكلَّم، كانت بعض قبائل العرب تصنع صنماً من التمر، فإذا جاعت أكلته.
 
الإنسان مخلوقٌ للعبادة وعلة وجوده أن يعبد الله :
 
أنت مخلوقٌ للعبادة، وعلة وجودك أن تعبد الله، وأنت في الدنيا من أجل أن تعبده:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الذاريات:56]
هناك معنى دقيق أرجو الله أن أوضِّحه لكم، قد تسأل: هذه الدائرة، أو هذا المستشفى، أو هذه الجامعة مَن رئيسها اليوم؟ يقال لك: فلان، فعرفت مَن يديرها، تقول لهم: كيف أخلاقه، هل هو إنسان جيد؟ يقال لك: جيدٌ جداً، فأنت تهتم، مَن بيده الأمر؟ انظر إلى الجواب، الله صاحب الأسماء الحسنى، علمٌ على الذات، واجب الوجود، وهو المسير..
 
﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
كما لو أنك زرت مستشفى وأنت طبيب، فتقول: مَن مدير المستشفى؟ فيقال لك: فلان، مخلص، واختصاصي، وعالم، وحازم، ونزيه، و نظيف، فيهمك شيئان؛ أن تعرف مَن؟ وكيف؟ فالله صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى..
 
﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
 
الله عزَّ وجل له المُلك وله الحمد :
 
كيف نقول في بعض الأوراد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمد، فهناك مَن له المُلك وليس له الحمد، فرعون مَلَك ولا يُحْمَد على مُلكه، وهناك إنسان ضعيف يُحمَد ولا يملك، لكن الله عزَّ وجل له المُلك وله الحمد:
﴿ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[ سورة الحديد: 2]
فهذا المعنى،(الله) علمٌ على الذات، ولا يستطيع إنسانٌ على وجه الأرض أن يُسَمِّي نفسه بهذا الاسم، وقد تحدَّى الله البشر جميعاً..
 
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
(لا إله إلا هو )، فلو أن في الكون آلهةً هل يسكتون؟ إنهم لا يسكتون، فإذا لم يستطيعوا أن يتكلَّموا فليسوا آلهة، وإذا تكلَّموا ولم يستطيعوا أن ينتزعوا الأمر من الإله الذي ادعى الألوهية وحده فليسوا آلهة، لأن الله عزَّ وجل قال: لا إله إلا أنا، فلو كان هناك إلهٌ لقال: لا، أنا، ليس أنت..
 
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾
مَن يستطيع أن يقول هذا الكلام إلا أن يكون إلهاً؟ وهناك دليل فطري؛ فأنت حينما تستمع إلى إنسان يقول مثلاً: عيَّنا وزيراً للمالية، فمَن الذي يقول هذا؟ رئيس وزارة، تعرفه مِن كلامه، ولو قال شخص: لقد راقبت نظافة الشارع، فمعنى هذا أنه مراقب بلديّة، وهناك فرق طبعاً، فمِن كلامه تعرف مَن هو، يقول الله لك:
 
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾
مَن يستطيع أن يقول هذا الكلام إلا أن يكون إلهاً عظيماً، موجوداً، وواحداً، وكاملاً.
 
أسماء الذات وأسماء الأفعال :
 
قال تعالى:
﴿ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾
الحقيقة (الحي) مِن أسماء الذَّات، وأسماء الذات لا نقيض لها، والله عزَّ وجل يعطي ويمنع، وهذه من أسماء الأفعال، ويرفع ويخفض، فمن أسماء الأفعال، وكذلك يعز ويذل، لكن الحي ليس لها نقيض، فالله عزَّ وجل حي على الدوام، فأسماء الله عزَّ وجل التي لا نقيض لها أسماء الذات، والتي لها نقيض فأسماء الأفعال، والله عزَّ وجل حي، وتقول: فلان حيٌ يُرْزَق، ولا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن يسمي نفسه (الله) ولكن هناك إنسانٌ يقال له: حيٌ يرزق، والله عليم، وهناك مَن يقول: أنا عالِم، والله رحيم، وهناك من عباده مَن يرحم، فإذا كانت حياةُ الله عزَّ وجل حياةً أزليةً أبديةً، لم يسبقها عدم وليس بعدها عدم، فحياةُ اللهِ غيرُ حياتنا، والإنسان إذا كان حياً فقد سبقه عدم:
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان: 1]
فالإنسان سبقه عدم، وسوف ينتهي إلى عدم:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
[ سورة الرحمن: 26-27 ]
فإذا قلنا: فلان حي، فحياته ليست كحياة الله عزَّ وجل، وكلمة "حي" تسبق في الذهن أيَّ اسمٍ آخر، فهو حيّ عليم، وهو حيّ قدير، وأول اسمٍ يسبق إلى الذهن أنه حيّ، هو حيّ ومصدر حياة الخلق، وحياتنا منه، واستمرار حياتنا منه، فالوردة فيها حياة، فإذا صنع إنسانٌ وردةً من مواد صناعية لا يوجد فيها حياة، ويضعون في بعض الواجهات شكلَ امرأة لبيع الثياب والألبسة، ولكن هذه بلا حياة، فهي من الشمع، والمرأة الحقيقية فيها حياة؛ تتكلم، وتفكِّر، وتتألَّم، وتفرح، وتعبّر عن ذاتها، فالإنسان فيه حياة، والوردة فيها حياة.
 
الله عزَّ وجل قديم وأبدي ولا تنتهي حياتُه بعدم :
 
هذه البقرة تأكل الكلأ فتعطيك الحليب، وليس ثَمَّةَ جهةٌ في الأرض بإمكانها أن تصنع من الكلأ حليباً، وهذه الدجاجة تأكل ما تحت بصرها، فأيّ شيء تأكلْه تعطِك منه بيضةً، وهذه فيها حياة، فالله عزَّ وجل هو حي، حياته لم يسبقها عدم، فهو قديم وأبدي، ولا تنتهي حياتُه بعدم، ثم إن الله عزَّ وجل مصدرُ حياةِ المخلوقاتِ، مَن منحك الحياة؟ اللهُ عزَّ وجل، فإذا دخل الإنسانُ البيتَ ملأه راحةً، وفرحاً، وبهجةً، وسروراً، والأولاد استقبلوه بالترحاب، وجلسوا في أحضانه، وقبَّلوه، ونادوه بأحب أسمائه إليهم، فإذا مات هذا الأب لا يجرؤ واحدٌ من أولاده أن يدخل إلى غرفته مدةَ شهرٍ أو شهرين أو ثلاثة، فما الذي حدث؟ هو هو، ولكن سُحبت منه الحياة.
والإنسان مصدر أُنْسٍ وسعادة لأولاده، فإذا مات أصبحتْ غرفته التي استلقى فيها على السرير ومات مخيفةً، وأنا متأكد أن بعض الأسر يبقى الأولاد شهراً أو شهرين يتحاشون دخول هذه الغرفة لأن أباهم مات فيها، فما الذي حدث؟ وما هي الحياة؟
هذاكبد يقوم بخمسة آلاف وظيفة، فإذا مات الإنسان أصبح قطعةً من اللحم لا معنى لها إطلاقاً.
وهذهعين ترى كل شيء بالألوان الدقيقة، والأحجام الحقيقية، فالعين آية من آيات الله الدالة على عظمته، فإذا مات الإنسان أصبحتْ العين لا قيمة لها، وتلقى في المهملات.
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ ﴾
لقد مُنِحْنَا الحياةَ، ومُنِحَ النباتُ الحياةَ، فشجرة تجدها كالحطب، ففي الربيع تزهر وتورق وتثمر بصمت، فما هذه الحياة؟ وحتى هذا التاريخ لا تزال الحياةُ سرّاً، والله عزَّ وجل حي ومنح الحياة، فتجد وردة جميلة قد نمت على كوم قمامة، أي روث الحيوانات، وهي وردة حمراء جميلة، فمن منحها هذا الجمال وهذا الشكل وهذه الرائحة وهذه الحياة؟ حياة الحيوانات، وحياة النباتات، وحياة الأطيار.
 
الله عز وجل حيٌ وهو مصدر حياة المخلوقات ومصدر استمرار حياتهم :
 
هنا الطير، تجد طائراً ولد لتوِّه وقد عصبت عيناه ونقل إلى الهند، فإنه يطير ويعود إلى بريطانيا وقد وُلِد الآن، فكيف تمَّ هذا؟! طائر يقطع سبعة عشر ألف كيلو متر في رحلةٍ من شمال الأرض إلى جنوبها، فكيف يعود إلى عشه؟ طيور تجدها في الشام، تهاجر في الشتاء إلى جنوب إفريقيا، وفي العودة لو انحرفت درجة واحدة لدخلتْ مصر، فكيف تعود إلى دمشق؟ وإلى حي الصالحية؟ وإلى حي الشيخ محي الدين؟ وإلى بيتٍ من بيوت عشها الذي تركته؟ من يسيِّرها؟ الله جل جلاله، هذه هي الحياة.
سمك السلمون يولد في أعالي الأنهار في أمريكا، ويهاجر إلى المحيط الأطلسي إلى شواطئ أوروبا، ويعود هذا السمك إلى مسقط رأسه ليموت هناك، فهذه الرحلة؛ من ساحل فرنسا إلى الغرب، لو انحرف درجة واحدة لكان في جنوب أمريكا بل صار في شمالها، إلى النهر الذي خرج منه، وهناك أسماك بمنابع النيل تسير برحلة طويلة جداً، وتسير في أطول نهرٍ من أنهار العالم نهر النيل، إلى البحر المتوسط، وتتجه غرباً إلى أن ينتهي البحر المتوسط، وتخرج من مضيق جبل طارق نحو الشمال إلى بحر المَانش، ثم إلى بحر الشمال، ثم تعود، فرُبَّانٌ يحمل شهادة الدكتوراه بالملاحة يضيع بدون بوصَلَة، فهذه الحياة.
مَن يهدي الأطيار؟ ومَن يهدي الأسماك؟ ومَن يُخرج من بذرة شجرةً؟ تأكل تينةً، كم بذرة فيها؟ كل بذرة يمكن أن تكون شجرة، فهذا النبات، خمس غرامات من بذور البندورة تعطي عشرة أطنان، فكل بذرة تعطي مليوني ضعف، فهذه الحياة، بذور وجدت داخل أهرامات مصر، زرعت بعد ستة آلاف عامٍ فنبتت، إذ فيها رشيم حي، أما النمل فحينما يخزن البذار ليكون زاداً له في الشتاء يأكل الرشيم، فإذا أُكل الرشيم ماتت البذرة، فالرشيم يعيش ستة آلاف سنة ثم ينبت!!
 
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ ﴾
الحياة لا تتسع لها مجلَّدات، ولا دروس في سنوات..
 
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ ﴾
هو حيٌ، ومصدر حياة المخلوقات، ومصدر استمرار حياتهم، والموت يخلقه الله عزَّ وجل، الموت لا علاقة له بالمرض، فحينما ينتهي أجل الإنسان يموت، فهو:
 
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
[سورة الملك: 2]
 
الله عز وجل حيٌ قيوم يقوم على العناية بخلقه لأنه رب العالمين :
 
قال تعالى:
 
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾
حيٌ قيوم، يقوم على العناية بخلقه، ومما يؤكد ذلك..
 
﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾
أي إشراف دائم؛ متابعة، ومراقبة، ومحاسبة، ومُعالجة، واهتمام، وعطاء، وأخذ، وتأديب، وإكرام، ومتابعة، وكل مؤمن بحسب معاملة الله له، كأن الله عزَّ وجل ليس عنده مخلوق إلا هذا الإنسان، وهو مع كل الخلق، ومع كل المخلوقات، ومع كل البشر، ومع كل من تحت الشمس والقمر.
حيٌ قيوم، يقوم على العناية بخلقه، لأنه رب العالمين، والإنسان أحياناً يأتيه خاطر لا يعلمه أحدٌ إلا الله، ويدفع الثمن، ويعالجه الله عزَّ وجل على خاطر أحياناً، فقيوم السماوات والأرض يقوم على إدارتها، والعناية بها، وتربيتها، وإمدادها، و..
 
﴿ لَا تَأْخُذُهُ ﴾
مما يؤكد هذا أنه..
 
﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾
 
هناك معيَّة عامة ومعية خاصة :
 
إنه حيٌّ باقٍ على الدوام، وحيٌّ قيّوم، وهو معكم أينما كنتم، فمعكم بعلمه:
 
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الأنفال: 19]
ومعكم بالنصر، والتأييد، والحفظ، والتوفيق، وهناك معيَّة عامة ومعية خاصة، والمعية العامة أنه مع المخلوقات بعلمه، والمعية الخاصة بالإكرام، والتأييد، والحفظ..
 
﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ ﴾
كل هذا الكون له، ولا تستطيع جهةٌ على وجه الأرض أنتفعل شيئاً إلا بإذنه..
 
﴿ لَهُ ﴾
لام المُلك؛ فله المُلكُ خلقاً، وتصرُّفاً، ومصيراً، أما أنت كإنسان فقد تملك بيتاً ولا تنتفع به، إنها مُلْكِيَّة ناقصة، فالبيت لك ولكنه مؤجَّر قبل السبعين، فأجرته مئة ليرة في الشهر، تملكه ولا تنتفع به، وقد تنتفع به ولا تملكه، وقد تملكه، وتسكنه، وتنتفع به، فصدَر قرار تنظيم، فأخذتَ عشرَ قيمته، فذهبَ من يدك، إنها ملكية ناقصة، أما إذا قلنا:
 
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾
فإنه يملك الكون؛ إيجاداً، وتصرُّفاً، ومصيراً، فقد تبيع دولة طائرة، وبعد أن باعتها أصبحت هذه الطائرة بيد مَن اشتراها، غير أنَّ الله سبحانه وتعالى مُلكيته دائمة:
 
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
[ سورة الزمر: 62]
فأمرُ هذه الطائرة بعد أن بيعَت ليس لصانعها بل للذي اشتراها، لكن الله عزَّ وجل له الخلق والأمر، وهو الخالق وهو الآمر، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾.
 
السماوات والأرض تعبيرٌ قرآني عن الكون :
 
قال تعالى:
 
﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾
لا يمكن أن يقع شيءٌ في مُلكه إلا بإرادته، لذلك قالوا: كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المُطلقة، وحكمته المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق،فالأمر بيده..
 
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾
السماوات والأرض تعبيرٌ قرآني عن الكون، فالكون كله له، والكون ما سوى اللهِ، أيْ أيّ مكانٍ في الأرض؛ ولذلك فالموَحِّد مرتاح، وهو سعيدٌ سعادة كُبرى، والموحد يرى أنه لا إله إلا الله، ولا يرى مع الله أحداً، ويرى أن يد الله وحدها التي تعمل، والموحِّد لا يحقد، ولا يتألم، وليس عنده إحباط، ولا سَأَم، ولا ضَجَر، ولا يأْس، ولا خُذلان، إنه موحِّد، والأمر بيد الله، وله مُلك السماوات والأرض.
فلو دققنا، ودخلنا في التفاصيل، فقُطرُ الشريان التاجي بيده، أحياناًَ يضيق، وأحياناً يبقى متّسعاً، فإذا كان متسع فأنت مرتاح، وعمل الكبد بيده، والدَسَّامات بيده، وعمل الكليتين بيده، والأعصاب بيده، ونمو الخلايا بيده، فأحياناً يفلتها فيكون السرطان، ويضيق الشريان، فلا بد من قسطرة، أو عملية القلب المفتوح، ويتعطل الكبد، فيُزرَع بستة ملايين، والنجاح ثلاثون في المئة، فالإنسان مُحاط باحتمالات مخيفة.
 
نحن جميعاً في مُلك الله وفي قبضته :
 
قال تعالى:
 
﴿ لَهُ ﴾
أنت في ملكه، وأنت في قبضته، وأجهزتك وأعضاؤك بيده..
 
﴿ لَهُ ﴾
زوجتك بيده، وعملك بيده، ورزقك، ومَن حولك، ومَن هم فوقك، ومَن هم دونك كلهم بيده، فهو الذي يعطي وهو الذي يمنع، سبحانه يرفع ويخفض، ويعز ويذل، فإذا أعطى أدهش، وهناك رجل يعد خامس رجل ثري في تركيا، ثروته بألوف الملايين، كل أمواله بيوت بأجمل منطقة بتركيا، أبنية فخمة، وهو يقول متبجِّحاً: سأسكن كل إنسانٍ في بيت، لقد جاء الزلزال بأمر الله فلم يُبقِ له من أبنيته كلِّها بيتاً واحداً، فسكن تحت الخيمة، وأمسك الصحن ليأكل الطعام الذي جاءت به الجمعيّات الخيرية، وقد صوِّر ونشر هذا، خامس غني سلبه الله عزَّ وجل كل شيء في ثوانٍ معدودات..
له شارع على البحر في ( أزمير ) بأكمله؛ بأبنيته الشاهقة،وبمركباته الأنيقة، فابتلعه البحر، وبعد حين نزلوا بغواصة وصوروا، فإذا هذا الشارع كما هو في قاع البحر، فالبناء مثلما هو، وكذا الطوابق، حتى بالتدقيق؛ الأنترفون، والاسم، والسيارة بجانب البيت في قاع البحر..
 
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾
طائرة تطير، وفي ثانية تسمع النبأ: لقد مات جميع ركَّابها، إذ وقعت فوق فندق..
 
﴿ لَهُ ﴾
فالطائرة تطير بيده، وفي أي لحظة تصبح كتلةً من اللهب، والمركبة بيده، والحَرُّ بيده، فدرجة أربعة وأربعين هذا جو مكة وليس جو دمشق، والبرد الأمطار بيده، فأماكن فيها مطر بكَمِّية ألف ومئتي ميليمتر،وهناك منطقة في أمريكا فيها تسعة عشرَ ألف بحيرة، وهو أكبر تجمع مائي في العالم، والنبي قال: 
((ما من عامٍ بأمطرَ من عام))
[من كنز العمال عن ابن مسعود ]
فكميات الأمطار في العالم واحدة، ولكن كل سنة لها ترتيب، يصرفها عن أُناس ويسوقها إلى أناس، فيؤدب هؤلاء ويمتحن هؤلاء.
 
معنى التوحيد :
 
قال:
 
﴿ لَهُ ﴾
الأمر والحروب بيده، الاجتياحات والحروب الأهلية بيده، الأمراض ومرض الإيدز بيده..
 
﴿ لَهُ ﴾
كل ما في الكون له، أمره له إحداثاً، وإعداماً، وتنميةً، وتقليلاً، والأمر بيده، فهذا هو التوحيد، لا ينبغي لك أن ترى مع الله أحداً.
أرسلت أمريكا إلى الفضاء الخارجي مركبة سمَّوها (المتحدي) بعد سبعين ثانية كانت كتلةً من اللهب، ومات كل من فيها، صنعت باخرة اسمها (تيتانيك) أعظم باخرة صُنعت في أوروبا، مع نشرة صناعتها، لها كتيب كتب فيه: إن القدر لا يستطيع إغراق هذه السفينة. فيها شيء يصعب تصديقه، غرقت في أول رحلة، وارتطمت بجبلٍ ثلجي شَطَرَها شطرين، والآن يبحثون عن حلي النساء التي فيها، فهي بمبالغ فلكية، وفي هذه الأيام يغوصون ويدخلون إلى غرفها، وهي منذ عام 1912، فتصوَّروا الماس، والذهب، والفضة التي فيها، أول رحلة.
الزلازل، والبراكين، والقحط، والجفاف، والأعاصير، والأمطار، والسيول الجارفة، وازدهار الأراضي، وشُح المياه كلها بيده ..
 
﴿ لَهُ ﴾
كل ما تراه عينك بيده ولكن بحكمةٍ بالغة، أعيد المقولة: كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادته متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق.
 
آيات من الذكر الحكيم تؤكد أن الملكية التامة لله وحده :
 
قال تعالى:
 
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾
ملكية تامة؛ إيجاداً، وتصرُّفاً، ومصيراً:
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
[ سورة الزمر: 62]
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾
[ سورة الأعراف: 54]
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
[ سورة هود: 123]
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف: 26 ]
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
[ سورة الزخرف: 84 ]
والحوادث لا تعد ولا تحصى.
 
الشفاعة بالمعنى الواسع :
 
قال تعالى:
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
المعنى الواسع جداً: مَن يستطيع أن يجمع شيئين؟ الشفع هو الزوج، أي يجمع هذا العقرب مع هذا الإنسان ويلدغه، مَن؟ إلا بإذنه، أبسط مثال:شخص في أثناء السفر ينام في فلاة، فيها عقارب، لا يستطيع العقرب أن يلدغ نائماً إلا بإذن الله، ولا أن تدخل رصاصة إلى إنسان إلا بإذن الله، شظية طائشة لا تجد هذا عند الله عزَّ وجل، بل شظية مسوَّمة عليها اسم مَن تقتله، " لكل شيءٍ حقيقة، وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه "..
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ ﴾
بالمعنى الواسع: إنّه لا يمكن أن يجتمع عنصران في الكون إلا بإذن الله، فإنسان ينالك بأذى وليس عند الله علم هذا مستحيل، ولكن بعلمه، وإرادته، وحكمته، وعدله، ورحمته، فلذلك"لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت":
﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِك فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة فاطر: 2 ]
 
الآية التالية هي آية التوحيد :
 
قال:
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
(عنده) في ملكه..
﴿ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
إذا نجح الطبيبُ في علاج ابنك، يكون اللهُ قد سمح له، وألهمه، ومكَّنه، وأطلعه على المرض، ووفقه في تشخيصه، ووفقه في الدواء، وسمح الله للدواء أن يفعل فعله..
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
هذا التوحيد، هذه آية التوحيد، فأول شيء؛ نحن في ملكه،  فالحركة بأمره، نحن في ملك الله؛ الأرض، والسماء، والبحار، والأطيار، والأسماك، والأراضي، والنباتات، والرياح، والأعاصير، والأمطار، والسُحُب، والبراكين، كل شيء بيده، والآن الحركة، فلان ضرب فلاناً، حركة، لا يستطيع مخلوق أن يفعل شيئاً مع مخلوق إلا بإذن الله، لا خيراً ولا شرّاً، فحينما ترى إنساناً يُردي إنساناً فهذا بأمر الله، أو يكرمه فكذلك بأمر الله.
 
الشفاعة بمعناها المحدود بإذن الله عزَّ وجل :
 
الشفع هو الزوج، لا يلتقي عنصران في الكون إلا بإذن الله، والمعنى الضيق الشفاعة التي ذكرها الله عزَّ وجل:
 
﴿ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾
[ سورة يونس: 3 ]
فهو الذييشفع لمن ارتضى، والشفاعة بمعناها المحدود بإذن الله عزَّ وجل، أي إن النبي لا يشفع إلا من بعد إذن الله عزَّ وجل..
 
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾
(ما بين أيديهم) أي أمامهم..
 
﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾
أيْ وراءهم، أو ( ما بين أيديهم ) عالم الشهادة، و( ما خلفهم ) عالم الغيب، فهذا الإنسان وُلِد، تُرى ماذا سيكون؟ تاجراً، أم عالماً، أم مصلحاً اجتماعيّاً، أم مجرماً، أيموت إعداماً، أم يموت بحادث، أم على فراشه؟ أينجب أولاداً..
﴿ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾
هو عالم الشهادة أي المشهود، وعالم الغيب، فنحن عندنا غيب الحاضر، وغيب الماضي، وغيب المستقبل، وغيب المستقبلما سيأتي، وغيب الحاضر ما كان بعيداً..
﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾
عالم الشهادة..
﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾
عالم الغيب، فهو الذي يعلم، ولذلك قال الإمام علي:"علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ".
 
كلُّ شيءٍ يفعله الإنسان هو من إلهام الله له :
 
قال تعالى:
﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
 كل شيء تسمعونه عن اختراع، واكتشاف، وقفزة في عالم المجهول، هذا كله مما سمح الله به، قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾
[ سورة النحل: 8 ]
ثم قال في آخر الآية:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل: 8 ]
عُزِيَ صنعُ الطائرة إلى الله، هو الذي ألهم الإنسان صنع الطائرة، وألهم الإنسان اكتشاف وقودها، فإذاً كلُّ شيءٍ يفعله الإنسان هو من إلهام الله له.
الآن يقال لك: عرفنا جنس المولود ذكراً كان أو أنثى..
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
فقد شاء لهم ذلك، أما الآية:
﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾
[ سورة لقمان: 34]
ما قال: يعلم مَن في الأرحام، قال:ما، (ما) تشمل كل المعلومات المبرمجة التي في النويَّة، لأن هناك خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة، هذه يعلمها الله، سمح لهم أن يعرفوا ذكراً كان أو أنثى عن طريق الأجهزة، أي إن كل شيء سمعتموه عن كشف علمي، واختراع، وتفوّق، فهذا مما سمح الله به، نقلوا الصورة من قارة إلى قارة، وهذا مما سمح الله به، ونقلوا الصوت، واخترعوا طائرة، واخترعوا مركبة وأرسلوها إلى الفضاء، وغاصوا في البحار، واخترعوا أجهزة حديثة، كل شيءٍ علمه الإنسان هو مما سمح الله له به، وانتهى الأمر.
 
الكون بكامله لا يكفي أن يخلق حمضاً أمينيّاً واحداً مصادفةً :
 
قال تعالى:
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
وفي آية ثانية:
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ﴾
[سورة الإسراء: 85]
فلدينا حموض أمينية، ويحتاج حمض أميني واحد كي يأتي مصادفةً إلى حجم يزيد عن حجم الكون، فتركيب الحمض الأميني معقَّد، وهو الحمض الأساسي في الإنسان، هل من الممكن أن يكون هذا الحمض مخلوقاً مصادفةً؟ فأنت لو وضعت عشرة أرقام في كيس، ثم سحبتها، فاحتمالُ خروجِ هذه الأرقام بالتسلسل هو واحد من عشرة آلاف مليون، عشرة أصفار، واحد وبعده تخرج تسعة، ثم يأتي الواحد، واحد من عشرة، وبعد الواحد اثنان، واحد من مئة، بعد اثنين ثلاثة، واحد من ألف، فعندنا عشرة أصفار، الستة مليون، والأربعة عشر ألف مليون، أي أن تسحب عشر أرقام متسلسلة احتمالُها حالة واحدة من عشرة آلاف مليون حالة، وتركيب الحمض الأميني معقد، وقالوا: الكون بكامله لا يكفي أن يخلق حمضاً أمينيّاً واحداً مصادفةً. فلا تدهش إذا سمعت عن كشفٍ علمي، بل يجب أن توقن يقيناً قطعياً أن الله سمح لهم أن يعرفوه، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل.
 
الكرسي والعرش أسلم تفسير أن نفوض أمرهما إلى الله :
 
قال تعالى:
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
وهذا الذي شاءه قليل جداً:
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ﴾
[سورة الإسراء: 85]
وهناك مَن يؤلِّه الإنسان مع أنّ الإنسان عبد فقير، قال بعض العلماء المخترعون: العبقرية تسعة وتسعون بالمئة منها عَرَق ـ أي تعب ، وواحد بالمئة إلهام، وهذا الإنسان حينما صدق في كشف هذه الحقيقة التي سمح الله بها، لأنّ الله لا يعطي الشيء بسهولة، ولكن بصبر شديد، وبإصرار عجيب، فأيّ مُخْتَرَع أو أي كشف علمي لا ينبغي أن يزلزل الإنسان، وهذه الآية تغطيه..
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
فالكرسي والعرش، أسلم تفسير: أن نفوض أمرهما إلى الله، لأن هناك آيات لا تزيد عن أصابع اليد تتعلق بذات الله.
 
آياتٌ لا تزيد عن أصابع اليد متعلقةٌ بذات الله تعالى :
 
كيف أنه يأتي:
 
     ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾
[ سورة الفجر: 22 ]
        وكيف أن:
    ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾
[ سورة الفتح: 10 ]
وكيف أنه:
 
    ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾
[ سورة المائدة: 116]
آياتٌ لا تزيد عن أصابع اليد متعلقةٌ بذات الله تعالى، أسلم تفسير أن نَكِلَ أمرها إلى الله، فالاستواء معلوم والكيف مجهول، وهناك من أوَّلها تأويلاً يليق بكمال الله، والأوْلى أن نفوِّض، فإن لم نفوض نؤوِّل بما يليق بكمال الله، أما أن نجسِّد، فهي عقيدة فاسدة، وأما أن نُعَطِّل، فالتعطيل عقيدة فاسدة، فإذا أنكرنا أن لله سمعاً، فهذا تعطيل، وإذا قلنا: إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا، فالخطيب نزل درجة، وقال: ينزل كما أنزل، فهذا تجسيد، والتجسيد عقيدة فاسدة، والتعطيل عقيدةٌ فاسدة، والآيات القليلة التي لا تزيد عن أصابع اليد المتعلقة بذات الله فالأوْلى أن نفوِّض أمرها إلى الله، أو أن نؤوِّلها تأويلاً يليق بكمال الله، والتفويض أولى. قال بعض العلماء: الكرسي علمه..
 
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ﴾
أي علمه..
 
﴿ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
أي لا يعجزه حفظهما، ولا يتعبه حفظهما، وما مسنا من لغوب، اللغوب التعب.
 
فضل آية الكرسي :
 
قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
هذه الآية أيها الأخوة هي آية الكرسي، هناك أحاديث كثيرة جداً في فضلها، والإنسان يقرؤها قبل أن يسافر، وقبل أن يستلقي إلى فراشه لأنها مُرِيحة..
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
أحياناً ينشأ خطأ في البيت فيحترق البيت كله وهو نائم، فإذا نِمتَ، فأنت في رعاية الله. وهذه الآية تقرأ قبل السفر، وعند الدخول إلى البيت، وعند الاستلقاء للنوم، وتعطيك التوحيد، والأمر بيد الله، وكان سيدنا رسول الله إذا سافر يقول كما روى عنه أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَافَرَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ قَالَ: بِإِصْبَعِهِ وَمَدَّ شُعْبَةُ إِصْبَعَهُ قَالَ:
((اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا بِنُصْحِكَ وَاقْلِبْنَا بِذِمَّةٍ، اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الْأَرْضَ وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ ))
[ من كنز العمال عن جرير]
لا يوجد في الكون إلا جهة واحدة؛ هي معك في السفر، ومع أهلك وأولادك في بيتهم:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
ولعلك في الشام المباركة إذا دخلت إلى مئة بيت تجد تسعين بيتاً فيها آية الكرسي معلَّقة، طبعاً بخيوط من الذهب وإطار جميل، ولكن الأفضل من ذلك ـ علقها فلا مانع ـ ولكن أن تفقه معناها، وأن توحِّد الله عزَّ وجل، وأن تطمئن لله عزَّ وجل، ويجب أن تكون في قلبك وتزين بها جدار بيتك، واجعلها في البيت فهي مفيدة جداً، ولكن الأولى أن تعيش معانيها، وأن تكون في مستواها، وأن تقرأها وأنت فاهم لمضامينها.
 
والحمد لله رب العالمين



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب