سورة البقرة 002 - الدرس (88): تفسير الآيات (270 - 274) الإنفاق 2

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة البقرة 002 - الدرس (88): تفسير الآيات (270 - 274) الإنفاق 2

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة البقرة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة البقرة - تفسيرالآية: (270 - 274) - الإنفاق 2

20/03/2011 19:08:00

سورة البقرة (002)
الدرس (88)
تفسير الآيات: (270-274)
الإنفاق 2
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
الإنفاق بكل مستوياته ودرجاته وصفاته في علم الله عز وجل :
 
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثامن والثمانين من دروس سورة البقرة، ومع الآية السبعين بعد المئتين، وهي قوله تعالى:
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾
أيَّةُ نفقة تنفقها؛ صغيرة أو كبيرة، جليلة أو حقيرة، سراً أو علانية، وأنت في ضيقٍ مادي وأنت في بحبوحة مادية، في حياتك وبعد مماتك..
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ﴾
هذه (من) تفيد استغراق أفراد النوع، مهما قَلَّت..
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ﴾
لو أنفقت ليرة واحدة، أو لو أنفقت مليون ليرة، لو أنفقت نفقة سراً أو علانية، وأنت متضايق مادياً، وأنت في بحبوحة، كل أنواع النفقات، وقد يكون الإنفاق مادياً وقد يكون من نوعٍ آخر، كل أنواع الإنفاق بكل مستوياته وكمياته ودرجاته وصفاته وملابساته في علم الله عز وجل.
 
من أنفق نفقة في سبيل الله اطمأن إلى أن الله يعلم وهذا يبعده عن النفاق :
 
وبعد، أمعن الفكر والنظر: لو زرت مريضاً ومعك هدية، أنت ماذا تفعل؟ تضع بطاقة على الهدية، ليعلم هذا الذي زرته أن هذه الهدية منك، إذاً المُنفق حريص أن يعلم الذي أنفقت من أجله أن هذا الإنفاق منك، هذه القضية الأساسية في الإنفاق مغطاة بهذه الآية، معك إيصال، أو ليس معك إيصال، هناك شهود، أو ليس من شهود، نوَّهت، ما نوهت، سكتَّ، تكلمت، صرَّحت، فإن الله يعلمه، لذلك فالمؤمن إذا أنفق نفقة في سبيل الله مطمئنٌ أشد الطمأنينة إلى أن الله يعلم، وهذا الذي يبعدك عن النفاق، وهذا الذي يبعدك عن استجداء المديح، وهذا الذي يُزَهِّدك في أن يُكتب اسمك مع المحسنين، وأن يكون لك وجاهة عند الناس، كل هذا أنت مستغنٍ عنه لأن الله يعلم، وإذا كان الله يعلم فغيره إن علم أو لم يعلم سيَّان، علم أو لم يعلم فلا فرق أبداً.
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ ﴾
شخص نذر إن شفى الله ابنه ليوزِّعن لحماً على الفقراء، هذا نوع من الإنفاق، لكنه إنفاق مشروط، الإنفاق الأول إنفاق من دون شرط، والإنفاق الثاني إنفاق مشروط، لكني أضع بين أيديكم هذه الحقيقة: الله عز وجل لا يُشارَط، ولا يُجَرب، والأولى أن تنفق من دون شرط؛ لأن الله يعلم، يعلم أن الابن مريض وأن هذا الأب حريص على شفاء ابنه، يا رب قد أنفقتُ هذه النفقة لعلك تنظر له بالشفاء، أما إن شفيته أدفع، هذا مقبول، ولكن الأكمل أن تنفق بلا شرط، مقبول أن تنذر نذراً، ولكن الأكمل والأقوى والأبلغ والأرقى أن تنفق النفقة من دون شرط..
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾
لذلك قالوا: " الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير "، "بكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها "، الله جل جلاله على علو مكانه، وعلى علو قدره يُسترضَى، ويُسترضَى بالصدقة، فإذا وجدت أنك بعيدٌ عن الحق قليلاً، أو أن شبح مصيبة لاح أمامك، أو أن شيئاً تخافه يقترب منك، أو أن عدواً متربِّصاً يريد أن يوقع بك، وليس لك أحدٌ يعينك إلا الله، فاسترضِ الله بالصدقة فإن البلاء لا يتخطَّاها، وتقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وكم من بلاءٍ صرفه الله بالصدقة، وكم من مرضٍ شُفي الإنسان منه بالصدقة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( داووا مرضاكم بالصدقة ))
[رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]
 
الصدقة سُمِّيَت صدقةً لأنها تؤكد صدق الإنسان في محبة الله :
 
سُمِّيَت الصدقة صدقةً لأنها تؤكد صدق الإنسان في محبة الله، فالمال رخيص عنده أمام رضوان الله، المال محبب، فإذا أنفقت المحبب من أجل مَن تحبه فهذه أكثر، الصدقة برهان على أنك مؤمن، فهناك أعمال تفعلها لنفسك، هذه لا ترقى بها، أما هناك أفعال تفعلها تعارض فيها رغبتك.
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة آل عمران: 14 ]
ما قيمة الإنفاق لو أنك لا تحب المال؟! فلأنك تحب المال فللإنفاق قيمة..
﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إلاّ الُمُصَلّيِنَ﴾
 [ سورة المعارج: 19-22 ]
يحب المال، يحب أن يكثر منه، يحب أن يكنزه، يحب أن يكون مطمئناً لرصيدٍ مرتفع له، فإذا أنفقت الشيء المحبب ترقى عند الله عز وجل، فلولا أنك لا تحب المال لما ارتقيت بإنفاقه، ولولا أن الله رَكَّبَ فينا حب المال لما ارتقى الإنسان بإنفاقه.
 
الإنفاق له ملابسات كثيرة :
 
أيها الأخوة... مادمنا قد وصلنا إلى هذه النقطة، إذا كنت في فقرٍ فالإنفاق له أجرٌ أكبر، إذا كنت في حاجة إلى المال وقد أنفقته في سبيل الله فلك أجر أكبر، إذا كنت في شبابك صحيحاً شحيحاً، ترجو الغنى وتخشى الفقر وأنفقت المال فالأجر أكبر، إذا كان الذي أنفقته يساوي نصف ما تملك، فالأجر أكبر، من هنا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن: "رُبّ درهم سبق ألف درهم".
قد ينفق شاب ألف ليرة، وهو يملك ألفاً وخمسمئة، هذا الألف يزيد عن مليون يملك صاحبه مئتي مليون، رب درهم سبق ألف درهم، درهم تنفقه في إخلاص خير من مئة ألف درهم ينفق في رياء، درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفقُ بعد مماتك، الإنسان على فراش الموت قد يتصدق: أعطوا فلاناً مئة ألف، أعطوا فلاناً مليون. ولكن في هذه اللحظات لا قيمة للمال عنده، لك أجر، ولكن ليس كما لو أنفقته وأنت صحيح، وأنت تحتاج هذا المال.
على كل أيها الأخوة، الآية عالجت نقطة بالإنفاق مهمة جداً: أنك إذا أنفقت نفقةً بلا قيد أو شرط، أو مشروطة وهي النذر، فإن الله يعلمه، إذاً فلا قيمة للإيصال، ولا قيمة لمديح الناس، ولا قيمة للشهود، يكفي أن الله يعلم أنك أنفقت هذا المال ابتغاء وجهه ورضوانه.
الإنفاق له ملابسات كثيرة؛ الإخلاص يرفع قيمة الإنفاق، أن يكون المال قليلاً يرفع قيمة الإنفاق، أن تنفق المال وأنت صحيح شحيح يرفع قيمة الإنفاق، هناك عوامل كثيرة ترفع قيمة الإنفاق، وهناك عوامل كثيرة أيضاً تقلل من قيمة الإنفاق، مَن أنفق رياءً لا قيمة لإنفاقه، ومَن أنفق وقد زهد بالمال، وقد صار المال لا يعني عنده شيئاً، فليس هناك كبير قيمة لإنفاقه..
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾
 
لو أنفقت نفقة في غير محلها فأنت ظالمٌ لنفسك :
 
الآن، ما معنى الظالمين هنا؟ ما علاقة الظالمين بالإنفاق؟ أي أنك إذا أنفقت رياءً فأنت ظالمٌ لنفسك، إذا أنفقت وأتبعت ما أنفقت المَنَّ والأذى فأنت ظالم لنفسك، إذا أنفقت نفقةً قليلةً إلى جنب ما تملك فأنت ظالم لنفسك..
﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ ﴾
بالرياء والمن والأذى، أو لو أنفقت نفقة في غير محلها فأنت ظالمٌ لنفسك، لو أنفقت نفقة من أجل شهوتك وميولك فأنت ظالم لنفسك، هذا الذي يظلم نفسه سوف يعاقب، لم يجد أحداً يمنع عنه عقاب الله عز وجل، لو أن الله أراد أن يهلك مال إنسانٍ أنفق ماله رئاء الناس لم يجد مصيراً يحول بينه وبين عقاب الله عز وجل..
﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ* إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾
في أمكنة مناسبة، في مواقف مناسبة جداً يجب أن تُعلن: أنني أدفع هذا المبلغ، ذات مرة حضرت حفلاً في دار الأيتام وجرى التبرع علناً، جُمع مبلغ كبير جداً، يقول: أنا أدفع مئة ألف، يستحي أن يدفع أقل من ذلك، لأن حجمه المالي كبير جداً، فكل واحد يعطي رقماً يتناسب مع حجمه المالي، فكان المجموع كبيراً جداً، في بعض السنوات كان هناك توجيه آخر ألاّ يُعلَن عن الأسماء والأرقام، فكان المبلغ أقل من العُشر، تجربة عاينتها بنفسي، هناك مواطن يجب أن تعلن: أنا أنفقت كذا..
﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾
 
الإنفاق عما تجود به النفس له عدة محاسن :
 
الإنفاق عما تجود به النفس له محاسن منها أولاً: تشجعون الآخرين، أنت شَجَّعت، وثانياً: ليست هذه النفقة متعلقة بالإنسان، متعلقة ببناء مسجد، متعلقة بدار أيتام، متعلقة بمعهد شرعي، متعلقة مثلاً بصندوق العافية، متعلقة بصندوق الزواج، لا تجرحُ أحداً بهذا الإنفاق، أما إذا كان هذا الإنفاق متعلقاً بإنسان، فلان الفلاني يحتاج إلى مساعدة فلا تقل: أنا دفعت له عشرة آلاف، إذا كان الإنفاق متعلقاً بإنسان ينبغي ألا تعلن هذا الإنفاق، أن يكون بينك وبين الله، هناك مواطن الإعلان فيها أولى إذا لم يتعلق بإنسان، مع نية المنفق التشجيع، وفي مواطن أخرى الكتمان أولى، إذا تعلَّق بإنسان وليس هناك منافسة في الدفع.
﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾
الذي عنده احتمال أن يرائي ـ والإنسان بصورة عامة ضعيف المقاومة أمام الرياء ـ ينبغي أن ينفق من دون رياء، أن ينفق سراً، أن ينفق مع الكتمان، حينما تشعر أن نفسك تحدثك أنك محسن كبير، وأنك بهذا أصبحت فوق الناس، إن شعرت بهذا ينبغي أن تكتم إنفاقك، وإن كان إيمانك قوياً جداً، ولا تعبأ بهذه الوساوس، ولا تعلِّق كبير أهمية على ما يقول الناس عن إحسانك، ولم يتعلق الإنفاق بإنسان، وأردت التشجيع، أعلن هذا الإنفاق لتكون قدوةً للآخرين.
﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾
فالله خبير إذا لم ترد بهذا الإعلان المُراءاة أو أنك أردت التشجيع، مَن يعرف ذلك؟ لا يعلم هذا إلا الله، أنا أعلنت عن الإنفاق، فيا ترى هل أريد سمعة، ثناءً، مديحاً، مكانة، تألقاً، وجاهةً، أو أريد أن أشجع المنفقين؟ هذا لا يعلمه إلا الله، وهو وحده يعلم ويكافئ.
 
الهدى بيد الله وحده ولا يملكه أحد سواه :
 
قال تعالى:
﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ* لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾
أي أنت يا محمد لا تستطيع أن تهدي أحداً قسراً، إنهم مخيَّرون، الهدى الذي يقودهم إلى الإنفاق لا تملكه أنت.
﴿ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾
 [ سورة القصص: 56 ]
﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾
إنك لا تستطيع أن تهدي من تشاء لأنهم مخيَّرون. و..
﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾
لست محاسباً عن ضلالهم، ولكن الله حينما يقول:
﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
 [ سورة الشورى: 52 ]
أي فحوى دعوتك حق، ولكنك لن تستطيع أن تهدي مَن تشاء، كل إنسان له اختيار، فليس عليك هداهم، ليس عليك أن تهديهم الهدى الذي يدفعهم إلى أن ينفقوا، ليس هذا عليك بل عليك أن تبيِّن لهم، عليك أن تبلغهم، عليك أن تذكرهم، عليك أن تحثهم، ليس عليك أن تجبرهم على ذلك، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدين
[ سورة البقرة: 256]
 
الإنسان مخير فيما يتعلق بالهداية :
 
قال تعالى:
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾
مَن يشاء أن يهتدي إليه يهديه الله عز وجل، والأولى أن يعود فاعل يشاء على الإنسان، ولكن الله:
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾
فيما يتعلق بالهداية، فأنت مخير، إن شئت الهداية يهديك الله عز وجل، وإن أردت خلاف الهداية فالله عز وجل يدفعك إلى ما تريد لأنك مخير، ولأن مشيئته متعلقة برغبتك أنت، مشيئته سماحٌ لك، المشيئة هنا إذا ارتبطت باختيار الإنسان مشيئة سماح، أنت أصررت على هذا الشيء فسمح الله لك أن تهتدي أو أن تبقى في ضلال.
﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ﴾
لو فرضنا أن إنساناً عنده صندوق حديدي وله فتحة، فكلما زاد من مصروفه شيء وضعه في هذا الصندوق، فهل هذا الذي وضعه في الصندوق خَسِرَهُ؟ الصندوق كله له، فكيف إذا كان كل شيء يدفعه في هذا الصندوق سيتضاعف ملايين المرات..
﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ﴾
تروي كتب السيرة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يوزع لحم شاةٍ ومعه السيدة عائشة، وَزَّع أعضاءها، وأجزاءها، ولم يبق منها إلا كتفها، السيدة عائشة تريد أن تأكل من هذا اللحم، قالت: يا رسول الله لم يبق إلا كتفها دعه لنا. فقال عليه الصلاة والسلام:
(( بل بقيت كلها إلا كتفها ))
[ الترمذي عن عائشة ]
تروي القصص أن سيدنا عمر أمسك تفاحة قال: " أكلتها ذهبت أطعمتها بقيت "، بين يديك مال، المال الذي تنفقه يذهب، إن تنفقه على طعامك وشرابك ولباسك ولذائذك ومتعك يذهب، والمال الذي تعطيه للفقراء يبقى، ومن قدَّم ماله أمامه سَرَّهُ اللحاق به.
 
لا يسمَّى الإنفاق إنفاقاً إلا إذا كان ابتغاء وجه الله :
 
قال تعالى:
﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾
من ألطف توجيهات هذه الآية أن هذه الآية خبرية ولكن جاءت بمعرض الإنشاء، أي أنفقوا ابتغاء وجه الله، كأن يقول الله عز وجل:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
هذا شأن الوالدات، وكأن الله يقول: يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن حولين كاملين، هذا يشبه قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾
 [ سورة آل عمران: 97 ]
على بيت الله الحرام، أي يا أيها المؤمنون اجعلوه آمناً، ينبغي أن يكون آمناً، هذا على شاكلة قوله تعالى:
﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾
 [ سورة النور: 26 ]
أي يا أيها الذين آمنوا زوّجوا الطيبين للطيبات، هذه آيات جاءت على شكل خبر، ولكن قصدها الإنشاء والطَلَب، كذلك هنا:
﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾
أي أن الأصل في الإنفاق أن يكون ابتغاء وجه الله، لا يسمَّى الإنفاق إنفاقاً إلا إذا كان ابتغاء وجه الله، لا يكون الإنفاق عبادة إلاّ إذا كان ابتغاء وجه الله، هكذا.
﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ ﴾
هذا المعنى الثاني.
 
في الإنفاق معنيان أساسيان :
 
أخواننا الكرام... بالإنفاق هناك معنيان أساسيان؛ أن تعلم أن الله يعلم، وأنه قادر أن يعوض عليك الذي أنفقته. فأول آية:
﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾
الآية الثانية:
﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾
لكن طبعاً وبالتأكيد ليس معنى هذه الآية أنك إذا أنفقت ألف ليرة الساعة السادسة صباحاً يأتيك الساعة السابعة عشرة آلاف، لا، لو أن الأمر كذلك لالتغى الاختيار، قل للناس: ادفع مئة، وخذ ألفاً، سوف تجد مليون إنسان واقفين بالدور للدفع، ولكن تدفع ابتغاء وجه الله، تدفع ولا تنتظر التعويض، تدفع ولا تنتظر المقابل، تدفع ولا تنتظر أن يوفَّى إليك، تدفع ابتغاء وجه الله، ولكن الله جل جلاله لا بد من أن يضاعف لك الذي أنفقته أضعافاً كثيرة، وقد يصل هذا إلى سبعمئة ضعف، فمستحيل وألف ألف مستحيل أن تنفق شيئاً دون أن يعوَّض عليك أضعافاً مضاعفة.
 
لا يمنعك من الإنفاق إلا ضعف إيمانك وجهلك بما عند الله من التعويض بعطاء  كبير:
 
قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾
 [ سورة البقرة: 245 ]
 والله يا أخوان لو أن الإنسان عرف كرم الله عز وجل، وعرف ما عند الله في الدنيا والآخرة، والله لأنفق إنفاقاً بغير حساب، فهؤلاء الذين ينفقون أموالهم أصبح عندهم رغبة في الإنفاق لدرجة أنهم كلما أنفقوا ازدادوا قوةً وثراءً.
 سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، يقول: " ماذا أفعل إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيعطيني الله ألفاً في المساء "، ماذا أفعل في نفسي، كل واحد منا حوله ناس أغنياء مع كونهم محسنين، تجده ينفق بغير حساب، والله يعطيه بغير حساب، التعامل مع الله مُدهش، أحد أخواننا الكرام ـ والله أنا أروي هذه القصة لأنها نادرة جداً ـ يعمل عملاً بسيطاً جداً بألفين وخمسمئة، القصة قديمة من عشرين سنة،  يتقاضى ألفين وخمسمئة بالشهر، له عمل تجاري محدود جداً، فجاءه أخ مؤمن،  قال له: أنا فقدت عملي ولا دخل لي منذ اليوم، وما من أمل، قال له: تعال أتقاسم معك هذا الدخل. دخلي كان ألفين وخمسمئة وصار منذ الآن ألفاً ومئتين وخمسين لي، و تأخذ أنت ألفاً ومئتين وخمسين. فالله ألهمه شيئاً جديداً ببيع صنف معين، أول شهر بعد هذه المناصفة جاءه خمسة عشر ألف ليرة، مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن تنفق ابتغاء وجه الله إلاّ و يعوض عليك الأضعاف المضاعفة، لأن الله كريم، ولكن إيَّاك أن تنفق وأنت تنتظر التعويض، أنفق ابتغاء وجه الله، أنفق ولا تنتظر أن يوفَّى إليك شيء، ولكن الله عز وجل لا ينساك من فضله.
﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
هذه الآيات لها معنيان، الأول: أن الله يعلم ما تنفق، والمعنى الثاني: أن الله يوفي إليك ما تنفق أضعافاً مضاعفة، ما الذي يمنعك أن تنفق؟ ضعف الإيمان، والجهل بما عند الله عز وجل، أكرر: لا يمنعك من الإنفاق إلا ضعف إيمانك، وجهلك بما عند الله من التعويض بعطاء كبير.
 
الفقراء أولى الناس أن تنفق عليهم :
 
ثم يقول الله عز وجل:
﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
أيها الأخوة... مَن أولى الناس أن تنفق عليهم؟ قال تعالى:
﴿ لِلْفُقَرَاءِ ﴾
يجب أن نفرق بين الفقير والمسكين على اختلافٍ في التعريف، على كلٍ أحدهما ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، والثاني لا يجد حاجته. الإنسان له دخل، له دخل خمسة آلاف ليرة، لكن مرض ابنه مرضاً شديداً، دخله يكاد يكفي طعامه وشرابه، مرض ابنه مرضاً شديداً هذا يحتاج إلى مساعدة ولو أن له دخل، فالفقير هو الذي لا يجد حاجته، دخله أقل من حاجته، أما المسكين ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ممكن أن تعطي إنساناً أنيقاً يسكن ببيت يملكه، عنده سيارة صغيرة جداً، أساسية جداً في حياته، وهو بحاجة إلى عمليه جراحية لابنه، هذا فقير لا يجد حاجته، والفقير يجب أن يؤمن له طعامه، وشرابه، وكسوته، ومركبه وقد يكون دراجة، وأن يؤمن له تطبيب أولاده، وحرفته وأدوات حرفته، هذه أساسيات، فهناك شخص لا يدفع إلا للمتسول، وقد يكون هذا المتسول أغنى من المتصدق بكثير، على كلٍ ما دام هذا الفقير يحتاج أن تساعده فساعده.
 
تعريف الفقير :
 
دقق في هذه الآية..
﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ﴾
هذا الذي يجب أن تنفق عليه لا يسألك، ويتجَمَّل، ولا يلحُّ إطلاقاً، وتحسبه غنياً، يقتضي هذا الكلام الإلهي أن تبحث أنت عنه، هو لا يسألك، ولا يقتحم عليك مكانك، لا يطلب منك بقوة، لا يلح، هو متعفف، لا يسأل، في وجهه ماء الكرامة، عزيز النفس، متجمِّل، أنيق لا يرتدي ثياباً بالية كي تشفق عليه، يتأنق في ملبسه، يتجمل في حركاته وسكناته، لا يتضعضع لغني، لا يذل نفسه أمامه، يطلب حاجته بعِزَّة النفس، هذا الذي ينبغي أن تعطيه، هذا لا يسألك، فكيف أعرفه؟ هذا ينبغي أن تبحث عنه، ينبغي أن تبحث، وأن تسأل، وأن تدقق، كلما التقيت بإنسان مؤمن عزيز النفس متجمل اسأله عن أحواله: أعليه دين؟ ما شأن أولاده في المواسم الأساسية؛ موسم البرد، موسم المدارس هل بحاجة إلى شيء، فهو لا يسألك:
﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ*لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم ﴾
 [ سورة المعارج: 24-25 ]
السائل يسأل، وقد يسأل بوقاحة، وقد يسأل بقوَّة، وقد يعيد عليك السؤال، وقد يقف أمامك لا يغادر، وقد يلح عليك، وقد يقسو عليك بالكلام، أما الذي يستحق أن تعطيه لا يسألك، لذلك ينبغي أن تبحث أنت، الذي يستحق لا تعرفه، يجب أن تتعرَّف عليه، مَن هم الفقراء؟ الفقراء هم..
﴿ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
لا أحب أن أفصِّل في هذا، لكن هناك إنسان يقوم بعمل؛ يعلم أولادنا القرآن الكريم، يعلِّم الطلاَّب بالمدارس، معاشه لا يكفي أياماً معدودة، عنده دوام كامل ثلاثة أيام بالأسبوع، هذا الذي يؤذن، هذا الذي يخدم، هذا الذي يعمل عملاً أساسياً وكل وقته من أجله مبذول ودخله لا يكفيه.
 
الضرب في الأرض يعني التجارة :
 
قال تعالى:
﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ ﴾
ليس عنده وقت ليتاجر، وما عنده رأسمال يتَّجر به، وليس عنده خبرات التجارة، ولكن له عمل مهم جداً في الحياة، أحياناً ببعض البلاد الأجنبية يستقدمون طالب علم من البلاد المسلمة ليعلم أبناءهم، لا يعمل إلا بتعليم الأبناء، يجب أن يؤمن له مبلغ يعيش به، إن مدرسي الديانة فرضاً، أحدهم كل وقته في التعليم، ستة وثلاثين ساعة بالأسبوع يعلم أبناءنا التربية الإسلامية، يجب أن يأخذ دخلاً يعيش به كريماً هو وأولاده، وفهمكم كفاية، هذا الذي حُصِر في عمل دَعَويّ، حصر في عمل ديني، حصر في عمل من أعمال البر والتقوى، كل وقته في هذا العمل، هذا يعد فقيراً..
﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ ﴾
الضرب في الأرض يعني التجارة، ففي بعض الجامعات هناك أستاذ باحث لا يدّرس، يؤلف كتب، هناك من يؤلف، هناك من يعلم، هناك من يدرس تربية دينية، هناك من يدرس لغة عربية، هناك مؤذن، هناك إمام، هناك أعمال كثيرة جداً في الدعوة والتعليم تحتاج إلى تفرُّغ، ويحتاج التفرغ إلى إنفاق، إذاً هؤلاء يستحقون أن يأخذوا من بيت مال المسلمين ما يسد حاجتهم وما يوفر لهم كرامتهم..
﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
 
البطولة لا أن تنفق بل أن تضع النفقة في مكانها :
 
توجد نقطة أحب أن تكون واضحة عندكم: هناك أغنياء عندهم نظر بعيد جداً، يبحثون عن أناس إيمانهم كبير، وعِفَّتهم ظاهرة، وكرامتهم عالية جداً، يمدُّونهم بما يحتاجون، بلا ضجيج، بلا جلبة، بلا تباهي، بلا مَنّ، بلا أذى، البطولة لا أن تنفق، بل أن تضع النفقة في مكانها، البطولة ألا تعطي للمتسول، البطولة أن تعطي العفيف الذي لا يسألك شيئاً، هذه البطولة، لذلك أنا أتصور أنك إذا أنفقت مبلغاً بعد بحث دقيق ودرس عميق، وبعد سؤال وجواب، حتى عرفت هذا المؤمن الذي لا يسأل ولا يطلب ولا يبذل ماء وجهه، ووضعت هذا المبلغ عنده سراً بينك وبينه دون أن تُعلم أحداً، ودون أن تذكر اسمه، ودون أن تشهِّر به، هذا الإنفاق يتضاعف أضعافاً كثيرة، هناك أشخاص لمجرد أن ينفق المال يشعر بالارتياح، لا، بل هناك مهمة بعد أن تقرر إنفاق المال، عليك أن تعرف أين تضع هذا المال؟ يجب أن تضعه في مكانه الصحيح، قد تعطيه لإنسان يبدو لك غنياً..
﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾
لكنه صفر اليدين، لا يملك شيئاً إطلاقاً ولكنه كريم النفس، حتى إِن بعض علماء الفقه قال: هذا الذي كان غنياً فافتقر يصح أن يأخذ من مال الزكاة وهو قوي مع أن النبي قال:
((الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة قوي))
[عبد الله بن عمرو عن أبي داود]
الغني لا يُعطى صدقة، والقوي كذلك تمنع عنه الصدقة، لكن هل من المعقول: إنسان كان غنياً كبيراً وافتقر فجأة نقول له: اعمل حمَّالاً، أنت قوي!! الإسلام عظيم، الإسلام واقعي، هذا الغني الذي افتقر يعطى من بيت مال المسلمين ما يسد حاجته ولو كان قوياً حفظاً لماء وجهه، يقول عليه الصلاة والسلام:
((ارحموا ثلاثةً: عزيزَ قومٍ ذلَّ، وغنىَ قومٍ افتقر، وعالمًا بين جُهَّالٍ)).
[ابن حبان في الضعفاء من رواية عيسى بن طهمان عن أنس]
 
النبي جعل المنفق في مستوى الداعي تماماً لأن المال شقيق الروح :
 
طبعاً يجوز أن نعطي المؤذن راتباً، والإمام راتباً، والمدرس راتباً، والذي يعمل على جمع الزكاة راتباً، وكل مَن له عمل يستغرق كل وقته في سبيل الله، والذي يجاهد في سبيل الله يستحق راتباً، هذا جائز وممكن، إنسان يعمل في الخدمة يدافع عن بلاده، يدعو إلى الله عز وجل، يجاهد في سبيل الله، هذا من أين يأكل؟ إذاً هذا هو الذي يستحق أن نعطيه..
﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً ﴾
والله أيها الأخوة... الذي ينفق ماله ابتغاء وجه الله يتألَّق تألُّقاً لا يعلمه إلا الله؛ إنه قريب من الله، يشعر بقيمته، يشعر أنه ذو خير عميم، يشعر بعمله الطيب، هذا المال الذي وهبك الله إياه يمكن أن ترقى به إلى أعلى عليين إذا أُنفق في طاعة الله، ولقد حضرت مرة حفل تخريج طلاَّب من حفظة القرآن الكريم، أُلقيَت كلمة رائعة، قال المتكلم: أنا أشكر هؤلاء الطلاَّب الذين حفظوا كتاب الله، وأشكر الذين علموهم كتاب الله، وأشكر الشيوخ الأفاضل الذين امتحنوهم ـ كلام طيب ـ قال: وأشكر هؤلاء الأغنياء الذين تبرعوا لكل من حفظ كتاب الله بعمرة إلى بيت الله الحرام. المال شقيق الروح، هذا تعلم، وهذا علَّم، وهذا فحص، وهذا الغني ماذا فعل؟ شجع، كل من حفظ كتاب الله له عندي عمرة، شاب صغير ركب طائرة، ذهب إلى بيت الله الحرام، نزل بفندق، وجد نفسه مكرماً بالمجتمع تكريماً كبيراً، يبدو أن هذا الذي شجَّع الصغار على حفظ كتاب الله ليس أقل أجراً من الذي علَّمهم، المال شقيق الروح، هؤلاء الذين معهم أموال ويجودون بها قد يكونون في مرتبة العلماء والدعاة، لأن المال عنصر أساسي للحياة:
(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
هذا الحديث يبين لنا: كيف أن النبي جعل المنفق في مستوى الداعي تماماً، المال شقيق الروح، نحن بحاجة إلى دعاة، وبحاجة إلى أغنياء ينفقون.
 
على الإنسان أن ينفق ويعطي كي يرحمه الله عز وجل :
 
أيها الأخوة الكرام:
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
ألا تحب أن يطمئنك الله عز وجل؟ وأن يحفظ لك صحتك، وأهلك، وأولادك، ومالَك، وأن يهبك سكينة تملأ قلبك سعادة، أنفق:
(( أنفق بلال ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً))
[الطبراني عن ابن مسعود]
(( قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم أَنفق أُنفق عليك))
[أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه]
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾
لهم أجرهم الذي يكافئ عملهم..
﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾
من المستقبل..
﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
على الماضي.
أيها الأخوة... أنا لا أقول لكم: يجب أن تكونوا أغنياء حتى تنفقوا. لا، يمكن أن تنفق خمس ليرات بإخلاص شديد، كنت أقول حينما أدعو للتبرع: خمس ليرات على العين والرأس، قد يدفع طفل مصروفه، أعجبني مرة في مؤتمر الأوقاف وقد حضرته أن هناك وقف في بعض الدول الإسلامية للصغار، مثلاً تأسيس معهد شرعي، خصصوا أسهماً، كل سهم فرضاً مئة ليرة، حتى يَشَّجَّع أطفال المدارس، ادفع مئة ليرة وأنت لك وقف، حجزت من مالك جزءاً لوقف مستمر إلى آلاف السنين، كل مَن تعلَّم في هذا المعهد في صحيفة مَن وقف هذا المال لبنائه، وقف خاص للصغار، نعوِّد أنفسنا أن ننفق ونعطي ونحل مشكلات الناس كي يرحمنا الله عز وجل، لأنه: ارحموا مَن في الأرض يرحمكم من في السماء، هناك من ينفق على ملذاته الملايين المملينة، أفلا ننفق ونعلّم أطفالنا فضيلة الإنفاق في سبيل الله؟!!
 
الإنفاق برهان عملي حقيقي على شفاء النفس وسلامتها من داء البخل وأدرانه :
 
حدثنا أخ فقال: دخل بيتاً فوجد أن غرفة الاستقبال تزيد عن مئتي متر، حشيت زوايا هذه القاعة أو هذه الغرفة أو هذا الصالون بتحف أقل تحفة يبلغ ثمنها نصف مليون، قال: والله بتحفة واحدة يزوِّج شابين، ماذا تنفعه هذه التحف؟ لا تنفعه، فهذا الذي يحل مشكلات المسلمين يرقى عند الله؟ أمّا الذي ينفق المال على متعه، وملذاته، وعلى مكانته، وعلى مظاهره فهذا بعيد عن الله بعد الأرض عن السماء، فهؤلاء..
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
والله أيها الأخوة.. نحن في بلدٍ طيب، وهناك مَن ينفق بغير حساب، والله ما من بلد فيمَن حولنا ينفق كهذه البلدة الطيبة، عجيب، تذهب إلى مساجد بمدن أخرى أكبر تبرع ثمانية آلاف، عندنا يصل التبرع في بعض المساجد ستمئة ألف، أربعمئة ألف، خمسمئة ألف، في ساعة واحدة بعد صلاة الجمعة، وفي حفل واحد يجود المتصدقون بمبلغٍ ضخمٍ من أجل صندوق الرعاية الاجتماعية، وصندوق المعالجة الصحية وصدق الله العظيم:
﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة الحشر: 9 ]
فيا أيها الأخوة، عليكم بالإنفاق، الإنفاق يجعلكم تتألَّقون عند الله عز وجل، الإنفاق دليل حبك لله عز وجل، الإنفاق برهان على أنك صادق الإيمان، برهان عملي حقيقي على شفاء النفس وسلامتها من داء البخل وأدرانه، ونتابع هذه الآيات في الدرس القادم.
والحمد لله رب العالمين



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب