مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج تمهل ..محمد ملاح: برنامج تمهل-الحالة النفسية للسائقين-08-08-2017           برنامج تأملات في أحسن القصص: تأملات-15-قصة بني اسرائيل في سورة البقرة 6           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة-أسرار ورموز في الحج1           برنامج سوا على الجنّة: سوا على الجنة-10-الحياء           برنامج تأملات في أحسن القصص: تأملات-14-قصة بني اسرائيل في سورة البقرة 5           برنامج تأملات في أحسن القصص: تأملات-13-قصة بني اسرائيل في سورة البقرة 4         
New Page 1

     أسباب النزول

New Page 1

تعدد الروايات في سبب النزول 2

27/03/2011 12:37:00

أ. طاهر العتباني
   بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
سبب النزول إما أن تكون صيغته صريحةً في السببية، وإما أن تكون صيغته محتملة:
 فتكون نصّاً في السببية إذا قال الراوي: سبب نزول هذه الآية كذا.
 وتكون نصّاً في السببية إذا أتى بفاء دالة على التعقيب داخلة على مادة النزول بعد ذكر الحادثة أو السؤال. كما إذا قال: حدث كذا، أو سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كذا، فأنزل أو فنزلت آية كذا وكذا.
 وتكون الصيغة محتملة للسببية ولما تضمنته الآية من الأحكام إذا قال الراوي: نزلت هذه الآية في كذا وكذا، فهنا يراد به سبب النزول ويراد غيره، كأن يكون مراداً به معنى الآية.
 وكذلك إذا قال: أحسب هذه الآية نزلت في كذا وكذا.
 أو إذا قال: ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في كذا؛ فإن الرواية بهذه الصيغة لا تقطع بالسببية، وإنما تحتملها وتحتمل غيرها كبيان الحكم من الآية.
مثال ذلك قول ابن عمر في قوله تعالى: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ [البقرة: 223]، قال ابن عمر: "أنزلت في إتيان النساء في أدبارهن". رواه البخاري.
فهي بيان للحكم وليس من ذكر سبب النزول في شيء، وفي هذه الحالة يكون قول الصحابي: أنزلت في كذا محتملا للسببية وغيرها.
والعبرة في هذا وذاك إنما يكون بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإن كان بيان السبب يساعد على فهم الحكم.
 وقد تتعدد الروايات في سبب نزول آية واحدة. فما موقف المجتهد من ذلك؟
ذكر أهل العلم أن سبب النزول إذا تعدد فهناك احتمالات ثلاثة:
1.     إما أن يكون الجميعُ غيرَ صريح في السببية.
2.     وإما أن يكون الجميعُ صريحاً في السببية.
3.      وإما أن يكون البعض صريحاً في السببية والبعض غير صريح.
فإذا كان الجميع غير صريح في السببية فلا ضرر؛ إذ يحمل الجميع على أنه تفسير للآية أو بيان للحكم المأخوذ منها.
وإذا كان بعضُه صريحاً وبعضُه غيرَ صريح، فالمعتمد عند المجتهد هو الصريح دون غيره.
وإذا كان الجميع صريحاً، فلا يخلو الأمرُ من أن يكون البعضُ صحيحاً والبعضُ غير صحيح من جهة السند، فالصحيح الصريح هو المعتمد.
فإذا كان الجميعُ صحيحاً صريحاً فيُرجّح الراجح بقرائن، أو يصار إلى الجمع إن أمكن، أو يحمل على تكرار النزول.
أمثلة:
أولاً:
إذا لم تكن الصيغُ الواردة في سبب النزول صريحةً فلا منافاة بينها؛ إذ المراد التفسير أو بيان الحكم، وليس المراد سبب النزول إلا إذا قامت القرينةُ على واحدة منها بأن المراد بها السببية.
ثانياً:
إذا كانت إحدى الصيغ غيرَ صريحة وصرح أحدُها بذكر سبب مخالف، فالمعتمد هو ما نص فيه على السببية، وتُحمل الأخرى على دخولها في أحكام الآية.
مثال ذلك:
قول جابر: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجلُ امرأتَه من دُبُرها في قُبُلها كان الولدُ أحولَ، فنزلت ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾، رواه البخاري ومسلم.
فهذه الرواية هي المعتمدة أما كلام ابن عمر: أنزلت في إتيان النساء في أدبارهن [رواه البخاري]، فليس بنص في سبب النزول، فيحمل كلامه على أنه استنباط وتفسير.
ثالثاً:
إذا تعددت الرواياتُ وكانت جميعُها نصّاً في السببية،وكان إسنادُ أحدها صحيحًا دون غيره فالمعتمد الرواية الصحيحة.
مثال ذلك روايتان في سبب نزول سورة الضحى:
إحداهما: ما رواه الشيخان عن جُندَب البَجَلي قال: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فأتته امرأةٌ فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك لم يقربك ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ [الضحى: 1-3]. رواه الشيخان.
والثانية: رواها الطبراني: عن حفص بن ميسرة القرشي قال‏:‏ حدثتني أمي عن أمها -وكانت خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم- ‏:‏ أن جروًا دخل البيت ودخل تحت السرير ومات، فمكث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أيامًا لا ينزل عليه الوحي،.‏ فقال‏:‏ ‏"‏يا خولة ما حدث في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ جبريل لا يأتيني، فهل حدث في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث‏؟‏‏!‏‏"‏‏، فقلت‏:‏ ما أتى علينا يوم خيرٌ من يومنا‏، فأخذ برده فلبسه وخرج، فقلت‏:‏ لو هيأت البيت وكنسته، فأهويتُ بالمكنسة إلى السرير، فإذا شيء ثقيل فلم أزل حتى أخرجته، فإذا جرو ميت، فأخذته بيدي فألقيته خلف الدار، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته، وكان إذا أتى الوحي أخذته الرعدة، فقال‏:‏ ‏"‏يا خولة دثريني‏"‏‏،‏ فأنزل الله عز وجل ﴿ ‏وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ [الضحى: 1-3].
فالرواية الأولى هي المعتمدة لصحة السند إذ هي في الصحيحين، وأما رواية الطبراني فضعيفة.
رابعاً:
إذا تساوت الروايات في الصحة، ووُجد وجهٌ من وجوه الترجيح؛ مثلُ حضور القصة مثلا، أو كونِ أحدهما أصحَّ وإن الأخرى صحيحة، قُدمت الرواية الأصح.
مثال ذلك روايتان ذكرتا في سبب نزول: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ [الإسراء: 85].
الرواية الأولى: عن عبد الله بن مسعود قال: بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في خرب المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه؛ لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنه، فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت، فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت، فلما انجلى عنه قال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ [الإسراء: 85]. رواه البخاري.
الرواية الثانية: عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾. رواه الترمذي وصححه.
فهذه الرواية تقتضي أن الآية نزلت في مكة.
وقد رجح العلماء ذلك بقرينة وجود ابن مسعود مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وشهوده القصة في الرواية الأولى.
ومع هذا فقد رجح بعضُ أهل العلم الجمع بين الروايتين بأن الآية نزلت مرتين مرة في مكة ومرة في المدينة.
خامساً:
إذا تساوت الرواياتُ عند الترجيح جُمع بينهما إن أمكن، فتكون الآية نزلت بعد السببين أو الأسباب لتقارب الزمن بينهما.
مثال ذلك آيات اللعان في سورة النور، وهي قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾ [النور: 4-10].
هذه الآيات ورد في سبب نزولها روايتان:
الأولى: ما ثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد أن عُوَيمرا العجلاني قال لعاصم بن عدي: أرأيتَ لو أن رجلاً وَجَد مع امرأته رجلا أيقتُله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فسل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسائلَ وعابها، حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن عويمرًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: " قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأتِ بها"، فتلاعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. متفق عليه.
الثانية: ما رواه البخاري: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "البينة أو حدٌّ في ظهرك"، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدُنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "البينةُ وإلا حَدٌّ في ظهرك"، فقال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ... ﴾. الآيات. رواه البخاري.
وقد جمع العلماءُ بينهما بأن حادثة هلال وقعت أولا، وصادفها مجيء عويمر كذلك، فنزلت الآيات في شأنهما معًا بعد حادثتيهما.
سادساً:
إن لم يمكن الجمعُ لتباعد الزمن، فإنه يحمل على تعدد النزول وتكرره.
ومن الآيات التي ورد فيها أكثرُ من رواية حول سبب النزول وهي روايات صحيحة: قول الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ [التوبة: 113].
وقد ورد في سبب نزولها روايات منها:
 
الأولى: لما حضرت أبا طالب الوفاةُ جاءه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغبُ عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخرَ ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك"، فأنزل الله ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ... ﴾ الآية. متفق عليه.
الثانية: عن علي قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أوليس استغفر إبراهيمُ لأبيه وهو مشرك؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ... ﴾ الآية. رواه الترمذي وحسنه.
الثالثة: عن ابن مسعود قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوما إلى المقابر، فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلا، ثم بكى فبكينا، فقال: "إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، وإني استأذنتُ ربي في الدعاء لها، فلم يأذن لي، فأنزل علي: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ... ﴾ الآية. أخرجه الحاكم.
وقد جمع بين الروايات الثلاث بتعدد نزول الآية في أكثر من موطن.
ومع ذلك يرى بعضُ أهل العلم أن الترجيح بين الروايات أولى من القول بتعدد نزول الآية.

 



راديو زينون

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب