سورة الأحزاب 033 - الدرس (11): تفسير الأيات (36 – 38) قصة زينب بنت جحش ـ تعدد الزوجات

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الأحزاب 033 - الدرس (11): تفسير الأيات (36 – 38) قصة زينب بنت جحش ـ تعدد الزوجات

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الأحزاب

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الأحزاب ـ (الآيات: 36 - 38) - قصة زينب بنت جحش ـ تعدد الزوجات

30/05/2012 16:44:00

سورة الأحزاب (033)
الدرس (11)
تفسير الآيات: غزوة الأحزاب (36 ـ 38)
قصة زينب بنت جحش ـ تعدد الزوجات
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الأكارم ، مع الدرس الحادي عشر من سورة الأحزاب .
 
صيغة(وما كان لمؤمنٍ) ليست لنفي الحَدَث بل لنفي الشأن وهو أبلغ من نفي الحدث :   
 
وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى  :
 
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)
( سورة الأحزاب)
هذه الآية أيها الأخوة لها أسباب نزول ، وإذا كان للآية أسباب نزول فلا يمنع أن نفهمها فهماً من عموم لفظها ، وعلماء التفسير يفرِّقون بين خصوص السبب وعموم اللفظ ، فإذا كان لهذه الآية أسبابٌ نزلت من أجلها ، فهذا لا يمنع أن نفهمها فهماً متعلِّقاً بعموم اللفظ ، فهذه الآية ماذا تعني ؟ يقول الله عزَّ وجل :
     
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ (36)
( سورة الأحزاب)
صيغة( وما كان لمؤمنٍ ) هذه ليست لنفي الحَدَث ؛ بل لنفي الشأن ، ونفي الشأن كما تعلمون أبلغ بكثير من نفي الحدث ، وأوضِّح لكم ذلك ، إذا قلنا : فلان لم يسرق هذه الليرة ، نفينا عنه السرقة ، ليس معنى هذا أنه ليس من عادته أن يسرق ، هذه لم يسرقها ، قد يكون أكبر سارق ، أما هذه الليرة ففلانٌ لم يسرقها ، نفيت عنه سرقة هذه الليرة فقط ، أما إذا قلت : ما كان لفلان أن يسرق ، أي هذا مستحيلٌ في حقه ، وهذا بعيدٌ عن مقامه ، وهذا ليس من شأنه ، فهو لا يفكر في هذا ، ولا يرضى هذا ، ولا يريد هذا ، ولا يُعْقَلُ أن يفعل هذا ، فأشد أنواع النفي ؛ نفي الحدث ، ونفي الرغبة ، ونفي الإرادة ، ونفي القبول ، ونفي الشأن ، وكل هذه منفيةٌ بهذه الصيغة .
 
ذكر (ولا مؤمنة) ليؤكد الله لنا أن المرأة مساويةٌ للرجل تماماً في التكليف والتشريف :
 
قالوا :
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ (36)
( سورة الأحزاب)
هذه صيغة نفي الشأن لا نفي الحدث ، أي أنه ما دام المؤمن مؤمناً ، فما دام قد عرف الله عزَّ وجل ما كان له أن يفعل هذا ، لأن معرفة الله تتناقض مع هذا الفعل ، وكيف أن الضوء والظلام لا يجتمعان ، ما كان للظلام أن يكون مع الضوء ، وما كان للضوء أن يكون مع الظلام ، لأنهما متناقضان ، فحيثما وجدتم في القرآن الكريم صيغة (ما كان) ، فهذه ليست لنفي الحدث ؛ إنها لنفي الشأن ، وأبلغ أنواع النفي هو نفي الشأن ، أي أن المؤمن لا يعقل أن يفعل هذا ، ولا يريد أن يفعل هذا ، وليس من شأنه ، ولا يتمنَّى ، ولا يتصوَّر ، ولا يُقْبَلُ منه أن يفعل هذا ، هذا معنى قوله تعالى :
     
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ (36)
( سورة الأحزاب)
ما هذا الشيء الذي نفاه الله عن المؤمنين أصلاً ، قال :
      
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ (36)
( سورة الأحزاب)
(ولا مؤمنةٍ) وهذا تابعٌ للدرس الماضي ، فلو أن الله عزَّ وجل قال : وما كان لمؤمنٍ أي ولا مؤمنةٍ ، لكنه ذكر مؤمنةً ليؤكد لنا أن المرأة مساويةٌ للرجل تماماً في التكليف والتشريف .
 
قضاء الله في القرآن وقضاء النبي في السُّنة :
 
قال تعالى :
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا (36)
( سورة الأحزاب)
الله كيف يقضي ؟ في القرآن ، والنبي كيف يقضي ؟ في السنة ، إذا قال الله عزَّ وجل :
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ(30)
 ( سورة النور )
هذا أمر الله عزَّ وجل ، قضى الله من خلال منهجه أن تغض بصرك ، فإذا أنت لم تعبأ بهذا الأمر فلست مؤمناً ، وما دمت مؤمناً فهذا أمر الله ، وينبغي أن تتقيد به  .
      
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (36)
( سورة الأحزاب)
وأنت تختار بين هذا البيت أو هذا البيت ، وبين هذه الحرفة أو هذه وبين هذا البلد في سفرك أو هذا ، وهذه الزوجة أو تلك ، أما أن تختار بين أن تطبق أو أن لا تطبق أمر الله عزَّ وجل ، فهذا مستحيل بحق المؤمن .
 
 أن تختار أن تنفذ أمر الله أو أن لا تنفذ هذا ليس من صفات المؤمن :
 
أنت قبل الإيمان مخيَّر ؛ تؤمن أو لا تؤمن ، أما إذا آمنت فلست مخيراً في أن تنفذ أو أن لا تنفذ ، فإنسان مخير إما أن يقبل التطوع في الجيش أو أن لا يقبل ، فإذا قبل ، فالطاعة ملزمة للجيش ، فلا يستطيع أن يقول : هذه لم تعجبني ، إذ لا يوجد لم تعجبني بالجيش ، ما دمت اخترت هذا السلك ، فالطاعة فيه لا بدَّ منها .
مثل للتقريب : أنت ما دمت اخترت أن تكون مؤمناً فلا بدَّ من أن تطيع الله عزَّ وجل ، فلو أن طالباً اختار أن يدخل مدرسة ، واختار أن يكون مثقفاً فهناك دوام ، ووظائف ، وتدقيق ، ومتابعة ، ومراقبة ، فكلمة بذيئة يُعاقب عليها ، وتأخُّر يعاقب عليه ، فلو أن طفلاً آخر ، أو لو أن شاباً آخر لا علاقة له بالتعليم إطلاقاً ، فهو حر طليق ، فاختال على هذا الطالب : أنا لا يوجد من يحاسبني ، فأنا حر طليق ، وخارج المدرسة كلياً ، أنت مؤمن واخترت أن تكون هكذا وما دمت اخترت ذلك فالإيمان له التزامات ، فأنت مخير أن تكون مؤمناً أو أن لا تكون ، ولو لم تكن مؤمناً لخاطبك الله بعموم الدين ، بكليات الدين قال تعالى :
 
﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ(21) ﴾
( سورة البقرة )
أما إذا آمنت بالله عزَّ وجل خالقاً ، وآمنت به رباً ، ومسيِّراً ، وواحداً ، وكاملاً ، وحكيماً ، وعليماً ، وخبيراً ، وقديراً ، فلا يمكن أن تختار أن تنفِّذ أو أن لا تنفذ فهذا أمر الله ، تختار لوناً من ألوان الطعام ، وتختار لوناً لملابسك ترتديه ، وبيتاً تسكنه ، وزوجة تقترن بها، وحرفة تحترفها ، أما أن تختار أن تنفذ أمر الله أو أن لا تنفذ ، فهذا ليس من صفات المؤمن أبداً .
 
الإنسان بعد أن عرف الله عزَّ وجل يأتيه أمره وهو الكمال المطلق والعدل المطلق :
 
قال تعالى :
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا (36)
( سورة الأحزاب)
طبعاً في حياة النبي عليه الصلاة والسلام أمره الذي يتلوه علينا من الوحي أمر الله ، وأمره الذي يتلوه علينا من دون الوحي أمره هو ، ونحن مكلَّفون أن نطيع الله ، وأن نطيع الرسول ، أما إذا انتقل النبي عليه الصلاة والسلام ، فصارت هذه الآية أمر الله هو هذا القرآن ، وأمر النبي هو سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، إذاً :
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (36)
( سورة الأحزاب)
أنتم تلاحظون أن الإنسان كلما ارتقى علمه تضيق عليه الممرات ، فالطبيب مثلاً عنده طريقة للتعقيم لا بدَّ منها ، والعلم كلما ارتقى لا بدَّ من أن يعقِّم هذه الأداة ، وهذا المشرط ، حتى أن العمليات الجراحية الكبيرة الآن تقريباً تجرى في العالم كله بطريقة واحدة، وهذا أكمل شيء ، فالإنسان بعد أن عرف الله عزَّ وجل يأتيه أمره وهو الكمال المطلق ، والعدل المطلق ، كما قال بعض العلماء  :
الشريعة عدلٌ كلها ، ورحمةٌ كلها ، ومصالح كلها ، فإذا خرج التأويل ـ تأويل الشريعة ـ من العدل إلى الجور ، أو من المصلحة إلى خلافها ، أو من الرحمة إلى القسوة ، فهذا ليس من الشريعة ، ولو أدخلت عليها ألف تأويل وتأويل  .
 
علامة معرفة الله عزَّ وجل طاعتك له :
     
شرع الله ، كماله مطلق ، وعدله مطلق ، ليس هذا كلام البشر ، بل كلام خالق البشر ، كلام الصانع ، الخالق ، المدبِّر ، المربي ، الخبير، العليم ، الغني ، القدير .
إذاً حينما تتردد في تنفيذ أمر الله عزَّ وجل فأنت لا تعرف الله أبداً ، أما حينما تعرف الله معرفةً بالقدر الذي يكفي لطاعته فإنك تبادر مباشرةً إلى تنفيذ أمر الله عزَّ وجل ، إذاً ضع في ذهنك أنك مخير في أن تسلك طريق الإيمان أو أن لا تسلك ، وإذا سلكت طريق الإيمان ولست مخيراً أن تنفذ أو أن لا تنفذ ، فمن لوازم الإيمان الطاعة ، بل إن علامة معرفة الله عزَّ وجل طاعتك له ، إذاً :
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)
( سورة الأحزاب)
هناك ضلال بعيد ، وهناك ضلال مبين ، أي أن شيئاً واضحاً بيّناً كالشمس حِدتَ عنه ، فهذا ضلال مبين ، وعلى كلٍ فهذه الآية نزلت لأسباب ، وهي :
أن النبي عليه الصلاة والسلام أمره الله عزَّ وجل أن يزوِّج ابنة عمته ـ زينب بنت جحش ـ إلى متَبَنَّاه زيد بن حارثة ، ولا بدَّ لنا من أن نفهم من هو سيدنا زيد ؟ ومن هي زينب ؟ ولمَ كان الزواج بينهما ؟ ثم لماذا أمر الله عزَّ وجل زيداً أن يطلِّق امرأته ؟ ولماذا أمر الله النبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوج زينب ؟ هذه الآية نزلت في هاتين القصتين ، فمن أجل أن نفهمها فهماً عميقاً ، وأن نلقي ضوءاً كاشفاً على خباياها ، فلا بدَّ من معرفة من هو زيد ؟ ومن خلال قصة زيد نتعرف الشيء الكثير عن عظمة هذا الدين .
 
  قصة زيد بن حارثة رضي الله عنه :
 
زيد بن حارثة يصفه الواصفون بأنه كان قصير القامة ، شديد السمرة ، في أنفه فَطَسٌ ، أما نبؤه وخبره ومكانته فعظيمةٌ جداً ، والعجب لهذه المفارقة بين شكله وبين مكانته عند الله ، بل إنه الصحابي الوحيد الذي ورد اسمه في القرآن ، لقد كان غلاماً للسيدة خديجة بنت خويلد زوج النبي عليه الصلاة والسلام ، فلما تزوج النبي بخديجة رضي الله عنها ، قدمت له هذا الغلام هديةً منها إليه ، فماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام ؟ أعتقه فوراً وضمه إليه .
هذا الغلام حينما ضمه النبي إلى بيته ، لم يكن النبي قد بُعِثَ بَعْد ، ولا يزال النبي في مكة فتىً من فتيانها ، وكلكم يعلم أن فقد الابن شيءٌ عظيم ، لذلك فُجِعَت أمه وأبوه بفقده ، لأنه اختطف إثر غزوةٍ وبيع في سوق العبيد ، وهكذا كان العرب في الجاهلية ، والحق يقال : إن تاريخ العرب يجب أن يبدأ مع ظهور الإسلام ، ففي الجاهلية كان الغزو ، والسلب ، والنهب ، والحمية الجاهلية ، والعصبية ، ووأد البنات ، والحروب التي تقوم لأتفه الأسباب ، يقتل فيها عشرات بل مئات الألوف لأسبابٍ طفيفةٍ وسخيفةٍ وحقيرةٍ ، لذلك سمَّاها الله الجاهلية قال :
﴿ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ(33)
(سورة الأحزاب)
الجاهلية في أدق معناها جهلٌ في حقيقة التوحيد ، وجهلٌ في تنفيذ أمر الله عزَّ وجل ، وجهلٌ في الاعتقاد ، وجهلٌ في السلوك .
في موسمٍ من مواسم الحجقصد البيت الحرام نفرٌ من قوم زيد ، وأهله ، وفيما كانوا يطوفون بالبيت العتيق إذا هم بزيدٍ وجهاً لوجه ، فعرفوه وعرفهم ، وسألوه وسألهم ، ولما قضوا مناسكهم وعادوا إلى ديارهم أخبروا آباه بما رأوا وحدَّثوه بما سمعوا ، فماذا قال زيد لأقربائه حينما لقيهم وجهاً لوجه ؟ قال : أخبروا أبي أني مع أكرم والد .
 
  عظمة الإسلام تجعل المسلمين لا فرق عندهم بين إنسانٍ وإنسان :
 
سوف ترون بعد قليل كيف أن عظمة الإسلام تجعل المسلمين لا فرق عندهم بين إنسانٍ وإنسان:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(13) ﴾
(سورة الحجرات )
هذا الغلام العبد الأسير الذي اشتري من سوق العبيد ، وقدم لخديجة بنت خويلد ، وقدمته للنبي عليه الصلاة والسلام ، عامله النبي عليه الصلاة والسلام كأحد أولاده تماماً ؛ بل إنه عامله معاملةً تفوق معاملة الأم والأب لابنهما ، قال : أخبروا أبي أني مع أكرم والد .
ما أسرع أن عاد حارثة إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، أَعَدَّ راحلته ، وحمل من المال ما يفدي به فلذة كبده وقرة عينه ، وصحب معه أخاه كعباً ، وانطلقا معاً يَغِزَّانِ الطريق نحو مكة ،  فلما بلغاها دخلا على محمد عليه الصلاة والسلام ، وقالا له : يا ابن عبد المطلب أنتم جيران الله تفكون العاني ، وتطعمون الجائع ، وتغيثون الملهوف ، وقد جئناك في ابننا الذي عندك ، وحملنا إليك من المال ما نفدي به ـ اطلب ما شئت ـ فامنن علينا وفاده لنا بما تشاء ، فقال عليه الصلاة والسلام : من ابنكما الذي تعنيان ؟ قالا : غلامك زيد بن حارثة ، فقال عليه الصلاة والسلام : وهل لكما فيما هو خيرٌ من الفداء أي أفضل ؟ قالا : وما هو ؟ قال : أدعوه لكم فخيروه بيني وبينكم ، فإن اختاركم فهو لكم بغير مال ـ هو ابنكم ـ وإن اختارني فما أنا والله بالذي يرغب عمن يختاره .
الآن دققوا ، ما هي المعاملة التي تلقاها سيدنا زيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إنه حينما جاء أبوه وعمُّه ليأخذاه ويفكا أسره آثر أن يبقى مع النبي ؟ هذا الشيء الذي أتمنَّى أن نعرفه ؛ أن عند المؤمن من الرحمة ، والعدل ، والعطف ، واللطف ، والحرص ، والثقة ، ما يغني عن الأب ، فقالا : والله لقد أنصفت ، وبالغت في الإنصاف ، فدعا محمدٌ زيداً وقال : من هذان ، النبي الكريم قال  :
(( المؤمن كيس فطن حذر وقـّاف لا يعجل))
[كشف الخفاء]
سأل محمد زيداً وقال : من هذان ؟ قال : هذا أبي حارثة ، وهذا عمي كعب ـ إذاً هذا التحقق ـ فقال : قد خَيَّرْتُكَ إن شئت مضيت معهما وإن شئت أقمت معي ، فقال سيدنا زيد من غير إبطاء ولا تردد : بل أقيم معك ، وما أنا بالذي أختار عليك أحداً ، أنت الأب والعم ، فقال أبوه : ويحك يا زيد أتختار العبودية على أبيك وأمك ؟ فقال : إني رأيت من هذا الرجل شيئاً وما أنا بالذي يفارقه أبداً .
 
إكراماً لزيد الذي فقد نسبه إلى النبي بهذه الآية عوَّضَهُ عن ذلك بأن ذكر اسمه في القرآن :
 
النبوة كمال مُطْلَق ، فالحقيقة النبوة شيء يصعب تصوره ، إنسان جاء أبوه وعمه ليفكاه من الأسر ، فيؤثر على أمه وأبيه وعمه النبي عليه الصلاة والسلام ، ولم يكن نبياً بعد ، ولو أن هذه القصة وقعت بعد الرسالة يقول : هذا نبي عظيم ، وسوف يكون له شأنٌ كبير ، وسوف أنتفع منه نفعاً كبيراً ، لا فهذا كان قبل الرسالة ، قبل البعثة ، كان النبي أحد فتيان قريش .
فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام من زيدٍ ما رأى ، أخذه بيده وأخرجه إلى البيت الحرام ، ووقف به بالحجر على ملأٍ من قريش ، وقال :يا معشر قريش اشهدوا إن هذا ابني يرثني وأرثه .
ابن بكل معنى هذه الكلمة ؛ بل إن من لوازم الابن أن يرث أباه وأن يرثه أبوه ، فقال : اشهدوا إن هذا ابني يرثني وأرثه ، فطابت نفس أبيه وعمه وارتاحوا وخلفاه عند محمدٍ ابن عبد الله ، وعادا إلى قومهما مطمئنِّي النفس مرتاحي البال ، ومنذ ذلك اليوم أصبح زيد بن حارثة يدعى في قريش زيد بن محمد ، وبقي اسمه هكذا أمداً طويلاً ، وظل يدعى كذلك حتى بعث النبي صلوات الله عليه ، وأبطل الإسلام التبني حيث قال تعالى :
 
﴿ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ(5) ﴾
(سورة الأحزاب)
فلما جاء الأمر أن يدعىالمتبنى إلى أبيه فالنبي عليه الصلاة والسلام أصبح يناديه زيد بن حارثة ، وقال بعض المفسرين : إكراماً لزيد الذي فقد نسبه إلى النبي بهذه الآية ذكره الله في القرآن ، عوَّضَهُ عن ذلك بأن ذكر اسمه في القرآن ، وهو الوحيد من أصحاب النبي الذي ذكر اسمه في كتاب الله ، والذي نقرأه إلى يوم القيامة .
 
قصة زواج زينب بنت جحش من زيد بن حارثة :  
 
الآن زينب هذه من شريفات قريش ، بنت عم النبي عليه الصلاة والسلام ، حينما بَلَغَ زيدٌ سن الزواج ـ دققوا ـ أية اعتبارات طبقيةٍ في هذه القصة ؟ زيد عبد تبنَّاه النبي ، نسبه إليه ، قال : يرثني وأرثه . فلما شَبَّ عن الطوق وصار في سن الرجال ، زوجه النبي عليه الصلاة والسلام من أشرف فتيات قريش ، زينب بنت جحش ابنة عمته صلى الله عليه وسلم ، لكن زينب ـ وهذا الشيء واقع ـ زينب التي كانت تعتز بنسبها ، وتعتز بجمالها ، وبعقلها ، وبمكانتها ، آلمها أن تكون زوجاً لزيد ، فكرهت وكره أخوها أن تُزَفَّ هذه الشريفة ـ وهذه بالطبع من مخلفات الجاهلية ـ إلى مولىً من الموالي ، وفزعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ألا يلحق بهما العار ، فما كانت بنات الأشراف ليتزوجن من موالٍ وإن أعتقوا ، وقالت زينب فيما قالت : لا أتزوجه أبداً وأنا سيدة أبناء عبد شمس ، والنبي عليه الصلاة والسلام حدَّثها عن زيد ، وعن إسلامه ، وعن مكانته ، وعن علوِّ مقامه عند الله عزَّ وجل ، وعندئذٍ بقيت مترددةٍ إلى أن نزل قوله تعالى :
 
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (36)
( سورة الأحزاب)
وعندئذٍ قبلت زينب الزواج من هذا المولى ، من زيد بن حارثة .
 
 الحكمة من زواج النبي عليه الصلاة والسلام من زينب إلغاء عادة التبنِّي :
 
لكن كما تروي السيرة الحياة لم تكن لتستقر بينهما ، فيبدو أنها ترى نفسها أكبر ، وأشرف ، وأعرق ، وتتوهم أن هناك شخصاً عظيماً يجب أن يكون زوجاً لها ، وعلى كلٍ هذا شأن النساء جميعاً ، قاسى زيدٌ من صَدِّهَا ، وقاسى من ترفُّعِهَا ، وقاسى من اعتزازها بنسبها، فشكا ذلك إلى النبي ، وربنا عزَّ وجل ذكر هذا وقال :
﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ (37)
( سورة الأحزاب)
اصبر ، وأنا أقول لكل إنسان يشكو زوجته أن يصبر ، لماذا ؟ لأنها أم أولاده ، والإنسان حينما يتزوج يجب أن يضع حظوظ نفسه تحت قدمه مراعاةً لمصالح الأولاد ، فلذلك ما كل بيتٍ يقوم على الحب كما قال سيدنا عمر ، قد تقتضي المصلحة أن تبقى هذه معك ترعى أولادها ، وقد تقتضي المصلحة أن تكون هذه على وفاقٍ معها ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :
﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ (37)
( سورة الأحزاب)
لكن ما الذي حدث ؟ الذي حدث أن الله سبحانه وتعالى شاءت حكمته أن يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوج زينب ، في الحقيقة هذا الشيء أنا لا أبالغ إذا قلت : فوق طاقة البشر ، هو زوَّجها من زيد ، وزيد متبنَّاه ، وهو في الجاهلية في أعراف العرب ابنٌ له ، ومن العار الشديد أن يتزوَّج الإنسان زوجة ابنه ، هو ابنه ، لكن الله سبحانه وتعالى أراد بهذا الأمر العظيم أن يلغي عادة التبنِّي ، وأن يلغي ما تعارف العرب عليه من أن المتبنَّى كالابن ، لا .
 
كبر على النبي أمام الناس وأمام من يدعوهم إلى الله أن يتزوج زوجة متبنَّاه :
 
قال تعالى :
﴿ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ(2) ﴾
(سورة المجادلة )
هذا الابن ، هذه ليست أمه وهو ليس ابنها ، لأن علاقة الدم بين الأم وابنها علاقةٌ ثابتة في العلم ، أما هذا فمتبنَّى ، فمثلاً قد يشتهيها ، وقد تقع مفاسد كبيرة ، وقد تختلط الأنساب ، إذا سمحنا أن نعامل المتبنى كما يعامل الابن ، فالله سبحانه وتعالى أراد أن يربي المجتمع الذي عاش فيه النبي عليه الصلاة والسلام ، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام كما يقال كبش الفداء ، أمر زيداً أن يطلِّق زينب ، وأمر النبي أن يتزوجها ، لذلك جاءت الآية :
 
﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ (37)
( سورة الأحزاب)
فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام كبر عليه أمام الناس ، وأمام من يدعوهم إلى الله ، وأمام هذا المجتمع أن يتزوج زوجة متبنَّاه  .
 
﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ (37)
( سورة الأحزاب)
 
قصة زواج النبي الكريم من زينب بنت جحش رضي الله عنها :  
 
النبي عليه الصلاة والسلام تحمَّل من هذه الدعوة الشيء الكثير ، وواجه من جرائها العَنَت قال :
 ((لَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّه وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ، ولَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّه وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلِيّ ثَالِثَةٌ وَمَالِي وَلِبِلاَل طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلاَ مَا وَارَى إِبْطُ بِلاَل )) .
[مسند ابن ماجةعن أنس بن مالك]
زينب هذه حينما زُفَّت إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فيما تروي الكتب ، وحينما بشرت بهذا الزواج تركت عملها ، واتجهت إلى مُصَلاَّها وصلت ركعتين شكراً لله عزَّ وجل ، أي قرت عينها ، وارتاحت نفسها ، ورأت أنها في مقامٍ عظيم شرَّفَهَا الله به ، ولكن هذه المرأة يجب أن نتحدث عنها ملياً لأنها في المستوى التي تطمح إليه ، قالوا : بشرتها امرأةٌ اسمها سلمى ، وقيل : بشرها زيد زوجها ، فهذا أمر الله عزَّ وجل .
لكن من هي زينب ؟ النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن بشرها بأمر الله عزَّ وجل أَوْلَمَ ، وكانت وليمةالعرس كما تروي كتب السير حافلةً ، ذبح النبي الشياه ، وأمر صلى الله عليه وسلم خادمه أنس بن مالك أن يدعو الناس إلى الوليمة ، فترادفوا أفواجاً ، يأكل فوجٌ إثر فوج ، إلى أن قال النبي عليه الصلاة والسلام : يا أنس هل دعوت الناس جميعاً ؟ فقال أنس : يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه ، أي أنها كانت وليمةً حافلةً وهذه من السنة النبوية المطهرة ، أن تولِم عند الزواج .
وأقام المدعوون عند النبي ، وأطالوا في مقامهم ، حتى نزلت آياتٌ سوف نأخذها بعد أسبوعين ، تؤَدِّب أصحاب رسول الله في أن لا يبقوا عند النبي وقتاً يزيد عن الوقت المألوف ، فهو يستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق .
 
مكانة السيدة زينت عند رسول الله وحديث عائشة عنها :   
 
على كل كانت تقول زينب : أنا أكرمكن ولياً ، وأكرمكن سفيراً ، من وليها الذي زوجها ؟ هو الله عزَّ وجل ، كل زوجات النبي تزوجن عن طريق أهلهن ، إلا زينب فقد أمر الله بتزويجها من النبي عليه الصلاة والسلام .
والسيدة عائشة أدركتها الغيرة ، فكانت تقول : كانت زينت أحب نسائه إليه فيما أحسبُ بعدي . وهذا من شأن النساء ، وكانت تقول : لم تكن واحدةٌ من نساء النبي صلى الله عليه وسلم تناصيني غير زينب ، أي زينب كنت أغار منها ، وكانت ترتفع إلى درجةٍ أتمنى أن أكون في هذه الدرجة .
وحينما يسمع النبي عليه الصلاة والسلام من السيدة عائشة بعض التعليقات الناتجة عن غيرتها ، كان يقول متلطفاً : إنها بنت أبي بكر . أي إن أباها أحب الناس إليه ، فأحياناً الإنسان يراعي زوجته بقدر أبيها ، إنها بنت أبي بكر ، فكان يقول كلما سمع منها قولاً فيه تعبير عن غيرتها يقول : إنها بنت أبى بكر .
لكن الشيء الذي يجذب النظر أن الإنسان إذا عرف مقامه عند الله ، وعرف شأنه فلا ينبغي له أن يعتدي على الآخرين ، وقفت زينبُ موقفاً شجاعاً وشريفاً من السيدة عائشة في حديث الإفك ، فرفضت أن تتهم السيدة عائشة بشيء مع أنها ضرَّتُها ، بل إن أخت السيدة زينب كانت تروِّج حديث مسطح لصالح أختها زينب ، وأختها وقفت موقفاً مشرفاً .
وقالت عائشة مرةً : لم أر قط خيراً في الدين من زينب ، إنها أتقانا لله ، وأصدقنا حديثاً ، وأوصل رحماً ، وأعظم صدقةً ، وما سمعت منها شيئاً أكرهه . فهذا موقف مشرف للإنسان ، فإذا وقعت فتنة ، أو ترويج باطل ، يقف الإنسان الموقف الحازم ، ويمسك لسانه عن الخوض في هذه الأكاذيب التي تروج في المدينة .
 
وصف لبعض خصال السيدة زينب رضي الله عنها :
 
النبي عليه الصلاة والسلام قال : إن زينب أوَّاهة ـ أي كثيرة التأوُّه ـ فلما سئل: يا رسول الله وما أَّواهة ؟ قال : الأوَّاه هو الخاشع المتضرع ، ثم تلا عليه الصلاة والسلام قول الله عزَّ وجل :
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ(75)
(سورة هود(
أي شهد النبي عليه الصلاة والسلام لهذه الزوجة بأنها منيبةٌ أوَّاهة ، فمن خصالها العظيمة أنها كانت كريمةً خيرة ، تصنع بيديها ما تحسن صنعه ثم تتصدَّق به على المساكين ، والمرأة التي تتقن حياكة القماش ، أو حياكة الصوف ، أو الخياطة ، تعمل ، وتَجِد ، وتكد ، ثم تنفق من هذا المال على الفقراء والمساكين ، وكان هذا من شأن زينب .
وبعد أن توفي النبي عليه الصلاة والسلام قالت السيدة عائشة : كانت زينب مُعْجِبَةً للنبي عليه الصلاة والسلام ، وكان يستكثر منها ، وكانت صالحةً قوَّامةً ، تعمل بيديها وتتصدق على المساكين ، وقالت أيضاً : ذهبت زينب حميدةً متعبِّدة مفزع اليتامى والأرامل ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول :
((أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا )) .
[الجامع الصغير والدرر المنتثرة عن عائشة]
قالت : فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ، نَمُدُّ أيدينا على الجدار ، ونتطاول ، ونرى من التي تموت أول واحدة ، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب ولم تكن بأطولنا ، فعرفنا حينئذٍ أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال : أطولكن يداً أي أكثركن صدقةً على الفقراء والمساكين ، وفلان يده طويلة في الخير .
سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل عطاءها عشرةآلاف فقالت : اللهم لا يدركني هذا المال في قابل فإنه فتنة ، أنفقته كله على الفقراء والمساكين ، ووقف عمر ببابها مرةً وقال : بلغني ما فرَّقت ، فأرسل إليها ألفاً آخر ، والألف الآخر وزَّعته أيضاً على الفقراء والمساكين.
هذه زوجة النبي عليه الصلاة والسلام ، كانت كريمةً ، شريفةً ، خَيِّرَةً ، عابدةً ، أوَّاهةً ، وهذه العادة ، عادة التبني التي كانت سائدةً في الحياة الجاهلية ، أبطلها الله عزَّ وجل عن طريق هذه الحادثة ، حيث تزوج زيد بن حارثة زينب وهي ابنة عمة النبي ، وبعد حينٍ أمر الله عزَّ وجل النبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوج من زينب ، وهذا الزواج أبطل إلى الأبد عادة التبَنِّي التي كانت سائدة .
 
جوهر الدين طاعة الله عزَّ وجل :  
 
الآن إلى الآيات ، قال تعالى  :
     
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)
( سورة الأحزاب)
في النهاية الدين كله في طاعة الله ورسوله ، وما سوى الطاعة فشيءٌ لا يقدِّم ولا يؤخِّر ، أي أن ثقافتك الإسلامية ، ومعلوماتك الدينية ، وعواطفك الإسلامية ، والمظاهر الدينية في بيتك ، هذه كلها لا تقدم ولا تؤخر ، جوهر الدين طاعة الله عزَّ وجل ، وهذا مستفاد من قوله تعالى :
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ (36)
( سورة الأحزاب)
ليس من شأن المؤمن إذا وجد أمر الله عزَّ وجل ، أو أمر النبي أن يقف متردداً أفعل أو لا أفعل ، وإذا كان هناكتردد فهناك ضعفٌ في الإيمان ، علامة الإيمان الذي يُنَجِّي صاحبه من عذاب الدنيا والآخرة ، أن يكون في الحجم الذي يحمله على طاعة الله ، فإن لم يحملك إيمانك على طاعة الله فهذا الإيمان لا يكفي ، ولذلك : جدد إيمانك ، وأعد حساباتك ، واجلس وفكِّر في هذا الكون ، واقرأ القرآن وتدبَّره ، إلى أن ينمو الإيمان إلى درجة يكفي لحملك على طاعة الله .
 
الآية بخصوص لفظها ولكن يجب ألا نغفل عن عموم معناها وكلماتها :  
 
أنت منهي عن الربا ، وتقول توجد ضرورة في هذا الزمان والأمر الآن غير معقول ، وأين نذهب بما لنا ؟ فالآن الآية واسعة جداً ، وإن كان نزلت في حادثة زينب رضي الله عنها ، حين أمرها الله عزَّ وجل ، أو حين أمر النبي أن يتزوجها ، هذه الآية بخصوص لفظها لا نغفل عن عموم معناها وكلماتها ، فالعبارة لها عموم ، ومن عموم العبارة أن المؤمن إذا وجد أمر الله عزَّ وجل ، أو أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، فلا خيار له في التطبيق أو عدم التطبيق ، وليس هذا من شأن المؤمن .
      
﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)
( سورة الأحزاب)
الضلال مبين ، والطريق واضح ، فمثلاً لو وجد طريق عريض جداً وعليه لوحة على عرضه تماماً ، مرتفعة ، فوسفورية ، كل حرف طوله ثلاثة أمتار ، أن الجهة الفلانية من اليمين ، فتابع الطريق مستقيماً ، هذا ضلال مبين ، لوحة كبيرة متألِّقة ، مُشِعَّة ، فوسفوريَّة ، توضح كل شيء ومع ذلك ضللت الطريق ، فهذا ضلال مبين ، فاحكم على كل إنسان يعصي الله عزَّ وجل ويحيد عن طريق الحق أنه ضالٌ ضلالاً مبيناً ، قال تعالى :
 
﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123)
((سورة طه
لا يضل عقلهولا تشقى نفسه.
 
من الجهل أن تقول عن المتبنى هذا ابني فهذا تضليل وتزوير ولعبٌ بدين الله عز وجل :
 
قال تعالى :
      
﴿ وَإِذْ تَقُولُ (37)
( سورة الأحزاب)
يا محمد ، أعلى درجات النزاهة:
 
﴿ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ (37)
( سورة الأحزاب)
وهو زيد :
      
﴿ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ (37)
( سورة الأحزاب)
أنعم الله عليه بالهدى ، وأنعمت عليه بالعتق والتبني :
      
﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ (37)
( سورة الأحزاب)
يا محمد :
﴿ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ (37)
( سورة الأحزاب)
هذا الحق أحق أن يُتَّبَعَ ، وهذه العادة يجب أن تُلغى ، وهذا السلوك المنحرف يجب يبطُل ، وهذا المتبنى غير الابن ، وهذه ليست أمه وهو ليس ابنها ، وهذه ليست أخته ، فإذا جاء الإنسان بولد صغير وتبنَّاه في البيت ، وشَبَّ هذا الصغير ، من الجهل والخطأ أن تقول : هذا ابني ، وهذا أخته فلانة ، وأمه فلانة ، فهذا تضليل ، وتزوير ، ولعبٌ بدين الله عزَّ وجل ، فالابن ابن ، والمتبنى متبنى ، ولا يمكن أن يتساوى الشيئان .
 
يجب أن يطبَّق الشرع تماماً وإن كان مخالفاً للأعراف والتقاليد :   
 
قال تعالى :
﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ (37)
( سورة الأحزاب)
أي أن الأعراف والتقاليد لها تأثير ، وهو يدعو إلى الله ، وهو مثل أعلى في الكمال ، ماذا يقول الناس عن النبي حينما يتزوَّج زينب زوجة متبناه ، ماذا يقول ؟ خشي على سلامة الدعوة ، وخشي على لغط الناس ، وان يتكلموا في حقه ما ليس بواقع ، فقال الله عزَّ وجل مسلياً النبي عليه والسلام :
﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا (37)
( سورة الأحزاب)
لماذا كل هذه القصة ؟ وهذه الأزمة ؟ والطلاق والزواج ؟ قال :
 
﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37)
( سورة الأحزاب)
أي يجب أن يطبَّق الشرع تماماً ، المتبنى شيء والابن شيء آخر .
 
ربنا عزَّ وجل جعل النبي يدفع الثمن ليبطل هذه العادة المتفشية في الجاهلية وهي التبني :   
 
قال تعالى :
      
﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37)
( سورة الأحزاب)
هذا الذي يجب أن يتم ، فالآن استنباطاً من هذه القصة ، ليس للإنسان الحق في أن يقول : فلانة مثل أختي ، وهذه مثل أمي ، أم رفيقه مثل أمه ، وهذه مثل أختي ، وهذه تخاوينا بالله ، وهذه مثل ابنتي ، وهذه مثل أختي ، وهذه مثل أمي ، هذا كله كلام فيه ضلال ، وربنا عزَّ وجل جعل النبي عليه الصلاة والسلام وهو أعزُّ الخلق عليه ، جعله يدفع الثمن ، ويقف هذا الموقف الحرج ، ليبطل هذه العادة المتفشية في المجتمع الجاهلي ، فنحن إذا عدنا إلى مثل هذه العادات فقد عدنا إلى جاهليةٍ أخرى ، فالمحارم محارم ، والأجنبيات أجنبيات ، الأجنبية تشتهى ، ولو بصداقة ، أو جوار ، أو قرابة بعيدة ، أو علاقات حميمة ، الأجنبية تُشْتَهَى ، فلو أن بنتاً صغيرةً تبنيتها ونشأت في حجرك ، وأنت أبوها بالتبني ، وهذا أخوها بالتبني ، هذا ليس أباً وهذا ليس أخاً ، وربما وقعت الفواحش في البيت الواحد من عادة التبني فلذلك سيدنا عمر كما يقال : كان وقافاً عند حدود الله .
إذاً ربنا عزَّ وجل لحكمةٍ أرادها علل السبب ، لماذا كانت هذه القصة ؟
     
﴿ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ (37)
( سورة الأحزاب)
زينب زوجة متبنَّى النبي ، جاء الأمر أن تطلق ، وجاء الأمر أن يتزوجها النبي ، وهو في حكم ابنه في العادات والتقاليد ، لكن الشرع شيء والعادات والتقاليد شيء آخر.
 
المؤمن ليس عبداً للعادات والتقاليد التي تعارف الناس عليها وليست في الشرع :    
 
قد تأتي العادات موافقةً للشرع ، فمرحباً بها ، فلا يوجد مانع ، فمن العادة أن نزور بعضنا ، بعض الزيارات ، وبعض المساعدات أي عادةٍ اجتماعيةٍ يقرها الشرع أكرم بها من عادة ، أما حينما تنفصل العادات عن الشرع فيجب أن نركلها بأقدامنا وأن نتبع الشرع، لذلك المؤمن ليس عبداً للعادات والتقاليد التي تعارف الناس عليها وليست في الشرع فهذا مرفوض ، وهذا الاختلاط في الأسر ، نحن بيت واحد وهكذا ربينا ، وهكذا نشأنا ، وهكذا أبونا علمنا ، ونحن أسرة واحدة ، هناك أصهار متعددون ، وزوجات متعددات ، ويبدين محاسنهن أمام الأجانب بحكم العادات والتقاليد ، وهذا كله ليس من الدين في شيء ، وما هذه القصة التي جعلها الله قرآناً إلا من أجل ألا نقع في هذه المتاهات مرةً ثانية ، وقد نعود إليها بسبب ضعف الإيمان ، وضعف اليقين ، وضعف معرفة أمر الله عزَّ وجل ، قال تعالى :
﴿ مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38)
( سورة الأحزاب)
حينما أمر الله النبي أن يتزوَّج زينب ما كان عليه من حرج ، ولذلك فالحق لا يستحيا منه ، والحلال والمباح لا يستحيا منهما ، فهناك أحياناً إنسان يكون عنده زوجة لا تنجب ، فتجعله يختار اختياراً صعباً ؛ إما أن يطلِّقها ، وإما أن يصبر عليها ، الله سمح له بزوجة ثانية وهذا ليس خلافاً للشرع ، لتبقى عنده وليحسن إليها ، ولينجب من الثانية أولاداً ، فالحلال لا يستحيا منه ، والحق لا يخاف منه ، والحلال ما أحلَّه الله ، والحرام ما حرَّمه الله ، وحينما تختلف العادات والتقاليد مع الشرع ، يجب أن نركل العادات والتقاليد بأقدامنا وأن نتبع الشرع ، أما الذين يتبعون العادات والتقاليد على حساب الشرع ، فهؤلاء ما عرفوا الله ، وفي إيمانهم ضعف ، وقد ضلوا ضلالاً مبيناً .
والحمد لله رب العالمين
*   *   *
 
تعليقٍ ختامي لهذه الآيات :  
 
كتعليقٍ ختامي لهذه الآيات   :
 
1 ـ أنت مخيَّر في أن تؤمن أو لا تؤمن لكنك إذا آمنت بالله فلست مخيراً أن تنفذ أو لا :
أولاً : أنت مخيَّر في أن تؤمن أو أن لا تؤمن ، ولكل شيءٍ ثمن ، لكنك إذا آمنت بالله عزَّ وجل لست مخيراً أن تنفذ أو أن لا تنفذ ، لأن الله عزَّ وجل يقول بعموم اللفظ :
 
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (36)
( سورة الأحزاب)
معصية الله عزَّ وجل ، دليل عدم الإيمان به:
     
﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)
( سورة الأحزاب)
2 ـ المتبنى شيء والابن شيء آخر ، والشرع شيء والعادات والتقاليد شيء آخر :
الشيء الآخر : كما قال عليه الصلاة والسلام    :
(( اتقوا الدنيا واتقوا النساء ، فإن إبليس طلاع رصاد وما هو بشيء من فخوخه ـ فخوخ جمع فخ ـ بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء)) .
[كنز العمال عن معاذ]
أي أن النساء كما قال عليه الصلاة والسلام  :
(( النساء حبائل الشيطان)) .
[فيض القدير شرح الجامع الصغير]
كل كلامٌ يلقى : أن هذه مثل أختي ، وهذه مثل ابنتي ، وتخاوينا في الله ـ كما قلت قبل قليل ـ هذه لا يؤثر ، وهذه تؤثِّر ، وهذه لا تصير ، وهذه تصير ، هذا كله كلام خلاف الشرع ، فالأجنبية أجنبية ، والمحارم محارم ، والتي أباح الله لك أن تراها أبيح لك أن تراها ، والتي أمرك أن تغُضَّ البصر عنها يجب أن تغض البصر عنها ، لأن الحق أحق أن يُتَّبع .
فلذلك هذه قصة ولكن تعاد ألف مرة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان هو بطل هذه العادة ، وقد جعله الله عزَّ وجل قدوةً لنا ، زواجه من زينب زوج متبنَّاه ، إبطالٌ نهائي لهذه العادة .
والحمد لله رب العالمين
 
 

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب