سورة الأحزاب 033 - الدرس (12): تفسير الأيات (39 – 48) غزوة الأحزاب

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الأحزاب 033 - الدرس (12): تفسير الأيات (39 – 48) غزوة الأحزاب

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الأحزاب

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الأحزاب ـ (الآيات: 39 - 48) - غزوة الأحزاب

02/06/2012 18:36:00

سورة الأحزاب (033)
الدرس (12)
تفسير الآيات : (39 ـ 48)
غزوة الأحزاب
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني عشر من سورة الأحزاب .
 
الدعاة ليس من شأنهم أن يضيفوا عليهم أن يبلِّغوا :
 
وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى  :
      
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)
( سورة الأحزاب)
بادئ ذي بدء من قوله تعالى  :
 
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ (39)
( سورة الأحزاب)
أي أن هؤلاء الدعاة ليس من شأنهم أن يضيفوا ، عليهم أن يبلِّغوا ، كما قال سيدنا الصديق رضي الله عنه : " إنما أنا متَّبع ولست بمبتدع " .
الرسالات ، رسالات الله عزَّ وجل ، توضَّحت ، وتحدَّدت ، حينما قال الله عزَّ وجل :
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا(3) ﴾
(سورة المائدة )
 
 عدد القضايا التي عالجها القرآن والسُنَّة والتي نهى عنها القرآن والسُنَّة عددٌ تام :
 
في هذه الآية  :
 
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا(3) ﴾
(سورة المائدة )
قال العلماء : التمام شيء ، والكمال شيءٌ آخر ، التمام عددي ، والكمال نوعي ، أي أن عدد القضايا التي عالجها القرآن وعالجتها السُنَّة عددٌ تام ، ما غادر القرآن ولا السُنَّة قضيَّةً تتعلَّق بعلاقة الإنسان مع ربِّه وبسعادته في دنياه وأخراه إلا وجاء بها القرآن ، أي أنه ليس في القرآن نقص ، وإن الله أمر بأشياء ، ونهى عن أشياء ، أمر بأشياء أي أن سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة متوقِّفةٌ على الأشياء التي أُمِرَ الإنسان بها ، وشقائه في الدنيا والآخرة متعلِّقٌ بالذي نُهِيَ عنه ، وهناك حكمةٌ مطلقةٌ من أمر الله ، وحكمةٌ مطلقةٌ من نهي الله ، وهناك حكمةٌ مطلقةٌ مما سَكَتَ عنه الله ؛ حكمةٌ في الذي أمر ، وحكمةٌ في الذي نهى ، وحكمةٌ في الذي سكت ، أمركم بأشياء ، ونهاكم عن أشياء ، وسكت عن أشياء ، هذا معنى قوله تعالى :
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا(3) ﴾
(سورة المائدة )
أي أن عدد القضايا التي عالجها القرآن والسُنَّة عددٌ تام ، وعدد القضايا التي نهى عنها القرآن والسُنَّة عددٌ تام .
 
كل الذين يأتون بعد رسول الله تنحصر مهمَّتهم في التبليغ لا في الإضافة ولا في الابتداع :
 
الآن معالجة القرآن والسنة لموضوعٍ في حياتنا معالجةٌ كاملة ، فأحياناً بعض الكتب تُفَصِّل في موضوع وتختصر في موضوع ، وتوفِّي هذا الموضوع حقَّه ولا توفي هذا الموضوع حقَّه:
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا(3) ﴾
(سورة المائدة )
إذاً كل الذين جاءوا بعد النبي عليه الصلاة والسلام لا يستطيعون أن يضيفوا شيئاً ولا كلمة ـ إنما أنا متَّبِع ولست بمبتدع ـ وأيَّةُ إضافةٍ أُضيفَت على الدين فهي باطلة ، وأي حَذْفٍ حُذِفَ من الدين فهو باطل ، وأي تأويلٍ على غير ما أراد الله عزَّ وجل فهو باطل ، والدين متى يشوَّه ؟ إذا أضيفت إليه إضافات ، أو حُذِفت منه أشياء ، أو أوِّل على نحوٍ لا يرضي الله عزَّ وجل ، هذا الكلام مما يفهم من قوله تعالى :
 
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا(3) ﴾
(سورة المائدة )
إذا واجهك إنسان برأيٍ ، أو بحكمٍ ، أو بطريقةٍ ، أو بقاعدةٍ ، أو بمبدأٍ ليس مغطىً في كلام الله عزَّ وجل ولا في سُنَّة النبي ، لا ينبغي لك أن تقبله ، وما حجَّتك ؟ لأن الإسلام كامل ، قال تعالى :
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا(3) ﴾
(سورة المائدة )
إذاً كل الذين يأتون بعد رسول الله إلى يوم القيامة تنحصر مهمَّتهم في التبليغ ، لا في الإضافة ، ولا في الزيادة ، ولا في الابتداع .
 
دعوة الإنسان عليها أن تكون مُنَزَّهَةً عن كل غرضٍ دنيوي : 
 
لذلك كل إنسان أضاف في الدين ما ليس منه فهو مبتدع ، والمبتدع ينبغي أن يُحَذَّرَ منه ، والمبتدع هو الذي يضيف على الدين شيئاً ليس منه ، هذا يفهم من قوله تعالى :
 
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ (39)
( سورة الأحزاب)
أنت مبلِّغ ، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام إذا وقفت أمام قبره الشريف ماذا تقول ؟ تقول : " السلام عليكَ يا سيدي يا رسول الله ، أشهد أنك أَدَّيْتَ الأمانة ، وبلَّغت الرسالة ، ونصحت الأمَّة ، وكشفت الغُمَّة ، وجاهدت في الله حقَّ الجهاد " ، قال تعالى :
 
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ (39)
( سورة الأحزاب)
هؤلاء الذين يبلِّغون رسالات الله ، وصفهم الله في آياتٍ كثيرة ، قال  :
 
﴿ قَال يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21) ﴾
((سورة يس
يجب أن تكون الدعوة مُنَزَّهَةً عن كل غرضٍ دنيوي .
 
أولي العلم يشهدون عدالة الله عزَّ وجل وكمال رسوله ودعوته وكلامه : 
 
إذا كانت الدعوة متلبِّسَةً بغرضٍ دنيوي ، فالدعوة عندئذٍ يُشَكُّ في صحَّتها ، سيدنا إبراهيم :
 
﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا(124)
(سورة البقرة )
متى جعله للناس إماماً ؟ بعد أن أتمَّ كلمات الله ، فطاعة الله هي كل شيءٍ ، قبل أن تدعو إليه يجب أن تكون مُنَزَّهَاً عن أية مصلحةٍ دنيويَّةٍ ، وعندما قال ربنا عزَّ وجل في آياتٍ أخرى  :
 
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ(18)
(سورة آل عمران)
أي أن أولي العلم يشهدون عدالة الله عزَّ وجل ، وهذه علامةٌ من علاماتهم:
 
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي(108)
(سورة يوسف)
يجب أن تشهد للناس بعدالة السماء ، وبكمال الله ، وبكمال رسوله ، ودعوته ، وكلامه:
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ(18)
(سورة آل عمران)
 
الله عزَّ وجل في كل أمرٍ أمرنا به جاء التعليل بعده :
 
قال :
 
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ(108)
(سورة يوسف)
دعوة على بصيرة ، الأوامر معلَّلة ، والنواهي معلَّلة ، ولو حُذِف التعليل من أوامر الله ونواهيه لانقلب الدين إلى طقوس وحركات لا معنى لها ، ولكن الله عزَّ وجل في كل أمرٍ أمرنا به جاء التعليل بعده :
 
﴿ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ(45)
(سورة العنكبوت)
وقال :
 
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183)
(سورة البقرة)
وقال :
 
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ(103)
(سورة التوبة)
إذاً هذه  :
 
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي(108)
(سورة يوسف)
 
الاستقامة ركنٌ أساسيٌ في الدعوة إلى الله عزَّ وجل :
 
قال تعالى  :
 
﴿ قَال يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)
((سورة يس
ومعنى قول الله عزَّ وجل  :
 
﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا(124)
(سورة البقرة)
إذاً هناك إشاراتٌ في القرآن الكريم ، الاستقامة ركنٌ أساسيٌ في الدعوة إلى الله عزَّ وجل لقوله تعالى  :
 
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ(112)
(سورة هود)
إنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، أن تقول : يا أخي هذا نبي وأنا لست نبياً ، من قال لك ذلك ؟ إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، ولكن هذه الآية فيها دقَّةٌ بالغة ، وهو أن الله عزَّ وجل حينما وصف هؤلاء الذين يبلِّغون رسالات الله ، بماذا وصفهم هنا في هذه الآية ؟ بأنهم يخشونه .
والحقيقة متى يخشى الإنسان الله ؟ إذا رأى أن الأمر كلَّه له ،فإذا رأى أن الأمر لله ولغيره ، خشي الله وخشي غيره ، فصار في شرك .
 
حينما تخشى غير الله فهناك نقصٌ في التوحيد : 
 
حينما تخشى غير الله فاعلم علم اليقين أن هذا نقصٌ في توحيدك ، الحقيقة يمكن أن تتعلَّم أمر الله ، وأن تذكر دقائقه وجزئيَّاته ، ولكن تعلُّم أن أمر الله شيء والتوحيد شيءٌ آخر ، فالتوحيد أن تعرفه ، وأمر الله يجب أن تعرفه أيضاً ، لكن قد تكون معرفتك بأمر الله أكبر من معرفتك بالله عزَّ وجل ، ولذلك مع أنك تحمل العلم الشريف وتخشى غير الله ، وترضي غيره على حساب دينك ، إذاً حينما تخشى غير الله فهناك نقصٌ في التوحيد ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد ، بل إن نهاية العلم التوحيد ، ودائماً وأبداً أذكر لكم هذا المثال أنت إذا أيقنت أن هذا الطلب لا يوافق عليه إلا فلان من بين آلاف الموظَّفين ، وهو المدير العام ، وليس لك مصلحةٌ أن تقف على باب إنسانٍ آخر ، ولا أن ترجوه ، إذا أيقنت أنه لا يعطيك الموافقة إلا المدير العام مثلاً ، إذاً أنت تقطع كل علاقاتك بكل الموظَّفين وتتجه إلى من بيده الأمر ، هذا مثل ، وأنت إذا أيقنت أن أمرك كلَّه بيد الله لا بيد زيدٍ أو عُبيد قطعت آمالك ، وتعلُّقاتك ، وطموحاتك ، ورجاءك ، ورغبتك مما سوى الله ، وتوجَّهت إلى الله وحده.
إذاً الخوف من غير الله عزَّ وجل ، أو عدم الإخلاص لله عزَّ وجل هذه كلها أعراض مرضٍ واحد ، وهذا المرض هو الشرك أو نقصٌ في التوحيد ، إذاً كلَّما رأيت إنساناً يرضي إنساناً ويعصي خالقاً ، يرضي مخلوقاً ويعصي خالقاً ، يطيع زيداً على حساب دينه ، أو على حساب أمرربِّه ، فاعلم أن هذه الطاعة جاءت بدافع الخوف منه ، ولماذا خاف منه ؟ لأنه رأى أن له قوةً يبطش أو يعطي بها ، إذاً دخل الشرك في الموضوع ، فلذلك ليس من السهولة أن تكون موحِّداً ، وليس من السهولة أن لا ترى إلا الله ، وليس من السهولة أن ترى يد الله فوق أيديهم.
 
حينما تقف أمام أمر الله عزَّ وجل فإيمانك بعظمة الله يقتضي أن تسلِّم أمرك له :
 
قال تعالى :
 
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ(123)
(سورة هود)
هذا هو الدين ، ألا ترى مع الله أحداً ، وأن ترى أن المعطي والمانع ، والمعز والمذل ، والباسط والقابض هو الله وحده ، لذلك جاءت هذه الآية  :
 
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ (39)
( سورة الأحزاب)
معنى يبلِّغون أي مهمَّتهم التبليغ ، وليس التشريع ، وليست الإضافة ، ليس لهم إلا أن يبلِّغوا ، حتى أن بعضهم قال : " نصائح ثلاث تُكْتَب على ظفر ؛ اتبع لا تبتدع ، اتضع لا ترتفع ، الورع لا يتسع "
اتبع ، أنت مع تعليمات خالق الكون ، وكما قلت في الدرس الماضي عن قوله تعالى :
 
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ(36)
(سورة الأحزاب)
أنت مهما أُوتيت من عقلٍ راجح ، ومهما أُوتيت من ذكاءٍ لمّاَح ، لا يستطيع عقلك أن يفوق في فهمه ، أو يفوق في إدراكه ، أو أن يفوق فيما يُشَرِّع تشريع الله عزَّ وجل ، أنت مخلوق والله هو الخالق ، وأنت محدود والله هو اللامحدود ، وأنت حديث والله هو القديم ، وأنت جاهل والله هو العليم ، فلذلك حينما تقف أمام أمر الله عزَّ وجل ، فإيمانك بعظمة الله يقتضي أن تسلِّم له .
 
الداعية إلى الله حينما يخشى غير الله انتهت دعوته وسقطت : 
 
قال تعالى :
 
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ (39)
( سورة الأحزاب)
وكلمة رسالات جاءت جمعاً ، أي هناك عقائد ، وعبادات ، ومعاملات ، وآداب ، وسنن ، وأخبار ؛ أخبار السابقين ، وأخبار اللاحقين ، وإيمان بالله ، وبالرسل ، وإيمان بالملائكة ، وبالقدر خيره وشرِّه ، وبالصلاة ، وأحكام الصلوات ، والصيام ، والحج ، والزكاة، وأحكام البيوع ، والطلاق ، والزواج ، وآداب الإسلام ، إذاً رسالات :
      
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ (39)
( سورة الأحزاب)
لمجرَّد أن تخشى غير الله أُلغيت مهمَّتك ، وسقطت دعوتك ، وأصبحت على هامش الحياة ، لأنه بمجرَّد أن تخشى غير الله فسوف ترضي غير الله ، بأن تقول كلاماً يرضي غير الله ولا يرضي الله ، أو أن تسكت عن شيء يرضي هذا السكوت غير الله ولا يرضي الله ، فإذا سكتَّ عن الحق إرضاءً لغير الله ، وإذا نطقت بالباطل إرضاءً لغير الله ، فماذا بقي من إبلاغ رسالات الله ؟ انتهت ، فهذه صفةٌ مانعةٌ جامعةٌ إذا أُلغيت ألغي الموضوع وانتهى الأمر ، فلذلك حينما يخشى الداعية إلى الله غير الله انتهت دعوته ، وسقطت ، وانتهى كل شيء .
 
لا ينضبط الإنسان إلا بثلاث حقائق : إذا أيقن أن الله موجود وأنه يعلم وأنه سيحاسِب :  
 
قال تعالى :
      
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)
( سورة الأحزاب)
كفى بالله حسيباً ، هو سيحاسِب ، وهو يعلم حقيقة الأمر ، ويعلم باطنه ، ويعلم السر والجَهَر ، ويعلم النيات ، والأهداف ، والطموحات ، والملابسات ، هذا كلُّه يعلمه وسوف يحاسب عليه .
لذلك قال بعضهم : الحمد لله على وجود الله ، على أن الله موجود ، وعلى أن الله يعلم ، وعلى أنه سيحاسِب ، والحقيقة لا ينضبط الإنسان إلا بثلاث معلومات أو ثلاثة حقائق : إذا أيقن أن الله موجود ، وأن الله يعلم ، وأن الله سيحاسِب ، هذه جاءت في قوله تعالى :
 
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى(39)وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى(40)ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى (41)
(سورة النجم)
ليس لك إلا ما سعيت ، وهذا السعي في علم الله ، وسوف تجزاه الجزاء الأوفى ، ففي سورة النجم يقول الله عزَّ وجل :
 
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى(31)
(سورة النجم)
 
من لوازم إيمانك بالله أنك تغار على الخلق وتحبُّهم وتهديهم إلى سواء السبيل :
 
علَّة وجودك في الدنيا أنك مُبْتَلَى ، وأنَّك ممتَحَن ، وسوف تُجزى بكل عملٍ فعلته ولذلك ورد في بعض الأحاديث أن الله عزَّ وجل يقول :
(( وعزَّتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحبُّ أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها ، سقماً في جسده ، أو إقتاراً في رزقه ، أو مصيبةً في ماله أو ولده حتَّى أبلغ منه
 
 مثل الذر ، فإذا بقي عليه شيء شدَّدت عليه سكرات الموت حتَّى يلقاني كيوم ولدته أمُّه .))
[ورد في الأثر ]
قال تعالى :
      
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)
( سورة الأحزاب)
توجد نقطة دقيقة ، هي أن المؤمن كأنه وعاء ، إذا امتلأ فاض على من حوله ، فحينما لا تهتم بأمر الناس ، ولا يعنيك أمر دينهم ، ولا أمر توبتهم ، ولا أمر هدايتهم ، تقول: ما لي وللناس ؟ معنى ذلك أن الإناء لا يزال فارغاً ، أما إذا امتلأ لا بدَّ من أن يفيض على الآخرين ، فمؤمن يرى من حوله في ضلال ، أوَ لَا يعنيه أمرهم ؟! ويرى زوجته ، وأولاده ، وإخوانه ، وجيرانه ، وشريكه في العمل في درب غلط ، في طريق الهاوية ويسكت !! فمن لوازم إيمانك بالله أنك تغار على الخلق وتحبُّهم ، أنك تحاول أن تهديهم إلى سواء السبيل .
الإنسان إذا جلس في مسجد علم وأراد أن يستفيد هو وحده شيئاً ، أو جلس في مجلس علم وتعلَّم تفسير آيةٍ ، أو تفسير حديثٍ ، أو أخذ شيئاً من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، إذا أراد أن ينقل هذا الشيء للآخرين فقد فعل شيئاً عظيماً ، لأنه ما من صدقةٍ أعظم من كلمة الحق ، ولأنه من أحياها فكأنه أحيا الناس جميعاً ، فأنت حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، وما أحدث رجلٌ أخاً في الله إلا أحدث الله له درجةً في الجنَّة .
 
النبي عليه الصلاة والسلام لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يخشى إلا الله :  
 
قال تعالى :
 
﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً(120)
(سورة النحل)
أنت كم إنساناً دللتهم على الله ؟ وكم إنساناً أخذت بيدهم إلى الله ؟ وأقنعتهم بأحقيَّة هذا القرآن ؟ وكم إنساناً أقنعته بالاستقامة على أمر الله ؟ كم إنسان استطعت أن تجعله يسلك سبيل المؤمنين ؟ هذا حجمك عند الله .
 
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ (39)
( سورة الأحزاب)
هذا أخ كريم يأتي وحده إلىالمسجد ، وبعد حين تجد أنه جاء مع إخوته ، وشركائه ، وأصهاره ، وأولاد عمِّه ، فصارت مجموعةٌ كبيرة ، هذا هو الخير ، الخير أن تحبَّ الخير للآخرين  .
هذه الآية من عظمة القرآن ، والآن فسَّرناها منفصلة عن السياق :
   
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ (39)
( سورة الأحزاب)
أما في السياق ، أي أن هذا النبي عليه الصلاة والسلام لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يخشى إلا الله :
(( والله يا عم ، لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه )) .
[ السيرة النبوية ]
 
التبني عادة جاهليَّة تؤدي إلى اختلاط الأنساب وإلى الفساد الاجتماعي : 
 
المنافقون حينما تزوَّج النبي عليه الصلاة والسلام بزوجة متبنَّاه زينب بنت عمَّته ، ماذا قالوا ؟ يا للعار أيتزوَّج محمدٌ زوجة ابنه زيد ؟ أشاعوا هذا ، وأرجفوا به في المدينة ، وقالوا متشفين ، فجاء الجواب :
﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ (40)
( سورة الأحزاب)
زيد ليس ابنه ، زيد متبنَّى ، و ليس هناك دمٌ مشتركٌ بينه وبين إخوته ، وليس هو جزءً من أبيه ، أو من أمِّه ، ولذلك فهذا المتبنَّى وجوده في الأسرة خطر ، كانت عادةً جاهليَّةً فهذا ابني ، هذا مثل ابني ، هذه مثل أختي ، هذا كلام يؤدي إلى اختلاط الأنساب ، وإلى الفوضى ، وإلى الخيانات ، وإلى الفساد الاجتماعي ، ولذلك كل من يقول : هذا ابني ، وهو ليس ابنه ، أو هذه مثل أختي ، أو هذه مثل أمي ، فهذا كلامٌ لا أساس له من الصحَّة ، فلذلك :
 
﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ (40)
( سورة الأحزاب)
سيدنا محمدٍ له أولاد ، ولكن ما قال الله : أبا أحدٍ من صغاركم ، قال  :
  
﴿ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ (40)
( سورة الأحزاب)
زيد رجل ، ومحمدٌ ليس أباه ، ومحمدٌ نبيٌ عظيم أكرمه وأعتقه وربَّاه ولكنه ليس أباه .
 
محمدٌ أبٌ للصحابة بالمعنى الاجتماعي أي له عطفه ورعايته ورحمته فهذه أبوَّةٌ معنويَّة :
 
عندما قال ربنا عزَّ وجل  :
 
﴿ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ(5)
(سورة الأحزاب)
كان يسمَّى من باب الوفاء زيد بن محمَّد ، فسمي زيد بن حارثة :
 
﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ (40)
( سورة الأحزاب)
إذا قلنا : محمدٌ أبٌ للصحابة ، لا بالمعنى النسبي ، ولا بالمعنى البيولوجي ـ إن صحَّ التعبير ـ ولكن بالمعنى الاجتماعي ، أي له عطفه ، ورعايته ، ورحمته ، وإشرافه ، فهذه أبوَّةٌ معنويَّة ، أما كأبوة نسب فلا :
      
﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ (40)
( سورة الأحزاب)
زيد ليس ابنه ، ولا غير زيد ، وليست المؤمنات بناته ، لو أنَّهنَّ بناته لَحَرُمَ عليه الزواج منهن ، فلا الرجال أولاده ولا النساء بناته ، ولكنه رسول الله وخاتم النبيين ، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء بهذا القرآن العظيم ، وبهذه الرسالة ، هو رسول الله وخاتم النبيين ، وليس أبا أحدٍ من رجالكم ، ولا من بناتكم .
 
خاتم النبيين أي آخر النبيين ولا نبيَّ بعدهوكل من يدَّعي أن بعد النبيِّ نبيَّاً فهو ضالٌ يقيناً :
نساء النبي أمَّهات المؤمنين ، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى حرَّم على نسائه من بعده أن يتزوجهنَّ أحد ، حفاظاً على مكانة النبي ، وشيء آخر أن هذه التي عاشت مع رسول الله لا يمكن أن يطيب لها العيش مع من دونه  ، ولذلك حكم الله عزَّ وجل بأنه جعل نساء النبي أمَّهات المؤمنين ، بمعنى أنه لا يجوز لمؤمنٍ أن ينكح زوجةً من أزواج النبي من بعده أبداً .
إذاً الحكم الشرعي : أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس أباً لواحدٍ من المؤمنين ، وإذا قلنا : إنه كالأب فهذا من باب العطف ، والرعاية ، والإكرام ، والرحمة ، والشفقة ، والاهتمام ، أما أن يكون أباً بالمعنى النسبي فهذا ليس صحيحاً ، وليس أباً للمؤمنات ، والدليل أنه تزوَّج من النساء الكثيرات ، ولو كان أباً للمؤمنين لما حُقَّ له الزواج من بناته ، لكن نساءه أمَّهات المؤمنين ، وهذا من باب التقديس ، والتعظيم ، والصَوْنِ ، والحفاظ على مكانته صلَّى الله عليه وسلَّم ، ورعايةً لمصالح المؤمنات أمَّهات المؤمنين من بعده ، قال تعالى :
      
﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ (40)
( سورة الأحزاب)
أما خاتم النبيين ، أي أن هذه الآية أجمع العلماء من دون استثناء ، وهذا الإجماع الذي يأتي بعد القرآن والسنَّة ، هو المصدر الثالث ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام  :
(( إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ )) .
[ ابن ماجه عن أنس]
وقد أجمع العلماء قاطبةً أن معنى هذه الآية أنه خاتم النبيين ، أي آخر النبيين ولا نبيَّ بعده ، وكل فرقةٍ ضالةٍ تدَّعي أن بعد النبيِّ نبيَّاً فهي فرقةٌ ضالةٌ يقيناً ، يعلِّلون أن الخاتم من الختم ، لا ، خاتم يعني آخر النبيين قولاً واحداً بإجماع العلماء .
 
الله عزَّ وجل يخاطب الناس بكليَّات الدين وأصوله ويخاطب المؤمنين بفروعه :
 
قال تعالى :
﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40)
( سورة الأحزاب)
والآن توجَّه الخطاب إلى المؤمنين فقال الله عزَّ وجل  :
      
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)
( سورة الأحزاب)
وتعلمون من قبلُ أن الله عزَّ وجل يخاطب الناس بكليَّات الدين ، وأصوله ، ويخاطب المؤمنين بفروعه ، والآن الخطاب للمؤمنين ، يا من آمنت بالله ، المشكلة أنه إذا آمنت بالله ماذا فعلت ؟ نقطة دقيقة جداً ، فإذا قلت : أنا تفكَّرت وفكَّرت ، وتأمَّلت ، وتحقَّقت ، ودرست ، وسهرت الليالي ثمَّ وجدت أن هذه الشمس ساطعة ، نقول له : ماذا أضفت ؟ وماذا فعلت ؟ فالشمس ساطعة اعترفت بها أم لم تعترف ؟ فإن قلت ساطعة هي ساطعة ، وإن قلت ليست ساطعة فهي ساطعة ، لكن الإيمان فوائده كبيرة ومما يأتي بعد الإيمان من التحرُّك نحو الله عزَّ وجل .
هذا يؤكِّد أن أحد الأعراب جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال : يا نبي الله جئتك لكي تعلِّمني من غرائب العلم ، قال : " وماذا صنعت في أصل العلم ؟ " قال : وما أصل العلم ؟ قال :" هل عرفت الرب ؟ " قال : ما شاء الله ، قال : " فماذا صنعت في حقِّه ؟ " .
هذا السؤال ، فأنت تقول : أنا مؤمن بالله ، أنا عرفت الله ، أنا مؤمن والحمد لله .
ولكن ماذا صنعت في حقِّ الله ؟ ما الموقف الذي يؤكِّد إيمانك ؟ هل أعطيت لله ؟ وهل منعت لله ؟ وهل وصلت لله ؟ وهل قطعت في الله ؟ وهل واليت في الله ؟ وهل عاديت في الله ؟ وهل أنفقت في سبيل الله ؟ وماذا فعلت ؟ ماذا فعلت استناداً لإيمانك بالله ؟
قال له : " فماذا صنعت في حقِّه ؟ " قال له : ما شاء الله ، قال له : " هل عرفت الموت ؟ " قال له : ما شاء الله ، قال له : " فماذا أعددت له ؟ "
سؤال آخر خطير ، هل منَّا واحدٌ إلا وهو موقنٌ أنه سيموت ؟ فالسؤال الآن : ماذا أعدَّ للموت ؟ ماذا أعدَّ لأنكر ونكير ـ كما يقولون ـ ؟ ماذا أعدَّ ليوم الحساب ؟
قال له : يا بشر لا صدقة ولا صيام ولا صلاة فبما تلقى الله إذاً ؟ 
 
أحد أوامر الله عز وجل أن تذكره ذكراً كثيراً :
 
هناك سؤال دقيق هو : ما الشيء الذي أعددته كي تلقى الله به ؟ الإنسان أحياناً يزمع أن يزور شخصاً ؛ أنجب مولوداً ، أو عقد قِراناً ، يقول لك : سأذهب بنفسي ؟ لا يتحمَّل حاله ، هل أعددت هديَّةً تقدِّمها بين يدي هذه الزيارة ، فأنت تلقى الواحد الديَّان ، فقد عشت سنواتٍ طويلة ؛ وأكلت ، وشربت ، وتنعَّمت ، وتزوَّجت ، وأنجبت ، وزوَّجت ، وارتقيت ، واغتنيت ، وفعلت ، وتركت ، ولكن بعد هذه الرحلة الطويلة حينما تأتي الله عزَّ وجل يوم القيامة ، ماذا أعددت لهذا اللقاء ؟ وماذا هَيَّأت ؟
هل هيأت برَّ الوالدين ؟ وهل هيَّأت نُصْحَاً للمسلمين ؟ تفقُّهاً في كلام الله ، ودعوةً إلى الله ، ورعيت الأرامل ، والأيتام ، وعاونت الناس ، فماذا أعددت ؟ هذا السؤال يا إخوان كبير جداً ، هناك حركة يوميَّة تستهلكنا أحياناً ، استيقظنا ، فذهبنا إلى أعمالنا ، وكسبنا المال، جئنا إلى البيت ، وتناولنا طعام الغداء ، ثم نمنا ، ثم سهرنا ، وتسامرنا ، وطرِبنا ، ثم نمنا ، حياةٌ تمضي إلى أن يأتي الخبر السيئ أن فلان انتقل إلى رحمة الله تعالى هذا شيء طبيعي ، فماذا أعددت لله عزَّ وجل ؟ وماذا أعددت للقائه ؟ فلذلك :
  
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا (41)
( سورة الأحزاب)
الآن جاء الأمر ، هذه أحد الأوامر  :
﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)
( سورة الأحزاب)
 
ليس فحوى الأمر أن تذكر الله بل فحوى الأمر أن تذكر الله ذكراً كثيراً : 
 
توجد نقطة في الآية ، هو أن الله عزَّ وجل حينما قال  :
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)
( سورة الأحزاب)
فحوى الأمر ما هو ؟ هل فحوى الأمر أن تذكر الله ؟ لا ، بل فحوى الأمر أن تذكر الله ذكراً كثيراً ، أي إذا كان هناك قصور كلوي وقال لك الطبيب : اشرب كثيراً من الماء ، وأنت تشرب ماء ، فشرب الماء حاصل ، ولكن حينما ألحَّ عليك الطبيب وقال لك : اشرب كثيرا من الماء ، الأمر ينصب لا على شرب الماء بل على كثرة شرب الماء ، وهذه الفكرة دقيقة ، ليس فحوى الأمر أن تشرب الماء ، لا ، هناك قصور كلوي ، لا بدَّ من أن تشرب الماء الكثير ، لا بدَّ من أن تشرب كثيراً ، ضع خط أحمر تحت كثير ، وربنا عزَّ وجل لا يقول : اذكروا الله ، ولكن يقول :
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)
( سورة الأحزاب)
لهذا قال عليه الصلاة والسلام :
(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق)) .
[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
وقد قيل :
(( برئ من الكِبر من حمل حاجته بيده ، وبرئ من الشُح من أدَّى زكاة ماله .))
[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعاً وهو عند ابن لال عن أبي أمامة وقال ابن الغرس ضعيف]
قال تعالى :
      
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)
( سورة الأحزاب)
 
اعلم علم اليقين أن كل شيءٍ تقوله محاسبٌ عليه : 
 
قال عليه الصلاة والسلام    :
(( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا
 
 أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى . قال : ذكر الله وما والاه . ))
[ سنن الترمذي عن أبي الدرداء]
خير أعمالكم اسم تفضيل والحقيقة في التفسير الدقيق ، ذكر الله كلمةٌ واسعةٌ جداً ، أي أنك إذا تفكَّرت في خلق السماوات والأرض فقد ذكرت الله ، وإذا تلوت آيات القرآن الكريم فقد ذكرت الله ، وإذا تلوت الحديث الشريف ، ودرست أبواب العلم الشريف ، وقرأت عن سيرة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسيرة أصحابه الأطهار ، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، وإذا جلست مع أخيك تُذَكِّره بالله فقد ذكرت الله ، فهذه واسعةٌ جداً .
لك أن تذكره بالاسم المفرد كأن تقول : الله ، الله ، الله ، وكلَّما انقطع نفسك قلت : إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلبي ، ولك أن تقول : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، فهذا ذكر ، وأن تدعو الله بما شئت من الأدعية ، وتقرأ كلامه ، وتفكِّر في الكون ، وتأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وتطلب العلم ، وتفهم تفسير القرآن ، فهذا مجلس ذكر :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)
( سورة الأحزاب)
هكذا قال عليه الصلاة والسلام  :
(( أمرني ربي بتسع خشية الله في السر والعلانية ، كلمة العدل في الغضب والرضا ، القصد في الفقر والغنى ، وأن أصل من قطعني ، وأن أعفو عمن ظلمني ، وأن أعطي من حرمني ، وأن يكون صمتي فكراً ، ونطقي ذكراً ، ونظري عبرة )) .
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
فاعلم علم اليقين أن كل شيءٍ تقوله محاسبٌ عليه.
 
اختار الله بكرةً وأصيلاً لأنهما طرفان للنهار مرتبطان بالنوم فاذكر الله فيهما :
 
قال تعالى :
 
﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(18)
((سورة ق
وكل حركة تتحرَّكها مصوَّرة ومسجَّلة ، فإذا قاد أحدهم في طريق مراقب بالرادار تجده منضبطاً ، يقلل السرعة إلى الثمانين لكي لا يلقطوا لنا صورة ، وأنت مع إنسان إذا سجَّل عليك شيئاً تخاف منه ، وهو إنسان عادي وإذا سجَّل عليك كلمةً قلتها ، أو موقفاً فعلته ، أو صوَّره لك ، وطالبك بالمسؤوليَّة فأنت تخاف منه ، فكيف مع الواحد الديَّان ؟ قال :
      
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)
( سورة الأحزاب)
كثيراً ، الصلاة ذكر ، والدعاء ذكر ، والاستغفار ، وتلاوة القرآن ذكر ، فنوِّع ، أكثر ونوِّع ، وكل شيء له طعم ؛ فالتفكُّر له طعم ، والقرآن له طعم ، والحديث له طعم ، والاستغفار ، والابتهال ، والتهجُّد ، والدعاء ، وتعلُّم العلم ، والفقه ، والسيرة ، والآداب الإسلاميَّة ، فهذا كلُّه ذكر :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)
( سورة الأحزاب)
لماذا اختار الله بكرةً وأصيلاً ؟
      
﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)
( سورة الأحزاب)
البكرة والأصيل طرفان للنهار مرتبطان بالنوم ، أي لا تكن غافلاً ، أي اذكر الله عزَّ وجل صباحاً ومساءً ، طرفي النهار.
 
التسبيح هو التنزيه والتمجيد أي نَزِّهُهُ عما لا يليق به ومَجِّد أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى : 
 
قال تعالى :
 
﴿ وَسَبِّحُوهُ (42)
( سورة الأحزاب)
التسبيح بمعنى التنزيه ، سبحان الله ، التسبيح هو التنزيه والتمجيد ، أي نَزِّهُهُ عما لا يليق به ، ومَجِّد أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى :
      
﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)
( سورة الأحزاب)
أي كل يوم ، ولذلك فالصلوات خمس:
(( أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ قَالُوا لا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ قَالَ فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ
 
 بِهِنَّالْخَطَايَا )).
[ صحيح مسلم عن أبي هريرة]
قال تعالى  :
﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ (43)
( سورة الأحزاب)
أنت إذا صلَّيت ـ للصلاة تعريف ـ أنت إذا صليت اتصلت بالله عزَّ وجل لتقتبس من نوره ، ولتقتبس من رحمته ، ومن كتابه ، فإذا وقفت في الصلاة وقرأت القرآن بعد الفاتحة فهذا أمر الله وإذا ركعت خضعت ، وإذا سجدت استعنت ، وإذا كبَّرتَ كبَّرت ، وإذا حَمِدَّتَ حَمَدَّتَ ، فهذه صلاة العبد .
 
المُصلي لا يغدر ولا يكذبولا يستعلي ولا يظلم لأنه اصطبغ بصبغة الله عزَّ وجل :   
 
لكن صلاة الله عزَّ وجل :
 
﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ (43)
( سورة الأحزاب)
ولنفهم ماذا تعني الصلاة ، قال   :
      
﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (43)
( سورة الأحزاب)
أي أنه يُلْقِي في قلبكم نوراً ترون به الحقَّ حقَّاً والباطل باطلاً ، ويلقي في قلوبكم سكينةً ترتاحون بها ، وفي قلوبكم مكارم الأخلاق ، وعندك بالصلاة ثلاثة أشياء ، الصلاة طهور ، والصلاة نور ، والصلاة مكارم أخلاق ، فالمُصلي لا يغدر ، ولا يكذب ، ولا يستعلي، ولا يظلم لأنه اصطبغ بصبغة الله عزَّ وجل ، قال تعالى  :
 
﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً(138)
(سورة البقرة)
 
المصلي يمتلك رؤية صحيحة وقلباً طاهراً وكاملاً :
 
المصلي اتصل بالله ، والله نور ، فألقي في قلبه النور:
 
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ(28)
(سورة الحديد)
وقال :
 
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)
 (سورة طه )
إذاً المؤمن مستنير بنور الله :
(( اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ))
[ سنن الترمذي عن أبي سعيد الخدري]
الصلاة نور ومعه اصطباغ بصبغة الله عزَّ وجل ، والمؤمن منير رحيم ، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي ، وكلَّما اقتربت من الله عز وجل اصطبغت بالرحمة ، والعدل ، والإنصاف ، واللطف ، والشفقة ، والتواضع ، وكلُّ مكارم الأخلاق من اتصالك بالله عزَّ وجل، فالمصلي يمتلك رؤية صحيحة ، وقلباً طاهراً وكاملاً .
 
مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى فإذا أحبَّ الله عبداً منحه خُلُقاً حسناً :  
 
التخلية قبل التحلية ، تُخَلَّى من كل العيوب ، ومن كل أدران النفس ، ثم يُحلَّى القلب بمكارم الأخلاق ، ومكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى ، فإذا أحبَّ الله عبداً منحه خُلُقاً حسناً ، إذاً  :
 
﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ (43)
( سورة الأحزاب)
أي يتجلَّى عليكم بالسكينة ، فالمؤمن سعيد بقربه من الله ، ومهما ابتغيت السعادة من غير قرب الله عزَّ وجل شقيت وأَشْقَيْتَ ، لا سعادة إلا بالاتصال بالله :
 
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً(97)
(سورة النحل)
إذاً   :
 
﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ (43)
( سورة الأحزاب)
الآية مفسَّرة ، كيف يصلي عليكم وملائكته ؟ قال  :
      
﴿ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (43)
( سورة الأحزاب)
تصير مستنيراً ، صاحب رؤية صحيحة ، وبصر حديد ، فترى حقائق الأمور ، ودقائقها ، ومؤدَّاها ، ونتائجها ، وسِرَّها .
 
صورة من القرآن الكريم عما أعده الله للمؤمنين في الدنيا والآخرة :  
 
قال تعالى :
      
﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)
( سورة الأحزاب)
أنت تتصل بالله ، فربنا عزَّ وجل يتجلَّى عليكَ بالسكينة فترتاح ، ويطهِّر قلبك فيصير نظيفاً من كل درن ، ويحلِّيك بالكمال ، وفوق هذا وذاكتملك هذا النور الساطعقال تعالى :
﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)
( سورة الأحزاب)
هذا في الدنيا ، أما في الآخرة:
      
﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ (44)
( سورة الأحزاب)
فلا مشكلة ، ولا قلق ، ولا خوف أبداً:
      
﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ (44)
( سورة الأحزاب)
خالق الكون يمنحهم السلام :
      
﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44)
( سورة الأحزاب)
يا الله !
 
أعد الله للمؤمنين في الدنيا كمالاً وسعادة وعند الهول الأعظم سلام وبعده إكرام إلى الأبد :
 
في الدنيا طهارة قلب ، وكمال ، وسعادة ، واستنارة ، وعند الهول الأعظم سلام ، وبعد هذا الهول الأعظم إكرام إلى الأبد ، فهذه الآية :
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44)
( سورة الأحزاب)
قال تعالى :
      
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا (45)
( سورة الأحزاب)
على أمَّتك :
 
﴿ وَمُبَشِّرًا (45)
( سورة الأحزاب)
لمن أطاعك:
     
﴿ وَنَذِيرًا (45)
( سورة الأحزاب)
لمن عصاك ، فهو شاهد ، ومبشِّر ، ونذير:
  
﴿ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ (46)
( سورة الأحزاب)
إلى معرفة الله ، وإلى طاعته ، وإلى التقرُّبِ إليه.
 
للمؤمن مهمّتان ؛ مهمَّة التبليغ والتزكية :   
 
قال تعالى :
      
﴿ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)
( سورة الأحزاب)
أي بدعوته تتعرَّف إلى الله ، وبصحبته يمتلئُ قلبك من نور الله ، إذاً له مهمّتان : مهمَّة التبليغ والتزكية :
 
﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ(103)
(سورة التوبة)
وقال :
 
﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (47)
( سورة الأحزاب)
المؤمن إذا بشَّره النبي عليه الصلاة والسلام ، أو إذا بشَّره القرآن بجنَّةٍ عرضها السماوات والأرض ، هذه البِشارة تعني أنها تمتص كل متاعبه .
 
القرآن يبشّر المؤمن بالجنة إذا ثبت على ما هو عليه : 
 
كما قلت لكم من قبل : لو وُعِد‍َ الإنسان بمبلغ كبير سيقبضه بعد عام ، في هذا العام هو من أسعد الناس ، مع أنه ما قبض من المبلغ شيئاً ، ولكنه دخل بالوعد القطعي ، كل قضاياه تحل ، يقول لك : غداً أفعل كذا ، أفعل كذا ، فالمؤمن حينما يوقن أنه من المبشَّرين بالجنَّة ـ طبعاً القرآن بشَّره إذا ثبت على ما هو عليه ـ لا يغيِّر الله ما بقومٍ حتَّى يغيِّروا ما بأنفسهم :
﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (47)
( سورة الأحزاب)
فضل كبير ، الكبير يقول لك : فضل كبير ، فدائماً لو طفل عمره ثلاث سنوات قال لك : أنا معي مبلغ كبير ، فكلمة كبير من طفل تعني حجماً صغيراً ، أما إذا قال لك إنسان يملك أموالاً طائلة : أنا معي مبلغٌ كبير ، أو سأعطيك شيئاً كبيراً ، فلذلك هذا وصفٌ دقيق :
﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48)
( سورة الأحزاب)
أي :
﴿ قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ(91)
((سورة الأنعام
 
أنت تطلب من الله الكرامة والله يطلب منك الاستقامة :
 
 إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله ، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك ، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله فالقضيَّة واضحة كالشمس ، ما منَّا واحدٌ إلا ويتمنَّى أن يكون أغنى الناس ، وأقوى الناس ، وأكرم الناس ، فعليه بطاعة الله ، فأنت تطلب من الله الكرامة وهو يطلب منك الاستقامة ، قال تعالى :
﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)
(سورة الأحزاب(
فاز فوزاً عظيماً بنصِّ القرآن الكريم ، وكفاك على عدوِّك نصراً أنه في معصية الله ، وأكبر نصر لك أنك في طاعته ، وأكبر هزيمة له أنه في معصيته ، لأنه :
 
﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)
(سورة الأحزاب )
   وتأتي الآيات بعدها في الدرس القادم ، آياتٌ فيها أحكام متعلِّقة بالنساء ، نشرحها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم   .
والحمد لله رب العالمين
 

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب