سورة الأحزاب 033 - الدرس (14): تفسير الأيات (53 – 58)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الأحزاب 033 - الدرس (14): تفسير الأيات (53 – 58)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة الأحزاب

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الأحزاب ـ (الآيات: 53 - 58)

09/06/2012 18:47:00

سورة الأحزاب (033)
الدرس (14)
تفسير  الآيات: (53 ـ 58)
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع عشر من سورة الأحزاب .
 
الإسلام عقائد وعبادات ومعاملات وآداب :   
 
وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :
      
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)
( سورة الأحزاب)
أيها الأخوة الأكارم ، قبل أن نبدأ تفسير هذه الآيات ، هذه الآيات متعلِّقةٌ بما يسمَّى بالآداب ، لا تنسوا أن في الإسلام عقيدةً ، وأن في الإسلام عبادةً ، وأن في الإسلام معاملةً ، وأن في الإسلام أدباً ، الإسلام عقائد ، وعبادات ، ومعاملات ، وآداب .
 
اصطباغ نفسك بالكمال الربَّاني بقدر اتصالك بالله عزَّ وجل :    
 
العقيدة تستقى من كتاب الله ؛ الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرِّه من الله تعالى .
العبادات ؛ الصوم ، والصلاة ، والحجُّ ، والزكاة .
المعاملات ؛ أحكام الزواج ، أحكام الطلاق ، أحكام البيوع ، أحكام الرهينة ، أحكام العارية ، أحكام القَرْض ، أحكام الآجار  .
والآداب ؛ آداب المتعلِّم ، آداب المعلِّم ، آداب الطريق ، آداب الطعام ، الآداب هي في جوهرها كمالات ، الإنسان إذا كان متأدِّباً بآداب الإسلام يأخذ الموقف الكامل ؛ في طعامه ، في شرابه ، في نزهته ، في جلوسه مع أهله ، في علاقاته بجيرانه ، فلذلك أفرد العلماء بحوثاً طويلةً ودقيقةً وممتعةً ومأخوذةً من كتاب الله ومن سُنَّة رسوله حول الآداب ، وأفضل من عالج الآداب الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في إحياء علوم الدين ، وفي درسٍ سابقٍ بيَّنتُ آداب السفر ، السفر له آداب ، الوليمة لها آداب ، طلب العلم له آداب ، كل نشاطٍ نفعله هناك منطلق نظري أي عقيدة ، وهناك أمر ونهي ، وهناك أدب .
الشيء الآخر هو أن الإنسان لا يسعد في الجنَّة إلا بعمله الطيِّب ، لا يستطيع أن يقبل على الله عزَّ وجل ، لا يستطيع أن يلتجئ إليه ، لا يسعد بقربه إلا إذا كان كاملاً ، لأن الله طيبٌ ولا يقبل إلا طيِّباً ، وجُملة الآداب هي في الحقيقة مواقف كاملة للإنسان .
السؤال الدقيق الآن : لماذا نرى فلاناً كاملاً في تصرُّفاته وفلاناً ناقصاً ؟ فلان عنده حياء ، وعنده أدب ، وعنده ملاحظة ؛ وفلان عنده وقاحة ، وعنده تجاوز ، وعنده فظاظة ، فهذه الآداب ما مصدرها ؟ قد نتحدَّث عنها ، نقول : آداب السفر كذا وكذا ، آداب مجالس العلم ، آداب الدخول للمسجد ، آداب الطريق ، آداب الزيارة ، آداب عيادة المريض ، هناك أبحاثٌ طويلةٌ وكثيرةٌ جداً أفردها العلماء في الآداب ، يا ترى إذا تعلَّمنا هذه الآداب هل يكفي ؟
إذا تعلَّمت أن أدب العيادة كذا ، وكذا ، وكذا ، وكذا ، أغلب الظن أنه لا يكفي ، لأن الإنسان في سلوكه هناك ضبط ظاهري وهناكوازع داخلي ، ما دامت نفسه بعيدة عن الله عزَّ وجل فلا بدَّ من أن يكون فظَّاً ، وغليظاً ، ووقحاً ، ويأخذ ما ليس له ، ويؤثر مصلحته على مشاعر الآخرين ، هذه كلُّها من بديهيات الإعراض ، فلذلك سوء الأدب في أصله إعراضٌ عن الله عزَّ وجل ، لأن كل الكمالات مخزونةٌ عند الله ، بقدر اتصالك بالله بقدر اصطباغك بالكمال الرباني ، بقدر اتصالك بالله هو القدر نفسه تصطبغ به بالكمال الذي يسعدك في القرب من الله عزَّ وجل .
 
الأدب الرفيع صفةٌ من صفات المؤمن :
 
أردت قبل أن أبدأ الحديث عن آداب الوليمة أن أبيِّن حقيقة الأدب ، الأدب اتصال بالله ، الأدب حياء ، الأدب مشاعر مرهفة ، الأدب ملاحظة دقيقة جداً ، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما شعر أن أحد أصحابه قد انتقض وضوءه ، وإنه إذا أذَّن العصر فسيخرج وحده ليتوضَّأ ، هذه المراعاة الدقيقة جداً لمشاعر أصحابه دعت النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول لأصحابه: " كل من أكل لحم جزورٍ فليتوضَّأ " فقالوا : كلُّنا أكلنا لحم جزور ، قال : " إذاً كلُّكم توضَّؤوا " أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يستر حال هذا الذي انتقض وضوءه ، إذاً هذا أدب جم .
النبي عليه الصلاة والسلام سحر أصحابه بأدبه ، كان يقول له أحدهم : ما هذا الأدب يا رسول الله ، فيقول :
(( أَدَّبَنِي رَبَّي فَأَحْسَنَ تَأدِيِبي .))
[زيادة الجامع الصغير والدرر المنتثرة]
لذلك يكون المؤمن على مستوى رفيع من الأدب ؛ مع أهله ، مع أولاده ، مع إخوانه ، مع أصدقائه ، مع جيرانه ، في خلوته ، في جلوته ، في عمله ، في نزهته ، كلامه دقيق .
كان عليه الصلاة والسلام أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها ، كان عليه الصلاة والسلام لا يواجه أحداً بما يكرهه ، كان يستحيي كثيراً ، كان عليه الصلاة والسلام لا يُحَمِّر الوجوه ، لا يخجل أحداً ، حتى لو أراد أن ينبِّه أصحابه إلى بعض ما بدر منهم ، كان يجمع أصحابه ويقول بشكلٍ عام: "ما بال قومٍ يفعلون كذا وكذا " دون أن يسميهم .
إذاً قبل الحديث عن أدب الوليمة لا بدَّ من أن نعلم أنه بقدر اتصالك بالله عزَّ وجل تصطبغ نفسك بالكمال الربَّاني ، وبقدر اصطباغك بكمال الله عزَّ وجل تكون أديباً مع الناس ، والأدب الرفيع صفةٌ من صفات المؤمن ، المؤمن ذو أدب ، شخصيَّته فذَّة ، فيها جانب عقلاني ، عالِم ـ ما اتخذ الله ولياً جاهلاً ـ وفيها جانب أخلاقي ، وفيها جانب انضباطي .
 
النبي عليه الصلاة والسلام أدَّبه الله عزَّ وجل :   
 
النبي عليه الصلاة والسلام أدَّبه الله عزَّ وجل ، والمؤمن في بداية طريق الإيمان قد تصدر منه مواقف قاسية ، تعليقات لاذعة ، انتقادات ساخرة ، استعلاء أحياناً ، أحياناً ينتقد ما هو فيه ، أحياناً يقلِّل حجم أعمال الناس ، هذه كلها مواقف فيها رعونة ، فيها تجاوز ، فيها تقليل من فضل الناس ، النبي عليه الصلاة والسلام كان مُنْصِفَاً ، بحسبه قوله تعالى :
 
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) ﴾
((سورة القلم
(إنَّ) تفيد التوكيد ، و(اللام) تفيد التوكيد ، وكلمة (عظيم) تفيد المبالغة ، وكلمة (على) تفيد التمكُّن :
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) ﴾
((سورة القلم
وقال :
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
(سورة آل عمران : من آية " 159)
أي مع أنه نبي ، مع أنه رسول ، مع أنه يوحى إليه ، مع أنه معصوم ، ومع أنه في أعلى مرتبة من بني البشر ، ومع كل هذه المراتب :
 
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
(سورة آل عمران : من آية " 159)
يا أيها الأب لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضَّ الناس من حولك من باب أولى ، ما معك ولا مَيِّزة .
 
الآداب ربع الدين والذي لا يتأدَّب بآداب الإسلام ليس من المسلمين :   
 
كل مَيِّزات النبي :
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
(سورة آل عمران : من آية " 159)
إذاً أنت كمؤمن من دون أي ميِّزة ؛ لا يوجد معك وحي ، ولا عصمة ، ولا قرآن، ولا تأييد إلهي ، ولا معجزة ، لا يوجد معك أي شيء ، فإذا أردت أن تكون غليظاً ، قاسياً ، حاداً في تعليقاتك انفضَّ الناس من حولك ، لهذا :
﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾
(سورة آل عمران : من آية " 159)
يجب أن تعلموا أن قسمالآداب يحتلُّ رُبْعَ الدين ـ إن صحَّ التقسيم الكيفي لا الكمي ـ الدين عقائد ، والدين عبادات ، والدين معاملات ، والدين آداب ، آداب الطريق ؛ غض البصر ، إلقاء السلام ، ردُّ السلام ، الأمر بالمعروف ، النهي عن المنكر ، آداب عيادة المريض ؛ أن تزوره ، أن لا تأكل عنده شيئاً ، أن تنفِّس له في الأجل ، أن تعطيه الأمل ، أن لا تبقى عنه طويلاً بقدر فواق ناقة ، آداب طلب العلم ، آداب دخول المسجد ، آداب الكسب ، الكسب له آداب ، الكسب الحلال له آداب ، فالآداب ربع الدين ، ومن نافلة القول أن الذي لا يتأدَّب بآداب الإسلام ليس من المسلمين .
 
من صفات أهل الدنيا تصغير ما عندهم :
 
ما الذي يميِّزك عن عامة الناس ؟ المؤمن له آداب صارخة ، وواضحة ، وجليَّة ، حتى في لهوه ليس عنده مُزاح رخيص ، ولا تعليقات لاذعة ، ولا إحراج ، ولا تتبُّع العورات، هذا من أخلاق المعرضين عن الله عزَّ وجل  .
تصغير ما عند الناس فيأعينهم ، ما هذا البيت ؟ كيف تسكن فيه ؟ هذه صفات أهل الدنيا ، قد يصغِّر في عينك بيتك ، يصغِّر في عينك حاجاتك ، أنت موظَّف فكم يبلغ معاشك ؟ ومن أدراك أن هذا الموظَّف ذا الدخل المحدود قد يكون عند الله أرقى من مليون إنسان دخله غير محدود ، من قال لك ذلك ؟
((كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ))
[ سنن الترمذي : عن أنس بن مالك]
من صفات أهل الدنيا تصغير ما عندهم ، كيف تقبل هذا اللون من العيش ؟ كيف تقبل بهذا الدخل ؟ وإن كانت زوجة ، كيف تقبلين به ؟ ماذا قدَّم لكِ على العيد ؟ منتهى الوقاحة ، منتهى الفظاظة ، منتهى الغلظة ، منتهى سوء الأدب ، منتهى سوء التقدير ، فلذلك الشيء الصارخ في المؤمن أدبه العالي ، احترامه للناس ، لا يفرِّق بين أبيض وأسود ، عربيٍّ وأعجميّ ، النبي عليه الصلاة والسلام  كان يقول :
(( سلمان منَّا آل البيت ))
[لحاكم في المستدرك  ، والطبراني في المعجم الكبير عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده ]
 هكذا كان يقول ، كان يقول لأحد أصحابه الفقراء :
(( أهلاً بمن خبَّرني جبريل بقدومه ، قال : أو مثلي ؟ قال : نعم خاملٌ في الأرض علمٌ في السماء))  .
المؤمن لا يحتقر أحداً ، ليس في كلامه فُحْشٌ ، ولا بذاءةٌ ، ولا تجسُّسٌ ، ولا تحسُّسٌ ، ولا شماتةٌ ، ولا تعييرٌ ، من عنده هذه المواقف ؟؟!
 
*   *   *   *
آداب الوليمة :  
 
درسنا اليوم متعلِّق بآداب الوليمة
قال الله عزَّ وجل  :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا (53)
مرَّةً ثانية وثالثة الله عزَّ وجل يخاطب عامَّة الناس بأصول الدين ، ويخاطب المؤمنين بفروع الدين ، هذا عَرَفَ الله ، وهذا ينبغي أن يؤدَّب ، وأن يوجَّه ، وأن يُعَلَّم ، لذلك الإنسان إذا كان تحت يده أولاده مثلاً ، طلابه في المدرسة ، عمَّاله في المعمل ، موظَّفيه في المؤسَّسة ، إذا كنت مديراً عاماً ، إذا كنت صاحب متجر ، صاحب مؤسَّسة ، معلِّم مدرسة ، مدير مستشفى ، أي إذا كنت في منصب قيادي ، هؤلاء الذين هم دونك يجب أن تؤدِّبهم بآداب الإسلام ، يجب أن تعلِّمهم الموقف الكامل ، لأنك إذا علَّمتهم وأدَّبتهم كانوا في صحيفتك .
النبي عليه الصلاة والسلام ما من أحد من أصحابه إذا أخطأ إلا وجَّهه ، كان يصلي مع أصحابه مرة ، فدخل أحدهم إلى المسجد وأرادأن يلحق الركعة مع النبي عليه الصلاة والسلام ، ركض في المسجد ، فأحدث جلبةً وضجيجاً ، فلمَّا انتهى من صلاته قال له عليه الصلاة والسلام :
((  زادك الله حرصاً ولا تعد ))
[ البخاري عن أبي بكرة]
ما سكت النبي بل يجب أن يوجِّهه ، أن يرشده ، ولكن لئلا يقسو عليه أثنىعلى حرصه ، وعلى اهتمامه بالصلاة ، وعلى إقباله عليها ،زادك الله حرصاً ولا تعد ثانيةً لهذا ، فأولادك ، طلابك ، موظَّفوك ، من هم دونك ، إذا وقفوا موقفاً غير لائق لا ينبغي أن تسكت ، يجب أن توجِّههم ؛ لكن بحكمةٍ بالغة ، بأسلوبٍ طيِّب ، بملاحظةٍ ذكيَّة ، بتقديم الثناء عليهم قبل انتقادهم ، هذا كله من سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام .
 
بيوت النبي لها شأنٌ كبيرٌ عند الله عزَّ وجل :  
 
قال تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ (53)
بيوت النبي لها مكانةٌ خاصَّةٌ عند الله عزَّ وجل ، لأن هذا البيت يتنزَّل فيه قرآن ، لأن هذا البيت بيت صاحب الدعوة ، بيت النبي عليه الصلاة والسلام ، هذا البيت قِبْلَةَ الأنظار، هذا البيت مكان راحة النبي ، هذا البيت مكان زوجاته الطاهرات ، فلذلك كما أن بيت الله الحرام له شأنٌ في القرآن ، وإذا قال الله : البيت ، المقصود به البيت الحرام ، وكذلك قال الله عزَّ وجل  :
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)
أهل بيت النبي لهم مكانةٌ عند الله عزَّ وجل ، وهناك علاقةٌ بين نجاح دعوة النبي وبين سموِّ أهل بيته ، لذلك تولَّى الله بنفسه تطهير أهل بيت النبي ، والآن بيوت النبي لها شأنٌ كبيرٌ عند الله عزَّ وجل :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ (53)
أي لا تدخلوا بيوت النبي من غير إذنٍ ، يقول بعض المفسِّرين : كان العرب في الجاهليَّة يدخلون بيوت بعضهم بعضاً من دون استئذان ، هكذا ، وهذه الملاحظة قد تلاحظونها في كل مجتمع متفلِّت ، فلا يهم ، نساؤه كاسيات ، متحجِّبات ، غير متحجِّبات ، يدخل مباشرةً لا يستأذن ، طبعاً الآن توجد أبواب ، وتوجد أجراس ومدقات ، لكن ومع ذلك يدخل من دون أن ينتظر ، أين أدخل ؟ أين أجلس ؟ يدخل مباشرةً ، فالدخول إلى البيت من دون استئذان هذا من أخلاق الجاهليَّة .
 
الدخول بلا استئذان عادة متأصِّلة جاهليَّة أراد الله أن ينزعها من قلوب المؤمنين :
 
هذا البيت فيه زوجته ، وبناته ، وأولاده ، يا ترى هل هم بوضع لائق أم غير لائق ؟ هذه الزوجة متكشِّفة ، متحجِّبة ، يمكن أن يراها الأجنبي بمظهرها ، أو لا يمكن ؟ فهذا حينما ترتفع القيود ، وترتفع الموانع ، وليس هناك ضوابط ، عندئذٍ الإنسان يدخل مباشرةً من دون استئذان ، فهذه من صفات الجاهليين ، عادة متأصِّلة في الجاهليَّة ، أراد الله عزَّ وجل أن ينزعها من قلوب المؤمنين ، الدخول بلا استئذان عادة متأصِّلة جاهليَّة، قال تعالى :
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ (53)
الحكم الأول : أنه لا يجوز الدخول مطلقاً بلا إذن .
طبعاً الشيء الثاني : لا يجوز أن تدخل بنيَّة ، أن تنتظر في البيت حتَّى يحين وقت الغداء فتأكل مع النبي ، لعل هناك ظرفاً صعباً ، لعل عنده طعام غير كافٍ ، لعل هناك حاجة ، لعل هناك وعداً مع أهله ، فلذلك حتَّى لو أُذِنْ قبل الطعام لا ينبغي أن ننتظر إلى أن يحين وقت الطعام ، هذا أدب آخر :
     
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ (53)
الحقيقة كلمة يؤذَن تتعدَّى بـ في ، أما هنا تعدَّت بـ إلى ، وكيف أن هذا الفعل تعدَّى بـ إلى ؟ لأنه ضمِّن معنى الدعوة ، أي لا تدخلوا إلى بيت النبي إلا أن تدعون إلى طعام ، حتَّى إذا دُعيتم إلى الطعام لا ينبغي أن تدخلوا إلى بيت النبي في وقتٍ مبكِّرٍ جداً ، هذا الوقت قد يستهلكه في شأنٍ من شؤونه الخاصَّة ، فمثلاً دعوت إنساناً إلى طعام الغداء ، جاءك الساعة العاشرة فرضاً ، أنت خلال الساعتين عندك تهيئة حاجات المنزل ، في عندك لقاءات ، عندك موعد ، عندك عمل علمي ، فالدعوة الساعة الثانية ، فجاءك الساعة العاشرة ، أو الساعة الحادية عشرَ ، فحتَّى لو دعيت إلى الطعام لا ينبغي أن تأتي قبل الموعد المحدَّد لأن هذا يستهلك وقت النبي ، ويستهلك مهمَّةً كان قد أعدَّ نفسه لها ، فالآية دقيقة جداً .
 
ثلاثة أحكام فقهيَّة مستنبطة من هذه الآية : 
 
قال تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ (53)
الدخول يحتاج إلى إذن ، الآن لو معك إذن بالدخول وليس معك دعوةٌ إلى طعام ، لا ينبغي أن تنتظر عند النبي حتَّى يحين وقت الطعام ، الآن إذا دُعيت إلى الطعام لا ينبغي أن تأتي قبل الوقت المحدَّد ، أو قبل الوقت المعروف ، المتعارف عليه ، لا ندخل من دون إذن ، ولانأكل من دون دعوة ، وإذا دعينا إلى الطعام لا نأتي قبل الأوان ، ثلاثة أحكام فقهيَّة مستنبطة من هذه الآية:
﴿ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا (53)
لئلا تُجْرَحَ مشاعر المؤمنين ، إذا دُعيتم فادخلوا ، ما دام دعاكم ادخلوا حبَّاً وكرامةً:
﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا (53)
أحياناً يكون الطعام أُعِدَ للضيوف ولأهل البيت ، والمكان ضيِّق ، والنبي عليه الصلاة والسلام عنده مسؤوليَّات ، وعنده حاجات ، ويريد أن يلتقي أهله ، والطعام ينتظر من يأكله ، هؤلاء الذين أكلوا جلسوا ، وجلسوا ، واستمعوا ، وأنسوا بالنبي ، ونسوا أن عنده مسؤوليات .
 
فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ : آية فيها أربعة أحكام شرعيَّة : 
 
قال تعالى :
﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ (53)
أحياناً يكون النبي عليه الصلاةوالسلام عنده خطبة ، عنده لقاء مع أصحابه ، هذا يحبُّ أن ينفرد بالنبي وحده ويجلس لساعاتٍ طويلة ، هذا لا يستطيعه النبي عليه الصلاة والسلام ، قال  :
      
﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ (53)
هذه معطوفة على  :
 
﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ(53)
و :
﴿ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ (53)
أي الدخول بلا استئذان ، وتناول الطعام بلا دعوة ، والمجيء إلى الدعوة قبل وقتٍ كبير ، والمكوث بعد الطعام إلى ساعةٍ متأخِّرة ، أربع أحكام شرعيَّة .
 
عِظَمِ خُلُقِ النبي فهو لا يجرح أصحابه ولو مكثوا ساعاتٍ طويلة :
 
قال تعالى :
﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ (53)
هذه المواقف كلها:
      
﴿ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ (53)
هذه الآية تشير إلى عِظَمِ خُلُقِ النبي ، أي أن النبي ليس عنده إمكان إطلاقاً أن يجرح أحد أصحابه ، ولو بقي ساعاتٍ طويلة ، مستحيل :
      
﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ (53)
تروي الكتب أن السيدة زينب التي تزوَّجها عليه الصلاة والسلام ، والبيت ضيِّق ، والأمكنة محدودة ، وقد جلست إلى الحائط ، وجلس أناسٌ لوقتٍ طويل ولم يخرجوا ، النبي تضايق ، دخل وخرج ، دخل وخرج وهم جالسون ، عندئذٍ نزلت هذه الآية لتؤدِّب أصحاب النبي عليهم رضوان الله ، وقال بعض المفسرين : إن هذه الآية ليست لأصحابه الكُمَّل بل هذه للثقلاء ، بكل مجتمع يوجد إنسان ثقيل ، والثقيل إذا عَلِمَ أنه ثقيل فليس بثقيل ، لا يلاحظ ، لا ينتبه ، لا يدقِّق ، قال :
﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ (53)
 
مخاطبة النساء من وراء حجاب أطهر للنفس وأسلم للصدر وأدعى للمودَّة وأقرب إلى الله :  
 
الآن  :
﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا (53)
المتاع هو الشيء الذي يُنْتَفَعُ به ، أي إذا سألتموهنَّ حاجةً ، أو إذاسألتموهنَّ حُكْمَاً فقهياً ، كمن أحبَّ أن يسأل السيدة عائشة ، أو إحدى زوجات النبي عن حكمٍ معيَّن ، قال  :
﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (53)
الحجاب هو السِتْر:
﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ (53)
العلماء قالوا : أن تدخلوا بإذن ، وأن تأكلوا بدعوى ، وأن لا تأتوا قبل الدعوى بوقتٍ طويل ، وأن لا تمكثوا بعد الدعوى إلى ساعةٍ متأخِّرة ، وأن تخاطبوا نساء النبي من وراء حجاب ، هذه خمسة أحكام قال :
﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ (53)
الإنسان إذا خاطب امرأةً من وراء حجاب لا يرى شكلها ، يبقى قلبه طاهراً ، نظيفاً ، عفيفاً ، سليماً ، معافىً ، أما لو نظر إلى شكلها لجاءتهالخواطر التي لا تُرْضي الله عزَّ وجل ، ولو أن المرأة رأت رجلاً ، وسمعت صوته ، وملأت عينيها منه ، لجاءتها بعض الخواطر ، هذه الخواطر لا ترضي الله عزَّ وجل ، فأن تخاطبوهنَّ من وراء حجاب :
﴿ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ (53)
أطهر للنفس ، أسلم للصدر ، أدعى للمودَّة ، أقرب إلى الله عزَّ وجل .
 
النهي عن إيذاء النبي لا في حياته ولا بعد موته :    
 
قال تعالى :
﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا (53)
أي ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله في حياته ، ولا بعد مماته ، لا في حياته ولا بعد مماته ، ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله في حياته بأن تدخلوا عليه بلا استئذان ، وبأن تأكلوا من غير دعوى ، وبأن تأتوا قبل وقت الدعوى فتستهلكوا وقته ، وبأن تمكثوا بعد الطعام إلى ساعةٍ متأخِّرة ، وبأن تحدِّثوا نساءه مشافهةً من دون حجاب ، هذا كلُّه إيذاءٌ للنبي :
      
﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ (53)
أن تنكحوا أزواجه من بعده إيذاء له بعد موته ، إذاً أنتم منهيِّون عن أن تؤذوه في حياته ومن بعد مماته أبداً :
﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)
هذه النقطة الدقيقة أن الإنسان كلَّما علا مقامه عند الله دافع الله عنه ، كلَّما علا مقامه عند الله صارت حياته عند الله غالية .
 
على الإنسان العاقل أن لا يتورَّط ويؤذي من يحبُّهم الله عزَّ وجل وإلا عاجله الله بالعقاب :
 
قال عليه الصلاة والسلام :
(( من عادى لي ولياً فقد آذنته بحرب)) .
[ البخاري عن أبي هريرة]
لذلك على الإنسان العاقل أن لا يتورَّط ويؤذي من يحبُّهم الله عزَّ وجل ، وأن لا يتورَّط ويتحدَّث على من يحبُّهم الله عزَّوجل ، لا يتورَّط ويتحدَّث بالأذى ، وبالقسوة ، وبالتُهَم على من يحبُّهم الله عزَّ وجل لأنه :
(( من عادى لي ولياً فقد آذنته بحرب)) .
[ البخاري عن أبي هريرة]
لأن هذا الولي بشكلٍ أو بآخر بابٌ لله عزَّ وجل ، فهو مثل يقتدي الناس به ، فإذا أردت أن تحطِّم هذا المثل ، إذا أردت أن تصغِّره في عين الناس لحسدٍ أو لحقدٍ أو ما شابه ذلك فقد آذنك الله بالحرب ، وعندئذٍ يقصم الله سبحانه وتعالى هذا الإنسان ، ولو كان هناك مُتَّسع من الوقت لذكرت لكم قصصاً كثيرة عن أناسٍ تطاولوا وقسوا وتهجَّموا ؛ لكن الله عاجلهم بالعقاب ، لذلك قالوا : " لحم العلماء مسموم " بمعنى أنه من أكل من لحومهم من دون تبصُّر ، من دون تروّ ، من دون تحقُّق ، من دون تدقيق ، هكذا من دون فهم فقد آذى الله عزَّ وجل :
﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ (53)
وقال :
﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)
 
من وقف موقفاً معلناً من النبي فيه عداء أو موقفاً مُبَطَّناًكلاهما عند الله سواء :  
 
الآن  :
﴿ إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ (54)
أي أن الإنسان إذا وقف موقفاً معلناً من النبي عليه الصلاة والسلام فيه عداء ، أو موقفاً مُبَطَّناً ، كلاهما عند الله سواء ، أي إن أسررت أو وقفت موقفاً احتيالياً ، هذا كلُّه عند الله مكشوف:
﴿ إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54)
هذا من نوع التهديد ، أي أن عملكم عند الله مكشوف ، نواياكم مفضوحة ، مواقفكم متبدِّية ، طموحاتكم تحت النَقْدِ الشديد ، أي أن الله سبحانه وتعالى بالمرصاد  .
لكن نساء النبي عليهم رضوان الله لهنَّ أن يظهرنَّ أمام آبائهن كما هي حال سائر المؤمنات :
﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55)
أم المؤمنين إذا توفي النبي عليه الصلاة والسلام ، فهي أمُّ المؤمنين حقيقةً ، بمعنى أنه لا يجوز لواحدٍ أن يقترن بزوجة النبي عليه الصلاة والسلام ، لكنَّ التيتزوَّجها وطلَّقها ـ وهي واحدة ـ العلماء على خلافٍ في هذا الموضوع ، لكن إذا مات النبي عن زوجة فهذه أمُّ المؤمنين حكماً ، ولا يجوز لأحدٍ أن يتزوَّجها من بعد النبي ، لكن هذه الزوجة لها أن تظهر .
 
أغفل الله تعالى في هذه الآية العمَّ والخال لأسبابٍ كثيرة منها أن العم والخال بمنزلة الأب :   
 
حينما قال الله عزَّ وجل  :
﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (53)
هذه الزوجة الطاهرة ، زوجةالنبي عليه الصلاة والسلام ، لا جناح عليها إن بدت أمام أبيها ، أو أمام ابنها ، أو أمام أخيها ، أو أمام ابن أخيها ، أو أمام ابن أختها ، أو أمام امرأةٍ مسلمةٍ ، أو ما ملكت أيمانها ـ طبعاً من الجواري لا من العبيد ـ وقد أغفل الله عزَّ وجل في هذه الآية العمَّ والخال لأسبابٍ كثيرة منها أن العم والخال بمنزلة الأب :
﴿ قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(133) ﴾
(سورة البقرة)
سيدنا إسماعيل أحد هذه الأسماء عماً لسيدنا يعقوب وليس أباً ، فالله سبحانه وتعالى سمَّاه أباً ، إذاً العم بمنزلة الأب ، العم والخال بمنزلة الأب ، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( العم والد))
[ كنز العمال عن عبد الله بن الوراق مرسلاً]
(( إنما الخال والد))  .
[كنز العمال عن وهب]
لذلك للمرأة الحق أن تظهر أمام زوجها ـ طبعاً من باب أولى ـ  وأمام أبيها ، وأمام ابنها ، وأمام أخيها ، وابن أخيها ، وابن أختها ، وعمِّها ، وخالها ، وأمام النساء المؤمنات لأنهنَّ لا يصفنها للأجانب ، منضبطات ، وأمام ما ملكت أيمانهنَّ من الجواري لا من العبيد ، قال تعالى :
       ﴿ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55)
 أي أن مواقف العباد بعين الله عزَّ وجل تحت الفَحْص الشديد وتحت الأضواء الكاشفة .
 
 
تجلي الله عز وجل على سيدنا محمد بالأنوار والرحمات :
 
الآن يقول الله عزَّ وجل  :
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)
هذه الآية لها معانٍ كثيرة ودقيقة جداً ، وقد لا يعرف الناس أبعادها الحقيقيَّة ، هذا الإنسان العظيم ، النبي عليه الصلاة والسلام ، هو المخلوق الأول ، هو سيِّد الخلق وحبيب الحق ، هو سيِّد ولد آدم ، صاحب الخُلُقِ العظيم ، صاحب المقام المحمود ، واللواء المعقود ، الله عزَّ وجل يصلي عليه ، ففي أدقِّ معاني هذه الآية أنه يتجلَّى عليه ؛ يتجلَّى عليه بالأنوار ، يتجلَّى عليه بالرَحَمَات ، يتجلَّى عليه بما هو مسعد .
الآن أي مؤمن إذا اتصل بالنبي عليه الصلاة والسلام ، سواءً كان اتصالاً مباشراً في حياته ، لقاءً حقيقياً ، أو بعد مماته بذكره والصلاة عليه ومعرفة شمائله ، هذا الاتصال الجسمي ، أو الفكري ، أو النفسي ، الجسمي لقاء ، الفكري اطلاع على شمائله صلى الله عليه وسلَّم ، أحياناً تقرأ عن النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً فتبكي ، لماذا بكيت ؟ لأنه قد حصل لك تعظيم لهذا النبي ، حصل لك توقير لهذا السيِّد العظيم .
الاتصال الحقيقي أو اللقاء الحقيقي الذي تمَّ بين أصحابه وبينه في حياته ، أو الاتصال الفكري أي إذا اطلعت على شمائله ، على سيرته ، على سنَّته ، على مواقفه ، على شجاعته ، على عفوه ، على لطفه ، على كرمه ، على إنصافه ، على حبِّه للناس ، على حبِّه للخلق ، تتأثَّر ، أو حصل لك أن رأيته في المنام هذا اتصال نفسي ، هناك اتصال فكري قرأت سيرته ، وهناك اتصال نفسي رأيته في المنام ، وهناك اتصال حقيقي كنت أحد أصحابه.
 
من أراد نصيباً من التجلي الذي أسبغه الله على سيدنا محمد فعليه الاتصال بنفس النبي:  
 
قيل : إنَّ هذا التجلي الذي أسبغه الله تعالى على النبي عليه الصلاة والسلام تجلِّي أنوار ، تجلي مُسْعِد ، تجلي رَحَمَات ، تجلي طمأنينة ، هذا التجلي تأخذ منه شيئاً ، أي أن الله عزَّ وجل يتجلَّى على النبي عليه الصلاة والسلام ، وأنتم أيها المؤمنون إذا أردتم نصيباً من هذا فاتصلوا به ، لذلك جاء قوله تعالى :
﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
(سورة التوبة : من آية " 103 ")
يا رسول الله إني إن رأيتك اطمأنَّت نفسي ، أحد أصحابه وهو سيدنا ربيعة كان يخدمه ، فإذا انتهى وقت الخدمة ، وسمح له النبي أن يذهب إلى البيت ، يبقى على باب بيت النبي إلى أذان الفجر ، ما الذي جذبه إلى النبي ؟ هذه الأنوار ، ما الذي جذبه إلى النبي ؟ هذه الرَحَمَات ، ما الذي جذبه إلى النبي ؟ هذه التجليَّات .
عندما جيء للنبي عليهالصلاة والسلام برجل يريد قتله ، فما إن دخل عليه ، ابتسم النبي عليه الصلاة والسلام وقال  :"يا هذا لو أردت ذلك لما سُلِّطت عليّ " ، فقال الرجل : " والله يا محمَّد دخلت عليك وما رجلٌ على وجه الأرض أبغض إليَّ منك ، وأنا الآن ليس على وجه الأرض رجلٌ أحبُّ إليَّ منك " ، ما الذي حصل ؟ الذي حصل أنه صار له اتصال .
لو وجد جهاز مركز كهربائي عالي التوتُّر ، أي إنسان وضع سلكاً يأخذ من هذا التوتُّر الشيء الكثير ، هذا موضوع نفسي ، هذا الموضوع متعلِّق بالصلة النفسيَّة برسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فهناك سرمن الصعب علينا فهمه إلا بهذا التفسير ، هؤلاء الذين عاشوا معه اندفاعهم إلى التضحية شيء لا يُصدَّق ، لا يتصوَّره عقل ، أن سيدنا جعفر تُقْطَع يده اليمنى فيحمل الراية باليسرى ، تقطع اليسرى فيحملها بعَضُدَيْه إلى أن يموت في سبيل الله!! فقد رأينا من أصحاب النبي بطولات يصعب على التاريخ أن يصفها ، ما هو السر ؟ السر أنهم اتصلوا بنفس النبي عليه الصلاة والسلام .
 
سرّ سعادة المؤمن أنه موصول برسول الله وأن له نصيب من أنوار الله عزَّ وجل : 
 
قال تعالى :
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)
هذا التجلي تجلي الرحمة ، تجلي الأنوار ، تجلي السعادة ، تجد أن المؤمن سعيد جداً ، سر سعادته أنه موصول برسول الله ، سر سعادته أن له نصيب من أنوار الله عزَّ وجل، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام مما يؤكِّد ذلك أن أحد أصحابه واسمه حنظلة ـ والقصَّة معروفة عندكم ـ مرَّ به سيدنا الصديق وقال له : " ما لك يا حنظلة تبكي ؟ " ، قال : " نافق حنظلة" ، قال : " ولمَ يا أخي ؟ " ، قال : " نكون مع رسول الله ونحن والجنَّة كهاتين ، فإذا عافسنا الأهل ننسى" ، فقال سيدنا الصديق : "أنا كذلك يا أخي انطلق بنا إلى رسول الله" ، النبي الكريم يقول :
(( إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا ))
[الجامع لأحكام القرآن عن ابن عطاء]
قال عليه الصلاة والسلام :
(( لَوْ تَدُومُونَ عَلَى الْحَالِ الَّذِي تَقُومُونَ بِهَا مِنْ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ فِي مَجَالِسِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَعَلَى فُرُشِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً وَسَاعَةً وَسَاعَةً ))
[سنن الترمذي عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ ]
هل فهمت الآن لماذا تشعر براحة في المسجد ؟؟! يقول لك : ارتحت ، كأني شحنت ، إذا غاب الإنسان درساً يشعر بالوحشة .
 
المؤمن في قلبه نور والكافر أعمى يتخبط خبط عشواء :
 
الله عزَّ وجل كل من يزور بيته يتجلَّى على قلبه:
(( إنَّ بيوت الله في الأرض المساجد و إنّ حقاً على الله أن يكرم الزائر ))
[أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود]
عند دخولك إلى بيت الله أنت الآن ستتلقَّى من الله الإكرام ، ما الإكرام ؟ فهنا لا يوجد سكرة ، ولكن تشعر براحة لو وزِّعت على أهل بلدٍ لكفتهم ، تحس بطمأنينة ، تحس بأنك تملك قراراً صحيحاً ، تملك رؤية صحيحة ، دائماً عندك ثلاثة أشياء في تجليات الله عزَّ وجل ، هناك جانب من التجلي نور ترى به الخير خيراً والشر شراً ، الصلاة نور ، المصلي يملك نظراً ثاقباً ، رؤية صحيحة ، يعرف حقائق الأمور ، أحد ثمار الصلاة النور ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث :
(( الصلاة نور )) .
[ رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري ] .
والآية تقول  :
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾
(سورة الحديد : من آية " 28 ")
هناك نور ، أنت مستنير ، والكافر أعمى ، الكافر يتحامق ، الكافر يفعل الشيء المُنْكَر ، ينقل الشيء غير المنطقي ، غير الواقعي ، غير المألوف ، لأنه أعمى يتخبط خبط عشواء قال تعالى :
﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1) ﴾
(سورة محمد(
 
المؤمن بصلاته على النبي الكريم يشتق من أنواره المحمدية وينطق بتوفيق الله :   
 
المؤمن في قلبه نور ، هذا النور جاءه من اتصاله بالله عزَّ وجل ، هذا النور جاءه من اتصالهبرسول الله ، هذا النور جاءه من صلاته ، هذا النور جاءه من دخول بيوت الله عزَّ وجل ، في بيت الله ، وفي الصلاة ، وفي الاتصال برسول الله تأتيك هذه الأنوار  .
(( اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ))
[سنن الترمذي عن أبي سعيد الخدري]
وينطق بتوفيق الله ، قال تعالى :
﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1)
 (سورة محمد)
وقال :
﴿ فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(46)
(سورة الحج(
إذاً هذه  :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ (56)
أي كي تشتقوا من أنواره النبويَّة المحمَّدية :
 
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
(سورة النور : من آية " 35 " )
هذه واحدة ، الشيء الثاني : هناك تجلٍ أخلاقي .
 
تنمو في شخصية المؤمن من خلال الصلاة ثلاثة جوانب :
 
1 ـ الجانب الأول جانب نوراني :
أنت باتصالك بالله عزَّ وجل عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام تتحلَّى بمكارم الأخلاق ، فالرحمة عندك ليست عملاً ذكياً مُتَكَلَّفاً ، قد تجد إنساناً ذكياً جداً يعمل عملاً فيه رحمة ولكن قلبه قاسٍ ، لكنه ذكي أراد انتزاع إعجاب الآخرين ، أما إذا اتصلت بالله اتصالاً حقيقياً يمتلئ قلبك بالرحمة ، والقلب الرحيم أقرب قلبٍ إلى الله عزَّ وجل .
2 ـ الجانب الثاني جانب أخلاقي :
الآن توجد عندنا غير الأنوار اتصال وكمال ، فالمؤمن كامل ، منضبط ، ليس انضباطه لرادعٍ خارجي بل بوازعٍ داخلي ، هذا الفرق الدقيق ، لو أقمنا أجهزة مراقبة دقيقة جداً ضبطت الأمور ، هذا كلَّه ردع خارجي ، أوروبا قائمة على رادع خارجي ، لكن المؤمنين انضباطهم داخلي بوازع داخلي بسبب اتصالهم بالله عزَّ وجل ، هذا الاتصال بالله عن طريق رسول الله ، وعن طريق مجالس العلم ، هذا الاتصال ينمِّي عندهم مكارم الأخلاق ، المؤمن أخلاقي ، منصف ، يقول الحق ولو على نفسه ، متواضع دائماً ، كريم ، لطيف ، خجول ، حَيي ، شجاع في مواقف ، قوي لا يهاب أحداً ، هذه كلها مكارم أخلاقيَّة جاءته من اتصاله بالله عن طريق رسول الله ، ومن حضور مجالس العلم .
الجانب الأول جانب نوراني ، والجانب الثاني جانب أخلاقي .
3 ـ الجانب الثالث جانب جمالي :
المؤمن سعيد ، سعيد بكل ما في الكلمة من معنى ، تعيش مع مؤمن حياته خشنة أموره كلها وسط ودون الوسط ، تأنس بالجلوس معه ، ترتاح له ، وقد تدخل إلى بيت فيه من التحف ما لا يوصف ، تجد فيه انقباض ، فما هو السر ؟ السر أن هذا المؤمن باتصاله بالله عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام ، أو بحضوره مجالس العلم ، يشتقُّ من أنوار الله جانباً جمالياً ، فتجد عنده سعادة ، هذا الذي أتمنَّى أن يكون واضحاً عندكم ، فهناك جانب علمي نوراني ، وجانب أخلاقي ، وجانب جمالي ، فشخصية المؤمن ، وهذه الجوانب الثلاثة نمت من خلال الصلاة ، لذلك :
(( الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين))
[ رواه الطبراني عن معاذ ]
 (( لا خير في دينٍ لا صلاة فيه))  .
[ تخريج أحاديث الإحياء]
الصلاة عماد الدين ، وعصام اليقين ، وسيدة القربات ، وغرَّة الطاعات ، ومعراج المؤمن إلى ربِّ الأرض والسماوات ، هذه :
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)
هو قدوتكم ، إن كنتم في حياته فاتصلوا به ، وإن كنتم بعد مماته فاقرءوا سيرته ، اقرءوا شمائله ، وإن زاد حبُّكم له كثيراً ترونه في منامكم :
(( مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي)) .
[ صحيح مسلم عن أبي هريرة]
اسألوا الذي رأى النبيَّ في المنام يبقى أشهراً وهو مغموسٌ في سعادة لا توصف فكيف الذين عاشوا معه في حياته ؟؟!
 
كل إنسانٍ بإيذائه رسول الله كأنَّما يؤذي الله عزَّ وجل فهو ملعون في الدنيا والآخرة :  
 
قال تعالى :
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)
الله لا يؤذى ، خالق الكون ، لكن هذا من عِظَم مقام النبي على الله عزَّ وجل ، أي يا عبادي الذي يؤذي النبي فكأنَّما آذاني:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ (57)
ملعون لا بالمعنى المألوف العامي : بمعنى ذكي ، فلان ملعون أي ذكي ، لا ، هنا ملعون أي بعيدٌ عن الله عزَّ وجل ، مطرودٌ من رحمة الله ، تجد قلبه قاسياً ، وجهه متجهِّماً ، نفسه متصحِّرة ، ليس عنده حياة أبداً ، ليس عنده حياة أخلاقيَّة ، ولا حياة روحيَّة ، ولا إحساس بالجمال ، ولا إحساس بالرحمة ، أي أن قلبه قُدَّ من صخر ، فلان ملعون: أي بعيد عن الله ، فكل إنسانٍ يؤذي رسول الله ، وبإيذائه رسول الله فكأنَّما يؤذي الله عزَّ وجل ، قال :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ (57)
في الدنيا ملعون ، وفي الآخرة ملعون.
 
العذاب أصناف ؛ عذاب عظيم ، وعذاب أليم ، وعذاب مهين :  
 
قال تعالى :
﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57)
العذاب أصناف ؛ عذاب عظيم ، وعذاب أليم ، وعذاب مهين ، العذاب العظيم جهنَّم ، أما العذاب الأليم فهو آلام لا تحتمل في الدنيا ، الإنسان في بيته قاعد ، أغلق عليه غرفته وآلام أحشائه لا تحتمل ، وهناك عذاب مهين أمام الناس ، على مرأى من جمعٍ غفير من الناس يُهان ، يُطلق عليه السباب ، الشتائم ، يُضرَب ، يُذَل ، فكل إنسان آذى الله ورسوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57)
في الدنيا والآخرة ، عذاب مهين ، لذلك بقدر ما تحبُّ الله ورسوله بقدر ما يحبُّك الناس ، توقِّر الله ورسوله يوقِّرك الناس ، تهاب الله ورسوله يهابك الناس ، تشتغل بالله ورسوله يشتغل بك الناس ، يرفع الله لك ذكرك ، فهي علاقة رياضيَّة ثابتة .
(( فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ)) .
[ متفق عليه عن أبي هريرة ]
 
سعادة الدنيا والآخرة تكون بحبُّ الله ورسوله لا بإيذائهما :
 
هل أنت شغلك الشاغل أن تُعَرِّف الناس بالله ؟
ربنا عزَّ وجل يكافئك بأن يرفع لك ذكرك ، يرفع لك شأنك ، يلقي حبَّك في قلوب الناس ؛ وبالعكس ، الذي يؤذي الله ورسوله ، هذا ملعون في الدنيا والآخرة ، وله في الآخرة عذاب مهين :
﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57)
في الدنيا والآخرة ، فإذا أردت رفعة الدنيا والآخرة ، وسعادة الدنيا والآخرة ، ورفعة الشأن في الدنيا والآخرة ، فكن ممن يحبُّ الله ورسوله ؛ لا ممن يؤذي الله ورسوله ، أحياناً بتعليقات ساخرة إنسان يسخر من الدين كله ، إذا قال لك : الدين ضعف الإنسان أمام قِوى مجهولة ، فأنت بهذا قد سخرت من الدين كله ، جعلت الدين شعوراً مرضياً للإنسان ، أحياناً يقول : القرآن ليس لهذا الزمان ، أنت بهذا آذيت الله ورسوله ، إنسان يستفيد الناس منه طعنت بنواياه الطيِّبة بقولك : له مصلحة ، فالذي كان مستفيداً ابتعد ، ماذا فعلت ؟ أنت قطعت ما أمر الله به أن يوصل وأفسدت العلاقة في الأرض :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا (58)
مؤمن برئ ، شيء لم يفعله ، كلمةٌ ما قالها ، موقفٌ ما وقفه ، هناك أشخاص جلُّ همِّهم أن يشوِّهوا سمعة المؤمنين ، هؤلاء:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)
احتمل مسؤوليَّة كبيرة جداً ، واقترف إفكاً ، وافتراءً ، وكذباً ، وإثماً واضحاً لا بدَّ من تحمُّل مسؤوليته  .
 
كل إنسان يؤذي مؤمناً بتشويه سمعته تَحَمَّل تَبِعَة ذنب خطير وهو البهتان :  
 
أيها الأخوة ، إذا أردت أن تعيش سليماً اضبط لسانك ، أحياناً تعليقات ، أحياناً نقد لاذع ، أحياناً تطاول ، أحياناً نقل قصَّة لست متأكِّداً منها ، جاءك فاسقٌ بنبأٍ ، لم تتثبَّت بقول هذا الفاسق ، نقلت رواية شوَّهت بها سمعة إنسان ، ما باليت ، أفسدت علاقةً بين اثنين ، شوَّهت سمعة مؤمنةٍ :
(( قذف محصنةٍ يهدم عمل مئة سنة)) .
[ ورد في الأثر ]
قال تعالى :
       ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا (58)
ليس له ذنب ، أحياناً امرأة مؤمنة طاهرة تتهمها من دون دليل ، من دون برهان، من دون يقين ، رجل مؤمن صادق ، له عمل طيب ، تقول عنه : له نوايا خبيثة ، له مقاصد، أنا أعرفه ، من أجل ماذا تقول هذا الكلام ؟ هذا يحدث دائماً ، أحياناً يكون طالب معجب بأستاذه ، الأب بسذاجة يقول : هذا لا يفهم شيئاً ، فهذا أستاذ ابنك ، الابن جلس معه ست ساعات ، والابن معجب بأستاذه ، أنت لكي تُظْهِر أمام أسرتك أنك أفهم منه : لا يفهم شيئاً ، أنت بهذا ماذا فعلت ؟ أنت ضعضعت الثقة ، قطَّعت العلاقة ، هذا موقف غير حكيم ، فكل إنسان يؤذي مؤمناً بتشويه سمعته ، بحديث غير صحيح عنه ، فهذا :
      
﴿ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا
تَحَمَّل تَبِعَة ذنب خطير وهو البهتان :
 
﴿ وَإِثْمًا مُبِينًا (58)
والحمد لله رب العالمين
 

 

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب