سورة سبأ 034 - الدرس (2): تفسير الأيات (02 – 05)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة سبأ 034 - الدرس (2): تفسير الأيات (02 – 05)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة سبأ

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة سبأ ـ (الآيات: 02 - 05)

18/06/2012 18:01:00

سورة سبأ (034)
 
الدرس (2)
 
تفسير الآيات: (2 ـ 5)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
       أيها الإخوة الأكارم ... مع الدرس الثاني من سورة سبأ ، في الدرس الماضي أيها الإخوة فُسِّرَت الآية الكريمة:
        
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾
 
تذكيرٌ بتفسير الآية السابقة :
 
1 ـ المستحقّ للحمد هو الله وحده :
 
       بيَّنت في الدرس الماضي أن القضية ليست إثبات النعمة ، لأن النعمة ثابتة ، وما من مخلوقٍ على وجه الأرضإلا ويقرُّ بها ، ولكن القضية قضية المُنْعِم ، من المنعم ؟ المنعم هو الله ، فكلّ النعم ؛ صغيرها وكبيرها ، جليلها وحقيرها ، قريبها وبعيدها ، ظاهرها وباطنها ، خفيها وجليِّها ، كل هذه النعم ما كان منها في الدنيا ، وما كان منها في الآخرة ، كل هذه النعم من حضرة الله وحده ، فأي اتجاهٍ إلى غير الله كي تشكره على شيءٍ توهمت أنه منه فهذا شرك .
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ  ﴾
       فالذي يستحق الحمد وحده هو الله لأنه هو الخالق .
 
2 ـ الحمد لله على ملكه السموات والأرض :
 
       والقضية الثانية في تلك الآية : هي أن الله سبحانه وتعالى يحمد على أن له ما في السماوات وما في الأرض ، وكما علمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نتلو بعد صلاة الفجر : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد " ، يحمد لأن له الملك ، يحمد لأنه مالك الملك ، يحمد لأن الأمور كلها بيده ، يحمد لأن له الخلق والأمر ، يحمد لأنه خالق كل شيء ، وهو على كل شيء وكيل ، يحمد لأنه لا يغيب عنه شيءٌ في الأرض ولا في السماء .
       وذكرنا في الدرس الماضي أيضاً كيف أن المُلْكِيَّةَ لله عزَّ وجل تعني الخلق والتصرف والمصير .
 
3 ـ الحمد لله على ملكه أمور الدنيا والآخرة :
 
       وبينت أيضاً أن الحمد لله الذي له ما في السماوات والأرض في الدنيا ، وأن الحمد لله الذي له كل شيءٍ في الآخرة ، فهو مالكيوم الدين ، مالك الدنيا والدين ، مالك الدنيا والآخرة ، مالك دار الفناء ودار البقاء ، مالك دار العمل ودار الجزاء ، سبحان الله ! كيف ينصرف الإنسان إلى غير الله ؟ فالله مالك الدنيا ومالك الآخرة ، مالك كل شيء ، وهو يحمد على ملكه ..
﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾
 
4 ـ مكافأة الله المحسنَ في الدنيا تشجيع لغيره ، وعقابه المسيء ردعًا لغيره :
 
      وبيَّنت أيضاً أن الله سبحانه وتعالى إذا كافأ المحسن في الدنيا ، فهي مكافأةٌ تشجعيةٌ لبقية المحسنين ، وإذا عاقب المسيء في الدنيا فهو عقابٌ ردعيٌ لبقية المسيئين ، أما الحساب الكامل ، أما وفاء الحساب التام فهو يوم القيامة .
 
﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
(سورة آل عمران من الآية 185 )
       الحساب الكامل ، الرصيد ، الحساب الحقيقي يوم القيامة ، لماذا ؟ لأنك إن رأيت محسناً قد كافأه الله ، فربما رأيت محسناً أَخَّرَ الله له المكافأة إلى وقتٍ آخر ، فلئلا تتخذ من الدنيا دار جزاء ، لأن الله عزَّ وجل جعلها دار عمل ودار ابتلاء ، فقد تجد مسيئاً في أعلى درجات الشأن والغنى والقوة ، فلا ينبغي إذا رأيت مسيئاً يزداد علواً في الأرض ، ومحسناً مغموراً ، لا ينبغي أن تحملك هذه الموازنة على أن تشكَّ في وعد الله ووعيده ، فحقيقة الدنيا هي دار ابتلاء ، وحقيقة الآخرة هي دار جزاء ، وإذا كافأ الله المحسن في الدنيا فهي مكافأةٌ تشجيعيةٌ لبقية المحسنين ، وإذا عاقب المسيء في الدنيا فهو عقابٌ ردعيٌ لبقية المسيئين ، لكن الجزاء الأوفى ، والجزاء الحقيقي ، هو في الآخرة ، لذلك ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر  .
 
5 ـ الدنيا هينة لا قيمة لها :
 
       لهوان الدنيا على الله ، ولضعف شأنها عنده ما أرادها أن تكون مكافأةً للمؤمن ، ولا أن تكون عقاباً للكافر، ربما كانت الدنيا جنة الكافر، وسجن المؤمن .
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ )) .
(سنن الترمذي عن سهل بن سعد)
      والنبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى شاةً ميتةً ماذا قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَخْلَةٍ جَرْبَاءَ قَدْ أَخْرَجَهَا أَهْلُهَا فَقَالَ : (( أَتَرَوْنَ هَذِهِ هَيِّنَةً عَلَى أَهْلِهَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا )) .
[ أحمد ]
ـ في بعض الروايات ـ أتشترونها بدرهم ؟قالوا : لا ، ولا بلا مقابل نشتريها ، قال : للدنيا أهون عند الله من هذه الشاة على أهلها  .
      لذلك الله سبحانه وتعالى أعطى المال لمن لا يحبه ، أعطاه لقارون ، قارون :
 
﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾
(سورة القصصمن الآية 76 )
       فإذا بلغك أن فلاناً معه أموال كثيرة ، موزعة في أرجاء العالم ، بيته فخم ، مركبته فخمة ، المال عنده كالتراب ، إياك أن يتوارد إليك أن فلاناً له شأنه عند الله ، إياك أن تظن أن الله كافأه ، أو أن الله أعطاه .
     الآن أقول لكم هذا الكلام الدقيق : ربنا عزَّ وجل يقول :
 
﴿ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ ﴾
(سورة الفجر من الآية 15)
       بمقياس العبد ؛ أعطاه المال ، والصحة ، والشأن ، والمكانة ، والجمال ، والكمال ، إلخ ..
﴿ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾
(سورة الفجر)
       هذا قول الله أم مقولته ؟ مقولته .
 
﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ﴾
       هو :
﴿ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾
(سورة الفجر)
       ربنا عزَّ وجل قال:
 
﴿ كَلاَّ ﴾
(سورة الفجر من الآية 17)
       هذه أداة ردعٍ ونفيٍ ، كلا ليس عطائي إكراماً ، ولا منعي حرماناً ، إن عطائي ابتلاء وحرماني دواء ، هل يمكن أن تسمِّي المال نعمةً مطلقا ؟ لا ، يصبح نعمةً إذا أنفقته في سبيل الله ، المال في الأصلابتلاء ، فإذا أحسنت إنفاقه في سبيل الله انقلب من ابتلاءٍ إلى نعمة ، هل تعد الزوجة نعمةً ؟ لا ، إنما هي ابتلاء ، فإذا دللتها على الله ، وحملتها على طاعة الله ، انقلبت من ابتلاءٍ إلى نعمة ، هل تعد المكانة العلية نعمةً ؟ لا ، إنها ابتلاء ، فإذا سخَّرت هذا الشأن العالي لخدمة أهل الحق ، انقلب الجاه الذي كان ابتلاء إلى نعمة .
 
6 ـ يجب تسخير النعم للآخرة :
 
    يجب أن تعلم علم اليقين أيها الأخ الكريم أنه ما من شيءٍ أعطاك الله إياه لا يسمَّى نعمةً أبداً ، يسمى ابتلاءً ، فلابد أن يكون مسخَّراً للآخرة ، لقوله تعالى :
 
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ ﴾
(سورة القصص من الآية 77)
       هذه آيةٌ واضحةٌ وضوح الشمس ، يجب أن تسخر صحتك لطاعة الله عزَّ وجل ، قوتك لخدمة الضعيف ، ذكاءك لمعرفة الله ، علمك بنشر الهدى ، وقتك الفارغ لخدمة الخلق ، أيُّ شيءٍ آتاك الله إيَّاه ينبغي أن تسخره للدار الآخرة ، والدليل قوله تعالى :
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا ﴾
(سورة القصص من الآية 77)
       فقد يقول قائل : يا أخي لا بدَّ من أن نأكل ، ونشرب ، ونتنزه ، ونأخذ بعض حظوظنا ، وقد يقول قائل : لا تنسَ نصيبك من الدنيا ، نقوللطالبٍ ذهب إلى بلدٍ غربي ليدرس ، وليعود بالدكتوراه ، نقول له حين الوداع : يا فلان ، إياك أن تنسى المهمة التي ذهبت من أجلها ، إياك أن تلهو مع من يلهو ، إياك أن تنغمس في الملذَّات ، إياك أن تنسى أنك طالب علم ، إياك أن تنسى أن الناس ينتظرون عودتك ، هذا معنى :
 
﴿ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا ﴾
       أنت في الدنيا لك مهمةٌ كبيرة ، إياك أن تنسى هذه المهمة ، لذلك :
 
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ
 
﴿ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ﴾
 
       هو .. هذه مقولته :
﴿ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾
 
﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ﴾
       هو :
﴿ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلاّ ﴾
(  سورة الفجر )
       ليس هذا صحيحاً ، ولا ذاك صحيحاً ، ليس عطائي تكريماً ، وليس منعي حرماناً ، لا ، إنما عطائي ابتلاء وحرماني دواء ، كلا أداة ردعٍ ونفي ، فلذلك ربنا عزَّ وجل يقول :
 
﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾
 
7 ـ علّةُ خلق السموات والأرض معرفةُ أمرِه وتطبيقُه :
 
       مرةً ثانية أسماء الله الحسنى كثيرة ، لكن كأن هذه الأسماء تتمحور حول وحدات ، الله عزَّ وجل موجود ، والله واحد ، والله كامل ، لكن أنا متى أستقيم على أمره ؟ أنت متى تنفِّذ تعليمات من هوفوقك ، متى ؟ إنه سؤال دقيق وسؤال محرج : متى تنفذ التعليمات التي جاءتك ممن هو فوقك ؟ في حالتين ، لا بدَّ من أن تجتمعا :
       الحالة الأولى : إذا علمت أنك إذا خالفت هذه التعليمات فإن الذي أصدرها يعلم ذلك .
       الحالة الثانية : وإذا علمت أنك إذ خالفتها فإن الذي فوقك يطولكوسوف يعاقبك .
       دقق في علاقاتك مع الناس ؛ لن تأتمر بأمر ، ولن تنتهي عن نهيٍ ، ولن تنفذ توجيهاً ، إلا إذا أيقنت أن الذي فوقك يعلم إذا خالفت هذا الأمر ، وإذا خالفت هذا الأمر فلابدَّ من أن يوقع بك عذاباً ، أو إيلاماً ، أو عقوبةً ثابتة ، من هنا يقول الله عزَّ وجل : ما دمت تحمد الله على أن له ما في السماوات والأرض فلابدَّ من أن تطيعه ، ما معنى هذا الحمد ؟ ما معنى هذا الحمد أن تحمده على أنه خلق السماوات والأرض ؟ لابدَّ من تحركٍ نحوه ، والدليل :
 
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا ﴾
( سورة الكهف من الآية 110)
    إنسان يتعرف إلى الله ، ويقف في مكانه مكتوف اليدين ؟ لا يتحرك نحوه ؟ لا يبحث عن أمره ؟ لا يتقرب إليه ؟ هذا ادِّعاء ..
تعصي الإله وأنت تظهر حبه     ذاك لعمري في المقال بديع
لو كان حبـك صادقاً لأطعته     إن المحب لـمن يحب يطيع
***
      فمستحيل أن تتعرف إلى الله حق التعرف وأن تعصيه .
 
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا
 
1 ـ علمُ الله شامل لكل خارج من الأرض داخل فيها :
 
      أيها الإخوة الأكارم ... إذا كان هناك انحراف ، أو خروج عن أمر الله ، يجب أن تعلم علم اليقين أنك لا تعرفه ، وأنك ما قدرته حق قدره ، من أجل أن تطيعه يجب أن تعلم أن الله يعلم ..
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
( سورة الطلاق من الآية 12)
       الآن جاءت لام التعليل .. خلق سبع سماواتٍ ، وخلق الأرض ، وما فيها من سبع طبقاتٍ :
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12) ﴾
(سورة الطلاق)
       من أجل أن تعلم ؟ لأنك إذا علمت استقمت على أمر الله عزَّ وجل .
     مثل بسيط جداً : طفلٌ صغير ، ولا أبالغ ، قد لا تزيد سنه على سنتين ، إذا أراد أن يفعل شيئاً يغضب الأب ، أول شيء ينظر إليه أيراقبه ؟ فإن كان يراه امتنع ، وإن كان غافلاً عنه فعل ، هذا الطفل الصغير بفطرته لا يُقْدِمُ على مخالفتك إلا إذا علم أنك غافلٌ عنه ، فإذا علم أنك تراه يمتنع ، لذلك ربنا عزَّ وجل قال :
 
﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ ﴾
      كل ما يدفن في الأرض يعلمه ، كل بذورٍ تدفن في الأرض ، وتزرع يعلمها ، كل المياه التي تُسقي الأرض يعلمها ، أيُّ شيءٍ يلج في الأرض ، أي شيءٍ من مياه ، إلى أموات ، إلى بذور ..
﴿ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ﴾
       من براكين ، من ثروات ، من إنبات ، أي شيءٍ يدخل يعلمه ، وأي شيءٍ يخرج يعلمه ، وهذا هو الإشراف الإلهي ، وهذا معنى : لا إله إلا الله ، لا معبود بحقٍ إلا الله ، لأنه يعلم ، إن كنت لا تدري ، كيف نتهم إنسانا سيِّئ الإدارة يقول لك : والله لا أعلم ، نقول له :
إن كنت لا تدري فتـلك مصيبةٌ    أو كنت تدري فالمصيبة أعظم
***
     إذا كنت لا تعلم فهذه مصيبة ، وإن كنت تعلم ، وبقيت مكتوف اليدين فهذه مصيبةٌ أكبر .
    إذاً ربنا عزَّ وجل هو الإله ، هو رب يعلم كل شيء ، قال :
 
﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾
 
2 ـ علمُ الله شامل لكل ما ينزل من السماء وما يعرج فيها :
 
      الملائكة إذا نزلت بأمر الله ، إذا عرجت بأعمال العباد ، الأمطار إذا نزلت ، نزلت في هذا المكان كذا ميليمتر ، في هذا المكان أقلّ من معدلات السنة الماضية ، يا رب ما الحكمة في ذلك ؟ يعلم ذلك ، يعلم أنه أغرق هذه المنطقة وجعل هذه المنطقة تَئِنُّ من الجفاف ، يعلم ..
﴿ يَعْلَمُُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾
 
3 ـ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ
     
      لماذا رحيمٌ غفور ؟ هو رحيمٌ لا شك في ذلك ، لكنه غفور ، فلو أن إنساناً انحرف عن جادة الصواب ، لابدَّ من أن يغفر الله له ، وكيف يغفر الله له ؟ يسوق له بعض الشدائد ، يحرمه بعض النعم ، حتى يلجأ إلى الله ، وحتى يتوب ، وحتى  يتضرَّع ، عندئذٍ يغفر له .
      تقريباً ولله المثل الأعلى : أحياناً هناك طبيب ، والطبيب يعلم دخائل الجسم ، وما يصلح له ، وما لا يصلح له ، وهناك أب في قلبه رحمةٌ لابنه ، أما إذا كان الأب طبيباً ، أو الطبيب أباً ، أي إذا اجتمعت الرحمة والعلم في شخصٍ واحد ، الأب الجاهل يطعم ابنه أطيب الطعام ولو دمر أمعاءه ، هناك أكلاتٌ مَن عنده التهابٌ في الأمعاء ، أو مغصٌ مزمن ، أو ما إلى ذلك تؤذي الطفل إيذاءً شديداً ، لذلك ورد في الحديث الشريف :
((إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام )).
 [ ورد في الأثر ]
(( إن الله تعالى يحمي عبده المؤمن كما يحمي الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة )) .
( الجامع الصغير عن حذيفة)
       إذاً :
 
﴿يَعْلَمُمَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾     
    رحيمٌ وغفور ، طبيبٌ وأب ، أبٌ في قلبه رحمةٌ تجاه ابنه ، وطبيبٌ عنده علمٍ كافٍ يجعله يمنع ويسمح ، ويقنن ويُكْثر   .
 
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ﴾
 
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ
 
     بالمناسبة قلت لكم سابقاً ، وأعيد هذا مراراً وتكراراً : لن تستقيم على أمر الله إلا إذا علمت أن اللهيعلم ، ويقدر ، وسيحاسب .
 
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ﴾
ساعةالحساب .
﴿ قُلْ بَلَى وَرَبِّي
 
قُلْ بَلَى وَرَبِّي
 
1 ـ تنزيلُ خبر الله منزلة الشيء الواقع المرئيّ :
 
     قال بعض العلماء : حينما قال الله عزَّ وجل :
 
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1) ﴾
( سورة الفيل )
       قد يقول قائل ببساطة : والله أنا ما رأيت ذلك ، القرآن يخاطب المؤمنين ، يخاطب الناس جميعاً .
﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾
       أيها الإنسان .
 
﴿ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1) ﴾
       لو قال : ألم تسمع ، ممكن ، سمعت بهذا ، سمعت بهذا في التاريخ أو في القرآن ، أما هو فيقول  :
﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾
       فإذا قال العبد : لم أر ، لم أكن وقتها ، أليس هذا العبد محقاً في قوله ؟ قال العلماء : خبر الله عز‍َّ وجل ، الخبر الذي يأتيك من عند الله لشدة يقينه ، وتوكيده كأنك تراه ، خالق الكون يقول : فعلت بأصحاب الفيل كذا وكذا ، فكأنك ترى ما يفعل بهم رأي العين ، هذا كلام خالق الكون ، وحينما يقول الله عزَّ وجل :
 
﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ ﴾
(سورة المائدة من الآية 116)
       لكن يا ربِّ هذا الشيء لم يقع بعد ، هذا الشيء يوم القيامة ، ولم يأتِ بعد هذا اليوم ، فكيف يقول الله عزَّ وجل :
 
﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَم ﴾
       أيضاً قال بعض العلماء : إذا استعمل الله الفعل الماضي للإخبار عن المستقبل فهذا يعني تحقق الوقوع ، أي كأنه وقع ، فأنت لا سمح الله ولا قدَّر لو رأيت إنساناً ينطلق بمركبته في أقصى سرعة في طريقٍ هابطة ، وأنت تعلم علم اليقين هذه المركبة ليس فيها مكبح ، ألا تقول وأنت لا تدري : تدهوروا ـ تقول تدهوروا بالفعل الماضي قبل أن يتدهوروا ، لماذا ؟ لليقين انتهوا ، كثيراً ما يقول الطبيب : انتهى ، قلبه لا يزال ينبض ، ساعة وهو لم ينته بعد ، إذا كنت متيقناً مما سيكون وأنت لا تشعر تستخدم الفعل الماضي .
      الراكب مركبة وهو في أقصى سرعة ، وشعر أن المكبح قد انقطع ، ماذا يقول ؟ هل يقول : بعد قليل سوف نقع ، يقول لك : وقعنا ، وهو لا يدري يستخدم الفعل الماضي ، لذلك ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1) ﴾
      أي يا أيها الإنسان هذا الخبر يجب أن توقن به وكأنك تراه بعينك .
 
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾
    النبي عليه الصلاة والسلام سأل أحد أصحابه قال :
(( كأني بأهل الجنة في الجنة يتنعمون فيها ، وكأني بأهل النار في النار يعذبون ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أصبت فالزم ، مؤمن نور الله قلبه )) .
(مجمع الزوائد )
       المعلم صاحب الخبرة العالية إذا رأى طالباً يتلهَّى في الدرس ، كلما كلفه بوظيفة جاء مقصراً فيها ، المعلم الذي عَلَّم أربعين سنة يقول : كأنني أراه يبكي بعد حين ، فهذا الطالب يسرح ويمرح ويمزح ، فإذا جاء الامتحان ورسب ، وتلقَّى النتيجة صار يبكي ، هذا البكاء رآه المعلم الخبير قبل حين ، يؤيِّد هذا قوله تعالى :
 
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ(10) ﴾
(سورة غافر )
      أي أنتم الآن تمقتون أنفسكم ، وتضجون ، وتلومون أنفسكم ، لكن الله عزَّ وجل حينما كان يدعوكم إلى الإيمان فتكفرون ، مقتُه لكم وقتها أشد من مقتكم لأنفسكم ، هذا كله يأتي من الخبرة ، فلذلك ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ﴾
 
2 ـ البطولة إدراك الشيء قبل الوصول إليه :
 
       إن كنت مؤمناً صادقاً رأيت مصيرهم وهم في أَوْجِ نشاطهم ، رأيت مصيرهم وهم في أعلى درجات قوَّتهم ، رأيت مصيرهم وهم في أعلى درجات غناهم ، رأيت مصيرهم المحتوم ، المشؤوم الأسود وهم في أعلى درجات تألقهم ، البطولة أن ترى الشيء قبل أن تصل إليه ، أن تصل إلى الشيء بعقلك قبل أن تصل إليه بقدميك ، هذه البطولة .
      من هو الإنسان ؟ أتاه الله قوة تصور ، الذي يصل إلى ما سيكون قبل أن يكون هذا التوفيق ، وهذا الذكاء ، والدول المتقدمة تعيش عام ألفين ، يهيئون المشكلات التي سوف تظهر بعد عشرين عاماً ، ويخططون لحلها .
       فلذلك أيها الإخوة الأكارم .
     
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ﴾
 
عَالِمِ الْغَيْبِ
 
1 ـ يوم القيامة يومٌ عسير :
 
      عالم الغيب ؛ هو الذي يعلم حصولها ، ووقوعها ، وشدتها ، وهولها ، لذلك عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ـ  كما خلقهم الله عزَّ وجل بغير ختانٍ ـ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ؟!!! فَقَالَ : الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ )) .
[ متفق عليه ]
       لشدة الهول الأمر أفظع من أن يعنيهم ذلك ، وحينما سألت السيدة عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : يا رسول :
(( أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة ؟ قال : نعم يا أم المؤمنين ، إلا في ثلاث مواطن : عند الصراط ، وعند الحشر ، وإذا الصحف نشرت ، وفيما سوى ذلك ...... ليتني أستطيع أن أفعل ذلك ، إنني أشكو مما أنت منه تشكين )) .
[ ورد في الأثر ]
       هذا يومٌ عصيب ..
 
﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ(9)عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ(10) ﴾
( سورة المدثر )
 
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)
( سورة الغاشية)
 
2 ـ هيِّئ جوابًا لله عن كل سؤال :
 
        مرة استنصحني رجلٌ له عمل بإمكانه ببساطة أن يوقع الأذى بالناس ، وهو مرهوب الجانب ، قلت له : يا فلان ، افعل ما تشاء ، فاستغرب هذا الكلام مني ، ولكنك إذا كنت بطلاً فهيئ لله عزَّ وجل عن كل فعلٍ تفعله مع الناس جواباً مقنعاً ، لماذا فعلت مع فلان كذا ؟ مع نفسك ، مع أولادك ، مع زوجتك ، مع زبائنك ، مع شركائك ، مع زبائنك ، مع جيرانك ، مع الحيوانات .
         فهذا العصفور الذي يقتله الصيَّاد للتسلية ، يقتله لغير مأكلةٍ ، ليس جائعاً ، ليس على وشك الموت جوعاً ، لا ، يذهب إلى البادية ليصطاد عشرات المئات منالقطا ، ثم يتلفها في الطريق ، لأنه لا يستطيع أن يحتفظ بها أياماً ثلاثة ، لكنه مارس هواية الصيد ، وقد حدثني أحدهم قال : والله ذهبنا بسيَّارتين أو ثلاثة وصدنا من القطا ما يزيد على ألفي طائر ، وكله تلف معنا في الطريق ، ورميناه في الطريق ، وهذا العصفور يوم القيامة يأتي وله دويٌ كدوي النحل ، يقول يا رب سله لم قتلني ؟ .
       هناك من الصيد ما هو محرَّم بإجماع العلماء ، أقول : بإجماع العلماء ، أي أنك إذا اصطدت طائراً لغير مأكلةٍ ، للتسلية ، لممارسة هواية الصيد فقط ، لكن الله شرع الصيد إذا كنت مسافراً ، وأنت الإنسان المكرم ، وأنت الإنسان الذي كرَّمك الله عزَّ وجل ، إذا كنت على وشك الموت جوعاً لك أن تصطاد ، وأن تأكل ؛ أما أن تجعل من الصيد هوايةً وتسليةً ، تتلف هذه الأرواح ، تعذب هذا الحيوان بلا جدوى ، والحيوان مال تتلفه أنت بهذه الطريقة .
       فلذلك أيها الإخوة ... في عملك ، في حرفتك ، في مهنتك ، في بيتك ، لماذا طلَّقت زوجتك ؟ هل عندك جوابٌ لله عزَّ وجل ؟ لماذا قلت لأمك : كذا وكذا ؟ لماذا نصحت هذا الإنسان أن يأتيك بعد أسبوع ، وأنت تعلم علم اليقين أنه شفي تماماً من مرضه ؟ لماذا تأمره أن يأتيك بعد أسبوع للمراجعة ؟ لماذا ؟ الله وحده يعلم .
     أيها المحامي لماذا تقول لهذا الموكل : قضيتك رابحة مائة في المائة ، وأنت تعلم علم اليقين أنها لن تربح ، ففي  محكمة النقض ما يخالف هذا الذي تقوله ؟
        أيها الإخوة الأكارم ... هذا هو الدين ، قلت مرةً لأحد الأشخاص : القضية في الدين ليست في سعة الثقافة ، ولا في طول الباع ؛ القضية بالورع ، قلتله هذا الأعرابي البدوي الذي رآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وأراد أن يمتحنه ، هذا البدوي محدود الثقافة ، الذي لم يطلع لا على كتاب ، ولا على شريط ، ولا على مجلد ، ولا عنده دائرة معارف في البيت ، ولا عنده مجلات حديثة ، هذا البدوي قال له عمر : << بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ، قال : ليست لي ، قال : قل لصاحبها ماتت ـ أو أكلها الذئب ، قال :  ليست لي ، قال : خذ ثمنها ، قال : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادقٌ أمين ، ولكن أين الله ؟ >> .
       هذا البدوي ، الأعرابي ، هذا الراعي وضع يده على جوهر الدين ، أنت في خلوتك ، وممكن أن تقع بمخالفة لا يراها أحد في الأرض ، وأنت بينك وبين الله تقول : إني أخاف الله رب العالمين ، فأنت مؤمنٌ ورب الكعبة ، ورب الكعبة أنت مؤمن ..
"من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا ، لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله " .
((ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلط )) .
[ ورد في الأثر ]
      يجب أيها الإخوة قبل أن تفعل شيئاً ، قبل أن تقول كلمةً ، قبل أن تقف هذا الموقف ، قبل أن تغضب ، قبل أن ترضى ، قبل أن تصل ، قبل أن تقطع ، قبل أن تذهب إلى هذا المكان ، قبل أن تسهر هذه السهرة ، قبل أن تشترك في هذه النزهة ، قبل أن تعقد هذا الاجتماع ، قبل أن تزمجر على فلان ، قبل أن تلين لفلان ، يجب أن تهيئ لله جواباً على سؤاله ، يا عبدي لمَ فعلت هذا ؟ ورد في بعض الأثر أن الله سبحانه وتعالى يقول لإنسان يوم القيامة : "عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ " .
       سؤال كبير جداً ، أعطيتك مالاً والناس يموتون جوعاً ، ومعظم الناس لا يجدُ ما يأكله ، معظم الناس ليس عنده غرفةٌ يتزوَّجُ بها ، وعندك بيت بمصيف ثمنه ثلاثون مليوناً من أجل أن تقضي فيه أسبوعين في الصيف، وقد لا يتاح لك أن تزوره مرةً واحدة ، قال له: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ ـ لا يوجد في الآخرة كذب ـ قال : يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، قال : ألم تعلم بأني الرزاق ذو القوة المتين ، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ، يقول لعبدٍ آخر : أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول : يا رب لقد أنفقته على كل محتاجٍ ومسكين ، لثقتي بأنك خيرٌ حافظاً ، وأنت أرحم الرحمين ، يقول : يا عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك " .
        إذا لم تراقب الله عزَّ وجل ، وتحادثه ، وتسأله ، وترجوه ، وتستغفره ، فلست مؤمناً ، فقل :
 
﴿ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾
 
لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ
 
﴿ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا(124) ﴾
(سورة النساء )
       نواة التمر من أحد أطرافها لها رأس مؤنَّف لا يرى بالعين ، أما إذا وضعته على لسانك تشعر كأنه دبوس ، هذا اسمه نقير ، ونواة التمرة في الشق الذي على أحد طرفيها خيطٌ رقيق ، هذا ماذا يسمى ؟ فتيل ، ولنواة التمرة غشاءٌ رقيقٌ رقيق ، هذا يسمى قطمير ، فأنتم ، لا تظلمون نقيراً ، ولا تظلمون فتيلاً ، ولا تظلمون من قطمير ، لا غشاء النواة ، ولا الخيط بين الفَلقتين ، ولا في نتوء هذه النواة ، لا ظلم اليوم ، قال :
 
﴿ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
 
وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ
 
   رجل كان ببلد غربي ، يقود مركبةً في الساعة الثانية ليلاً ، بعد أسبوع جاءه إعلام بمخالفة ارتكبها ، على عادته في بلده ذهب إلى هناك وقال : أنا لم أخالف ، هذا كلامٌ فيه افتراء ، فسكتوا ، ودخلوا ، وخرجوا ، وقد أطلعوه على صورة سيارته وهي تخالف ، فسكت ، ما قول هذا الإنسان لو رأى يوم القيامة شريطاً فيه كل حركاته وسكناته ، كل حركةٍ وسكنةٍ ..
 
﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ
(سورة الإسراء من الآية 14)
      سمعت في بعض دوائر الشرطة أن الإنسان إذا ضبط بمخالفة يصور ، فلئلا يقول : كنت ، ولم أكن ، ولئلا يتعبهم في الاعتراف ، قبل كل شيء يطلعونه على الشريط المُسَجَّل ، بعدئذٍ يسألونه ..
﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14) ﴾
( سورة الإسراء)
       فأنا ذكرت هذا لقول الله عزَّ وجل :
 
 ﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
 
﴿ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49) ﴾
(سورة الكهف )
      فدبيب النملة السوداء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء يعرفها ..
 يا من يرى مد البعوض جناحها    في ظلمة الليــل البهيم الألْيَلِ
ويرى نياط عروقها ..
     النملة لها جهاز هضمي فيه عصارات ، ولها معدة ، ولها جهاز ضخ ، وجهاز إفراز من يرى هذا كله ؟ ثم يقول الله عزَّ وجل :
      
﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾
 
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
 
      الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، عقيدة المؤمن صحيحة ، وسلوكه صحيح ، أفكاره صحيحة ، وعمله طيِّب .
﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ﴾
 
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ
 
       فهذا الذي يكيد للحق ، يريد أن يسفِّه أهل الحق ، يريد أن يطفئ نور الله ، يريد أن يظهر الدين على أنه لا يصلح لهذا الزمان ، يريد أن يظهر المؤمنين على أنهم أناسٌ ضيقو الأفق ، هذا الذي يسعى لإظهار الباطل متألقاً ، وإظهار الحق متخلفاً ، هذا الذي لا يعنى بكتاب الله ، يراه لا يصلح لهذا الزمان ..
 
﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾
     هناك رجل مفترٍ ملحد ألف كتاباً سمَّاه نقد الفكر الديني ، فجاء لهذه الآية:
 
﴿ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا ﴾
       فتوهَّمَ خطأً أن هذه الآية هي القرآن الكريم ، فقال : أيعقل أن يكون كتابٌ لا يزيد على ستمائة صفحة فيه كل شيء ، انظروا إلى هذا الكلام غير المعقول ، هذه الآية ليست من القرآن ، هذه لكتاب الأعمال ، لأعمال الإنسان ، فأحياناً الإنسان يفتري ، يجَرِّح ، يطعن ، يحاول كشف التناقض ، يريد أن يظهر للناس أن هذا القرآن لا يصلح لهذا الزمان ، حتى إنه يقول : النظام الديني لا يصلح للبشر ، إنه مبنيٌ على التضييق على الإنسان .
 
﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ(5)وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(6)وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ(7)أَافْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ(8) ﴾
    وفي درسٍ قادم إن شاء الله تعالى نقف عند هذه الآيات الكريمة وقفةً متأنية .
 
والحمد لله رب العالمين
 
 
 

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب