سورة سبأ 034 - الدرس (7): تفسير الأيات (24 – 30)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة سبأ 034 - الدرس (7): تفسير الأيات (24 – 30)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة سبأ

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة سبأ ـ (الآيات: 24 - 30) - محاورة بين الداعي والكافر

27/06/2012 14:59:00

سورة سبأ (034)
 
الدرس (7)
 
تفسيرالآيات: (24 ـ 30)
 
محاورة بين الداعي والكافر
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
          أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس السابع من سورة سبأ ، وبدءاً من الآية الرابعة والعشرين ، يقول الله  سبحانه وتعالى في سورة سبأ :
﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
 
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
 
1 ـ الرزق والأجل بيد الله وحده :
 
      أخطر شيء في حياة الإنسان وجوده ورزقه ، وأخشى ما يخشاه انقضاء أجله وانقطاع رزقه ، لذلك لو علم الناس علم اليقين أن آجالهم بيد الله ، وأن إنساناً واحداً على وجه الأرض لا يستطيع أن يحدِّدها ، وأن أرزاقهم بيد الله ، وأن جهةً على وجه الأرض مهما عظمت لا تستطيع أن تمنع ، ولا أن ترسل ، فإذا أيقنت يقيناً قطعياً أن حياتك بيد الله ، وأن الذي منحك الحياة هو وحده يُنْهِي هذه الحياة ، وأن الذي خلقك هو الذي تكفَّل برزقك ، لو أيقن الإنسان بهاتين الحقيقتين لكانت حاله ذات شأنٍ آخر بعيدٍ كل البعد عن شأنه الحالي .
       إن الله سبحانه وتعالى قد منع العباد من أن يتدخلوا في آجال الناس وفي أرزاقهم ، لذلك قيل : كلمة الحق لا تقطع رزقاً ، ولا تقرِّب أجلاً ، لا إذا قلتها ، ولا إذا سمعتها ، اسمعها ، فهذا الذي يخشى أن يسمع الحق ، يتوهم توهُّمات باطلة ، هذا لا يعرف الله عزَّ وجل ..
﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِي( 78 )وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي( 79 )وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي(80) ﴾
(سورة الشعراء )
            لو دققت في أسباب أكثر المعاصي لوجدتها من أجل المال ، لو أيقنت يقيناً قطعياً أن الله عزَّ وجل بيده الرزق وحده ؛ يكثِّره أو يقلله ، يضيقه أو يوسعه ، يسهله أو يعسره ، وأنك لن تنال ما عند الله عزَّ وجل إلا بطاعته ، وأنك إذا توهَّمت أنك بمعصية الله عزَّ وجل يزداد رزقك ما الذي يحصل ؟ قد يأتيك رزقٌ وفير بادئ ذي بدْء ، ثم يُمْحَق ، ثم يتلف ، ثم يُهلك ، فهذا الذي نعنيه بقوله تعالى أن الرزق بيد الله ، والله سبحانه وتعالى جعل الرزق متغيراً .
 
2 ـ حركة الرزق متحركة غير ثابتة :
 
         في الحياة ثوابت ومتغيرات ، حركة الأفلاك ثابتة ، الليل والنهار ثابت ، دورة الشمس والقمر ثابتة ، هذه ثوابت ، نظام جسم الإنسان ثابت ، نظام التوالد ثابت ، خصائص الأشياء ثابتة ، خصائص البذور ثابتة ؛ ولكن هناك أشياء متغيرة ، فالرزق متغيِّر ، وربنا عزَّ وجل جعله متغيراً لحكمةٍ بالغة ، ليربطك به ، ما دمت تحرص على الرزق حرصاً بالغاً ، والرزق بيده ، فإذا أردت بحبوحة الرزق فالجأ إليه ، طبِّق أمره ، تُب إليه ، من منا يصدِّق قبل هذا العام أن تأتي أمطار بهذه الغزارة ، أنا سمعت بأذني من خبراء في البيئة قالوا : نحن في طريق الجفاف ، معظم الينابيع جَفَّت ، معظم الأنهار جفت ، وكلما تقدَّمت السنوات دخلنا في منطقة الجفاف ، فمعدل دمشق كان مئتين وثمانية عشر ميليمترا ، في السنوات الخمس أو الست الأخيرة وصل إلى مئةٍ وستين ، وإلى ثمانين ميليمترا ، من منا يصدق أن تأتي هذه الأمطار بهذه الغزارة ، في أكثر المناطق رجحت النسب عن ألف ملم ، في أغلب المناطق ، وفي أغلب المناطق رجحت النسب عن المعدلات السنوية في السنوات المطيرة ، الله هو الرزاق .
 
3 ـ لماذا التملق والنفاق إذا كنت تعلم أن الرزق بيد الله :
 
      هذه النقطة الدقيقة أجلك ورزقك بيد اللهوحده ، إذاً : لا تنافق ، الناس ينافقون إما حفاظاً على حياتهم أو حفاظاً على أرزاقهم ، الناس يتكلَّمون الباطل إما حفاظاً على حياتهم أو على أرزاقهم ، أناسٌ كثيرون يتملقون ، أناسٌ كثيرون يعصون الله عزَّ وجل ، يفعلون الكبائر حفاظاً على حياتهم ، أو حفاظاً على أرزاقهم ، وتنقضي حياتهم ، وتُقْطَعُ أرزاقهم ، ويكسبون الإثم فقط ، فإذا رأيت أن الله بيده كل شيء ، وأن كل من تراه من بني البشر هم بيد الله عزَّ وجل ، هذا هو الدين ، الدين أن تتعامل مع جهةٍ واحدة ،  مع الله ، الدين أن تُخلص له ، وأن ترجو ما عنده ، الدين أن تخافه ، وأن تعقد الآمال عليه ، الدين أن تستقيم على أمره ، ولا تعبأ ببني البشر ، ربنا عزَّ وجل يقول : يا محمد سَلْهُم :
﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
       أنا رأيت بأُمِّ عيني في بلاد إفريقيا في بعض المناطق أصابتها سبع سنوات عِجاف ، النبات كله يَبِس نهائياً ، والماشية كلها ماتت ، وأهل البلاد هجروها إلى بلادٍ أخرى ، لو أن الله عزَّ وجل حبس أمطار السماء سنواتٍ متتابعة إلى أن جفت الينابيع ، وجفت الأنهار ، ومات النبات ، وتبعه الحيوان ، وأصبحت بلاداً مقفرةً لا تصلح للحياة ، هل في الأرض كلها جهةٌ مهما قويت ، مهما علا شأنها ، بإمكانها أن تجتمع ، وأن تتخذ قراراً بإنزال المطر ؟ .
      فهذا الذي قال مرةً : نحن استغنينا عن رحمة السماء هو قمة في الجهل ، نحن بحاجة إلى رحمة الله عزَّ وجل ، والإنسان كما تعلمون بيد من ؟ فنقطة دم بالدماغ تتجمد ، إما شلل ، أو جنون ، أو اختلال توازن ، أو صمم ، أو عمى ، نقطة دم لا يزيد حجمها على رأس دبوس ، لو تجمدت في بعض شرايين الدماغ ، أي مكانٍ في الدماغ لو أصابه خلل لانعكس آفةً خطيرةً ، فأنت بيد الله ؛ وجوداً ، وسلامةً ، وكمالاً ، واستمراراً ومن حولك ، ومن دونك ، ومن فوقك ..
﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
  جاء الجواب :
﴿ قُلْ اللَّهُ ﴾
 
       قل الله وحده ، ولا إله إلا الله ولا أحد سواه .
 
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
 
1 ـ مِن أدبِ الحوار :
      
      الآن نحن في آيةٍ تعلِّمنا أدب الحوار ، فإذا أردت أن تناقش الآخرين ، أن تحاورهم ، إذا كنت ممن يريد أن يستعلي عليهم ، فأنت لست ممن يحبه الله ورسوله ، أما إذا أردت أن تنقُلَهُم إلى الحق ، وأن تهديهم سواء السبيل ، فهذا هو الأسلوب ، دققوا في أن الله سبحانه وتعالى يأمر النبي أن يقول للخصوم ، للكفار ، للمشركين ، للفجار ، لآكلي المال الحرام ، لشاربي الخمر ، لعبدة الأصنام ، لمن يعبدون الأصنام جهاراً ، قل لهم يا محمد :
 
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
       الحق واحد لا يتعدد ، فإذا قلت أنا هذه المقولة ، وأنت قلت هذه المقولة ، أنا أقول : الله هو الرزَّاق ، وتقول أنت : جهةٌ أخرى ، اللات والعزى مثلاً ، فما دام الحق لا يتعدد فأحدنا على صواب والآخر على خطأ ، لم يقل : مَنْ ، هذا التلطف ، إذا أردت أن تحاور الناس ، يكفي أن تقول لهم : أنتم مخطئون ، أنتم لا تعرفون ، أنتم جهلاء ، أنتم ذوو عقول سخيفة ، عندئذٍ تردُّ دعوتك ، ويسد الطريق أمامك ، لابدَّ من تلطف ، لابدَّ من تواضع ، لابدَّ من توازن .
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ ﴾
      أي أحدنا على حق والآخر على باطل ، أحدنا وفق الطريق المستقيم ، والثاني وفق الطريق المِعْوَج  .
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
       إذاً إذا حاورت الناس ، إذا دعوت إلى الله ، إذا أردت أن تُقنع الناس بحقيقةٍ دينيةٍ ، إذا أردت أن تبيِّن منهج الله عزَّ وجل فلا تأتِ بأسلوب العلو من علٍ ، لا تأتِ وكأنك وصي عليه ، لا تأتِ وكأنك أنت الوحيد في العالم ، تعال إليه من طريقٍ متواضع ، تعال إليه من طريق متوازنٍ .
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
        أقول لك : الغرفة منيرة ، وأنت تقول : الغرفة مظلمة ، فالظلام والضوء شيئان متناقضان ، ومعنى متناقضين أن أحدهما ينقض وجود الآخر ، إذاً لابدَّ من أن تكون الغرفة منيرةً أو مظلمةً ، لابدَّ من أن يكون أحد القائلين على حق والثاني على باطل ، هذا كلام منطقي ، فإذا أردت أن تقنع الناس تعال إليهم من عقولهم ، من مصالحهم ، من صحَّتهم النفسية ، تعال إليهم من باب التواضع ؛ ولا تأتهم من باب الغطرسة ، والعنجهية ، والاستعلاء ، والوصاية ، عندئذٍ لا يستمعون إليك ، هذا تعليم الله لنا ، وإنا ، يخاطب كفار قريش ، يخاطب عُبَّادَ الأصنام ، يخاطب شاربي الخمر ، يخاطب آكلي الربا :
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
      فكل إنسان يبدأ حواره مع الآخر بكلمات : أنت غلطان ، أنت لا تفهم شيئاً ، أنت على باطل ، هذا كلامٌ يسد عليك الطريق إلى قلب هذا الإنسان ، هذا كلامٌ هو في الحقيقة عقباتٌ كأْداء في طريق الهداية ، هذا تعليم الله لنا .
﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
 
2 ـ لفظ الهدى في القرآن مسبوق بـ ( على ) والضلال بـ ( في ) :
 
     الآن في الآية نقطة ثانية ، وهذه النقطة مهمة جداً ، هو أن الهدى في أكثر آيات القرآن الكريم سُبِقَ بـعلى ، وأن الضلال سبق بـ في ، من معاني على العلو ، من معاني في الدخول في الشيء ، أدخلت هذه الورقة في الدرج ، أدخلت هذه الحاجة في المكتبة ، ففي تعني دخول شيءٍ في شيء ، أما على تعني وجود شيءٍ فوق شيء .
 
معنى : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
 
المعنى الأول :
 
       المعنى الأول : أن الهدى شيءٌ عظيم ، شيءٌ مرتفع ، شيءٌ واضح ، شيءٌ عالٍ ، شيءٌ يراه الناس جميعاً ، لا يختلف عليه ، قاسمٌ مشترك   .
 
المعنى الثاني :
 
       والمعنى الآخر : أن الهدى يرفعك ، كلما كنت على حق كنت أعلى في نظر الناس ، كلما تألَّقت في سماء المجتمع كنت على حق ، كلما أعجب الناس بك جعلوك قدوةً ، فالهدى يرفع ، أما إذا كنت ضالاً ـ لا سمح الله ـ فالضلال يجعلك في مكانٍ سحيق ، وفي حفرةٍ سحيقة ، وفي هاويةٍ مالها من قرار ، ويجعلك مقيداً ، كأن ( في ) تعني القيد ، والعلو يعني الإطلاق ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال الله في وصفه :
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) ﴾
(سورة القلم)
       أي أخلاقك طوع بنانك ، الإنسان أحياناً يقف موقفاً أخلاقياً بعد جهدٍ جهيد ، بعد صراعٍ مع نفسه مرير ، بعد أخذ ورد ، بعد قيلٍ وقال ، بعد إقبالٍ وإحجام ، وفي النهاية يستنفذ كل جهوده ، وينتصر على نفسه ، ويحلُم ، ولا ينفجِر ، فهذا الإنسان ذو خلقٍ ؛ ولكن ليس على خلقٍ عظيم ، فهو انتصر على نفسه بصعوبة ، أي أنه كاد ينهزم ، كاد ينفجر ، كاد يغضب ، كاد يكون قاسياً ، كاد ينتقم ، لكنه رجَّح جانب الكمال ، وانتصر ، فهو ليس على خلقٍ ، هو ذو خلقٍ ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لأنه متمكنٌ من أخلاقه ، متمكنٌ تماماً ، لأن أخلاقه طَوع بنانه ، لأنه في أعماق الفضيلة لا على حوافِّها ..
﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ﴾
(سورة الحج : من الآية 11 )
 
علوُّ الهدى وسفول الضلال :
 
      فإذا مشى الإنسان على حرف ، بين أن يبقى على هذا السطح ، وبين أن يسقط ، إذا سار على حرف النهر ، بين أن تزل قدمه فيسقط ، وبين أن يبقى على اليابسة ، احتمال الوقوع كبير جداً ، لكن إذا كان في الأعماق ، في أعماق البر ، احتمال أن تزل قدمه ، وأن يسقط في الماء احتمال مستحيل ، فالإنسان كلما ارتقى إيمانه يدخل في أعماق الكمال ، أما الذي إيمانه ضعيف فهو على حرف ، لكن أهل الدنيا الذين يتخلَّقون بأخلاقٍ رَضِيَّةٍ ، لانتزاع إعجاب الآخرين ، وانتزاع ثنائهم ، وترويج بضائعهم ، هؤلاء سريعاً ما ينكشفون ، لو جاءهم مؤثِّرٌ يصدم مصالحهم ، أو يجرح مشاعرهم ينقلبون إلى وحوشٍ كاسرة ، كل لباقته ونعومته وذوقه الرفيع تركه جانباً ، وتكشَّف عن وحشٍ كاسر .
       فلذلك إذا ارتقى إيمانك تدخل في الأعماق ، فالهدى يرفعك ، يعلي شأنك ، يجعلك ظاهراً ، بارزاً ، متألِّقاً ؛ وأما الضلال يجعلك في الظلام ، يجعلك في الأقبية ، فالمعاصي كلها في الأقبية ، أما الطاعات ففي أماكن فسيحة ومكشوفة ، والباب مفتوح دائماً ، تحت ضوء الشمس ، أهل الإيمان يعملون تحت ضوء الشمس في وضح النار ، كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ )) .
[ ابن ماجه عن العرباض بن سارية ]
       ( على ) فيها وضوح ، أنت في مكان عالٍ انظر إلى الجبل ، الجبل واضح ، إذا أتيت الشام من طريق درعا ترى الجبل ، من طريق بيروت ترى الجبل ، من طريق حلب ترى الجبل ، من طريق التل ومنين ترى الجبل ، شيءٌ عالٍ ، والهدى كذلك منارة مرتفعة تُرى من كل مكان ؛ أما إذا ضللت فالضلال يحتاج إلى أماكن إضاءتها خافتة أليس كذلك ؟ وتحت الأرض وفي السر ، المعاصي ترتكب سراً ، والزنا يرتكب سراً ، بينما الزواج تطلق أبواق السيارات حتى تملأ الدنيا ضجيجاً ، لأنه زواج .
       أذكر هذه القصة ، لي صديقٌ طرق بابه الساعة الرابعة بعد الفجر ، فتح الباب فلم يجد أحداً ، نظر نحو الأرض فإذا محفظة صغيرة مفتوحة فيها طفل ولِدَ حديثاً ، ولد منذ ساعة تقريباً ، وطبعاً هذا لقيط ، ابن زنا في أغلب الظن ، فأخذه إلى مستشفى ، واعتنى به إلخ ... أنا استوقفني هذا المشهد فقلت : لو أن هذا الولد جاء من طريقٍ مشروع ، قبل أن يأتي بأشهر أُعِدَّت له الوسائد ، والسرير ، واللباس الأنيق ، والزوج مستبشر ، والزوجة فرحة ، والأهل ينتظرون هذا المولود ، جاء هذا المولود وزفت البُشرى إلى الأهل ، يأتي المهنِّئون ومعهم الهدايا ، وتوزع الحلوى ، إذا جاء المولود بالطريق الذي رسمه الله عزَّ وجل ، رسم طريق الزواج شيء ؛ وإذا جاء المولود بطريقٍ غير مشروعةٍ فشيءٌ آخر .
      الهدى واضح لا تنعقد صلاة الجمعة في الفقه إلا إذا كان المسجد مفتوحاً لكل الناس ، خطيب متفوِّق ، وخطبة رائعة ، وحق ، وعمق ، وتحليل ، وأحاديث وآيات ، لو قفل الباب الصلاة كلها باطلة ، فهذا دين الله عزَّ وجل ، وهذا شرع الله ، كلمة لا حياء في الدين تخطر في بالي أحياناً ، يمكن أن نوجهها توجيهاً آخر ، ليس في الدين كله شيءٌ تستحي به ، لو فرضنا عابد للبقر من الهند ذهب إلى مجتمع راقٍ ، وهو يعتقد أن روث البقر إذا وضعه على جبينه يتبارك به ، لو تكلَّم بهذه الفكرة أمام أناس مثقفين ألا يستحي بها ؟ ألا يصغُر أمام الناس ؟ فالذين يعبدون البقر والشمس ، ويعبدون الشيطان ، ويعبدون بوذا يستحيون أمام المثقفين .
       حدثني صديق كان باليابان ، دخلوا إلى معبد بوذي فإذا أمام هذا الصنم الكبير بوذا فواكه مما لذ وطاب ، سأل لمن هذه الفواكه ؟ قالوا : هي لهذا الإله يأكلها في الليل ، فنظر إليهم نظرةً فاحصةً فتبسَّموا ، وقالوا : نحن نأكلها ، يعتقدون أن تكريم الإله بوضع الفواكه الطازجة الجيدة ، فإذا تكلَّمت بكلام أمام إنسان مثقف يضحك على هذا الدين ، ليس في الدين الإسلامي كله شيءٌ تستحي منه ، لأنه دين الله عزَّ وجل .
﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
(سورة يونس : من الآية 101)
       كلمة لعلى هدى أنت على منارة رفيعة ، هذا حق وهذا باطل ، هذا فيه تحريمٌ في القرآن لا أفعله ، إذا قدم لك كأس خمر لا تقل : جهازي الهضمي مضطرب ، لا يصلح له هذا الشراب ، لماذا تقول ذلك ؟ قل : هذا شرابٌ عندي محرم في ديني ، لا يوجد مسلم يذهب إلى بلاد الغرب ، ويعتذر عن الشرب ، لأن الإسلام حرَّم عليه الشرب إلا ، ويكبر في نظر الآخرين ، ويثقون به ، وقد يعطونه تسهيلاتٌ كبيرة جداً ، لأنه قال : هذا شيء محرَّم في ديني ، فأنت على حق ..
﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79)
(سورة النمل)
       أنت مع الله ..
﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63)لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ
(سورة يونس)
       وأنت مع الله تخاف من مخلوق ؟! وأنت مع الله تستحي أن تصلي ؟ وأنت مع الله تستحي أن تكون صائماً ؟
      مرة من المرات حدثني رجل قال لي : كنا في جلسة ، وفيها رجل ذو شأن ، وهذا الشخص الكبير سأل : احضروا لنا ضيافة ، فجاءوا بالضيافة ، وكان هناك شخص صائم ، فاستحى وأفطر ، لئلا يقال عنه : صائم ، رجل آخر قال : إني صائم ـ جيِّد ـ في النهاية الذي أفطر إرضاء لهذا الكبير ركله بقدمه ، والذي قال : إني صائم ارتفع في نظره ..
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى ﴾
       فالهدى عالٍ يرفع شأنك ، يُعْلِيقدرك ، ألم يقل الله عزَّ وجل :
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4)﴾
(سورة الشرح)
      لا أحد على وجه الأرض ـ وأنا أعني ما أقول ـ عظمه الناس كما عَظموا رسول الله ، بعد ألفٍوخمسمئة عام اذهب إلى حرمه الشريف ، وانظر إلى مئات الألوف يمشون أمامه ، أمام قبره وهم يبكون ، لا رأوه ، ولا سمعوا منه ، ولا أخذوا منه شيئاً ، قبل ألفٍ وخمسمائة عام ، هذا معنى:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4) ﴾
(سورة الشرح)
       وأيُّ مؤمنٍ إذا سار على منهج الله تماماً ، وأحب الله ، وأخلص له ، لابدَّ من أن يرفع الله له ذكره ، وأن يعلي قدره ، وأن يجعله كالنجم المتألق في السماء ، هذا معنى : لعلى هدى ، أنت على هدى .
 
المعنى الثالث :
 
       هناك معنى آخر ، القرآن إعجازه في إيجازه ، الإنسان إذا كان على صخرة مشرفة ، صعد إلى جبل قاسيون ، وألقى نظرة على دمشق يقول لك : هذا حي المزة ، أتراه ؟ هذا الميدان ، هذه برزة ، هذا الطريق الفلاني ، لأن مقامه مرتفع مشرف ، فالإنسان إذا اهتدى يملك رؤية ثاقبة ، وبعيدة ، وخارقة ، الأشياء يراها بوضوح ، كيف ؟
      أنت أحياناً ترى صديقاً لك يأكل مالاًحراماً ، وهو يظن أنه ذكيٌ بهذا العمل ، أنت تراه أحمق ، تراه ضعيف التفكير ، محدود الأفق ، تراه جاهلاً في الدين ، لأنك تعلم علم اليقين أن هذا المال حرام لا يصمد عنده ، لابدَ من أن يتلفه ، لأنه جاهل ، أنت مشرف ، أنت تراه ، وهو لا يراه ، هو في قبر شهوته ، هو غارقفي دناءاته ، في مصالحه الذاتية ، غارق في آفاقه المحدودة ، فالهدى يرفعُ من مقامك ، وأنت لك نظرةٌ شمولية .
      مثلاً :سجادة أمامك ، إنسان من أهل الدنيا لا يرى إلا دائرةٍ من هذه السجادة ، أما المؤمن فيلقي على هذه السجادة نظرة كُلِّيَة ، يرى ألوانها ، يرى أشكالها ، يرى دقة النقش ، يرى أبعادها ، طولها عرضها ، فالمهتدي له نظرةٌ شمولية ، يرى أن المستقيم لابدَّ من أن يكرمه الله عزَّ وجل ، وأن المنحرف لابدَّ من أن يقصمه الله عزَّ وجل ، ولكن المنحرف واقع في قوقعة الانحراف ، في ضلالٍ مبين ، والهدى في إشراف وفي علو ، وفي وضوح ، وفي   تألُّق .
 
المعنى الرابع :
 
الهدى فيه تقييد ، والباطل فيه إطلاق :
 
        وهناك معنى آخر ، الهدى هو التزام ، الحقيقة الدين الإسلامي فيه أوامر وفيه نواهٍ ، لن تكون مهتدياً إلا إذا ائتمرت بما أمر الله ، وانتهيت عما عنه نهى ، لا يوجد غير ذلك ، فهناك قيود ، لست مطلقاً ، أنت مقيد بالشرع ، الإيمان قيد الفتك ، ولا يفتك مؤمن ، أنت مقيد ، مقيدٌ بالأمر والنهي ، كالطبيب ، أيّ خلل بالمعالجة فلهذا الخلل مضاعفات خطيرة ، ترى أن الطبيب مقيد ؛ بالدواء ، بكمية الدواء ، بالتحاليل ، بكل شيء مقيد ، لأن الخطأ قد ينتهي إلى وفاة ، فالهدى كله قيود ، فالمؤمن لا يطلق بصرهفي الحرام ؟ لا يأكل مالاً حراماً ؟ لو أخطأ معك بائع بمبلغ من المال ، بإمكانك أن تسكت عنه ؟ لا تقدر ، تعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى يعاقبك عقاباً أليماً سريعاً مضاعفاً ، فالهدى إذاً قيود ، ومع ذلك يرفعك ، رغم القيود يرفعك .
       لكن الباطل فيما يبدو حرية كما يقول الناس ؛ لك أن تنظر ، ولك أن تأكل كما تشاء ، وأن تمتِّع بصرك بمن تشاء ، وأن تلتقي مع من تشاء ، وأن تذهب إلى حيث تشاء ، فيما يبدو لك الباطل كله حرية ، حرية مطلقة ، لا يوجد قيود ، لا يوجد مبادئ ، لا يوجد عنده دين ، لا يوجد عنده حرام وحلال ، لا يوجد عنده سنة وواجب ومندوب ، وسنة مؤكدة ، وسنة غير مؤكدة ، وكراهة تحريمية ، وكراهة تنزيهية ، لا يوجد عنده شيء ، يفعل ما يبدو له ، يفعل ما يراه مريحاً له ، يتكلم بالباطل ، يغتاب ، يمتِّع نظره بالنساء ، يأكل مالاً حراماً ، يستعلي على الناس ويتهكَّم ، ينام دون أن يصلي ، يستيقظ متأخراً ، الباطل فيما يبدو فيه حرية ، لا يوجد انضباط .
       مع أن الباطل كله حريات ، كله إباحة ، كله استرخاء ، كله أن تفعل ما تشتهي ، ومع ذلك تقع في فخٍ كبير ، فإذا أنت بين عشيةٍ أو ضحاها فقدت حريتك ، ودخلت في متاهات الخوف ، ومتاهات الملاحقة ، فالباطل مع الحرية المطلقة التي فيه ينتهي بك إلى أن تسلب حريتك ، لو فرضنا الإنسان ارتكب الفحشاء ، أو أكل مالاً حراماً ، وكشف أمره وضع في السجن ، كان حراً فقد حريته .
       فكلمة( في ) على الرغم مما يبدو لك أنك حرٌ إذا كنت على باطل ، أنك مطلق تفعل ما تشاء ، كل شيء مباح لك ، هذه الحُرية مزيفة لابدَّ من أن تقودك إلى غياهب السجن أحياناً ، فهذه أوروبا ـ لا تبتعدوا ـ أليسوا أحرارا في اقتناص اللذات ؟ هل في أوروبا أو أمريكا شيء اسمه حرام ؟ تبادل الزوجات ، زنا المحارم ، الانحراف الشاذ ، ألم يوصلهم هذا إلى مرض الإيدز ، الذي هو طاعونا القرن العشرين ، البعبع الكبير الذي يُقضُّ مضاجعهم ، حريتهم إلى أين أوردتهم ؟ إلى الخوف ، إلى الهلع ، إلى الذُعر .
      ذهب أحدهم إلى بلدة أجنبية ، نزل في فندق ، ويبدو أنه انحرف في هذه الليلة مع امرأة ، استيقظ فلم يجدها ، لكنها كتبتله على المرآة : مرحباً بك في نادي الإيدز ، أصبحتَ عضواً في هذا النادي ، فانتحر ، هذه الحرية التي مارسها جعلته ينتحر ، أوفي ضلالٍ ، دخل في الضيق النفسي ، فإذا كنت على هدى الهدى يرفعك ، إذا كنت على هدى فالهدى واضح ، إذا كنت على هدى فالهدى مُشْرِف ، إذا كنت عل هدى فرؤية المهتدي واسعة جداً ؛ أما إذا كنت في ضلال ـ لا سمح الله ـ فالضلال من شأنه أن في ظاهره أنك حر ، المؤمن يخاف أن يصافح ، ويقول لك : قال عليه الصلاة والسلام :
(( إِنِّي لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ )) .
[ من سنن النسائي  عن أميمة بنت  رقيقة]
        يخاف أن يملأ بصره من الحرام ، يقول لك : لا يجوز أن أنظر ، قال تعالى:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
(سورة النور : من الآية 30)
       يغُضُّ بصره ، ويتحرج من درهم حرام ، يقول لك : هذا لا يجوز ، هذا مال حرام ، هذا لا أفعله ، هذا المال لا يجوز أن أقبضه ، على الرغم من القيود الشديدة التي هو مقيدٌ بها ، قيود الشرع ، يرتفع ، ويرزقه الله ويعطيه الله ، ويرفع شأنه ، لأنه لعلى هدى ؛ أما أهل الضلال ، فما من إنسان أكل مالاً حراماً وكشف أمره إلا أودع السجن ، ما من إنسان خانَ صديقه إلا فُضح أمره ، فكل حريةٍ تتوهمها حرية هي منزلق خطير إلى جهنم ، وإلى الخزي في الحياة الدنيا .
      إذا قرأت في القرآن الكريم مع الهدى كلمة( على ) ، ومع الضلال كلمة ( في ) فيجب أن تتذوق أن الهدى واضح ، وأن الهدى عالٍ ، وأن الهدى مُشْرِف ، وأن الهدى مع أنه قيودٌ ترفعك إلى أعلى ، وأن الضلال مع أنه في الظاهر فيه حرية ، فيه تساهل ، لا يوجد فيه قيود ، لكن هذا الضلال يورد الإنسان إلى القيود الشديدة ، والآية الكريمة :
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39) ﴾
(سورة المدثر)
      طلقاء :﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة عملِها ، رهينة إثمها ، رهينة معصيتها ، رهينة جريمتها ، رهينة انحرافها ..
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39) ﴾
(سورة المدثر)
       هؤلاء طُلَقَاء ، لذلك القبر يَتِّسِع للمؤمن حتى يصبح مد بصره ، وحتى يصبح روضةً من رياض الجنة ، والقبر نفسه يضيق على صاحبه حتى تختلف فيه أضلاعه ، حتى يُكَسِّر أضلاع صاحبه ، الضلال كله قيود ، فأحياناً الإنسان يرتكب جريمة بوسوسة الشيطان ، طُرِقَ بابه فقط ، فألقى نفسه من الطابق السادس ، طُرِقَ بابه فقط ، خاف هذا الضلال ..
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
      الضلال كله حريات ، وفي نهاية المطاف إلى جهنم وبئس المصير ، القبر يختلف عليه حتى تختلط أضلاعه ، أما الهدى فرَحب ، وسَعَة ، وعلو ، وإشراق .
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(24)قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ
 
قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ
 
      يا الله ، أيكون عمل النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله عزَّ وجل ، وفي توحيده ، وفي بيان أوامره ، وفي دعوة الناس إلى الأخلاق الحميدة ، أيكون عمل النبي جريمةً ، أي : يا أيها الكفار ، إذا كنتم تتوهمون أن في هذه الدعوة جريمةً في حق المجتمع فنحن وحدنا مسؤولون عنها ، وإذا توهَّمتم أن ردَّكم للحق هو عملٌ طيب فأنتم وحدكم تحاسبون عنه ، أيضاً تلطفٌ كبيرٌ كبير في محاورة الخصم ..
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(24)قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
 
إذا كنت على الحق فلا تبالِ بأحدٍ :
 
  إذا توهَّمتم، هذا يعني أن أيها المؤمن إذا كنت على حق فلا تبالِ بأحدٍِ.
 
﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79) ﴾
(سورة النمل)
       إذا كنت على حق فلا تعبأ بالناس .
﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ(116) ﴾
(سورة الأنعام)
﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ( 36 )﴾
(سورة يونس)
 
﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴾
 
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ
 
وعند ربِّك تجتمع الخصومُ :
 
      الخلافات المذهبية ، والخلافات بين الناس ، وبين معتقداتهم ومشاربهم ، خلافاتهم في دينهم وفي دنياهم ، هذه الخلافات المستعصية لابدَّ من أن تحل عند الواحد الديَّان ، لابدَّ من أن الله يفصل بين الناس يوم القيامة فيما اختلفوا فيه ، فهنيئاً لمن كان على الحق ، والويل لمن كان على الباطل ، لو أن أهل الدنيا كلهم معك ، ولم تكن على الحق لم تستفد شيئاً ، لو أن الدنيا كلها معك ، ولم تكن على حقٍ على ما يرضي الله فما حصَّلت شيئاً ، ولا كسبت شيئاً ، وما حققت ربحاً على الإطلاق ، فلهذا :
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26) ﴾
(سورة الغاشية)
       يوم القيامة ، يوم الدينونة ، يوم الجزاء ، اليوم الحق ، يوم الحساب ، يوم يدفع الإنسان ثمن اختياره في الدنيا .
﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴾
معنى يفتحُ : أي يحكمُ ، الله وحده يحكم ..
﴿ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ(26) قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ ﴾
 
قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ
 
لا ينفع الشركاء أصحابَها :
 
        مَنْ هؤلاء الذين جعلتموهم شركاء لله عزَّ وجل ؟ هذا الصنم ؟ ودٌ قبيلة عربية صنعت صنماً من التمر ، فلما جاعت أكلته ، فقالوا : أكلت ودٌ ربَّها ، وهذا الصنم الآخر الذي جاءه ثعلبٌ ، وبال على رأسه ، فرآه من يعبده فقال :
أربٌ يبول الثعلبان بـرأسه لقد    ضل من بالـت عليه الثعـالـب
***
       أيعقل أن يكون هذا الصنم رباً ؟! من هؤلاء الذين ألحقتم بهم شركاء ؟ من هؤلاء ؟ أحجار ؟ أشخاص ؟ شخصٌ من بني البشر لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ضراً ، تعبده من دون الله ؟ من هذا الذي جعلته إلهاً ، وتعبده من دون الله ؟
 
﴿ قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ ﴾
        القصة المعروفة : لما طلب هارون الرشيد أحد الخلفاء العباسيين كأساً من الماء ، سأله نديمه : يا أمير المؤمنين ، بكم تشتري هذا الكأس لو مُنع عنك ؟ سؤال دقيق ، وسؤال واضح ، قال : بنصف ملكي ، قال : يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذا الكأس لو منع إخراجه ؟ قال : بنصف ملكي الآخر ، فقال : يا أيها الأمير ، إن كل هذا الملك يعدل كأس ماءٍ تشربه وتخرجه ، فلما كان رسول الله يقضي حاجة كان يقول :
((الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني )) .
[الجامع الصغير عن أبي ذر]
(( الحمد لله الذي أذاقني لذته ، وأبقى في قوته ، وأذهب عني أذاه )) .
[ الجامع الصغير ]
       نحن فقراء لله عزَّ وجل .
     في اليابان كان عندهم رجل اسمه الميكادو ، وقد عبدوه من دون الله ، فله طبيب ، لشدة ما رأى من خلل صحته وضعف قلبه أسلم هذا الطبيب ، لماذا أسلم ؟ كيف يكون هذا إلهاً ؟ وفي قلبه آفات ، وفي رئتيه أمراض ، وفي أعصابه تلف ، وعاش عمراً مديداً ، شيء مضحك .
﴿ قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا ﴾
 
كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
 
     أداة نفي وردع ..
 
﴿ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
      الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء هو الله ، الله عزيزٌ لأن كل شيءٍ يحتاجه في كل شيء ، ولأنه واحدٌ لا شريك له ، ولأنه يستحيلٌ أن تحيط به ، يحتاجه كل شيءٍ في كل شيء ، ومتفردٌ في ذاته ، وفي أسمائه وفي أفعاله وصفاته ، ويستحيل أن تحيط به .
 
﴿ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
   الذي يضع كل شيءٍ في موضعه .
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾
 
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا
 
       دعوة النبي دعوةٌ عامة ، دعوةٌ لكل الأمم ولكل الشعوب ، كلُّ نبيٍ أرسله الله لقومٍ محدودين ، إلا النبي عليه الصلاة والسلام:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا ﴾
لمن أطاعك ..
﴿ وَنَذِيرًا ﴾
لمن عصاك ..
 
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ ﴾
        قد يسخرون ، قد يعدُّون الدين شيئاً لا يصلح لهذه الأيام ، قد يرون الدين حالات من ضعف الإنسان أمام قوى الطبيعة المخيفة ، هكذا يقول بعض الكفار .
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ
     يوم القيامة حينما يطلعهم الله على أعمالهم ماذا يقولون ؟ يقولون:
﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ(23) ﴾
       قال:
﴿ انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ ﴾
(سورة الأنعام)
       هم يكذبون الآن ، الذي يقول لك : هذا الدين لا يصلح لهذا الزمان يكذب ، لأن جِبِلَّتَهُ تتوافق مع هذا الدين ، الإنسان مصمم تصميماً دقيقاً كي يعرف الله عزَّ وجل ، فإذا عرفه ارتاحت نفسه ، فإذا بقي تائهاً بقي مضطرباً ، الإنسان جِبِلَّتَهُ أن يطيع الله عزَّ وجل ، فإذا أطاع الله ارتاحت نفسه ، فإذا عصاه وقع في شكٍ واضطرابٍ شديد .
﴿ قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(27) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ (28) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ
 
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ
 
    هذا سؤال استهزاء : متى يا سيدنا ؟
﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(29)قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ﴾
     والله يا أيها الإخوة ... ورد في بعض الأحاديث أنه حينما يأتي ملك الموت ، لو أن إنساناً بيده الدنيا كلها لتخلى عنها مقابل أن يعيش ساعةً واحدة زائدة على أجله ليصلي بها ركعتين ، تقول له : لا فوت ، لو أن الدنيا كلها ، أضخم الشركات بالعالم ، شركات عندها وفرة بأربعة مليارات دولار ، شركة لا تجد كيف تستثمرها ، شركات ذات إنتاج عالٍ ، لو أن كل شركات العالم لك ، وكل الأسواق في العالم لك ، وكل المزارع لك ، وجاء ملك الموت لتمنيت أن تخسرها كلها مقابل أن تعيش ساعةً زيادة على أجلك ، لكن ..
﴿ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ(30)وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴾
     هذا حوار طويل بين أهل النار وهم في النار ، كيف أن كلاً منهم يقذف التهمة إلى الطرف الآخر ، والطرف الآخر يردُّها له ، أما بالنهاية جميعاً يعذَّبون بالنار على قدمٍ وساق ، حوارٌ طويل بين فئات أهل الكفر وهم في جهنم ، كيف يتهم كلٌ منهم الآخر بأنه سبب هذا البلاء الكبير ، ولكن إن شاء الله في درسٍ قادم نعود إلى هذه الآيات ونتابعها .
 
والحمد لله رب العالمين



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب