سورة سبأ 034 - الدرس (9): تفسير الأيات (40 – 48)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة سبأ 034 - الدرس (9): تفسير الأيات (40 – 48)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج على رواء 2: على رواء - حلقة - 37- 22 - 10 - 2019 اداب استخدام الهاتف           برنامج تربية الأولاد: وسائل تربية الأولاد - 93- قاعدة الربط بالدعوة والداعية 5           برنامج نورك فينا:  نورك فينا - 22 - صفات تجديد الذات ج2           برنامج مهنتي فقهها وآدابها:  مهنتي فقهها وادابها - 54- مهنة التعليم2           برنامج الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة - حساسية القلوب           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0454 - سورة الرعد 001 - 001         

الشيخ/

New Page 1

     سورة سبأ

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة سبأ ـ (الآيات: 40 - 48)

03/07/2012 18:56:00

سورة سبأ (034)
 
الدرس (9)
 
تفسير الآيات: (40 ـ 48)
 
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 
 
 

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
       الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
         أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس التاسع من سورة سبأ ، ومع الآية الأربعين التي تبدأ بقوله تعالى :
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ﴾
 
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ
 
1 ـ إياكِ أعني واسمعي يا جارة :
 
        أيها الإخوة الأكارم ... هذه الآية فيها توجيهٌ تربوي ، ويعبر عن هذه القاعدة التربوية بكلمة : إياكِ أعني واسمعي يا جارة .
﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116)مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(117)
(سورة المائدة)
      يا ترى من المقصود ، سيدنا عيسى ؟ إطلاقاً ، المقصود هؤلاء الذين قالوا : هو إله ، هو ابن الله ، فهذا أسلوبٌ لطيفٌ من أساليب التقريع ، إذا أردت أن تُقَرِّعَ إنساناً ، أو توبِّخَهُ ، أن تضعه أمام خطئه الشنيع ، أن تظهر فِعْلَتَهُ السيَّئة ، فاتركه واسأل آخر ، وليسمع من الآخرين حجم فعلته ، الله سبحانه وتعالى يقول :
 
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ﴾
 
2 ـ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا
 
         هؤلاء الوثنيون ، هؤلاء الذين عبدوا الأوثان ، وقالوا : هذه الأوثان نحن صنعناها على شكل ملائكة كي نتقرب بها إلى الله عزَّ وجل ، هذه دعوة باطلة ، نحن نحتنا هذه الأصنام كي تذكِّرنا بملائكةٍ مقربةٍ طاهرةٍ نعبدها كي نتقرب إلى الله زلفى ، فربنا عزَّ وجل جمعهم يوم القيامة ..
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴾
 
3 ـ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ
 
      أي أنتم أمرتم هؤلاء أن يعبدوكم من دون الله ؟ أهؤلاء الوثنيون عبدوكم ، وهل أنتم راضون على أن يعبدوكم من دون الله ؟ أسلوبٌ حكيم فيه تقريعٌ للكفار ، وتبكيتٌ لهم ، وإظهارٌ لوثنيتهم وشركهم .
﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ ﴾
       يا رب أنت منزهٌ عن الشريك ، أنت منزهٌ عن الوَلَدِ ، ونحن ليس في إمكاننا أن ندعي أو أن نأمر أحداً أن يعبدنا من دون الله ، سبحانك يا رب .
 
﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ ﴾
 
قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ
 
1 ـ معنى التسبيح :
 
    ومعنى سبحانك أي أنت منزهٌ عن ذلك ، وقد يضاف إلى التنزيه معنى التمجيد ، إذا قلت :
 
﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾
(سورة الحديد : من الآية 1)
       أي نزهه عن كل نقصٍ ووصفه بكل كمالٍ ، هو تنزيه يقتضي التمجيد ، ولكن التمجيد من باب التأكيد ، فالتسبيح بمعنى التنزيه والتمجيد ، أي أنت يا ربِّ منزهٌ عن كل نقص ، وأنت أهل لكل كمال ، فسبحان الله ، والحمد الله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، سبحانك : أي ما أعظم شأنك ، ما أبعدك عن هذه الأقاويل ، ما أبعدك عن هذه الوثنيَّات .
 
﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ﴾
   أي أنت الذي تتولى أمورنا ، أمرنا بيدك وحدك .
 
﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ﴾
 
2 ـ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ
 
     لماذا ؟ لأن الكفار يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله.
 
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾
(سورة البقرة : من الآية 257 )
      فالمؤمن وليُّه الله ، يهتدي بهدى الله ، ويسترشد بإرشاده ، ويقتدي بنبيه ، ويطبِّق أمره ، ويقيم منهجه .
﴿ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ﴾
 
3 ـ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ
 
        الجن ، أكثر الجن هدفهم الإضلال ، فأي إنسانٍ يتعاون مع الجن ليُضِلَّ الناس عن سبيل الله عزَّ وجل فقد كفر ، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام :
((من سحر فقد أشرك )) .
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
       وحينما يتعاون الإنس مع الجن يزداد رَهَقَاً وشقاءً  ..
 
﴿ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا(6)
(سورة الجن)
       كما قال الله عزَّ وجل ..
 
﴿ سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ﴾
     يقول الله عزَّ وجل:
 
﴿ فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ﴾
 
فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا
 
      سؤال : في الدنيا هل يملك بعضنا لبعضٍ نفعاًأو ضراً ؟ كيف يقول الله عزَّ وجل : فاليوم ؟
 
1 ـ في الدنيا في الظاهر هناك أشخاص ينفعون ويضرون :
 
      جواب هذا السؤال: الناس في الدنيا في عمى ، ماذا يرون ، يرون أشخاصاً أقوياء ، بيدهم أمور البشر ، الناس وهم في عمى ، وهم في غفلة ، وهم في بعدٍ عن حقيقة الإيمان ، يرون بعضهم بعضاً ؛ فلان بإمكانه أن يفعل كذا وكذا ، وفلان بإمكانه أن يوقع ضراً بفلان ، وفلان بإمكانه أن يعطي فلاناً ، حينما ترى الأشخاص مصدر العطاء والمنع ، والنفع والضر ، فهذا أكبر أنواع الشرك ، فلذلك نحن في الدنيا قد نرى أشخاصاً أقوياء ، وبسببٍ من غفلتنا ، ومن ضعف يقيننا ، ومن ضعف إيماننا ، قد نعزو لهم المنع والعطاء أو النفع والضر ، ولكن في الحقيقة لو تأمَّلت مَلياً ، ولو تحققت جدياً ، ولو كشف الله لك الغطاء ، ولو استنرت بنور الله لما رأيت إلا الله في الدنيا ، ولكن في الآخرة هذا يبدو للناس جميعاً .
       ففي الدنيا للمؤمن يبدو أن الله بيده كل شيء ، وأنه لا أحد معه ، لكن أهل الدنيا يرون العكس ، يرون أن أمورهم بيد بعضهم بعضاً ، وأن أي إنسانٍ قوي بيده النفع والضر ، والخير والشر ، والعطاء والمَنع ، هذه رؤية أهل الكفر ، هذه رؤية أهل البُعد ، هذه رؤية أهل الغفلة ، هذه رؤية أهل الضلال ، لكن المؤمن في الدنيا لا يرى إلا الله ، ولا يرى مانع ، ولا معطي ، ولا قابض ، ولا باسط ، ولا معز ، ولا مذل إلا الله ، لكن يوم القيامة هذه رؤيةٌ عامَّة ، كل الخلائق يرى أن أحداً ليس بإمكانه أن يعطي أحداً ، ولا أن يمنع أحداً ، ولا أن ينفع أحداً ، ولا أن يضر أحداً .
 
2 ـ كل شيء يشير إلى الله :
 
      إذاً : في الدنيا هناك رؤيةٌ صحيحة يملكها المؤمنون ، ورؤيةٌ مغلوطةٌُ ضبابيةٌ معتمة يقع بها الضالون ، وفي الآخرة هذه رؤيةٌ عامة ، يؤكد هذا آيةٌ أخرى ، يقول الله عزَّ وجل في كتابه الكريم متحدثاً عن يوم القيامة :
﴿ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ(53) ﴾
(سورة الشورى)
       وقد يسأل سائل : ما دامت قد صارت إلى الله فبيد من كانت قبل ذلك ؟ الجواب : أن أهل الغفلة والإعراض والكفر والضلال يرون الأمور بيد زيد أو عُبيد في الدنيا ، فإذا انتقلوا إلى الدار الآخرة ، دار اليقين ودار الحق ، يرون الأمور على حقيقتها ، يرون أن الأمور كلها بيد الله ، إذاً : هذا لا من حيث الفعل من حيث الرؤية ، الأمور كلها بيد الله في الدنيا والآخرة ، والأمور كلها تصير إلى الله في الدنيا وفي الآخرة ، ولكن أهل البُعد والضلال والعمى يرون الأمر معكوساً في الدنيا ، لهذا ورد أن الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا ، وورد في القرآن الكريم قوله تعالى :
﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22) ﴾
(سورة ق)
       فرعون الذي قال :
﴿ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى( 24 ) ﴾
(سورة النازعات)
       حينما أدركه الغرق قال :
﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ( 90 ) ﴾
(سورة يونس)
 
3 ـ خيار الإيمان خيار وقتٍ :
 
       يا أيها الإخوة الأكارم ... أقول لكم : الإيمان لابدَّ من أن يحصل ، لأكفر كفار الأرض ، للملحدين ، للعتاة ، للمجرمين ، للمنغمسين في شهواتهم ، للمنغمسين في أعمالٍ قذرةٍ ، للمعرضين ، لابدَّمن أن يقع الإيمان ، ولكن يقع بعد فوات الأوان ، يقع ولا يستفيدون منه إطلاقاً ، فالدعوة لا إلى أن تؤمن ، لابدَّ من أن تؤمن ، الدعوة إلى أن تؤمن في الوقت المناسب ، إلى أن تؤمن وأنت حي ، إلى أن تؤمن وأنت شاب ، إلى أنت تؤمن وأنت صحيح ، إلى أن تؤمن وأنت قوي ، إلى أن تؤمن وأنت غني ، إلى أن تؤمن وأنت فارغ من الأشغال ، ذو صحةٍ ، وفراغٍ ، وشبابٍ ، ومالٍ ، وقوةٍ ، الآن آمن .
        إنك إن آمنت الآن قطفت ثمار الإيمان في الدنيا والآخرة ، إنك إن آمنت شَكَّلْتَ حياتك وفق قواعد الإيمان ، اخترت زوجتك بمقياس أهل الإيمان ، اخترت حرفتك بمقياس أهل الإيمان ، ربَّيْتَ أولادك وفق المنهج الإلهي ؛ أما إذا تأخرت في الإيمان حتى شاب المشيب ، وحتى انحنى الظهر ، وحتى ضعف البصر ، عندئذٍ أنت آمنت ، ولكن بين أناسٍ ليسوا مؤمنين ، بين أقرب الناس إليك ، أنت في وادٍ وهي في واد ، أنت في وادٍ وأولادك في واد ، الإيمان جيِّد ، والأجود منه أن تؤمن في الوقت المناسب ، وأن تؤمن مبكراً من أجل أن تشكِّل حياتك تشكيلاً إسلامياً ..
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ(41)فَالْيَوْمَ ﴾
      يقول الله عزَّ وجل:
﴿ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ
 
فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ
 
1 ـ أشدّ أنواع الظلم ظلمُ النفسِ :
 
      ظلموا مَنْ ؟ ظلموا أنفسهم ، فأشد أنواع الظلم أن تظلم نفسك ، هذه نفسك التي بين جنبيك رأسُ مالك ، هي ذاتك ، هي المُخاطبة ، هي المُعاتبة ، هي التي تؤمن ، هي التي تكفر، هي الخالدة تذوق الموت ولا تموت  ، هي التي تعذَّب إلى أبد الآبدين ، هي التي تنعم إلى أبد الآبدين ، هي العاقلة ، هي المدركة ، إذا خسرتها خسرت كل شيء ، قد تخسر كل شيءٍ وتربحها ، فأنت الرابحالأكبر ، وقد تربح كل شيءٍ وتخسرها ، أنت الخاسر الأول ، هذا الذي حَصَّلَ أموالاً طائلة وخسر نفسه ، أبقاها جاهلة ، أبقاها عاصية ، أبقاها غارقة في المعاصي والآثام ، أبقاها مشركة ، أبقاها كافرة ، أبقاها فاسقة ، إذا جاءه الموت ماذا تنفعه أمواله الطائلة ، ومكانتهالعَلِيَّة ،  وأملاكه التي لا تنتهي ؟ فقد تربح كل شيءٍ ـ دققوا هذه الكلمة ـ وتخسر نفسك التي بين جنبيك ، أنت أكبر الخاسرين ، بل أنت أخسر الخاسرين ، وقد تخسر كل شيء وتربح نفسك .
     سحرة فرعون ماذا خسروا ؟ خسروا كل شيء ، خسروا حياتهم :
 
﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72)
(سورة طه)
       كل رأس مالهم ، لكنهم ربحوا أنفسهم الخالدة بعد الموت.
      
﴿ وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾
 
2 ـ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ
 
يجب إقامة القرآن في النفس والبيت والعمل :
 
       فهل عندك شكٌ أن هذا الكلام كلام الله ؟ وفي القرآن آيات خطيرة جداً ، تعامل معها تعاملاً جَدِّياً ، أحياناً الإنسان ، ويا للأسف يتعامل مع البشر تعاملاً جدياً ، ولا يتعامل مع خالقه إلا تعاملاً ضبابياً أسطورياً ، كأن تتلو القرآن دون أن تطبقه ، ما قيمة هذه التلاوة ؟ ألم تسمع بقول النبي عليه الصلاة والسلام :
((رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه )) .
[ ورد في الأثر ]
       هذا الكتاب يجب أن تقيمه في بيتك ، في دكانك ، في مكتبك ، في عيادتك ، في أي مكان يجب أن يُقام ، إذاً أشد أنواع الخسارة أن تخسر نفسك ، في آيات أخرى جاءت بشكل واضح :
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ﴾
(سورة هود : من الآية 21)
3 ـ النهاية إلى الموت :
 
       يوم القيامة ، لا تبتعدوا كثيراً ، أحياناً يكون مع الإنسان أموال طائلة ، فيصاب بمرض عضال ، يتحسَّر على هذا المال لماذا جمعه ؟ أصبح المال تافهاً لا قيمة له ، فكيف إذا أدرك الإنسان في بعض الساعات أن المصير الأبديهو جهنم ، فكل ما حصَّله في الدنيا خسارةٌ في خسارة ، لهذا قال تعالى:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بالأَخْسَرِينَ أَعْمالا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)
(سورة الكهف)
(( كفى بالموت واعظا يا عمر )) .
[كنز العمال عن محمد بن المتوكل]
       سيدنا رسول الله فيما يروى عنه :
((تركت فيكم واعظين : ناطقاً وصامتاً )) .
[ ورد في الأثر ]
       الناطق هو القرآن ، والصامت هو الموت ، لهذا ورد أن في معالجة جسدٍ خاوٍ لموعظة ، ماذا يقول الناطق ؟ يقول :
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205) ﴾
(سورة الشعراء)
       إلهٌ يقول هذا الكلام : ﴿ مَتَّعْنَاهُمْ ﴾ ؛ أموال طائلة لا تأكلها النيران ، بيوت ، حدائق ، مركبات ، مقاصف ، رحلات  ..
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205)ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ(206)مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ(207) ﴾
(سورة الشعراء)
       هناك شخص من أهل الفن اعتنى بصحته عنايةً تفوق حد الخيال ، الرياضة ، والطعام النفيس ، والمقنن المدروس من قبل خبراء في التغذية ، والعشاء فواكه ، والحركة الرياضية ، وعاش عمراً طويلاً ، ولكنه في النهاية مات ..
 
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205)ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ(206)مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ(207) ﴾
        أنتم تستمعون في الأخبار أحياناً أن المليونير الفلاني ، ملك الحديد ، ملك الذهب بالعالم ، مات وهو على باخرة في رحلة بحرية ، أصبح كالجيفة ، طبعاً الموت حق ، ولكن لما يجعل الإنسان كل رأس ماله في الدنيا ، ويأتي الموت فقد وقع في أخطر مغامرة ، أما إذا كان مهيئاً للآخرة شيئًا يأتي الموت ، وينقله من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، كما ينتقل الجنين من ضيق الرَحِمِ إلى سعة الدنيا ، إذاً :
﴿ وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾
    أنا أناشدكم الله عزَّ وجل ، لو أن أحداً دُعِيَ إلى مئة وليمة ، وكل وليمةٍ طعامها أطيب من أختها ، وأكل ما لذ وطاب من المُقَبِّلاَتِ إلى اللحوم إلى الفواكه إلى الحلويَّات ، وبعد هذه الولائم المائة أصابه ألمٌ في أضراسه ، ولم يهتد إلى طبيبٍ في الليل ، وأمضى أربع ساعاتٍ يقول لك : لا يعلمها إلا الله كيف مضت ، يقول لك : الدقيقة سنة ، وهو في هذه الآلام الشديدة لا يذكر الأكلة الفلانية أنها كانت طيبة ، هل يذكر ذلك ؟ إطلاقاً ، لو أراد أن يستحضر طعوم هذه الأكلات التي أكلها في مائة دعوة دعي لها ، ليلةٌ واحدة من آلام الأسنان تنسيه كل هذه الولائم .
 
4 ـ الغنى والفقر بعد العرض على الله :
 
      فلذلك ورد أن الإنسان إذا مات ورأى مكانه في النار يقول : لم أر خيراً قط في حياتي ، ينسى كل المُتَع ، وكل اللذات ، وكل الشهوات ، وحينما يَطَّلِعُ المؤمن على مقامه في الجنة ، يقول : لم أر شراً قط ، لهذا قال سيدنا علي : " يا بني ما خيرٌ بعده النار بخير ، وما شرٌ بعده الجنة بشر، وكل نعيمٍ دون الجنة محقور ، وكل بلاءٍ دون النار عافية " .
      إذا أكرمك الله عزَّ وجل بالإيمان والاستقامة والعمل الصالح فأنت الغني ، لهذا قال سيدنا علي : <<الغنى والفقر بعد العرض على الله >> ، عندما يأتي الموت ، ثلاثون ، أربعون ، خمسون سنة أمضيتها في معرفة الله ، وفي ضبط جوارحك ، وفي التهجُّد ، وفي تلاوة القرآن ، وفي فهم كلام الله ، وفي خدمة الخَلق ، وفي الإحسان إليهم ، وفي الدلالة على الله عزَّ وجل ، يأتيك ملَك الموت تشعر أنه أقرب الناس إليك ، يأتي بأحب الناس إليك .
 
﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ(73) ﴾
(سورة الزمر)
       ربنا عزَّ وجل يُقْرِئك السلام ، ويقول لك:
 
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) ﴾
(سورة الزخرف)
﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ(158) ﴾
(سورة آل عمران)
      أما الذي غاص في الدنيا إلى قمة رأسه ، ثم جاء يوم القيامة ، يقال له كما ورد في القرآن:
 
لا مَرْحَبًا بِكُمْ
(سورة ص : من الآية 60 )
﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ ﴾
 
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ
 
1 ـ بدعة التقاليد السيئة :
 
       التعلق بالتقاليد ، أين العقل ؟ والآن يقول لك : هكذا ربينا ، ربينا على الاختلاط ، ربينا على سماع الغناء ، ربينا عل غيبة الناس ، هذا شيء متأصل فيّ ، هكذا ربيت أنت ربيت تربية خاطئة ، يقول لك : هذه بيئة ، ما هذه البيئة ؟ هل البيئة إلهٌ تعبدها من دون الله ؟ تقاليد ، شيء ورثناه ، البيئة ، والتقاليد ، والعادات ، والمظاهر الاجتماعية ، هذه إذا تعارضت مع الشرع يجب أن تكون تحت قدمِك ، الشاب يجلس مع زوجته أمام مئة امرأة كاسية عارية وهو مسلم ، وزوجته مسلمة ، وهم محافظون ، وهم محافظون ، فما تعني كلمة محافظين ؟ عنده خلفية دينية، ما هذه الخلفية الدينية ؟ ديِّن أو غير دَيِّن ، لا توجد خلفية دينية ، ديّن معناه مستقيم ، عاص معناه غير ديِّن ، فلذلك هذه التقاليد والعادات ، وما نشأنا عليه ، وما كان يفعل الآباء ، هذه إذا تعارضت مع الشرع ، ينبغي أن ينبذها الإنسان .
 
﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾
 
2 ـ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ
 
      نص قرآني واضح الدلالة ، قطعي الدلالة ، كلام خالق الكون ، يأمر وينهى ، تقول له : قال الله عزَّ وجل ، يقول لك : لكن فلان لم يقل هكذا ، هل يقال فلان مع الله عزَّ وجل ؟ إذا قلت لك : قال الله عزَّ وجل تقول لي : فلان ، فمن فلان أمام الله عزَّ وجل ؟!
﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾
 
3 ـ الكفر بالقرآن لا يلغي قوانينه :
 
       قلت لكم سابقاً : إذا قلت للقرآن : هذا كلام مفترى ، يبقى القرآن قرآناً ، وهو كلام الله عزَّ وجل ، وأنت وحدك الخاسر .
       مرة ضربت مثلاً : أنت تركب طيارة ، ويجب أن تسقط من الطيارة ، وعندك مظلة مصممة وفق قوانين السقوط ، فإذا احتقرت هذه القوانين ، ولم تعبأ بها ، وسخرت منها ، وضحكت منها ، قلت : هذه القوانين خرافات ، لكن القوانين مطبقة عليك ، احتقارك لهذه القوانين ، وسخريتك منها ، واستهزاؤك بها لا يعطلها ، ولا يلغيها ، هي تعمل ، أترى قانون السقوط بالمظلة مدروسة دراسة جيدة ، هي من قماش كتيم ، ومساحة القماش تكفي لهبوط إنسان وزنه سبعون كيلوًا ببطء ، فالمظلة مدروسة دراسة وفق أدق قوانين السقوط ، فإذا احتقرت قانون السقوط ، وسخرت منه ، ورفضته ، وكفرت به ليس معناه أنك ألغيته ، معناه ألغيت وجودك ، فلو هبطت من هذه الطائرة من دون مظلة لدقت عنقك ، أليس كذلك ؟
      النقطة التي أحب أن أقولها لكم هي : إذا لم تصدق شيئاً ، أو كفرت به ، أو سخرت منه ، ليس معناها أنك ألغيته ، قائم ، قائم ، هو مطبقٌ عليك ، فأنت الخاسر الوحيد ، وأوضح مثل الذي يكفر بقوانين السقوط ، والذي يسخر منها ، والذي يستهزئ بها ، والذي يحتقرها ، فإذا سقط ، نزل من الطائرة من دون مظلة احتقاراً لهذا القانون وهذه المعطيات ، إنه بهذا الكفر والسخرية لا يلغي القانون ؛ بل إن القانون منفذٌ ونافذٌ ، وسوف يدق عنقه .
       عندما تسخر من قضية شرعية ، هكذا الدين قال ؟ نعم هكذا قال الدين ، معقول من دون فائدة ؟ إذا سخرت من قوانين ربنا الاقتصادية ، وسخرت من أساليب القرآن في التعامل مع الناس ، سخرت من القوانين الاجتماعية ولم تعبأ بها ، وقلت : هذه لا تصلح لهذه الأيام ، لكنها هي مطبَّقة لم تلغها .
    أنا أسوق لكم هذه القصة لأنها شاهد واضح ، مرة رجل شكا لي قضيةً ، وانهمرت دموعه فجأةً ، قلت : لِمَ تبكي يا أخي؟ قال : زوجتي تخونني ، قلت : أعوذ بالله ، قال : والله من سنتين ، وأنا لا أدري الآن كشفتها ، قلت : مع مَنْ ؟ قال : مع الجار ـ شيء جميل ـ  فكيف عرفته ؟ قال : والله حينما زارنا قلت لها : يا أم فلان تعالي اجلسي معنا هو كأخيكِ ، قوانين الدين لم يصدقها ، عدم الاختلاط ، طبقت عليه ودفع هو الثمن ، هذا مثل صارخ إذا لم تطبق أمر الله :
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ
(سورة النور : من الآية 30)
﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾
(سورة النور : منالآية 31)
       هذا قانون ، فإذا لم تأبه له لأنه غير معقول ، وتقول : ربينا سويا ، نشأنا معاً ، فالثمن باهظ ، فكل إنسان يطبق شرع الله عزَّ وجل في حصنٍ حصين ، دخل في حصن ، لأن هذه تعليمات الصانع ، الذي صمم الذكر والأنثى أمر بذلك ..
((لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا )) .
[من مسند أحمد عن عمر بن الخطَّاب]
 
4 ـ الإنسان آلة معقدة يجب اتباع تعليمات خالقه :
 
       الذي صمم الإنسان وأودع فيه هذه الشهوات هذا قانونه ، وهذه تعليمات الصانع .
     إذا كان لك آلة غالية ، كمبيوتر مثلاً ، لماذا أول شيءٍ تفعله أن تأخذ كتاب الشركة وتترجمه ؟ هل تسأل جارك الخبَّاز عن طريقة استعماله ؟ هل تسأل جارك القصَّاب ؟ هل تسأل صديقك المعلم ؟ لا ، كل هؤلاء لا يعرفون ؛ جهة واحدةٌ تعرف أسرار هذا الكمبيوتر هي الجهة الصانعة ، لذلك أول شيءٍ تبحث عن التعليمات ، تعليمات التشغيل والصيانة ، والتحذيرات والتنبيهات ، وأنت آلة ، بل أعقد آلة ، أليس لك تعليمات من الصانع ، إنه القرآن الكريم ، فالقضية أن تحب نفسك ليس غير ، أن تحب ذاتك ، أنت غالٍ ، أنت المخلوق الأول ، أنت مُعَد لحياة أبدية ، هذه الحياة دنيا ، سمَّاها الله دنيا ، فإذا اعتنيت بنفسك ، وبحثت عن تعليمات الصانع وقدستها ، وأكبرتها وبجَّلتها ، ونفذتها بحذافيرها فأنت الرابح الأول .
 
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
(سورة الجاثية : من الآية 21)
﴿ وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ﴾
 
وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ
 
       فلا توجد تجارب سابقة  فالرسول معه دليل ، ومعه إعجاز ، ومعه وحي ، والنبي معروف بينهم ، يعرفون نسبه ، وأمانته ، وصدقه، وعدالته ، وعفافه ، والقرآن فيه إعجاز تحدَّاهم الله عزَّ وجل .
﴿ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾
 
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
 
        وهذا أيضاً أسلوب تربوي آخر ، أن فلاناً أوتي أكثر مما أوتيت ، فلما كذَّب دمره الله عزَّ وجل فانتبه أنت .
 
﴿ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾
 
وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ
 
      إذا أتيح للإنسان أن يرى الأهرامات ، إنها عمل إلى الآن مُعجز ، في أرضٍ صحراويةٍ كلها رمل ، الهرم فيه أحجار بحجوم تفوق حَدَّ الخيال ، وبعدد فلكي ، وبعض الأهرامات فيه نافذة مدت بزاوية لا تتفق مع أشعة الشمس إلا يوماً في العام هو يوم  تاريخ ميلادصاحب هذا الهرم ، أتستطيع أن تعمل نافذة ضيقة وعميقة ، بزاوية لا تدخل الشمس عبرها إلا في يومٍ واحد ؟ شيء معجز ، من زار قبور الفراعنة ، مدافنهم ، يرى الشيء الذي لا يصدق ، ومع ذلك كذبوا فأهلكناهم ، من أنت ؟ إلى الآن سر التحنيط غير معروف ، أنت أمام فرعون موسى ، قبل ستة آلاف عام كأنه هو ، وهذا مما يؤكد قول الله عزَّ وجل :
 
﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ﴾
(سورة يونس : من الآية 92)
      وقبل سنوات أعتقد أخذوه إلى فرنسا ليرمموا بعض التعفنات ، واستقبلوه بالمطار استقبال الأباطرة .
 
﴿ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ ﴾
       أنتم ماذا عندكم ؟ ليس عندكم شيء ، أحجار الأهرام قيل أنها جلبت من أسوان ، فكيف حُمل حجر طوله ثمانية أمتار ، ووزنه سبعون أو ثمانون طناً ، كيف حُمِلَ من أسوان عبر النيل ؟ معنى ذلك أنه حمل بمراكب ضخمة ، لكن من شاطئ النيل إلى موقع الهرم عشرة كيلو مترات تقريباً  .
      والأنباط بالأردن ، مدينة بأكملها محفورة بالصخر ، الحمامات ، والقصور ، والبيوت ، وقاعات المحاكمات ، كلها اذهب وانظر ، هذه الآثار سمح الله أن تبقى لا من أجل أن نرتزق منها ، من أجل أن نعتبر بها .
 

     التدمريون ، آثار تدمر شاهدة ، أقوامٌ عريقون في الحضارة عصوا ربهم فدمَّرهم الله عزَّ وجل .

 
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
 
قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ
 
1 ـ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ
 
      ففي الحقيقة قبل يومين ضربت لهذه الآية مثلاً : طُرِقَ بابك ، جاءك ساعي البريد برسالة ، بالله عليكم قبل أن تفتحها ، وقبل أن تقرأها ، وقبل أن ترى فحواها ، وقبل أن تطلع عليها ، أمسكتها وألقيتها في سلة المُهملات ، يقال : أين عقلك ؟ اقرأها اقرأ ما فيها ، قبل أن تهملها اقرأها ، فإذا وجدت فيها سُخفاً أهملها ، أما قبل أن تقرأها تهملها!!
      سؤال : هذا القرآن الذي بين أيدينا كلام خالقنا ، لكن قبل أن تدخل في متاهات الخلافيَّات مع الناس ، قبل أن تدخل فيالخلافيات والمماحكات ، قبل كل شيء يجب أن تعكف عليه حتى تفهمه ، دعوة الله للناس ، رسالة السماء لأهل الأرض:
 
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ﴾
 
  ربنا يعظنا ، خالقنا ..
﴿ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ﴾
 
2 ـ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى
 
     إذا شئت قمت وحدك ، وإذا شئت قمت مع أخيك ..
 
﴿ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ﴾
 
التفكر في دعوة النبي عليه الصلاة والسلام :
 
       في دعوة النبي ، انظر لماذا جاء النبي ؟ جاء بنظام كامل ، انظر نظام الزواج كامل ؟ نظام البيوع كامل ؟ نظام القيم كامل ؟ الخُلُق شيء مريح للناس ؟ قطع يد السارق شيء كامل ؟ فكِّر في هذا القرآن ، فكر في هذه السُنَّة ..
 
﴿ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾
 
3 ـ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ
 
     ليس مجنوناً ، ولكنه رسول رب العالمين ، نبي هذه الأمة ، معه نورٌ من السماء ، معه صراطٌ مستقيم ، معه حبل الله المتين .
﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾
 
قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
 
     نذير ينذركم إن لم تؤمنوا بعذابٍ شديد ، هذا هو النذير ..
﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾
 
1 ـ علامة إخلاص الداعي أنه لا يبتغي أجرا من دعوته :
 
       وهذه علامة الصادقين المُخلصين ، لا يبتغي منك أجراً ؛ لا مادياً ولا معنوياً ، ولا مديحاً ولا ثناء ، ولا تقريظاً ، ولا إطلاقاً ، يبتغي عند الله الأجر ، يبتغي عند الله الرزق ..
 
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا(9) ﴾
(سورة الإنسان)
 
﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ﴾
 
2 ـ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ
 
       فلا يوجد إنسان ليس له أجر ، هات لي إنساناً واحداً يعمل بلا أجر ، الطبيب له أجر ، والمحامي له أجر ، والمهندس له أجر ، لا يوجد إنسان بلا أجر ، إلا إذا دخلت بيت الله عزَّ وجل ، لا أجر إطلاقاً ، لا يوجد قسائم ، ولا يوجد قطع تذاكر ، ولا يوجد شيء أبداً ، أبواب بيوت الله مفتحةٌ للمصلين ، تعال اسمع كلام ربك ، تعال افهم سنة نبيك ، تعال تعلم سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام ، تعال تفقه في دينك ، تعال اعرف لماذا أنت في الدنيا ؟ لماذا أنت مخلوق ؟ إلى أين المصير ؟ ماذا بعد الموت ؟ ماذا قبل الموت ؟ ماذا ينبغي ؟ ماذا لا ينبغي ؟ ما يجوز ؟ ما لا يجوز ؟ ما الحق ؟ ما الباطل ؟ ما الخير ؟ ما الشر ؟ تعال .
إلى متى أنت باللذات مشغول ؟    وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
***
       تعال يا عبدي ، تعال كي أحط عنك هموماً أثقلت صدرك ، الإنسان مع المعاصي نومه شقاء ، هموم وكوابيس في الليل ، وقلق وحيرة ، وضجر وخوف ؛ فإذا اصطلحت مع الله عزَّ وجل ، إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله .
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا     فإنا منحنا بالرضا من أحبنـا
ولذ  بحمانا واحتمِ بجـنابـنا     لنحميك مما فيه أشرار خلقنـا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغلٌ     واخلص لنا تلق المسرة والهنا
***
         إذا ذاق أحدنا طعم القرب ، طعم التوبة ، طعم الإنابة إلى الله عزَّ وجل ، طعم الصُلح مع الله ، طعم الاستقامة ، طعم الالتجاء إلى الله ، طعم الاستعاذة بالله معناه أنه ذق طعم السعادة المطلقة ، طعم أن تشعر أن خالق الكون معك ، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(47)قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾
 
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
 
      رسالات ، دعوات ، الأنواء الفلكية كأنها تنطق بعظمة الله ، الله عزَّ وجل ترك الناس حتى وقعوا في اليأس ، جفاف ، أمطار شحيحة ، نسب أمطار قليلة ، الينابيع جفَّت ، الأنهار جفت ، الأشجار يبست ، صار كأس الماء ثمين جداً ، مزارع أصبحت تالفة ، جاء العلماء فلسفوها : تَصَحُّر ، انتقال خطوط المطر ، حركات معقدة للأرض نقلتها من برجٍ إلى برج ، هذا الذي عند الناس اليأس والقنوط .
      والله قبل سنة التقيت مع أخ ، هو قريب ، عضو بلجنة أحواض دمشق ، والله لشدة ما أشاع من اليأس لم أكد أقف على قدمي ، نحن انتهينا نهائياً ، نحن في طريق الجفاف ، في طريق التصحُّر ، أنظر إلى الأنواء الإلهية فاجأت الناس .
 
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾
(سورة الحجر : من الآية 21)
       آخر رقم رأيته البارحة ثلاثمائة وستة عشر مليمترا في دمشق ، مقابل مائة وستين في السنوات المطيرة ، مقابل خمسة وستين في السنوات غير المطيرة ، ثلاثمائةوستة عشر ، هذا عطاؤنا ، الله عزَّ وجل وجوده صارخ، يريك من آياته ، في الفضاء الخارجي ، يقول لك: هذا شالنجر ، هذا المتحدي ، كل ما فيه دقيق جداً ، سبعين ثانية أصبح شالنجر كتلة من اللهب مع سبع رواد فضاء ، هذا التحدي ، من تتحدون ؟ الإيمان جميل جداً ، تحس براحة ، خالق الكون يعلم كل شيء ، بيده كل شيء ، ربنا عزَّ وجل رحيمٌ بنا .
 
﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ ﴾
      أحياناً تجد مرابياً يكبر يَكبر يكبر ، ويتحدى الإسلام ، لا تحريم بلا تحليل ، تجده ينتهي نهاية مفجعة ، الله يدمره يقصمه قصماً ، الله يريك كيف يحطِّم المتجبرين ، كيف يحطم المنحرفين ، كيفيُقْلِق العصاة ، وكيف يقوي المؤمنين ، ويدعمهم ، ويعلي شأنهم ، هذه الآية تكفينا :
﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128) ﴾
(سورة الأعراف)
      الأمور تدور تَدور لا تستقر إلا على إكرام المؤمن وعلى إعزازه.
 
﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾
 
1 ـ احذروا غضب الله وانتقامَه :
 
      امرأة قالت لضرتها كيداً : هذا ولد على يدي ، وولدفي بطني ، وولد ماشٍ على الأرض ، الثلاثة ماتوا ، والله عزَّ وجل أكرم ضرتها بخمسة أولاد صبيان ، هذا يقذف بالحق ، أحياناً الإنسان يلعب بالميراث ، يأخذ ميراث إخوته ، أكبر إخوته ، وهو قوي ، والأم معه ، وإخوته ضعاف صغار ، تدور الأيام فيعمل عندهم موظفاً ، يفتقر ، ويغنى هؤلاء الضعاف ، ويجعله الله عندهم موظفاً ، فعل الله صارخ واضح كالشمس في أفعاله ، وفي كلامه ، وفي خلقه .
       مثلاً الإيدز ، أليس هذا يقذف بالحق ؟ هذا المجتمع الغربي كفر بالله عزَّ وجل ، وآمن بالعقل ، العقل هو كل شيء ، آمن بالعلم ، هذه الثروات استنبطها ، صَنَّعَ تكنولوجيا ، تقدُّم ، آلات ، إلكترونيات ، رحلات فضاء ، اتصالات ، كلكم يرى بعينه ، العالم أصبح قريةً ، فما يحدث في طرف من أطراف الدنيا يراه الناس جميعاً بقضه وقضيضه مباشرةً مترجماً مع صور ، أقمار صناعية ، وفاكس وتلكس ، وطيران وصواريخ ، نسوا الله عزَّ وجل ، فجاء ربهم بهذا المرض الذي أقلقهم ، الآن أحدث إحصائية عشرون مليون حاملٍ لهذا المرض بأوروبا وأمريكا ، شيء مدمر ، لو تقرأ المقالات المنشورة هناك شيء لا يصدق ، هذا أليس يقذف بالحق ؟ هذا جزاء انحرافهم ، يقصمهم قصماً ، وهم في زهرة الشباب ، طبعاً في الأوج ، أرقى مغنٍ أصيب بالمرض ، مرض مع فضيحة ، ليس زنا فقط انحراف جنسي .
      فالله عزَّ وجل أفعاله مدهشة ، دعك من كتاب الله مبدئياً وانظر إلى أفعاله في العالم كله ، تجد كل عبرة وكل موعظة تأخذ بالألباب ، درسنا كان عن سبأ ، ألم أقل لكم هناك أقوام كأقوام سبأ .
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ﴾
(سورة النحل : من الآية 112)
       ألم تسمعوا بأممٍ حولنا أذاقها الله لباس الجوع والخوف بمعاصيها وفسقها وفجورها ، يقذف بالحق ، فالله عزَّ وجل دائماً يرينا آياته بأفعاله وبقرآنه وبخلقه .
 
﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ(49)قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾
        إن شاء الله هذه الآيات نأخذها في الدرس القادم .
 
 
 

والحمد لله رب العالمين

 

 

 

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب