سورة المائدة 005 - الدرس (13): تفسير الآيات (015 - 017) حفظ القرآن الكريم وملكية الله المطلقة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة المائدة 005 - الدرس (13): تفسير الآيات (015 - 017) حفظ القرآن الكريم وملكية الله المطلقة

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج مع الغروب 1440 هـ:  مع الغروب - 14 - رمضان - 1440هـ           برنامج مسابقة كنوز:  مسابقةكنوز - 12 - مدينة الخليل1           برنامج مونو دراما "الحاجة سليمة": الحجة سليمة - 14 - نام بكير وفيق بكير - رمصان - 1440           برنامج لوازم الإيمان:  لوازم الايمان - 14 - السكينة           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - الصوم وحدة الصف           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0297 - سورة الاعراف 197 - 199         

New Page 1

     سورة المائدة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة المائدة - تفسير الآية: (015 - 017) - حفظ القرآن الكريم وملكية الله المطلقة

21/03/2011 04:56:00

سورة المائدة (005)
الدرس (13)
تفسير الآيات: (15-17)
حفظ القرآن الكريم وملكية الله المطلقة
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
من دلائل نبوة النبي القطعية أنه جاء في القرآن أسرار وخفايا ما في الكتب السابقة :
 
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الخامس عشر من دروس سورة المائدة، ومع الآية الخامسة عشرة، وهي قوله تعالى:
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾
أيها الأخوة، من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم القطعية أنه جاء في القرآن أسرار وخفايا ما في الكتب السابقة لهذا القرآن كالتوراة والإنجيل، قال تعالى:
﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾
[ سورة آل عمران: 44]
من أين جئت يا محمد بهذه الأخبار الدقيقة التي وردت في الكتب السابقة لولا أنه يوحى إليك؟ لذلك ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار الأمم السابقة، ومن دقائق الحوادث وتفاصيلها يعد دليلاً قطعياً على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ ﴾
أهل الكتاب أخفوا بشارة عيسى بن مريم لسيدنا محمد.
 
موضوع الإعجاز ككل هو أكبر دليل قطعي على أن هذا القرآن الكريم كلام الله :
 
قال تعالى:
﴿ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾
[ سورة الصف: 6]
طبعاً هذا أخفاه أهل الكتاب، فجاء القرآن الكريم بهذا الذي أخفوه، الشيء الثاني كتمهيد لهذا الموضوع لو أن وزارةً قائمة، وهناك عدة مؤسسات، كل مؤسسة تابعة لوزير، لو أن مدير مؤسسة، وهو تابع لوزير معين يتلقى منه التوجيهات، ثم غيرت الوزارة، ألفت وزارة جديدة، وتبدل الوزير الذي يعطي مدير المؤسسة التوجيهات، فقال مدير المؤسسة: أنا لا أتلقى توجيهاتي إلا من الوزير السابق، ولم يعترف بالوزير الجديد، أليس هذا عصياناً للملك الذي بدل الوزارة؟ هذا عصيان واضح جداً، فالله عز وجل حينما ينزل كتاباً، ويبعث رسولاً بعد رسول سابق، وبعد كتاب سابق، فالذي يعبد الله يأتمر بأمر النبي الجديد، ويأتمر بأمر الكتاب الجديد، فهذا فضلاً عن أن الكتاب الجديد فيه أدلة قاطعة على أن الذي جاء به نبي من عند الله عز وجل، فالله عز وجل يقول:
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا ﴾
الله عز وجل حينما يرسل رسولاً يجعل معه برهاناً، البرهان هو المعجزة، كيف يصدق الناس أن هذا الإنسان رسول الله؟ لا بد من أن يشهد الله لهم أنه رسوله عن طريق المعجزة، فأي رسول جاء بالمعجزة، والنبي عليه الصلاة والسلام معه معجزة، أضخم معجزة له القرآن الكريم الذي جاء به، وفيه إعجاز إخباري، وإعجاز تشريعي، وإعجاز بلاغي، وإعجاز علمي، موضوع الإعجاز ككل هو أكبر دليل قطعي على أن هذا القرآن الكريم كلام الله، وإذا كان هذا القرآن كلام الله فالذي جاء به قطعاً هو رسول الله، وكنت أقول دائماً:إنك تؤمن بالله عن طريق العقل من خلال الكون الذي هو تجسيد لأسماء الله الحسنى، وتؤمن بالقرآن من خلال إعجازه بعقلك، وتؤمن بالنبي من خلال كتابه، فإذا آمنت بالله من خلال الكون، وبالقرآن من خلال الإعجاز، وبالنبي من خلال القرآن، أدى العقل أعلى مهمة كلف بها أنه حملك على الإيمان بالله وبكتابه وبرسوله، وانتهى دور العقل وجاء دور النقل، التلقي.
 
أهل الكتاب أخفوا كل الدلائل والبشارات التي جاءت في كتبهم عن رسول الله :
 
قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾
[ سورة البقرة: 183]  
تلقي أمراً بالصيام، أمراً بالحج، أمراً بأداء الزكاة، أمراً بالصلاة، أمراً بضبط اللسان، أمراً بالأمانة، أمراً بالصدق، الآن نتلقى عن الله كل ما أمر به في الكتاب والسنة، فالله عز وجل يخاطب أهل الكتاب أنه قد جاءكم رسولنا، نحن أرسلناه، أعطيناه الدليل، لكن الشيء الذي لا يصدق، ودققوا فيما سأقول: أنت عندك معارف في حياتك، ما هي أقوى معرفة؟ ما الشيء الذي تعرفه بداهةً من أول نظرة من صوته، من حركته؟ هو ابنك، قال تعالى:
﴿  يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾
 [ سورة البقرة: 146]
أي رسول الله يعرفونه، هل هناك من معرفة سريعة يقينية قطعية، هل هناك أب في الأرض يرى ابنه، ويقول له: ما اسمك أنت؟ أنت متى ولدت؟ مستحيل، ومع ذلك أخفوا كل الدلائل والبشارات التي جاءت في كتبهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإخفاء بدافع المصالح الدنيوية، والزعامات الدينية، والكبر.
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
 
الحكمة من حفظ الله سبحانه وتعالى للقرآن الكريم :
 
هذا الذي أخفوه ذكر الله بعضه، وعفا عن بعض حفاظاً لهم على ماء وجوههم، لكن أي شيء أخفوه، وأي شيء حرفوه هو في علم الله عز وجل، إلا أن هناك فرقاً بين الكتب السابقة وبين القرآن الكريم، فالكتب السابقة لم يتكفل الله بحفظها، ذلك لأن المعجزة شيء والكتاب شيء آخر، أما القرآن فتكفل بحفظه بنص القرآن الكريم، إذ يقول:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾
[ سورة الحجر:9 ]
لماذا؟ لأن المعجزة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم، فإن لم يحفظها ضاعت المعجزة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، وليس بعده نبي، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لكل الأمم والشعوب إلى يوم القيامة، فلا بد من معجزة مستمرة، فإن لم يتولّ الله حفظ هذه المعجزة ضاعت البينة، لذلك الله عز وجل بالذات القرآن الكريم تولى حفظه، قال تعالى:
﴿ لَحَافِظُونَ ﴾
[ سورة الحجر:9 ]
ومن لوازم حفظ القرآن الكريم حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها بيان لهذا الكتاب، لذلك هيأ الله لهذه السنة رجالاً عندهم من الملكات ما لا يوصف، وعندهم من الدأب والإصرار والجهد الذي بذل ما لا يصدق حتى حفظوا لنا هذه السنة، وفرزوها بين حديث مختلق موضوع، لا أصل له، وبين حديث حسن، وبين حديث صحيح، وبين حديث متواتر، فالجهد الذي قاموا به بمعونة الله عز وجل، وهي من بنود حفظ كتاب الله.
 
كل شيء أخفاه أهل الكتاب ذكره النبي صلى الله عليه وسلم نقلاً عن القرآن الكريم :
 
إذاً:
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ ﴾
كل شيء أخفاه أهل الكتاب ذكره النبي صلى الله عليه وسلم نقلاً عن القرآن الكريم:
﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾
أي عرف بعضه وأعرض عن بعض، ذكر النبي شيئاً ولم يذكر أشياء، ذكر كذبةً وترك كذبات.
﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴾
العلم نور أيها الأخوة، أنت في نعمة قد لا تعرفها، تعلم أن هذا الكون له خالق، وأن هذا الخالق واحد، وأن هذا الخالق الواحد كامل، وأن أسماء الله عز وجل حسنى، وأنه خلق الإنسان في الحياة الدنيا ليعد لحياة أبدية، وأن هذه الدنيا تنقطع بالموت، ولكن الحياة الأبدية لا تنتهي، حياة مستمرة، فهذه الحقائق التي تعلمتها من كتاب الله، هذه تحدث عندك توازناً، تحدث عندك صورة منسقة كاملة واضحة عميقة للكون والحياة والإنسان، هذه نعمة لا يعرفها إلا المسلمون، لأنهم يعتقدون اعتقادات من عند خالق السماوات والأرض، خالق الأرض والسماوات أعطاهم صورةً كاملةً لحقيقة الكون، ولحقيقة الحياة، ولحقيقة الإنسان، ولحقيقة الماضي والحاضر والمستقبل.
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾
الشيء الذي يلفت النظر أن الله علم مسبقاً أنه سيكون هناك تواصل في الأرض، مثلاً، والله لا أتمنى أن أقول هذا افتخاراً، لكن الدرس الذي يلقى بعد التراويح هذا بعد ساعة يكون بالإنترنت يستطيع أن يسمعه بالصوت كل إنسان في القارات الخمس، الأرض أصبحت غرفة واحدة، أنا أذهب إلى البيت، أفتح الإنترنت أستمع إلى درسي بعد ساعة في كل أنحاء الأرض، الآن الأرض كلها غرفة واحدة، أينما ذهبت تجد العلم الإسلامي منتشراً هناك.
 
النبي الكريم آخر الأنبياء لأن دقائق رسالته وبعثته ستنتقل إلى كل أهل الأرض :
 
مرة زرت أستراليا، ودعيت لألقي محاضرة في جامعة سيدني، وجدت أمين المكتبة استقبلني استقبالاً عجيباً وحاراً، ثم علمت أنه يستقي كل معلوماته الدينية من موقعي في الإنترنت، قلت: يا سبحان الله إنسان قابع في الشام، وكل شيء قاله في الدروس يصل إلى أقصى أطراف الدنيا، لأن الله علم أن سيكون هناك تواصل في الأرض، من أجل أن نصل من المدينة إلى البصرة أشهر، الآن يمكن أن ترسل رسالة عبر الفاكس بثانية بأقصى أنحاء المعمورة، يمكن أن ترسل رسالة بهذا إلى أقصى مكان في الأرض بثانية، شيء لا يصدق، علم الله أنه سيكون هناك تواصل، لذلك كان النبي آخر الأنبياء، لأن دقائق رسالته وتفاصيل بعثته سوف تنتقل عبر هذه الوسائل إلى كل أهل الأرض، ولا أدل بعد ذلك من نقل الصورة عبر الأقمار، ما يحدث في طرف الدنيا تراه بعد دقيقة بحقيقته مصوراً بشكل دقيق، هذا التواصل من الثورة التي يسميها الآن بعضهم ثورة المعلومات.
فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعثته خاتمة البعثات، وكتابه آخر الكتب، هذا لعلم الله مسبقاً أنه سيكون هناك تواصل بين أطراف الأرض.
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴾
 
الله عز وجل نوّر بالشمس الأكوان ونوّر الحياة بالقرآن الكريم :
 
أخواننا الكرام: الأمور واضحة كالشمس، لن يبقى أمامنا إلا تطبيق القرآن، واضح، وكل الحوادث التي تقع كل يوم تؤكد ما في القرآن الكريم، فالقرآن نور، به تعلم ما كان وما يكون وما سيكون، أنت حينما ترى شيئاً منكراً قد أصبح مألوفاً وتعجب، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً المنكر معروفاً؟ ))
[ ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأبو يعلى الموصلي عن أبي أمامة]
(( حتى يكون الولد غيظاً والمطر قيظاً وتفيض اللئام فيضاً ويغيض الكرام غيضاً ))
[أخرجه الطبراني عن عائشة أم المؤمنين ]
واللهِ وصلنا إلى هذا الزمان،الشيء الذي لا يقبل مألوف عند الناس،طبيعي جداً،والشيء الذي ينبغي أن نفعله لا نفعله.
﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴾
الله عز وجل نوّر بالشمس الأكوان، ونوّر الحياة بالقرآن الكريم، في القرآن شيء اسمه حرام، وحلال، وواجب، ومندوب، ومباح، ومستحب، ومكروه، ما من شيء على وجه الأرض إلا ويعتوره حكم شرعي، حلال أو حرام، واجب أو فرض، مكروه أو محرم، مباح أو مستحب.
﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾
أي تبدلات وتغييرات وتزويرات في الكتب السابقة يعلمها الله، لكن الله عز وجل ذكر بعضها، وترك بعضها الآخر.
 
حينما تتبع منهج الله يهديك الله سبل السلام :
 
قال تعالى:
﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ*يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾
أنت حينما تطبق ما في القرآن الكريم يهديك سبل السلام مع نفسك، فأنت في راحة، وأنت في توازن، وأنت في سعادة، لأنك تطبق منهج الله عز وجل، نفسك مرتاحة، ذلك أن منهج الله عز وجل هو عين فطرتك، فالذي يستقيم على أمر الله يجد نفسه ترتاح، لأنه يطبق مبادئ فطرته، مثلاً أنت حينما تفتح كتيباً في مركبة حديثة، يقول لك الكتيب: لا تمش إلا على طريق معبد، الآن تمشي أنت بهذه المركبة على طريق وعر، تسمع أصواتاً، وتسمع اضطرابات، وحركة بطيئة، وعقبات كأداء، فلما سرت بها على طريق معبد انسابت السيارة، وانطلقت بصوت خفيض، وسرعة عالية، فكتيب فيه تعليمات وممارسة واقعية تطابق ما في الكتيب، مع الممارسة هذا دليل أن هذا الكتاب من عند صانع هذه المركبة، تطابق ما في الكتيب مع هذه الممارسة يؤكد أن هذا الكتيب من عند صانع هذه المركبة، فسواء أخرجت عن أوامر الله وعن نواهيه أو خرجت عن مبادئ فطرتك فالمحصلة واحدة، أنت تشعر بكآبة إذا عصيت الله، وتشعر بكآبة إذا خالفت مبادئ فطرتك، إذاً أنت حينما تتبع منهج الله يهديك الله إلى سبل السلام، السبل جمع سبيل، للسلام مع نفسك، وسبيل السلام مع أسرتك، أنت حينما تطبق منهج الله في بيتك ترى الزوجة صالحة ومطواعة ومحبة، لأنك تعاملها وفق منهج الله، وتجد الأولاد تحبهم، وتحرص على سعادتهم، لأنك ربيتهم تربيةً إسلامية، فإذا بسبيل سلام آخر مع أولادك، ومع زوجتك، الآن هناك سبيل سلام آخر مع عملك، مادام لا غش فيه، ولا كذب، ولا تدليس، ولا احتيال، ولا احتكار.
تاجر محترم جداً، محبوب، فهناك سبيل السلام بتجارتك، وسبيل للسلام بوظيفتك، تؤدي واجبك بالتمام والكمال من دون رقيب، فلك مكانة في هذه الدائرة، الآن أنت كزوج مطبق لمنهج الله، محترم جداً في بيتك، لا لأنك في الأصل محترم بل لأنك اكتسبت هذا الاحترام من تطبيق منهج الله، فالأب يقطف ثمار أبوته إذا طبق تعليمات الصانع مع أولاده، والزوج يقطف ثمار أنه زوج صالح إذا طبق تعليمات القرآن الكريم، والتاجر يقطف ثمار تجارته إذا طبق التعليمات، فكأن الله يهديك سبل السلام، مع صحتك لا تأكل حتى تجوع، وإذا أكلت لا تشبع، يكفي ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، لو طبق هذه النصيحة النبوية لعاش في سلام مع صحته.
 
إذا استقيت العقيدة الصحيحة الإسلامية فسَّرت لك كل شيء تفسيراً متوازناً عميقاً :
 
قضية السلام قضية رائعة جداً، أنت في سلام مع جسمك، في سلام مع نفسك، في سلام مع عقلك، إذا استقيت العقيدة الصحيحة الإسلامية فسَّرت لك كل شيء تفسيراً متوازناً عميقاً، لا تقع في حيرة، فأنت تضمن السلام مع عقلك، ومع نفسك، ومع جسمك، ومع زوجتك، ومع والديك، ومع أولادك، ومع أحفادك، ومع زبائنك في التجارة، ومع رؤسائك في العمل، ومع كل الخلق.
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾
الحق لا يتعدد، الحق جاء مفرداً، أما الباطل فمتعدد، ظلمة الكفر، ظلمة الشرك، ظلمة الإلحاد، ظلمة المعصية، ظلمة الفسق، ظلمة الفجور، ظلمة الظلم، هذه كلها ظلمات، أما النور فواحد، أنت مستقيم، تؤدي ما عليك، تكسب مالك بالحلال، تنام مطمئناً.
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
أي هذا الصراط ينتهي إلى الجنة، أين طريق الجامعة؟ أين طريق الجنة؟ الله عز وجل يهديك طريقاً مستقيماً، ومعنى مستقيماً أقصر طريق بين نقطتين، أقصر خط هو المستقيم لذلك إذا طبقت منهج الله عز وجل فأنت على طريق مستقيم ينتهي بك إلى الجنة.
 
لا معبود بحقٍّ إلا الله :
 
ثم يقول الله عز وجل:
 ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ﴾
لو كانوا آلهة لما أمكنه أن يهلكهم، لو كانوا آلهة لكانوا أنداده، لكن من يملك من الله شيئاً قال تعالى:
﴿ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
ليس إلا الله، ولا إله إلا الله، ولا يعبد غير الله، وهو الذي يستحق العبادة وحده، ولا معبود بحق إلا الله، هو الذات الكاملة ووحده الإله وما سواه مخلوقون، عاجزون، ضعفاء، مفتقرون في وجودهم وفي استمرار حياتهم إلى الله، لذلك الأنبياء وصفوا بأنهم كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، هم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام، ومفتقرون في ثمن الطعام إلى المشي بالأسواق للعمل، نعمل فنكسب المال، فنأكل، فنبقى أحياء، هذا ملخص الملخص. نعمل، نكسب المال، نشتري به الطعام والشراب، نأكل، نبقى أحياء، فنحن مفتقرون في وجودنا إلى تناول الطعام والشراب، ومفتقرون إلى الطعام والشراب عن طريق العمل والسعي والكد والتعب، إذاً ما من إنسان إله، والدليل أن الله قادر على أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً.
 
الملكية لله ملكية مطلقة يملك ما في السماوات وما في الأرض خلقاً وتصرفاً ومصيراً:
 
قال تعالى:
﴿ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
الملكية لله ملكية مطلقة، يملك ما في السماوات وما في الأرض خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً، أنت في الدنيا قد تملك بيتاً ولا تنتفع به، وقد تنتفع ببيت ولا تملكه، المالك المؤجر على النظام القديم يملك ولا ينتفع، والمستأجر ينتفع ولا يملك، لكن لو أنك تملك وتنتفع، وصدر قرار تنظيم، فألغي البيت، الآن تملك وتنتفع ولكن المصير ليس لك، لكن ملكية الله عز وجل ولله المثل الأعلى يملك خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً.
﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
السماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون، والكون ما سوى الله، الله واجب الوجود ما سواه ممكن الوجود، فكلمة السماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون.
﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾
ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
تعلقت قدرته بكل ممكن، على كل شيء قدير، يفعل ما يريد وعلى كل شيء قدير.
والحمد لله رب العالمين
 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب