سورة المائدة 005 - الدرس (19): تفسير الآيات (033 - 034) التشريع الإلهي

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة المائدة 005 - الدرس (19): تفسير الآيات (033 - 034) التشريع الإلهي

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج مع الغروب 1440 هـ:  مع الغروب - 18 - رمضان - 1440هـ           برنامج مسابقة كنوز:  مسابقةكنوز - 16 - مدينة رام الله2           برنامج مونو دراما "الحاجة سليمة": الحجة سليمة - 18 - اذا اطعمت فاشبع - رمصان - 1440           برنامج لوازم الإيمان:  لوازم الايمان - 18 - الغربة           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - رمضان - همسات العشر           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0301 - سورة الاعراف 205 - 206         

New Page 1

     سورة المائدة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة المائدة - تفسير الآية: (033 - 034) - التشريع الإلهي

21/03/2011 05:10:00

سورة المائدة (005)
الدرس (19)
تفسير الآيات: (33-34)
التشريع الإلهي
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
محاربة الله ورسوله أن تشرع تشريعاً يتناقض مع تشريع الله أو يبتعد عن تشريع الله:
 
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع عشر من دروس سورة المائدة، ومع الآية الثالثة والثلاثين، وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
أيها الأخوة الكرام، كيف يحارَب الله؟‍‍ الله عز وجل لا تدركه الأبصار، الحرب بالمفهوم الأرضي أن تقاتل إنساناً، وتستلب ما عنده، أن تحتل أرضه، أن تستولي على ثرواته، أن تأخذ متاعه، الحرب صِدام، لكن كيف يحارَب الله؟ الحقيقة أن الله يحارَب بإحداث تشريع خلاف تشريع، لأن التشريع من حق الله وحده، الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، فحينما نشرع نحن تشريعاً بعيداً عن تشريع الله، أو مخالفاً لتشريع الله فكأنما حاربنا الله، هذه حقيقة أولى، محاربة الله ورسوله أن تشرع تشريعاً يتناقض مع تشريع الله، أو يبتعد عن تشريع الله، أو يفسد الإنسان.
 
التشريع الإلهي يحقق للإنسان سعادته في الدنيا والآخرة :
 
أيها الأخوة، الله عز وجل حينما خاطب نبيه وقال:
﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾
[سورة الإسراء:73]
إن سمينا الكفار الطرف الآخر فإن جهد الطرف الآخر من آدم إلى يوم القيامة أن يبدلوا منهج الله، أن يبدلوا منهج الله بمنهج أرضي يحقق للإنسان شهواته، ويبعده عن المسؤولية، القضية واضحة جداً، إما أن تختار الله أو الدنيا، إما أن تختار الآخرة أو متاع الحياة الدنيا، إما أن تختار أن تتبع منهج الله أو أن تتبع هوى نفسك، فالتشريع الإلهي يحقق للإنسان سعادته في الدنيا والآخرة.
تعريف آخر للتشريع الإلهي دقيق جداً: هو أنك إذا صنعت آلة هذه التعليمات التي مع الآلة من أجل صيانة الآلة من التلف، من أجل صيانتها من العطب، من أجل أن تعطي هذه الآلة أعلى مردود، فكأن تشريع الله عز وجل من أجل صيانة الإنسان من أن يشقى في الدنيا والآخرة، فالجهة الوحيدة الخبيرة القادرة على إسعاد الإنسان عن طريق تعليمات دقيقة مفادها افعل ولا تفعل، هذه الجهة هي الله عز وجل، بمعنى أن الله هو الخبير بما يسلمك وبما يسعدك.
إذاً: الطرف الآخر مهمته أن يأتي بتشريع خلاف التشريع الإلهي، الربا يجمع الأموال في أيد قليلة ويحرم منها الكثرة الكثيرة، وتشريع الله عز وجل أن يكون المال متداولاً بين الناس جميعاً، الكتلة النقدية ينبغي أن تكون متداولة بين الناس، أما حينما يعتدى على شرع الله، فنسمح للمال أن يلد المال عندها يتجمع المال بأيدٍ قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة، فنحن بتشريع الربا حاربنا الله، بمعنى؛ أننا أحللنا تشريعاً مناقضاً لتشريعه، لأن الله سبحانه وتعالى أحل البيع وحرم الربا، فنحن شرعنا الربا، فلما شرعنا الربا صار هناك في كل بلد فرق طبقي كبير جداً، هذا وراء كل مآسي البشرية، أي أن يمتلك عشرة بالمئة من سكان الأرض تسعين بالمئة من موارد الأرض، وأن يعيش الباقون على فتات هؤلاء العشرة بالمئة، هذا يتناقض مع تشريع الله، فإذا قرأتم في القرآن الكريم قوله تعالى: " يُحَارِبُونَ اللَّهَ "، أي يشرعون تشريعاً يتناقض مع تشريع الله، تشريع الله عز وجل مهمته صيانة الإنسان من الفساد، صيانته من الشقاء، صيانته من التعاسة، لأن الله سبحانه وتعالى أدرى بمن خلق، وهو الخبير، هو الوحيد الذي يعلم ما يصلحنا وما يفسدنا.
 
تشريع بني البشر يحقق متعة بني البشر ومصالحهم :
 
لذلك:
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ﴾
أي أنت حينما تحارب الله، تريد أن تفسد خلق الله، تريد أن تشقيهم، فهذه الفتاة حينما تدفعها إلى التبذل، وإلى عرض مفاتنها في الأماكن العامة تحت غطاء حريتها وكرامتها وحقوقها، وهي امرأة تمثل نصف المجتمع، هذه مصممة بأعلى درجة من الوفاء لزوجها، والتصديق لمن حولها، والليونة والخضوع، هذه الصفات كلها تؤهلها لأن تسعد زوجها، وتكون بارةً بأولادها، أما حينما تدفعها إلى أن تعرض مفاتنها على الناس، وأن تختلط مع الرجال فخصائصها التي تتميز بها، والتي أحد أسباب إسعاد زوجها قد تكون سبب دمارها، فيأتي من يضحك عليها، ومن يغريها بكلمات معسولة، ثم ينال وطره منها، ويلقيها ساقطة تعيسة، فحينما يشرع الإنسان تشريعاً من أجل متعته، من أجل أن يستمتع بالمرأة في أي مكان حتى في العمل، يحبذون الموظفات على الموظفين بدافع عميق فيهم، ألا وهو الاستمتاع بالمرأة، فلذلك تشريع بني البشر يحقق متعة بني البشر، يحقق مصالحهم، يحقق تحقيق شهواتهم، يحقق انغماسهم في شهواتهم، لكن تشريع خالق البشر يحقق للإنسان سعادة أبدية تمتد إلى أبد الآبدين.
لذلك أيها الأخوة: لا يستطيع الإنسان أن يحارب الله بالمفهوم المحدود في الأرض، الله يقول له:
﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
[ سورة يس: 82]
بلحظة يجعله أثراً بعد عين، يرسل عليه صاعقة فتحرقه، يوقف قلبه فجأة، فهناك مليار مِليار مليار خيار الله يقضي على الإنسان في ثانية.
﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
[ سورة يس: 82]
 
التشريع هو صيانة الإنسان من الفساد والشقاء في الدنيا والآخرة :
 
حرب بالمفهوم الساذج مستحيلة، لكن محاربة الله أي أن تشرع تشريعاً متناقضاً مع تشريع الله، أن تسمح للمرأة بالاختلاط، أن تدفعها إلى السفور، سمعت مرة مقولة والله منصفة، لكنها غير شرعية، قال: كما أن المرأة حرة في أن تتعرى فهي حرة في أن تتحجب، ما سمحوا لها أن تتحجب، حينما تظهر مفاتنها لكل من هب ودب لا تؤاخذ، أما إذا تحجبت -وضعت خرقة على رأسها بالمفهوم الاصطلاحي- فتقوم الدنيا ولا تقعد من أجل حجابها، إذاً هذا موقف غير منصف، لماذا سمحت للأولى أن تتعرى، وأن تفسد الشباب، وأن تفسد في الأرض، ولم تسمح للثانية أن تتحجب، هذا يقلق الطرف الآخر، لذلك التشريع الإلهي هو صيانة لصنعته.
الآن اقتن أية آلة فيها تعليمات دقيقة، هذه الأشياء تعطبها، تحذيرات، هذه الأشياء تقلل مردودها، هذه الأشياء تقصر في عمرها، هذه الأشياء ترفع من كفاءتها، هذه الأشياء تعلي مردودها، هكذا أية صنعة محكمة دقيقة لا بد لها من صانع حكيم، وهذا الصانع الحكيم من لوازم حكمته، وإتقانه لعمله أن يقدم التعليمات، فإذا أردنا أن نضغط التشريع كله في كلمات: صيانة الإنسان من الفساد ومن الشقاء في الدنيا والآخرة، الآن الإنسان الذي يتبع هواه، والإنسان بالمناسبة أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن تتبع الهوى وإما أن تتبع الحق، والله عز وجل يقول أنت على أحد الطريقين حتماً:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾
[ سورة القصص: 50]
أنت أحد رجلين، إما أنك تتبع الحق، أو أنك تتبع الهوى، إما أنك تتبع ما أنزل الله، أو تتبع ما تمليه عليه غرائزك، إذاً محاربة الله ورسوله أن تشرع تشريعاً يتناقض مع تشريع الله ورسوله:
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ﴾
 
وحي الله هو الحق المطلق والكمال المطلق :
 
الله عز وجل يحارب بتشريعات تفسد بني البشر، أما الرسول فيحارب حربين، في حياته يحارب من يعتدي عليه، وقد حاربه المشركون، وتمنوا قتله، وحاربوه ليقتلوه، أما إذا انتقل إلى الرفيق الأعلى كيف يحارب؟ بسنته، حينما نأتي بتشريعات تتناقض مع سنته التفصيلية، فنحن إذاً نحارب رسول الله، ومن أجمل ما قاله المفسرون في قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الحجرات: 1]
أي لا تقترح اقتراحات لم يأتِ بها النبي، أو تعاكس منطوق النبي عليه الصلاة والسلام، هذا افتراء على الله ورسوله، وهذا دليل الجهل بأن هذا الوحي الذي جاء به النبي لم يرق لك، وحي الله هو الحق المطلق والكمال المطلق، وبيان النبي لهذا الوحي أيضاً حق مطلق، وبيان مطلق:
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً ﴾
أي إما أن تزلزل عقيدة المؤمنين لطرح شبهات وترهات وضلالات ونظريات وأطروحات تنفي حقائق القرآن، أو أن تسعى في الأرض فساداً، هذا الماء مصمم أنه لا لون له، ولا طعم له، ولا رائحة، وله سيولة معينة، وله خصائص معينة، فأنت إذا لونته غيرت طعمه، أو غيرت قوامه، أو جعلته ذا قوام شد أفسدت طبيعة الماء، مثلاً هذه الفتاة خلقها الله عز وجل إفسادها أن تعرضها للفساد، أن تضعها في بيئة تتعرض فيها للفساد، إفسادها أن تعزف عن الزواج، إفسادها أن تكون متعة محرمة لكل الناس، فمحاربة الله ورسوله تعني هذا، وإفساد الأطفال عن طريق تقديم ما يشوه عقيدتهم أو أخلاقهم عن طريق أفلام متحركة يشاهدونها وهم صغار، هذا من إفساد الصغار، من إفساد البنات، من إفساد البيئة:
﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً ﴾
 
الصفة الجامعة المانعة للمجتمعات الشاردة عن الله هي النفاق والسرقة :
 
كأنك تستشف من هذه الآية أن الكافر مهمته الأولى إفساد عقيدة الناس، وإفساد أخلاقهم، من حيث العقيدة الدعوة إلى إنكار ما في القرآن والسنة، وإفساد أخلاقهم، الدعوة إلى إفساد العلاقة الاجتماعية والعلاقات بين الجنسيين، بحيث تحل الإباحية محل الانضباط، هؤلاء الذين يحاربون الله ورسوله يعتدون على منهج الله، لماذا هناك حدود؟ من يعتدي على الدين عليه حد، ومن يعتدي على العرض، ومن يعتدي على النفس، ومن يعتد على العقل، ومن يعتدي على المال، هذه مقاصد الشريعة الخمس، الدين، والحياة، والعرض، والعقل، والمال، فإنما شرع الله كل هذه التشريعات من أجل صيانة الدين، والعرض، والعقل، والمال، والحياة، من يعتدي على حياة الإنسان يقتل، ومن يعتدي على ماله تقطع يده، ومن يعتدي على عرضه يجلد ثمانين جلدة ولو بكلمة، ومن يعتدي على عقله بشرب الخمر أيضاً يجلد ثمانين جلدة، هذه حدود والحدود من أجل أن يسلم المجتمع من هذه الشرور.
إذاً: هؤلاء الذين يحاربون الله ورسوله، أي يقيمون تشريعات تتوافق مع أهوائهم وشهواتهم، ولا يعبؤون باليوم الآخر ثم إنهم يفسدون النفس البشرية، أنت مثلاً حينما تأتي بموظف إلى محلك التجاري تعطيه بالشهر ألف ليرة، والمال بين يديه، أنت بهذا الدخل القليل حملته على أن يسرق، أفسدته، فحينما لا تعطي الإنسان حاجته، ولا تحقق له كرامته إن لم تعطيه حاجته يسرق، وإن لم تعطيه كرامته ينافق، فكأن الصفة الشاملة للمجتمعات المتخلفة النفاق والسرقة، الصفة الجامعة المانعة للمجتمعات الشاردة عن الله عز وجل هي النفاق والسرقة.
 
الحدود لا يقيمها إلا أولو الأمر من أجل ألا تكون الفوضى والفتن :
 
أيها الأخوة، هؤلاء الذين:
﴿ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً ﴾
هؤلاء خطرون جداً، إنسان يعتدي على أقدس ما عند الأمة، هذا ينبغي أن يعاقب أشد العقاب، إنسان يعتدي على أقدس ما تملكه المرأة، عرضها، ينبغي أن يعاقب أشد العقاب قال تعالى:
﴿ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ﴾
أيها الأخوة، هذه كلها بالتعبير القانوني: مؤيدات قانونية، ما من تشريع في الأرض إلا وفيه عقوبات، لو ألغينا العقوبات من التشريعات، التشريعات لا معنى لها، إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ولكن كحقيقة ثابتة أكيدة أن هذه الحدود لا يقيمها إلا أولو الأمر من أجل ألا تكون الفوضى والفتن، الحدود لا يقيمها إلا أولو الأمر.
أيها الأخوة الكرام، لا تظنوا هذا قسوة، أضرب لكم مثلاً، في إحصاءات دقيقة جداً أنه في كل ثلاثين ثانية في بعض المجتمعات الغربية ترتكب جريمة سرقة، أو قتل، أو اغتصاب، قسمت جرائم القتل والاغتصاب والسرقة على ثواني العام فكان كل ثلاثين ثانية جريمة، في بلاد بقياس التقدم العلمي متخلفة جداً، لكنها طبقت أحد حدود الشرع قطع يد السارق، ما الذي حصل؟ هذا شيء ثابت، أنه يمكن لمن يصرف العملة أن يدع صندوقاً فيه ملايين، ويذهب ليصلي وقت الصلاة، وهناك قصص تروى عن بلد متخلف، لكنه طبق حد السرقة لا تصدق، فأنت حينما تضحي بواحد في العام كله، واحد أو اثنان فقط وتصون أموال الأمة أفضل؟ أم أن تضحي بمجموع أموال الأمة، وبمجموع طمأنينة الناس على أموالهم؟ الله عز وجل هو المشرع.
يد بعشر مئين عسجد وديت           ما بالها قطعت في ربع دينار
*   *   *
أجاب الإمام الشافعي:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها        ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
*   *   *
لما كانت أمينة كانت ثمينة فلما خانت هانت.
 
جزاء الإفساد في الأرض :
 
أنت حينما تجد في وعاء فواكه واحدة فاسدة، هذه الواحدة الفاسدة بعد حين تفسد كل ما حولها، فأيهما أفضل أن تضحي بكل هذه الفاكهة الجيدة برمي أحد الحبات الفاسدة، أم أن تضحي بكل هذه السلة التي فيها فواكه من أعلى مستوى؟ قضية بسيطة جداً، المجتمع أولاً، لذلك هذا الذي يحارب الله ورسوله، هذا الذي يفسد عقائد الناس، هذا الذي يحببهم بالدنيا ويزهدهم بالآخرة، هذا الذي يؤكد لهم أن الدين أفيون الشعوب، هذا الذي يقول لهم: الدين شعور، ضعف الإنسان أمام قوى الطبيعة يوم كان ضعيفاً، هذا الذي يبين أن الأديان ليس لها صلة بالسماء إطلاقاً، إنما هي اجتهادات من عباقرة عظماء سيطروا على الناس، وأتوا بهذه التشريعات، هذا الذي يبين للناس أن كل القيم الأخلاقية متبدلة من مكان إلى مكان، وأنه ما يكون هناك حرام هو في مكان آخر حلال، هذا الذي يلغي الدين من حياة الناس، يلغي الانضباط، يلغي طلب الآخرة، يلغي عبودية الإنسان لله عز وجل، يلغي رسالة الإنسان، يلغي تكليف الإنسان، يجعل الإنسان كائناً يبحث عن لذته وشهوته، يجعل الإنسان كائناً لا يتجه إلا لمصلحته، شيء لا يحتمل، هذا الذي يحارب الله بتشريع أرضي يخالف شرع الله عز وجل، ويسعى في الأرض فساداً، إفساد الشباب، إفساد الشابات، إفساد الأذواق، إفساد العلاقات، هذا كله إفساد، أي الإفساد أن تفسد بنيته، أن تفسد أخلاقه، أن تفسد أذواقه، أن تفسد علاقاته مع الآخرين، أن تجعل المجتمع كالذئب، إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب، أن تلغي اتصال الأرض بالسماء، أن تحاول أن تبعثر جهود الإنسان، أن تصرفه عن الدار الآخرة.
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾.
 
أطروحات تزين المعاصي وتزخرفها :
 
أنا لا أغيب عن ما يطرح من أجل المعاصي، أن الإنسان عنده حاجات يجب أن تلبى، عنده واقع يجب أن يعيشه، هذه الفتاة لها فترة فتوة ينبغي أن تعيش وقتها، أن تعطى ما تريد، هذه الأطروحات أطروحات شيطانية مزخرفة، لكن الحقيقة هي ذلك الوحي العظيم من عند الله عز وجل:
﴿ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ*إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
الحقيقة في دساتير العالم قاعدة: أن القوانين لا يعمل بها رجعياً، وإلا فهناك ظلم شديد، أي أنت تعمل عملاً مشروعاً ومباحاً، بعد حين يصدر قانون يحرم هذا الشيء، أنت لا ينبغي أن تؤخذ بهذا القانون الجديد، إذاً:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
هذه الآية نشرحها في الدرس القادم إن شاء الله.
 
القوانين لا تطبق بمفعول رجعي :
 
قال تعالى:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
ارتُكِب مثلاً شيء يوجب الحد فأنت إذا قبضت عليه بهذا الجرم يجب أن تقيم عليه الحد، ومن يعفو عنه لا عفا الله عنه، لأنه يسعى في الأرض فساداً أيضاً، لكن إذا ارتكب ما يوجب الحد ثم تاب إلى الله توبة نصوحة وجاءك تائب، مادام تاب من قبل أن تقدر عليه، من قبل أن تضبطه بهذه المخالفة فهذا حقه محمي، عندئذٍ هذا يغفر له عند الله، وينبغي أن يغفر له عند الناس، هذه قاعدة قانونية دقيقة جداً.
إنسان مثلاً يعمل في تبديل العملات، لو صدر قانون يحرم التعامل بالعملات هل يجوز أن نضع هذا في السجن، يوم فعل ما فعل كان هذا مباحاً، وضمن الأنظمة النافذة، فإذا منع فلا ينبغي أن يحاسب من ترك هذه الحرفة قبل صدور هذا القانون، هذه قضية دقيقة جداً، القوانين لا تطبق بمفعول رجعي.
﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
أي هذا حد لأن القتل والصلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف والنفي من الأرض هذه حدود مؤلمة ردعاً للمجتمع، وصيانة له، لكنها لا تطبق بمفعول رجعي:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
 والحمد لله رب العالمين

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب