سورة المائدة 005 - الدرس (41): تفسير الآيات (093 - 096) الحساب بعد التكليف

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة المائدة 005 - الدرس (41): تفسير الآيات (093 - 096) الحساب بعد التكليف

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج مع الغروب 1440 هـ:  مع الغروب - 18 - رمضان - 1440هـ           برنامج مسابقة كنوز:  مسابقةكنوز - 16 - مدينة رام الله2           برنامج مونو دراما "الحاجة سليمة": الحجة سليمة - 18 - اذا اطعمت فاشبع - رمصان - 1440           برنامج لوازم الإيمان:  لوازم الايمان - 18 - الغربة           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - رمضان - همسات العشر           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0301 - سورة الاعراف 205 - 206         

New Page 1

     سورة المائدة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة المائدة - تفسير الآية: (093 - 096) - الحساب بعد التكليف

21/03/2011 05:54:00

سورة المائدة (005)
الدرس(41)
تفسير الآيات: (93 – 96)
الحساب بعد التكليف
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
التدرج في التشريع :
 
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الواحد والأربعين من دروس سورة المائدة ومع الآية الثالثة والتسعين، وهي قوله تعالى:
﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
أيها الأخوة الكرام، كلكم يعلم أن التشريع نزل متدرّجاً، ففي وقت فرضت الصلاة، في وقت فرض الصيام، في وقت فرض الحج، في وقت حُرمت الخمر، في وقت حُرم الميسر، فالعبادات والمحرمات نزلت بالتدريج.
لذلك بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن استشهدوا أو ماتوا قبل تحريم الخمر، قلق الأصحاب الكرام على أخوانهم، فتساءلوا: ما حكم أخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تُحرم؟ هذا القلق قلق مقدس، لكن الله جل جلاله رحيم بعباده، الله عز وجل  لا يكلفنا إلا بما شرع لنا.
إذاً قبل التشريع الإنسان معفو عنه، هذا التساؤل الذي تساءل به أصحاب النبي رضوان الله تعالى عليهم، وهذا القلق المقدس الذي قلقوا به على أخوانهم ممن سبقوهم إلى دار الحق من هؤلاء الذين فعلوا شيئاً حرم فيما بعد، بعد موتهم أو بعد استشهادهم، هذا السؤال الكبير جاء جوابه في هذه الآية.
 
الصحابة الكرام الذين توفاهم الله قبل نزول تحريم الخمر حُكم الله فيهم العفو :
 
أولاً يقول الله عز وجل:
﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ ﴾
قد يسأل سائل: غير المؤمن عليه جناح؟ غير المؤمن لم يدخل في عقد مع الله عز وجل، لذلك ليس بعد الكفر ذنب، الذي يدخل في عقد إيمانٍ مع الله عز وجل هو مؤمن، لذلك المؤمن يحاسب، أو يؤاخذ، أو يعفى عنه، فهذا معنى قوله تعالى:
﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ ﴾
أي لومٌ:
﴿ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ﴾
الحقيقة، ﴿ طَعِمُوا ﴾، تشمل الطعام والشراب، الدليل حينما قال الله عز وجل:
﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾
[ سورة البقرة: 249]
إذاً معنى طعم الماء أي شعر طعمه في فمه، وليس معنى طعم الماء أن الماء   يؤكل، لكن هنا تأتي كلمة طعم لتغطي الطعام والشراب معاً، فهؤلاء الصحابة الكرام الذين توفاهم الله عز وجل قبل نزول تحريم الخمر، أو استشهدوا في بعض المعارك قبل تحريم الخمر ما حكم الله فيهم؟ حكم الله فيهم العفو، لأن الله عز وجل حينما كانوا أحياء الذي كلفهم به أتموه على أكمل وجه، إذاً ليس عليهم شيء.
 
الله سبحانه وتعالى لا يحاسب إلا بعد التكليف :
 
أيها الأخوة، الآية تبشر وتطمئن الأصحاب الكرام، ومن سبقوهم إلى رحمة الله:
﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا ﴾
أن يعصوا الله فيما أمرهم، أي في حياتهم كل شيء أمروا به نفذوه، وائتمروا به، وكل شيء نهوا عنه تركوه، وابتعدوا عنه، إذاً في حياتهم وقبل موتهم أو استشهادهم أدوا الواجب، وتركوا المحرم، أما الشيء الذي لم يحرم بعد ما فعلوه ثم حرم بعد ذلك فلا إثم عليهم فيه، وماتوا أطهاراً عند الله عز وجل. إذاً:
 
﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا ﴾
آمنوا بالله الإيمان الذي حملهم على طاعته، فاتقوا بعد أن عرفوه أن يعصوه، أن جعلوا بينهم وبين الله شيئاً يتقون به غضبه، أو يتقون به سخطه، أو يتقون به ناره.
﴿ إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
عرفوا الله، وائتمروا بأمره، وانتهوا عما عنه نهى، ثم عملوا الصالحات، وماتوا على هذا الحال، والأشياء التي حرمت من بعد فعلوها، ولكن ليسوا مؤاخذين عليها، لأن الله سبحانه وتعالى لا يحاسب إلا فيما كلف، ولا معصية إلا فيما حُرِّم، ولا مؤاخذة إلا بعد التكليف.
 
من مات وقد فعل شيئاً لم يحرم في حياته فهو ناجٍ عند الله :
 
لكن الذين جاؤوا بعدهم أضيف إلى الأحكام التي عاش أخوانهم في خلالها، ونفذوها أضيف أحكام جديدة، فالمؤمنون الذين عاشوا بعد موت أخوانهم أو بعد استشهادهم، ونزلت أحكام جديدة في تحريم الميسر وتحريم الخمر نفذوها، هؤلاء تغطيهم الآية الثانية.
إنسان مات، وقد فعل شيئاً لم يحرم في حياته، فهو ناجٍ عند الله، الإنسان الثاني امتد به العمر حتى نزلت أحكام جديدة فنفذها، هؤلاء غطاهم الله عز وجل في قوله:
﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ﴾
بعد حين حرمت الخمر، فتركوها، حرمت الميسر فابتعدوا عنها كلياً:
﴿ إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ﴾
ولكن بعدما انتهى التشريع، وبعد أن ختمت الرسالة، وبعد أن تحددت المحرمات، والمأمورات، والإنسان امتد به العمر بعد ذلك، بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى، وبعد انقطاع الوحي، ماذا عليه أن يفعل؟ قال:
﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ﴾
أي كلفوا بالصلاة فأحسنوا، صلوا صلاة النوافل، كلفوا بالصيام فصاموا صيام النفل، كلفوا بالزكاة فدفعوا أموالاً زيادة عن واجبهم في أداء الزكاة.
 
الآية تتحدث عن ثلاث مراحل :
 
إذاً هناك ثلاث مراحل: مرحلة صحب كرام عاشوا الوحي، وطبقوا التشريع الذي كان في عهدهم، وماتوا هم إلى رحمة الله ومغفرته، لأنه لا مؤاخذة إلا بعد التكليف.
وأناس آخرون عاشوا حياة بعد موت أخوانهم فاستقبلوا أحكاماً جديدة، ونفذوها هم عند الله أيضاً ناجون، لأنهم طبقوا كل ما انتهى إليهم، لكن بعد انقطاع الوحي، وانتقال النبي إلى الرفيق الأعلى هؤلاء زادوا في عباداتهم، زادوا في صلواتهم، زادوا في أداء الأموال التي يبتغون في إنفاقها وجه الله عز وجل، زادوا في صيامهم، زادوا بعد الحج حجة، أنفقوا أموالهم، هؤلاء اتقوا وأحسنوا، الآية تقول:
﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
هؤلاء الفريق الأول، ثم الفريق الذي عاش بعد هؤلاء، واستقبل أحكاماً جديدة فنفـذها:
﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ﴾
والفريق الذي عاش بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى فزاد في عباداته، وزاد في إنفاق ماله:
﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
إذاً الله عز وجل من رحمته بنا أنه لا يكلفنا ما لا نطيق، ولا يكلفنا إلا في حدود ما شرع لنا، ولا معصية من دون تكليف، وهذا بند كبير في كل دساتير العالم، أي إن القانون لا يمكن أن يأخذ مفعولاً رجعياً، فإذا أخذ القانون مفعولاً رجعياً كان فيه ظلم كبير، لأنه حينما شرع هذا القانون الذين خالفوه قبل التشريع لا شيء عليهم، وهذا أصل فيما يسميه علماء القانون بالمسؤولية، لا مسؤولية إلا بعد التشريع، ولا معصية إلا بعد التكليف، ولا مؤاخذة إلا بعد التبيين، وهذا من رحمة الله بالمؤمنين.
 
حكممن عاش بين نبوتين وفي وقت لم يصل إليه وحي من السماء :
 
لكن هذا الكلام يذكرنا بكلام آخر، أن هؤلاء الذين عاشوا فيما بين نبوة الأنبياء، يسميهم العلماء أهل الفترة، أليسوا محاسبين؟ هناك من توهم أنهم لا يحاسبون أبداً، الحقيقة بين ذلك، بين هذا وذاك، الحقيقة أن الإنسان أودع الله فيه عقلاً كافياً للتعرف إلى الله، وأودع فيه فطرة كافية كي تكشف له خطأه، فالإنسان الذي لم يتلقَ رسالة من السماء، ولم يتلقَ توجيهاً نبوياً محاسب لا بضوء تفاصيل الشريعة، ولكن محاسب على شيئين كبيرين أودعهما الله فيه، وهو العقل والفطرة، فالعقل كافٍ أن يدله على الله، والفطرة كافية أن تدله على خطئه، إذاً هو يحاسب.
إنسان ما التقى برجل دين في الأرض، عاش في جزيرة، لو أنه قتل أمه، أو أكل وأجاع أمه، هذا الإنسان بفطرته التي فطر عليها يشعر أنه بحق هذه المرأة هو مجرم من دون تشريع، فالفطرة كافية أن تكتشف خطأك، والدليل:
﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
[ سورة القيامة: 14-15 ]
    والدليل الآخر أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
[ سورة الشمس: 7-8 ]
فالإنسان يكشف خطأه، وبعقله يصل إلى ربه، فحينما يكون الإنسان بين نبوتين، وفي وقت لم يصل إليه وحي من السماء ليس محاسباً على تفاصيل الشريعة، ولكنه محاسب على أصل الإيمان، وأصل طاعة الرحمن، عقله تدله على الله وفطرته تمنعه من أن يخطئ.
 
المؤمن يوطن نفسه أن التحريم لابدّ منه في الأديان لأن ترك المحرمات ثمن الجنان :
 
قال تعالى:
﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
أخواننا الكرام، لا يمكن أن تكون هناك جنة من دون محرمات، لو أن إنساناً بسذاجة طفل تصور أن الله عز وجل لم يحرم علينا الزنا، ولا المال الحرام، ولا الفواحش، ولا السرقة، ولا لحم الخنزير، ولا الخمر، لارتحنا، وكنا جميعاً في طاعة الله عز وجل، وجميعاً إلى الجنة، عندئذٍ لم يكن هناك جنة، الشيء الذي لم تدفع ثمنه لا قيمة له إطلاقاً.
فيجب أن نعتقد جميعاً أنه لا بد من شيء محرم، الربا محرم، وقد يتراءى للإنسان أن كل مصلحته في الربا، والزنا محرم، وقد يتوهم الإنسان أن كل لذائذه تحل أو تتحقق بالزنا، والسرقة محرمة، وقد يتوهم الإنسان أن السرقة يمكن أن تعطيه مالاً كثيراً بلا جهد إطلاقاً، لذلك المؤمن يوطن نفسه على أن التحريم لا بد منه في الأديان، لأن ترك المحرمات ثمن الجنان.
 
الله عز وجل لا يمكن أن يعطي الجنة إلا لمن يدفع ثمنها وثمنها ليس سهلاً :
 
لذلك الله عز وجل يقـول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ ﴾
الأشياء مغرية، أحياناً المال بين يديك بإمكانك أن تأخذ منه ما تستطيع دون أن يكشفك أحد، والله عز وجل يضع الإنسان في ظروف دقيقة جداً، بإمكانك أن تأخذ المال الوفير دون أن تكون مسؤولاً، ما هي الأمانة؟ الأمانة لا أن تؤدي مبلغاً من المال كتب عليك بسند، أو إيصال موثق، لا، هذا سلوك مدني، الأمانة أن يودع عندك مبلغ كبير بالملايين، والذي أودعه عندك لم يأخذ إيصالاً، ومات بحادث، وأهله لا يعلمون عن هذا المبلغ شيئاً، أنت لست مداناً في الأرض إطلاقاً، ولكن خوفك من الله يدعوك إلى أداء هذه الأمانة. أقسم لي أخ بالله، وهو عندي صادق، أنه كان عنده عشرون مليون ليرة سورية، والذي أودعها عنده لم يعلم أحداً بذلك، وتوفي بحادث، فذهب إلى الورثة، وقدم لهم المبلغ عداً ونقداً تبرئة لذمته، هذه الأمانة.
لذلك الله عز وجل لا يمكن أن يعطي الجنة إلا لمن يدفع ثمنها، ثمن الجنة ليس سهلاً، ثمن الجنة أمانة قد تغري الإنسان أن يخالفها، فنبدأ بالشيء الصغير:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ ﴾
إنسان يقول لك: أنا لا آكل حراماً لو قطعتني إرباً إرباً، ويقصد ألف ليرة، ألفين، أو ثلاثاً، يأتيه مبلغ مليون، وتحل به كل مشكلاته، يقول لك: ماذا أفعل؟ هذه بلوى عامة، سقط في الامتحان، امتحن فلم ينجح، فالله عز وجل كل عصر له ابتلاءات، وكل إنسان له ابتلاءات، وكل ظرف له ابتلاء، في كل مكان وفي كل زمان هناك أشياء مغرية جداً بين يديك، لذلك يفرز الناس حيال هذا الابتلاء إلى إنسان صدق ما عاهد الله عليه، وإنسان سقط تحت ضغط شهوته ومصلحته.
 
ما كل تشريع سماوي يقابله تشريع أرضي :
 
يبدو أن الصيد شيء محبب جداً:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ﴾
أحياناً الصيد لا يحتاج إلى سلاح، لا يحتاج إلى رمح، لا يحتاج إلى بندقية، بين يديك حيوانات أليفة جداً، في أثناء الحج محرم أن تصطادها وهي بين يديك، قد تمسكها بيديك:
﴿ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ﴾
أضرب لكم بعض الأمثلة، يمكن أن تكون في غرفتك، والنافذة مفتوحة، وبيت مقابل لبيتك، فتحت النافذة امرأة صاحب البيت، ولم تكن تهتم بحشمتها، ثيابها متبذلة، وقد تبدو كل مفاتنها من خلال الثياب، وأنت في مكان مظلم، وليس على وجه الأرض إنسان يكشف أنك تملأ عينيك من شيء حرم عليك، ليس إلا الله الذي يعلم خائنة الأعين، فإذا غضضت البصر، وقلت: إني أخاف الله رب العالمين، لا أحد على وجه الأرض يكشفك، هذه المخالفة، هذا امتحان أحياناً، ما كل تشريع سماوي يقابله تشريع أرضي، فالسرقة تتفق بين تشريعات السماء وتشريعات الأرض، لكن غض البصر مما تنفرد به شريعة السماء، فأنت لست مؤاخذاً في كل بقاع الأرض إذا مرت امرأة متبذلة وملأت عينيك من محاسنها، لا أحد يحاسبك، لكن الله وحده يعلم ذلك، هذا أيضاً امتحان.
قد تدخل إلى بيتك في أيام رمضان، ورمضان في شهر آب، والنهار طويل جداً، وتكاد تموت عطشاً، وبإمكانك أن تفتح الصنبور، وأن تشرب ماء بارداً لا يعلم أحد بهذه المخالفة إلا الله، ما الذي يمنعك أن تشرب في رمضان؟ إيمانك بالله، فالصوم عبادة الإخلاص، وغض البصر عبادة الإخلاص، لكن السرقة ممكن أن تضبط من قبل أهل الأرض، وقد تحاسب حساباً عسيراً على هذه السرقة.
 
الناس يمتحنون ويفرزون بين مؤمن يخاف الله وبين غير مؤمن يتجرأ على النواهي:
 
إذاً:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ ﴾
أي هو يمتحنكم:
﴿ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ﴾
القصة التي ذكرتها عشرات المرات، وقد تركت في نفسي أثراً كبيراً: أن هذا الإمام الذي كان في لندن، وانتقل إلى ظاهر لندن، وركب مركبة كل يوم، وصعد المركبة مرة، ودفع للسائق ورقة نقدية كبيرة، وردَّ له السائق البقية، فلما عدها وجدها تزيد عشرين بنساً عما يستحق، فقال: أنا كمسلم ينبغي أن أرد هذه الزيادة، هذا موقف المسلم، وبما أن لكل إنسان ملك يلهمه، وشيطان يوسوس له، يبدو أن الشيطان قال له: إنها شركة عملاقة، ودخلها فلكي، والمبلغ زهيد ويسير، لا يقدِّم ولا يؤخر، فلا عليك إذا أخذته، وأنت بحاجة إليه، وكأنه هبة من الله لك، لكنه قبل أن يغادر المركبة، دون أن يشعر مد يده، ودفع للسائق العشرين بنساً، ابتسم السائق، وقال له: ألست إمام هذا المسجد؟ قال له: بلى، قال له: والله قبل يومين حدثت نفسي أن أزورك بالمسجد لأتعبد الله عندك، ولكنني أردت أن أمتحنك، وقع هذا السائق مغشياً عليه لهول الصدمة، وأدرك لحظتها كم هي الجريمة التي كاد أن يقترفها لو أبقى في جيبه العشرين بنساً، ثم لما صحا من غفوته قال: يا رب، كدت أبيع الإسلام بعشرين سنتاً، هذا رسب أمام إنسان، فكيف إذا رسبت أمام الواحد الديان؟!
أنا أقول لكم أيها الأخوة: لو أن إنساناً وقع من طائرة، وتكسرت أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله، والله عز وجل يمتحنك كل يوم، أنت في دائرة الامتحان كل يوم، إذاً هذا الصيد بين يديك، الله عز وجل حرم الصيد على المُحرم، وحرم الصيد في الحرم، حرم الصيد على المُحرم في حدود المواقيت، وحرم الصيد على غير المُحرم في الحرم في أثناء الحج، فلذلك قد يأتي الصيد إلى ما بين يديك، تستطيع يداك أن تناله ومع ذلك الناس يمتحنون ويفرزون بين مؤمن يخاف الله وبين غير مؤمن يتجرأ على النواهي التي نهى الله عنها:
﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ﴾
 
العاقل هو الذي يحكمه النص والأحمق هو الذي يحكمه الواقع :
 
أخواننا الكرام، كل إنسان حينما يرى سلاحاً موجهاً ضده يرعوي ويستقيم، لكن البطولة أن تخشى الله بالغيب، لذلك الله عز وجل حينما قال:
﴿ الم*ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾
[ سورة البقرة الآيات: 1-3]
يا أيها الأخوة، الدنيا محسوسة، تراها بعينيك قصراً جميلاً، سيارة فارهة، طعاماً طيباً، مزرعة رائعة، امرأة جميلة، هذه كلها محسوسة، أما الآخرة فتفتح كتاباً اسمه القرآن الكريم تجد أربع كلمات:
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾
[ سورة الضحى: 4]
هذا خبر، الدنيا محسوسة، والآخرة خبر، لذلك الإيمان بالغيب درجة متقدمة عالية جداً بالإنسان، الآن كم من إنسان يموت من الدخان، وآلاف الأبحاث العلمية تبين أخطار الدخان، من هو العاقل؟ الذي يحكمه النص، من هو الأحمق؟ الذي يحكمه الواقع، الإنسان حينما يصل إلى الواقع المر يندم أشد الندم، لكن العاقل قبل أن يصل إلى ما وصل إليه يرعوي قبل فوات الأوان.
﴿ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
الذي يعتدي على الصيد:
﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
 
الله عز وجل جعلك عبداً تاماً له في الحج خاضعاً لكل توجيهاته :
 
في الحقيقة له عذاب، لأنه لم يعبأ بمنهج الله عز وجل، لكن الحكمة من ذلك أيها الأخوة أن الإنسان بالحج عليه أن يخضع لله خضوعاً تاماً، وعليه أن يصفي نفسه، وأن يبتعد عن كل شعور بالفوقية، فالإنسان أعلى المخلوقات، دونه الحيوان، في الحج ممنوع منعاً باتاً أن يقتل الحيوان في أثناء الحج، صيد البر محرم في الحج، الآن الحيوان فوق النبات، والنبات دون الحيوان، وممنوع أيضاً أن تؤذي نباتاً في أيام الحج، الإنسان، الحيوان، النبات، دون النبات الجماد، وعليك أن تقبل حجراً في أثناء الحج، تقبل حجراً بتوجيه الله، وترجم حجراً بتوجيه الله، وتمتنع عن اقتلاع نبات أو إيذاءه، وعن قتل حيوان في أيام الحج وفي الحرم.
إذاً الله عز وجل جعلك عبداً تاماً له، خاضعاً لكل توجيهاته، تأتمر بأمره، وتنتهي عما عنه نهى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾
الصيد ممنوع وأنت محرم، محرم طبعاً من المواقيت، في أثناء الحج ممنوع لغير المحرم في منطقة الحرم فقط أن يقتل صيداً، أي المُحرم مكان التحريم حدود المواقيت المكانية، وغير المحرم حدود التحريم منطقة الحرم من التنعيم إلى الجعرانة، حدود الحرم الضيقة.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ ﴾
أي إذا قتل فرضاً نعامة عليه أن يقدم بدنة، إذا قتل حمار وحش عليه أن يقدم بقرة وهكذا، الذي يقدم فدية لخطئه واعتدائه مثلما قتل من النعم.
﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾
أي هناك رجلان يحكمان بنوع النعم الذي ينبغي أن يكون فدية لما قتل، لو أنه قتل غزالاً عليه أن يقدم شاة، وهكذا.
 
ليس من دين إلا وفيه محرمات :
 
قال تعالى:
﴿ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﴾
يجب أن يكون هذا الهدي في الكعبة:
﴿ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾
أي ليس من دين إلا وفيه محرمات، وفيه ألم حينما يعاقب على اقتراف بعض المحرمات، وبال الأمر يعطي خبرة مؤلمة، عندما يكذب طفل فيؤدب من قبل والده، هذا التأديب له فائدة تربوية كبيرة جداً، هذه الفائدة التربوية أن الطفل قرن في نفسه، في عقله الباطن بين هذا الكذب وبين هذا التأديب، وكل واحد منا إذا اقترف معصية وأدبه الله عليها، يقول لك: تربيت، هذا أسلوب الحكيم في التربية، أي إحداث خبرة مؤلمة مع المعصية، طفل جاء بشيء ليس له، أخذه من رفيقه دون أن يعلمه، فالأب حرمه من نزهة، فارتبط عند الطفل أن أخذ شيء ليس له يقابله حرمان من نزهة، لا بد من تربية الأولاد بهذه الطريقة، والله عز وجل يتولى تربية الكبار بطريقة أخرى، أن الإنسان كلما عصى الله عز وجل جاءه من الله تأديب يوازي هذه المعصية، فارتبط في عقله الباطن هذا العقاب مع هذه المعصية.
أؤكد لكم أيها الأخوة أنك إذا دخلت إلى مسجد، ورأيته ممتلئاً بالأخوة الكرام المؤمنين يجب أن تعلم علم اليقين أن عدداً كبيراً جداً من هؤلاء إنما عالجه الله معالجة حكيمة، وساقه إلى مسجده، وإلى بابه بطريقة لطيفة، أنه شعر أنه في خطر ليس له إلا الله، فانكب على أعتاب الله، واصطلح مع الله، وأطاعه، فأزاح الله عنه هذا الخطر بالتربية، فإما أن يقدم مثل هذا الحيوان الذي قتله:
﴿ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﴾
وإما أن يطعم مسكيناً طعاماً يساوي هذا الذي قتله ظلماً، أو أن يصوم صياماً يوازي طعام هذا الذي لم يطعمه.
 
إذا لم يرافق الانحراف عقاباً وتأديباً أو خبرة مؤلمة فهناك مشكلة كبيرة :
 
قال تعالى:
﴿ لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾
مثلاً: الأمر ببساطة بالغة لو أن ابنك عملَ عملاً سيئاً، وأنت لم تحاسبه أبداً، يرى هذا السوء طبيعياً جداً، يستمرئه ويدوم عليه، لو لم تحاسبه إطلاقاً لفعل أكبر منه، والأمر يتفاقم.
يروى أن إنساناً حكم عليه بالإعدام، فطلب منه ماذا يتمنى؟ قال: أريد أن أرى أمي، جاءت أمه، فقال لها: مدي لسانك كي أقبله، فلما مدت لسانها قطعه بأسنانه، وقال: لو لم يكن هذا اللسان مشجعاً لي في الجرائم ما فقدت حياتي. إذاً: إذا لم يرافق الانحراف عقاباً، وتأديباً، أو خبرة مؤلمة فهناك مشكلة كبيرة، الأمر يتفاقم:
﴿ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ﴾
قبل نزول هذه الآيات، وقبل هذا التشريع الذي كان قبل هذا التاريخ معفواً عنه أيضاً، وهذا من رحمة الله بنا:
﴿ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ﴾
 
التحريم مرتبط بالإحرام أما تحريم منطقة الحرم فمرتبط بأيام الإحرام لغير المحرم :
 
أيها الأخوة الكرام:
﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾
لكن للبحر شأن آخر:
﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ﴾
السيارة أي القافلة:
﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً ﴾
﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾
 [ سورة المائدة: 2]
التحريم مرتبط بالإحرام، أما تحريم منطقة الحرم فمرتبط بأيام الإحرام، لغير المحرم:
﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾.
 
الإنسان محاسب على كل حركاته وسكناته ومحاسب على كل أفعاله :
 
أيها الأخوة، ورد في بعض الأحاديث أنه: من قتل عصفوراً لغير مأكلة جاء يوم القيامة له دوي كدوي النحل تحت العرش يقول: يا رب اسأله لمَ قتلني؟
الصيد حلال ومباح لغير المحرم، ولكن لعلة وجيهة، الإنسان مخلوق مكرم عند الله، يمشي في الطريق انقطع زاده، فإذا اصطاد حيوان، وأكله، وأبقى على حياته فهذا مباح في الشرع، أما أن يذهب ليمارس هواية الصيد، وليقتل مئات الطيور دون أن يأكلها فقط لإحكام الرمي هذا في كتب الفقه محرم أشد التحريم، هواية الصيد، من اصطاد طائراً لغير مأكلة، ليمارس هواية معينة في إصابة الهدف هذا محرم أشد التحريم.
أعيد الحديث عليكم ثانية: من قتل عصفوراً لغير مأكلة جاء يوم القيامة له دوي كدوي النحل تحت العرش يقول: يا رب، اسأله لمَ قتلني؟ الإنسان محاسب على كل حركاته وسكناته، محاسب على كل أفعاله، ولا ينبغي أن يجرب بندقيته بحيوان، ولا يجوز أن تجعل الحي غرضاً لصيد، أو لرمح، هذا أيضاً محرم أشد التحريم، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن تروع حيواناً أن تشحذ سكينك أمامه، أو أن تذبح شاة أمام شاة، هذا محرم أيضاً بنص الحديث الشريف:
  (( إِنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ فَإِذا قَتلتُم فأحسِنُوا القِتلة، وَإِذا ذَبحتُم فأحْسِنُوا الذَّبحَ، وليُحدَّ أحدُكم شَفرَته، ولْيُرِحْ ذبيحَته ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن شداد بن أوس]
 
عملية الحج خضوع تام لإرادة الله عز وجل :
 
الآيات أيها الأخوة:
﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾
أيها الأخوة، هناك موضوع جانبي يحسن أن نأتي عليه، هو أن هناك مكاناً يسمى الحرم، وهناك أشهر حُرم، الذي يحصل أن الحروب التي تقوم بين البشر ترتبط هذه الحروب بكرامة المتقاتلين، فالدخول في الحرب سهل جداً، أما الخروج منها فصعب جداً، فالإنسان في أثناء الحرب يمكن أن يُدمر كل شيء، أو أن يُدَمر له كل شيء، حفاظاً على دعواه التي يدعيها، لكن رحمة الله بهؤلاء البشر أن الأشهر الحُرم يُحَرم فيها القتال، فحينما تقف الحرب، لا لأن أحد الطرفين غلب الآخر، ولا يقدح توقيف الحرب لكرامة أحد الطرفين، بل لأن تشريع السماء يُحَرم القتال بهذه الأشهر، الناس ماذا يقول لهم؟ يذوق طعم السلم، ويحب السلم  فلعل هذه الهدنة التي فرضها الله عز وجل على المتقاتلين تكون سبباً في إنهاء الحرب، وفي حقن الدماء. فلذلك عندنا مكان فيه تحريم لقتل الحيوان، وإيذاء النبات، حتى وفي هذا المكان الإنسان يهبط إلى أدنى مستوى فيقبل حجراً، أو يرجم حجراً بتوجيه الله.
سيدنا عمر حينما قبل الحجر قال: والله إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك.
هذا تشريع، أما الإنسان فهو أكرم من أي حجر كان، ومع ذلك الإنسان في الحج يخضع خضوعاً تاماً، أي حتى الذي أحله الله للبشر في الحج محرم عليه، محرم على الحاج أن يتطيب، أو أن يحلق شعره، أو يقلم أظافره، أو أن يقارب أهله، الأشياء المباحة خارج الحج محرمة في أثناء الإحرام، فعملية الحج خضوع تام لإرادة الله عز وجل.
الحمد لله رب العالمين



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب