سورة المائدة 005 - الدرس (43): تفسير الآيات (098 - 100) الخبيث والطيب

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات"> سورة المائدة 005 - الدرس (43): تفسير الآيات (098 - 100) الخبيث والطيب

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج مع الغروب 1440 هـ:  مع الغروب - 14 - رمضان - 1440هـ           برنامج مسابقة كنوز:  مسابقةكنوز - 12 - مدينة الخليل1           برنامج مونو دراما "الحاجة سليمة": الحجة سليمة - 14 - نام بكير وفيق بكير - رمصان - 1440           برنامج لوازم الإيمان:  لوازم الايمان - 14 - السكينة           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - الصوم وحدة الصف           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0297 - سورة الاعراف 197 - 199         

New Page 1

     سورة المائدة

New Page 1

تفسير القرآن الكريم ـ سورة المائدة - تفسير الآية: (098 - 100) - الخبيث والطيب

21/03/2011 05:58:00

سورة المائدة (005)
الدرس (43)
تفسير الآيات: (98 – 100)
الخبيث والطيب
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 
العلم يقتضي البحث والدليل وعدم التقليد :
 
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث والأربعين من دروس سورة المائدة ومع الآية الثامنة والتسعين، وهي قوله تعالى:
﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
أولاً: ﴿ اِعْلَمُوا ﴾ أي تحققوا، الدين لا يؤخذ تقليداً، ولا يمكن أن يقبل مقلِّد عند الله، لأنه لو قُبل مقلّد عند الله لكانت كل الفرق الضَّالَّة ناجية يوم القيامة، لأنهم قلَّدوا رؤساءهم، رؤساء هذه الطوائف، ولكن لأن الدين تحقق، ولأن الدين بحث، ولأن الدين درس، ولأن الدين اعتقاد أساسه الدليل، لذلك قال:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد: 19 ]
العلم يقتضي البحث، يقتضي الدليل، يقتضي عدم التقليد، يقتضي العلم، المثابرة.
أيها الأخوة:
﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
ألا ترون إلى أمراض عضالة تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق؟ ألا ترون إلى فقر مدقع؟ ألا ترون إلى ذل لا يحتمل؟
 
هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله :
 
الله عز وجل في بعض ما يروى في كتب الأثر أن نبياً قال:
(( يا رب، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقك، قال: يا رب إنك تعلم إني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))
[ ورد في الأثر ]
والله هناك بلاء لا يحتمل، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾
[ سورة البقرة: 286 ]
والله الذي يصيب المسلمين لا يحتمل، ﴿ َلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، العالم كله يحاربنا، المسلم في الأصل متهم ما لم تثبت براءته، ويصعب أن تثبت براءته، والطرف الآخر في الأصل معزز مكرم مبجل، هذا بلاء من الله، لأن الله عز وجل:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الرعد: 11 ]
ولأنه هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله، ذكرهم ببلائي، هناك أمراض، هناك شدة.
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾
[ سورة الأنعام: 65 ]
قديماً كانت الصواعق وأضيف لها حديثاً الصواريخ حارقة، وخارقة، وانشطارية، وعنقودية، وذكية، وجرثومية، وكيماوية، وما إلى ذلك.
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
[ سورة الأنعام: 65 ]
 
الإنسان دائماً في قبضة الله :
 
كان قديماً، ولا يزال الزلازل، أضيف إليها الألغام.
﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
[ سورة الأنعام: 65 ]
الحروب الأهلية، الطغاة في العالم:﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾، ذكرهم بآلائي، بالآيات الكونية الدالة على عظمته، ذكرهم بنعمائي، ذكرهم ببلائي، ذكرهم ببلائي كي يعظموني، ذكرهم بنعمائي كي يحبوني، ذكرهم ببلائي كي يخافوني، مستحيل أن يستقيم إيمانك من دون أن تخاف من الله، مستحيل أن يستقيم إيمانك من دون أن تحب الله، ينبغي أن تخافه، وينبغي أن تحبه، والأنبياء يعبدون الله رغباً ورهباً، خوفاً وطمعاً، رجاءً وحذراً:
﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
هذه للعصاة، للذين يبنون مجدهم على أنقاض الآخرين، للذين يبنون غناهم على إفقار الآخرين، للذين يبنون عزهم على إذلال الآخرين، هؤلاء الذين يحبون أن يعيشوا وحدهم، وأن يأكلوا وحدهم، ومن بعدهم الطوفان، هؤلاء ذكرهم أن الله شديد العقاب، أنت في قبضة الله، بدءاً من أصغر خلية في جسمك إلى أكبر مصيبة في الأرض، أنت في قبضة الله، أحياناً كآبة لا تحتمل، أحياناً ضيق، شدة، أحياناً وساوس متسلطة، مس جنٍ، إصابة عين، حسد فاسق، أحياناً مرض مادي، والله هناك أمراض تحيل حياة الإنسان إلى جحيم، لو تعطلت وظيفة ثانوية في أحد الأجهزة لقلبت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، أنت في قبضة الله، إن كنت في قبضته فلا تقل: أنا، قل: أنا عبد لله، ارجُ رحمته واخشََ عذابه:
﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
 
الله عز وجل خلقنا ليسعدنا :
 
أنت في متناول قبضة الله، قد تأتي المصيبة من جسمك، أو من نفسك، أو ممن حولك، أو ممن فوقك، أو ممن تحتك، حينما تعلم أنك في قبضته، وحينما تخاف منه تستقيم على أمره، وليس الهدف أن تخاف منه الهدف أن تستقيم على أمره، وليس الهدف أن تستقيم على أمره، الهدف أن تسعد باستقامتك على أمره، خلقك ليسعدك.
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
[ سورة هود:119]
خلقهم ليسعدهم:
﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
ما الذي يمنع أن تزور المستشفى من حين لآخر فتجد مصائب لا تحتمل؟ ما الذي يمنع أن تزور حياً متواضعاً من أحياء المدينة لتعرف مدى النعمة التي أنعم الله بها عليك؟
((انظري إلى من تحتك،ولا تنظر إلى من فوقك فإنه أجدر ألا تزدري نعمة الله عندك ))
[ رواه الطبراني عن أبي ذر ]
﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:
 (( اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك،وتحول عافيتك،ومن فجاءة نقمتك،ومن جميع سخطك ))
[ أخرجه مسلم من حديث ابن عمر ]
الخثرة في الدماغ تأتي في ثانية واحدة، بثانية تعطل الكلام، وشل طرف الإنسان، وأصبح عالة على من حوله، يتمنى أقرب الناس أن يموت ويسمعه ذلك، هكذا:
﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
 
من لا يخاف الله لا يعرفه :
 
أخوتنا الكرام، الذي لا يخاف الله إنسان لا يعرفه.
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
[سورة البروج: 12]
وقد ترون أحياناً ما يجري حولنا، كيف أن إنساناً كان في أعلى درجات القوة إذا هو يصبح في أدنى درجات الذل:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
[سورة البروج: 12]
هذه عينة، لأن الله لا يعاقب كل المسيئين في الأرض، يعاقب بعضهم ردعاً للباقين، ولا يكرم كل المحسنين يكرم بعضهم تشجيعاً للباقين.
﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
 [ سورة آل عمران: 185 ]
أخواننا الكرام، لا يعقل ولا يقبل أن يكون في الأرض قوي وضعيف، وظالم ومظلوم، وغني وفقير، وصحيح ومريض وأن تنتهي الحياة هكذا، ولا شيء بعد الموت.
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثَاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾
 [ سورة المؤمنون ]
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدىً ﴾
 [ سورة القيامة ]
بنى مجده على أنقاض الآخرين، هؤلاء الطغاة في العالم ماذا يفعلون؟ يموت بسبب عدوانهم ألوف مؤلفة، بل ملايين مملينة، وهم ينعمون في عز الدنيا فيما يبدو، لكن الله سبحانه وتعالى إذا أخذ أدهش:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
[سورة البروج: 12]
 
قصة عن أحدالعصاة المنحرفين الضالين المضلين :
 
الله عز وجل يقول:
﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
والله أيها الأخوة هذا الدرس يحمل قصصاً كثيرة، والله هناك قصص مما يجري حولنا، وتحت سمعنا وبصرنا من عبر رائعة ما لا يصدق:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
[سورة البروج: 12]
﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
لهؤلاء العصاة المنحرفين الضالين المضلين قصة واحدة: إنسان يضع مركبته في مكان لتستقر، مست مركبة أخرى، كتب ورقة بهاتفه وعنوانه كي يتولى تصليح هذا العطب الذي أصاب المركبة الأخرى، وهو من أهل العلم، ورعه يقتضي ذلك، بعد قليل جاء صاحب المركبة، أسمعه كلاماً لا يستحقه، بقسوة ما بعدها قسوة، بتجبر ما بعده تجبر، بتطاول ما بعده تطاول، والقصة طويلة، لكن هذا الذي تجاوز الحد، وتطاول على إنسان من أهل الله، والرجل يعتذر، ويقدم له أي مبلغ يغطي إصلاحها إصلاحاً كاملاً، أراد أن يتشفى منه، في اليوم التالي دعا أصدقاءه إلى طعام في مزرعة خارج دمشق، أحد أصدقائه لم يهتدِ إلى المزرعة، فاتصل به هاتفياً، قال له: أنا آتيك، أين أنت؟ قال له: في المكان الفلاني، في طريقه إليه ضربته مركبة فشلته نصفين، عمره ثلاث وثلاثون سنة، الآن طريح الفراش إلى أن يموت:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
[سورة البروج: 12]
 
علامة عقل الإنسان خوفه من الله :
 
قبل أن تستعلي، قبل أن تجمح، قبل أن تقسو، قبل أن تحتقر الآخرين، قبل أن تنسى أن لهذا الإنسان إلهاً سيحاسبك، علامة عقل الإنسان خوفه من الله، ورأس الحكمة مخافة الله:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
[سورة البروج: 12]
أخواننا الكرام، لكن أتمنى عليكم إذا استمعتم إلى قصة ألا تتبنوها إلا بحالة واحدة، أن تعرفها من فصلها الأول إلى فصلها الأخير، إن عرفتها من فصلها الأول إلى فصلها الأخير يقشعر جلدك من عدل الله عز وجل، أما إن عرفتها من آخر فصولها ما لها معنى أبداً، بل إن رواية هذه القصة تسهم في خلل يصيب السامع:
﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
هذا الذي أناب إليه، وآمن به، واستقام على أمره، وأحبه، وخدم عباده، وبنى حياته على العطاء، أعطى من وقته، ومن ماله، ومن خبرته الشيء الكثير:
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
سيمحو له خطاياه التي لم يرتكبها قصداً، وسوف يرحمه في الدنيا وفي الآخرة:
﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
 
الأنبياء لهم مهمة واحدة وهي أن يبينوا ويبلغوا :
 
هذه حقيقة أيها الأخوة، الخير بيد الله، والتأديب بيد الله، فإما أن تصلح للإكرام، أو أن تصلح للتأديب، الأمر بيدك والكرة في ملعبك، وأنت مخير إما أن تكون أهلاً لإكرام الله وإما أن تكون مستحقاً لعقاب الله، الأنبياء ما مهمتهم؟ لهم مهمة واحدة فقط؛ أن يبينوا، أن يبلغوا.
﴿ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ﴾
[سورة النور: 54]
لأنك مخير، لأن الله حينما خلقك منحك حرية الاختيار، النبي الكريم يبين، والداعية يبين، والعالم يبين، والناصح يبين، وأنت حر إما أن تأخذ بهذه النصيحة أو ألا تأخذ بها.
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
[ سورة الكهف: 29 ]
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾
[ سورة الإنسان: 3 ]
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾
 [ سورة البقرة: 148 ]
هذا قرارك، وأنت وحدك تتحمل مسؤوليته.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾
 [ سورة الأنعام: 164 ]
 
كل إنسان يتحمل تبعة عمله :
 
كل إنسان يتحمل تبعة عمله.
﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾
النبي لا يستطيع أن يهدي أحداً قسراً.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾
[سورة القصص: 56]
﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾
[سورة الأنعام: 66]
لست عليهم بحفيظ.
﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ*لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ﴾
[سورة الغاشية: 21-22]
هذا النبي، فكيف بإنسان داعية بسيط؟ النبي قال: لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، لا أعلم الغيب، ولا أقول لكم عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول إني ملك:
﴿ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ﴾
 
علامة إخلاصك أن تكون سريرتك كعلانيتك :
 
الذين يدلون عن الرسول ما عليهم إلا البلاغ، إلا البيان فقط، والله عز وجل:
﴿ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾
قد تكون ذكياً، ذكاؤك يعينك على أن تظهر أمام الناس بمظهر رائع من التقى والصلاح، كإنسان يوم الجمعة يرتدي ثياباً بيضاء، يتعطر عطراً أو مسكاً، يحمل مسبحة، تغسل بشكل جيد، يتألق وجهه، يُظن أنه ولي، أين أمضى السهرة البارحة؟ ماذا كان يفعل في البيت؟ أنت أبديت الصلاح يوم الجمعة، لكن الله يعلم ماذا تخفي، ما الذي أخفيته عن الناس، لذلك علامة إخلاصك أن تكون سريرتك كعلانيتك، باطنك كظاهرك، خلوتك كجلوتك، علامة إخلاصك، ليس هناك ازدواجية أبداً، ما في قلبك على لسانك، ما تنطق به تعتقده، ما تعتقده تنطق به:
﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
لأهل معصيته شديد العقاب، ولأهل طاعته غفور رحيم و﴿ اعْلَمُوا ، لا تبقي هذا تقليداً، ولا سماعاً غير مسؤول:
﴿ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
 [ سورة غافر: 19]
كلمة: ﴿ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾، يعني لا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن يضبط، في حالات كثيرة عينك تخون، وتنظر إلى الحرام، في آلاف الظروف لا يمكن لمخلوق أن يضبطك بخيانة العين إلا الله، ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾، على النبي أن يبلغ، وعليك أن تستجيب لأمره، فإن استجبت فلك، وإن لم تستجب فعليك.
 
المال الذي يأتي بأساليب غير مشروعة يذهب بطرق مؤلمة جداً :
 
ثم يقول الله عز وجل:
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
هذه الآية دقيقة جداً، هناك شيء طيب تطيب به النفس، وشيء خبيث تخبث به النفس، فالطيب الذي تطيب النفس به طيب ولو كان قليلاً، والخبيث الذي تخبث به النفس يبقى خبيثاً ولو كان كثيراً، عشرة آلاف ليرة مشروعة مقابل عمل مشروع دقيق، متقن، مخلص، نصحت به المسلمين أفضل من مليون ليرة جاءتك بالكذب والاحتيال، لأن العشرة آلاف ليرة من عمل مشروع مخلص منضبط متقن، نصحت به المسلمين هذا المبلغ يبارك الله فيه، يصرف عنك نفقات لا تعد ولا تحصى، أنت في أمسّ الحاجة أن تتلافاها، أما إذا طمعت بالكثير الخبيث هذا تنفقه في وجوه أنت في غنى عنها. بعض الأقوال في كتب الأثر: من أصاب مالاً في مهاوش أذهبه الله في مهابر. المال الذي يأتي بأساليب غير مشروعة يذهب بطرق مؤلمة جداً:
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ﴾
لا تستوي امرأة مؤمنة طاهرة عفيفة متحجبة تزوجتها، وامرأة جميلة جداً بغية منحرفة فاسدة مفسدة على جمالها الأخاذ، وتلك على جمالها المتواضع، هذه مؤمنة، في حكمة بالغة أنه أحياناً يكون الخبيث كثيراً كثرة مطلقة، أي كثيرة الجمال، أو كثيرة المال، أو كثيرة الجاه، وأحياناً المؤمن قد يكون دخله محدوداً جداً، قد يكون شأنه محدوداً، وقد يكون شكله متواضعاً، لكن البطولة في الدنيا أن تكون في المستوى الذي أرادك الله أن تكونه، أي كلمة الخبيث مال خبيث، مال من حرام، زواج خبيث من امرأة في دينها رقة.
 
الخبيث أحياناً يكون كثيراً في نوعيته وكميته والطيب قليلاً في نوعيته وكميته :
 
مثلاً سفر خبيث في رخاء، وفنادق، ومعاص، وآثام، سفر متعب إلى العمرة، والحج، ازدحام، وحر، ونفقات باهظة، ومناظر ليست محببة، جبال سوداء، وحر لا يحتمل، دائماً كلمة خبيث وكلمة كثرة، شيء تخبث به نفسك إذا فعلته، وقد يكون كثيراً، كثيراً في تألقه، كثيراً في كمه، كثيراً في نوعه، كثيراً في لذته:
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ﴾
لذلك أيها الأخوة، الإنسان في الدنيا قد يتمتع بعين باصرة وقد يتمتع بعين بصيرة. مثلاً: لو دخلت إلى بيت بمقاييس العصر أربعمئة متر، في أرقى أحياء المدينة، له إطلالة رائعة، شرفات واسعة، فيه كل الأجهزة الإلكترونية والكهربائية، تكييف، على تبريد، على تدفئة، على أجهزة المطبخ، على أجهزة الصالون، لكنه اشتِري من مال جاء من بيع المخدرات، مثلاً، وبيت غرفتان متواضعتان في حي متواضع، الفرق بين البيتين لا يقدر بثمن، هذا البيت مشروع، صاحبه مؤمن، مطعم خمس نجوم، غلته اليومية مليون ليرة، ومطعم بسيط غلته اليومية ثلاثة آلاف، المطعم الفخم يقدم خمر، خبيث، والغلة كثيرة جداً، كلمات لطيفة خبيث وكثير، كثير في نوعيته. صالة للقمار كلّفت ثلاثين مليون دولار، وقد تجد مدرسة أو جامعة متواضعة جداً تخرج أطباء ومهندسين، البناء متواضع لكن يقدم للأمة قادة وأطباء وعلماء، الخبيث أحياناً يكون كثيراً، كثيراً في نوعيته، في كمه، في متعته، وأحياناً الطيب قليل، قد يكون قليلاً في نوعيته، وقليلاً في كميته.
 
الإنساندائماً بين خبيث كثير وطيب قليل :
 
أيها الأخوة، آية دقيقة:
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
 أي اتقوا الله أن تتجهوا إلى الخبيث الكثير، وآثروا عليه الطيب القليل، أحياناً وظيفة في التعليم فرضاً، والتعليم صنعة الأنبياء، التعليم متعب، لكنك تربي النفوس، أو محل تجاري بأفسق الأسواق، والنساء فيه شبه عرايا، والله من حيث المتعة هذا المحل أجمل من هذا العمل الشاق مع طلاب متعبين، لكن التدريس مع الطلاب، والأخذ بيدهم إلى الله، وغرس القيم والأخلاق فيهم، وتعريفهم بالله مع التعب والمشقة والدخل القليل أفضل ألف مرة من محل تجاري تنتهك فيه حرمة الله كل يوم، ويكون فيه نوع من الزنا في كل دقيقة، زنا النظر، وزنا اللمس، وزنا الكلام. لذلك: أنت دائماً بين خبيث كثير، وطيب قليل، حتى في الزواج.
(( من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلاً، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقراً، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله له فيها وبارك لها فيه ))
[ رواه الطبراني عن أنس ]     
قد تكون المرأة الدينة أقل من المرأة التي ليس فيها دين إطلاقاً، قد يكون ذلك لذلك:
 (( إن المرأة تنكح لدينها، ومالها، وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك ))
[ رواه أحمد في مسنده ومسلم والترمذي والنسائي عن جابر ]
  ملخص الآية: أن تختار زوجة صالحة، ولو كانت أقل من التي تعجبك، وأن تختار حرفة خيرة للمجتمع، وإن كان دخلها أقل من دخل حرفة لا ترضي الله، وأن تختار مكاناً تعبد الله فيه وإن كان في هذا المكان متاعب كثيرة، لا أن تختار مكاناً ترتكب فيه المعاصي على قارعة الطريق، وهذه مشكلة المسلمين أحياناً، يسافر إلى بلد بعيد يقول لك: كأنني في الجنة، الآن في الجنة، لكن بعد حين سوف يصيب هذا الإنسان من الألم ما لا يحتمله، حينما يرى أولاده فسقة وفجاراً، ولا ينتمون لا إلى أمتهم ولا إلى دينهم.
 
من حكمة الله أن الحرام محفوف بالمرغبات والتسهيلات أما الحلال فيحتاج إلى جهد كبير:
 
أيها الأخوة، الملخص: إن أردت الزواج فعليك بالطيبة، إن أردت العمل فعليك بالعمل الطيب ينفع الأمة، إن أردت السفر فعليك ببلد طيب، أما إن أردت الخبيث الكثير في الدخل، وفي الزواج، وفي الإقامة فسوف تدفع الثمن باهظاً في النهاية، والله عز وجل يقول:
﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة القصص: 83]
حدثني أخ أن أخوين أرادا الذهاب إلى بلد غربي للإقامة والعمل وجمع ثروة طائلة، أحدهما تمنى أبوه عليه ألا يسافر ليبقى معه، والثاني لم يعبأ برجاء والده وسافر، يحدثني أحد الأخوين قال لي: والله بين حالي في الشام ومع أهلي وأولادي وتوفيقي بالعمل وسعادتي المنزلية، وبين حال أخي الذي تزوج امرأة ليست مسلمة، وضاعت بناته، وضاع أولاده، ثم أصابه مرض عضال، قال لي: لو وازنت عملي الذي ابتغيت به رضاء الله عز وجل وعمل أخي الذي ابتغى الدنيا المسافة كبيرة جداً:
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
أي يا أصحاب العقول أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، أرجحكم عقلاً من أراد الآخرة.
﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾
[ سورة الإسراء: 19]
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
[ سورة النحل: 97]
أيها الأخوة الكرام، هذه الآية أصل في اختيارك، كلما عرض عليك شيئين؛ سفراً أو إقامة؟ زواجاً من هذه أم من تلك؟ هذه الوظيفة أو هذه الوظيفة؟ هذا العمل أو هذا العمل؟ والله عز وجل يبتلي عباده دائماً، أنت بدخل لا يكفيك، يأتيك عرض وفير بشبهة كبيرة.
إذاً أيها الأخوة ينبغي ألا يغتر الإنسان بالخبيث ولا بكثرته، ولو كان محبباً، وينبغي أن يسعى للطيب ولو كان متعباً وقليلاً.
وبالمناسبة شاءت حكمة الله أن يكون الحلال صعباً والحرام سهلاً، الحلال صعب والحرام سهل، لأنه لو كان العكس لأقبل جميع الناس على الحلال، لا حباً بالله، ولا طمعاً بالجنة، ولكن لأنه سهل، الأوراق تداخلت، لكن العمل متعب، أما السرقة فسهلة، تأخذ مبلغاً كبيراً بلا جهد، وقد تنجو أحياناً، الزواج صعب جداً، أما الزنا فسهل جداً، الحرام محفوف بالمرغبات والتسهيلات، أما الحلال فيحتاج إلى جهد كبير، وهذا من حكمة الله عز وجل.
الحمد لله رب العالمين

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب