سورة النَّمل 027 - الدرس (4): تفسير الأيات (020 – 031)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة النَّمل 027 - الدرس (4): تفسير الأيات (020 – 031)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج بذور - برنامج زراعي: برنامج بذور -الحلقة - 112           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية -223- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- الإجراءات الوقائية ضد الكورونا مشروعة           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0610 - سورة الاسراء 011 - 011           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 222 - فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- شرعية إغلاق المساجد للوقاية من الوباء           برنامج خطبة الجمعة: خطبة جمعة - أخاف المرض - د.محمد خير الشعال           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0609 - سورة الاسراء 009 - 010         

الشيخ/

New Page 1

     سورة النّمل

New Page 1

تفسـير القرآن الكريم ـ سـورة النَّمل - (الآيات: 020 - 031)

16/11/2011 16:01:00

سورة النمل (027)
 
الدّرس (4)
 
تفسيرالآيات: (20 - 31)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 
 بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 
مغزى القصة القرآنية :
 
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الرابع من سورة النمل ، دائماً وأبداً نكرر هذه الحقيقة ، وهي أن القصة في القرآن الكريم ليس المقصود منها حوادثها ، ولا شخصيَّاتها ، ولا حوارها ، ولا بدايتها ، ولا نهايتها ، ولا عقدتها ، ولا خِتامها ، ولكنّ شيئاً واحداً هو المقصود من القصة في القرآن الكريم إنه مغزاها ، أحداثٌ وقعت وانتهت ، ومضى عليها آلاف السنين ، وأصبحت قرآناً يُتلى إلى نهاية الدوران ، هذا كلام الله ، كلام الله القديم ، فماذا نستفيد نحن من هذه القصة ؟ لا تعنينا هذه المواقف ، ولا تلك الحوادث ، ولا هذه الحركات ، ولا تلك السَكَنات ، ولا تصوير الأحداث ، يعنينا شيءٌ واحد ، هو المغزى الذي أراده الله سبحانه وتعالى حين قصَّ علينا هذه القصة ، تعنينا العبرة التي ذكرها الله عزَّ وجل فقال :
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾
(سورة يوسف : من الآية 111)
أين هي العبرة ؟ أين هو الدرس ؟ أين هو الاستنباط ؟ أين هو المغزى ؟ هذا الذي يعنينا في قصة سيدنا سليمان مع النمل تارةً ، ومع الهُدْهُدِ تارةً ، ومع الملكة بلقيس تارة ثالثة .
فيا أيها الإخوة الأكارم ، هذا النبي العظيم التي أوتي المُلك ، وفي درسٍ سابق بيَّنت لكم أن الله سبحانه وتعالى حينما قال :
﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا (15) ﴾ .
 ( سورة النمل ) .
 
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ
 
1 – فضلُ العلم على المُلك :
لم يقل الله عزَّ وجل : إنه آتاه مع العلم المُلك لماذا ؟ لأنك إذا وازنت بين العلم وبين الملك لا يعدُّ الملك شيئاً ذا قيمةٍ أمام العلم ، الملك شيءٌ زائل ، والإنسان أحياناً في غضون أيامٍ يفقد ملكه ، فالملك شيءٌ زائل ؛ ولكن العلم شيءٌ باقٍ ، من هنا لم يشأ الله عزَّ وجل أن يضيف إلى العلم شيئاً إلا أن يكون في مستواه ، فالملك مع أن الله سبحانه وتعالى آتاه لسيدنا سليمان ، ولكنه لم يُذْكَر حينما تكلم الله عن العلم الذي آتاه سيدنا سليمان ، هذه واحدة .
2 – الأصلُ في القوة والملك أنهما في خدمة الحق :
الشيء الثاني ، هو أن هذا الملك العظيم نستفيد من قصَّته بشكلٍ مجمل ، كيف أن القوة والمُلك يمكن أن توظَّفَ في سبيل الحق ، من قال لك: إن القوة طائشة ؟ أحياناً تكون هادفة ، أحياناً توظَّف القوة في سبيل نشر الحق ، في سبيل إذاعة الهدى ، في سبيل أن يحل الفضل والكرم والخُلُقُ في العالم ، إذاً فالله سبحانه وتعالى جعل هذه القصة بين أيدينا لتكون الحقيقة الأولى فيها أن المُلك ، وأن القوة ، وأن السلطان يمكن أن يكون صاحبها في أعلى درجات الإيمان ، يمكن أن يكون نبياً وهو في أعلى درجة من درجات الملك والقوة والسلطان ، وكيف يمكن للملك والقوة والسلطان أن توظَّف كلها في خدمة الحق ، وفي نشر الحق ، وفي نُصْرَة الحق ، هذا هو محور القصة .
إذاً : محور القصة أن الملك ليس بشيءٍ إذا قيس مع العلم ، لأن العلم يمتد أثره إلى الأبد ؛ بينما الملك ينتهي أثره عند الموت ، يكفي أن يقف القلب ينتهي الملك ، لمجرد أن يتوقَف القلب يُسْلَب الملك ، لكن العلم يستمر مع الإنسان إلى أبد الآبدين ، مِن هنا فقد أراد الله سبحانه وتعالى من هذه القصة أن إنساناً ما ، إذا آتاه الله قوةً ، إذا آتاه الله جاهاً ، أو إذا آتاه الله شأناً ، أو آتاه الله منصباً ، أن يجعل قوَّته في سبيل الحق ، وفي خدمة الحق ، وفي نُصْرَةِ الحق ، كما أن المال وهو قوة في الأرض يوظَّف في سبيل الله ، وكما أن العلم وهو قوةٌ أخرى يوظَّف في سبيل الله ، كذلك القوة والسلطان يمكن أن توظفا في سبيل الحق .
﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ (20) ﴾ .
 
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ
  
1 – من لوازم الراعي تفقُّدُ رعيّتِه :
سيدنا سليمان كان حازماً إلى جانب اليقظة فقام يتفقَّد جنده ، وتَفَقُّدَ الشيء من لوازم الحزمِ في الملك ، يقابل التفقدَ التسيُّبُ ، إما أن تتفقد ، وإما أن تُسيب ، والتسيب ليس من صفات الأمير الناجح ، ولا الملك الحازم ، ولا القائد الكفء ..
﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ (20) ﴾ .
 
بادئَ ذي بَدء حينما قال الله عزَّ وجل :
﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ (17)
 
ليس الجن والإنس والطير كلها مسخرة لسليمان عليه السلام :
 
ليس معنى هذه الآية أن كل الإنس الذين عاصروا هذا النبي الكريم سخروا له ، وليس معنى الآية أن كل الجن سُخِّروا له ، وليس معنى الآية أن كل الطير سُخر له ، سَخَّر له بعض الإنس وبعض الجن وبعض الطير، شيءٌ ثالث : ليس معنى ذلك أن الطير التي سخرها الله له هي كغيرها من الطيور ، طيورٌ خاصة عندها قوة إدراكٍ خاصة ، عندها تميُّز ، عندها حالاتٌ استثنائية لا توجد عند بقيَّةِ الطيور ، وسوف ترون معي بعد قليل معنى هذا الكلام ..
﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ (20) ﴾ .
 
فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ
 
لو أن الهداهِد كُلَّها سُخِّرَت له لما أمكنه أن يعرف واحداً من واحد ، ولكن هدهداً بعينه ، وذاته ، وهدهداً خاصاً سُخِّرَ له ، وهو ذو إمكاناتٍ رفيعة ، تفقَّدَهُ فلم يجده ، وهذا من شأن القادة أن يتفقَّدوا من معهم ..
﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20)
 
دروس في القيادة :
 
1 – سؤالُ سليمان عن سبب غياب الهدهد :
كلمة الهُدْهُد ، هذه الألف واللام ، أي الهدهد المعروف ، المعهود ، الذي أعرفه ، الهدهد الخاص ، المُعَيَّن ، فحينما سأل عن الهدهد .. هنا نقطة مهمة جداً ، أنت في مستوى القيادة إذا تساهلت مع أحدِ المرؤوسين ، تساهلت معه ، ولم تأخذه بالحزم ، إذا شاع عنك أنَّك لست حازماً ، ولست محاسباً ، ولست ضابطاً لأمورك ، إذا شاع عنك ذلك هذا التسيُّب عند هذا الهُدهد ينتقل بالعدوى سريعاً ، خلال أيام ، خلال أسابيع ، خلال أشهر ، وعندئذٍ جميع الهداهد لا تحضر ، ولا تقوم بالأعمال الموكلة إليها .. لذلك حينما تفقد الهدهد ولم يجده ، عرف كلّ من حول هذا النبي العظيم أن الهدهد غائب ، وغائب بلا إذن ، ولو أنه غائب بإذنٍ شرعي لما سأل عنه هذا النبي الكريم ، إذا أرسلت أنت إنساناً بمهمةٍ وغاب عنك أياماً لن تسأل عنه لأنك أنت الذي أرسلته ، إذاً : استنبط من هنا أن غياب هذا الهدهد ، كان غياباً من دون إذنٍ ، كان غياباً غير مشروع ، وعرف .. حينما تفقَّد سيدنا سليمان الهُدهد .. منْ حولَه من الجن والإنس والطير أنه غائب بلا إذن ، هم يرقبون موقفه ، ماذا سيفعل ؟ سيسكت ؟ لا يحاسبه ، لا يأخذ على يده ، لا يضبط أموره ، عندئذٍ هذا التسيب وهذا الخلل ، وهذا التقصير يمتد إلى بقية الهداهد ، وإلى بقية أنواع الطيور ، وإلى الإنس ، وإلى الجن، هذا درسٌ في القيادة .
2 – تعلَّموا تسييرَ المسؤولية من سليمان عليه السلام :
إذا كنت أنت معلم مدرسة ، وكلفت الطلاب بوظيفة ، وطالب لم يكتب الوظيفة ، جميع الطُلاَّب قد كتبوا هذه الوظيفة باستثناء واحد منهم ، فالطلاب عندها ينظرون إليك ماذا ستفعل ؟ لكنك لم تفعل شيئاً ، وقلت له : أنت لمْ تكتب وظيفتك ، فأنت حر ، من جراء هذه الكلمة فسيأتيك في اليوم التالي نصف الطلاب من دون وظيفة ، بالضبط ، وبعد يومين لن تجد من الطلاب كلهم إلا واحداً أو اثنين كتبا الوظيفة ، الطلاب راقبوك ، ورأوا أنك لم تفعل شيئاً ، لم تأخذ موقفاً حازماً ، لم تضرب على يد أحدٍ ، لم تتوعده ، لم تهدده ، لم تفعل شيئاً ، قَصَّرَ وترك واجبه وأهمل وأنت ساكت .
وكذلك على مستوى الأب ، إذا كنت أباً وعندك أولادٌ عِدَّة ، وتجاوز أحد أولادك الحدود ولم تفعل شيئاً لا سلباً ولا إيجاباً ، هذا التجاوز يسري بالعدوى بعد أيامٍ إلى الآخرين ، إذا كنت مدير معمل ، إذا كنت مدير مستشفى ، إذا كنت مدير مدرسة ، إذا كنت في منصبٍ قيادي ، ووقع أحدٌ ممَّن حولك بخللٍ ، بتقصيرٍ ، بذنبٍ ، بمخالفةٍ ، بتجاوزٍ ، ولم تفعل شيئاً ، فهذا التقصير فأسرى إلى بقية المرؤوسين .
فهذا الموقف إذاً موقف يعلِّمُنا كيف نكون آباء ناجحين ، وكيف نكون معلِّمين ناجحين ، وكيف نتصرف بشكلٍ صحيح مما يوصل إلى النتيجة المرجوَّة ، بعض أصحاب سيدنا عمر رضي الله عنه ، قال له : << إن الناس خافوا شدتك ، فبكى هذا الخليفة الرحيم ، وقال : والله يا أبا ذر ، لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه ، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى >> .
كان يمشي هذا الخليفة العظيم يوماً ما في طرقات المدينة ، رأى رجلاً قاعداً لم يأبه له ، ولم يَقُم له ، ولم يُبَجِّل سلطان الله فعلاه بالدرة ، وقال : << ألا تهاب سلطان الله ؟ فإن سلطان الله لا يهابك >> ، لو تركه وشأنه لتفاقم الأمر ولتجاوز الناس ، هذا درسٌ في القيادة ..
﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20)
 
غاب من دون إذن  ..
 
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً
 
﴿ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا (21)
النبي عليه الصلاة والسلام يقول في بعض الأحاديث الشريفة :
((ضعِ السوط حيث يراه أهل البيت )) .
[ ورد في الأثر ]
يجب أن يعلم مَن حولك أنك في الوقت المناسبقد توقِعُ فيهم العقاب الأليم ، والله سبحانه وتعالى حينما قال :
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ ﴾
(سورة الأنفال : من الآية 60)
أي أن هذه القوة ليست للاستهلاك ولا للاستخدام ، ولكن أحياناً لكي ترهب عدوك ، لذلك الدول الكبرى التي تملك أسلحةً فَتَّاكة تكون مرهوبة الجانب ، قد لا تستخدم هذا السلاح ، ولكنها تبقى مرهوبة الجانب ، وكذلك الله سبحانه وتعالى أمرنا كمسلمين أن نُعِدَّ لأعدائنا القوة التي توقفهم عند حدهم ، وتحجزهم عن أن يعتدوا علينـا ، وعلى أراضينا .
﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ (21) ﴾ .
لكن العدالة التي ينطق بها هذا النبيُ الكريم ، والحقَ الذي رفع لواءَه هذا النبيُ الكريم ، يجعله يُذعن للسلطان المبين إذا جاء به الهدهد ، قال  :
﴿ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21)
 
أوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
 
طلب العذر قبل اللوم والعتاب :
إمّا أن يقدِّم الدليل المُقْنِع الواضح البيِّن على سبب غيابه ، عندئذٍ يكون غيابه مشروعاً وبإذنٍ شرعي ، أو ..
﴿ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ (21)
من هنا قال بعضهم : " وكان لا يلوم أحداً فيما لا يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره " ، فقَبْلَ أن تَصُبَّ جام غضبك على أخيك ، قبل أن تقول : سأفعل كذا وكذا ، انتظر وقل : إما أن يأتيني بعذرٍ مقنع بينٍ ظاهر ، وإما لأفعلنّ كذا وكذا ، أمّا أن تحكم عليه غيابياً ، وهذا ليس من شأن المؤمن الذي ينضبط بالحق ، ويذعن له ، مع أنه نبيٌ عظيم ، ومع أنه غضب غضباً شديداً ، ومع أن غياب الهدهد كان غير مشروع ، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلمنا كيف تكون الأمور ، إذ لابدَّ من أن يأتي بالسلطان المبين ، أي بالعذر الشرعي ، بالحجة المقنعة ، بالدليل الواضح ..
﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ (22)
 
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ
 
لم يطل انتظاره ، فما هو إلا وقتٍ قصير حتى جاء الهدهد .
تعلَّمْ حُسنَ الاعتذار من الهدهد :
الآن الهدهد يقف موقفاً في منتهى الذكاء ، ألم أقل لكم قبل قليل : ليس هذا هدهداً عادياً ، لا يمكن لهدهدٍ من عامَّة الهداهد أن يكون بهذا الذكاء ، وهذه الحكمة ، وذاك الإدراك ، وهذا العمق ، فحينما تكون مُخالفاً وتواجه الذي خالفته وتراه في أشد حالات الغضب لابدَّ من أن تسكب على غضبه الماء البارد حتى يَسْكُنَ غضبه ، ما الذي يجعل هذا الملك العظيم المَرهوب الجانب  يسكت ، ويحجم عن إيقاع العذاب ، ويحجم عن صب غضبه على الهدهد ، وما الذي يجعله يتصرف بحكمة ؟ أن تأتيه بشيءٍ غريب ، بنبأٍ خطير ، بحادثةٍ فريدة ، لابدَّ من أن تنجو منه وذلك بأن تصرفه عنك إلى شيءٍ آخر، لا بدَّ من أن تصرفه عنك إلى شيءٍ آخر ، ماذا قال :
﴿ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ (22)
 
فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ
 
أحياناً يكون الابن متأخراً تأخراً شديداً ، يدخل فيجد نفسه في جوٍ من الغضب سينصبُّ عليه ، يأتيهم بخبر غريب : رأيت حادثاً مروعاً ، فالأب والأم بدل أن يصبّا غضبهما عليه ينتقلان إلى موضوعٍ غريب ، ما الحادث ؟ ماذا وقع ؟ تبدَّد الغضب وهدأت العاصفة ، والهدهد هكذا فعل ، قال :
﴿ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ (22)
أنت سليمان أيها الملك العظيم ، يا من سُخِّرَت لك الطير ، سُخر لك الجن والإنس ، يا من سخرت لك الرياح ، لكني ﴿ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ .
﴿  وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)
 
وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
 
كان الهدهد في سبأ ، وسيدنا سليمان كان في القدس ، ذهب إلى سبأ ، وعاد من سبأ بنبأٍ يقين ، يبدو أن سيدنا سليمان أراد أن يسمع ما النبأ ؟ ما هذا النبأ اليقين ؟ ما هذا الخبر الصادق ؟ ما هذه المشكلة الخطيرة ؟
                       
استنباطات من قوله : إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ
 
      قال :
﴿ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ (23)
 
1 – الرجل والمرأة سواء في التكليف والتشريف :
 
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :
(( لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً )) .
[ البخاري عن أبي بكرة ]
دائماً وأبداً أقول لكم : المرأة كالرجل في شيئين ؛ في التكليف وفي التشريف ، إنها مكلَّفَةٌ كالرجل تماماً بأركان الإيمان ، وأركان الإسلام ، عليها أن تعرف ما يجب أن يعلم بالضرورة ، عليها أن تصلي ، وأن تصوم ، وأن تحج ، وأن تفعل كذا وكذا ، وأن تلزم الشرع ، مكلفةٌ بالإسلام والإيمان ، إذاً هي مساويةٌ للرجل في التكليف ، ومساويةٌ له في التشريف ، مكلفةٌ مثله ، ومُشَرَّفَةٌ مثله ، والدليل :
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا(35) ﴾
(سورة الأحزاب)
2 – ليس الذكر كالأنثى :
إذاً : المرأة كالرجل تماماً في التكليف وفي التشريف ، لكن المرأة امرأة ، والرجل رجل ، والله سبحانه وتعالى أودع فيها من الصفات النفسية ، ومن الصفات العقلية ، ومن البُنْيَة الجسدية ، ومن العواطف الاجتماعية ما يليق بأنوثتها ، فالمرأة امرأة بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، إن كل شيءٍ فيها في خدمة وظيفتها الخطيرة ، إن تفكيرها ، إن بُنيتها ، إن نفسيتها ، إن عقليتها ، إن أي شيءٍ فيها موظفٌ لخدمة هذا الدور الخطير الذي تقوم به في الأسرة .
والرجل عقله ، وبنيته ، وعضلاته ، وتفكيره ، وغَلَبَةُ عقله على عاطفته هذه كلها بعض مقومات الرجولة ، وإن الرجل قد رُكِّبَ هذا التركيب لينجح في دوره خارج البيت .
إذاً : فمِنْ أين تأتي المشكلة ؟ من تبديل الأدوار ، فهذا الجهاز كل شيٍ فيه من أجل أن يعطيك البردَ في الصيف الحار .. مكيِّف .. وهذا الجهاز كل شيءٍ فيه مُسَخَرٌ من أجل أن يشع لك بالدفْء في الشتاء ، فإذا وضعت المكيِّف في الشتاء والمدفأة في الصيف ، تكون قد فعلت شيئاً غير مقبول ، فمن أين يأتي الفساد ؟ من تبديل الأدوار ، المرأة أكرمها الله بالجمال لتكون مُسْعِدَةً لزوجها ، فإذا عَرَضَتْ هذا الجمال لكل إنسان ، ولكل من يطلبه ، عَمَّ الفساد في الأرض ، الرجل آتاه الله العقل ، والحكمة ، والعضلات المفتولة ، ليكون دوره خارج البيت دوراً قيادياً فَعَّالاً ، فإذا تخلَّى عن دوره وصار مقوداً فقد بدَّلنا المواقع ، وبدلنا المواقف ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام وهو في أعلى درجة من درجات تكريم المرأة :
((ما أكرمهن إلا كريم ، ما أهانهن إلا لئيم ، يغلبن كل كريم ، يغلبهن لئيم )) .
[ ورد في الأثر ]
(( لَا تُكْرِهُوا الْبَنَاتِ فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَالِيَاتُ )) .
[ أحمد عن عقبة بن عامر ]
(( أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا )) .
[ الترمذي عن عمرو بن الأحوص ]
فأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام التي تتعَلَّق بإكرام المرأة لا تعدُّ ولا تُحصى ، ولكن أن تسلِّمها وظيفةً لا تتناسب مع فطرتها فلا بدَّمن أن يرجح عندئذٍ عقلها على عاطفتها ، ولن يكون ذلك .
مثلاً يصعب على امرأةٍ أن تحكم بالقتل على إنسانٍ مجرم ، فطبيعة بنيتها ، عاطفتها ، أمومتها ، حبُّها لأولادها لا تمكنها من أن تنهي حياة مجرم ، مع أن الله عزَّ وجل يقول :
﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾
(سورة البقرة : من الآية 179)
القتل أنفى للقتل ، حياة المجتمع بقتل المجرم ، لهذا فالمرأة قد لا تستطيع أن تفعل ما يوكل للرجل ، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام :
(( لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً )).
[ البخاري عن أبي بكرة ]
لكن هذا الهدهد جاء بخبرٍ غريب ..
﴿ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (23) ﴾ .
 
إِنِّي وَجَدتُّامْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ
 
هذه الكلمة تُذَكِّرُني بآية ..
﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
(سورة الأنعام : من الآية 44)
كل شيء ، أنواع الأموال ، أنواع البيوت ، أنواع المركبات ، أوتيت كل شيء ،  ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ، يبدو أن الهدهد نظر إلى أمرها ، وإلى عرشها ، وإلى قصرها ، وإلى جنودها ، وإلى خدمها ، وإلى حشمها، وإلى جيشها ، وإلى إمكاناتها ، وإلى طاقاتها ..
﴿ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)
 
إلى الآن الموقف معقول ، امرأةٌ تملك أمةً ، لها عرشٌ عظيمٌ ، أوتيت من كل شيء ، أيّ شيءٍ يخطر في بالك ، ففيه أنواعٌ منوَّعة ، أي شيءٍ يراود خاطرك فمِن مثلِه أعدادُ لا تحصى ..
﴿ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)
 
لكن المشكلة الخطيرة ، لكنَّ مصيبةً المصائب ، لكن الطَّامة الكبرى..
﴿ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ (24)
 
وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ
 
أين عقلهم ؟ أين تفكيرهم ؟ كيف حكموا على الشمس أنها ربُّهم ؟ أيعبدونها من دون الله ؟! ألا تغيب الشمس ؟
﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(78) ﴾
(سورة الأنعام )
مَن يدير الكون في غياب الشمس ؟
﴿ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ (24)
 
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ
 
وأنكى من ذلك أن الشيطان زَيَّنَ لهم أعمالهم ، فالمشكلة الخطيرة أن الضال حينما يظن أنه على حق فأنت تحارُ كيف تهديه ؟ من الناس من يدري ويدري أنه يدري فهذا عالمٌ فاتبعوه ، ومنهم من لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهلٌ فعلِّموه ، ومنهم من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهذا شيطانٌ فاحذروه ..
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ الأَخْسَرِينَ أَعْمالا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104) ﴾
(سورة الكهف)
فمن البليَّة أن يعصي الإنسان ربه ، ومن البلية الأشد والأنكى أن يعصي ربه ، ويظن أنه بهذا مُفْلِح ومحقٌّ ، هذا هو الخطر ، هذا أخطر ما في الانحراف ، إذا كنت منحرفاً .. ولا سمح الله .. وتعلم أنك منحرف فالقضية سهلةً جداً ، فسرعان ما تعود إلى الصواب ، ولكن أخطر ما في الانحراف أن تظن أنك على صواب ، وأن الناس كلهم على ضلال ، وأنت بهذه الطريقة قطعت عليك طريق الهدى ، قطعت عليك طريق الرجوع .
﴿ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)
 
فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ
 
السبيل إلى الله مسدودة ، فالطريق إلى الله غير سالكة ، شهواتهم كانت حجاباً بينهم وبين ربِّهم ، شِرْكهم كان عقبةً كؤوداً بينهم وبين التوحيد ، معاصيهم أخجلتهم ، الشرك أقعدهم ، عمى بصيرتهم أربكهم ، أَيُّ هدهدٍ هذا ؟! ما هذا الهدهد الذي استطاع أن يصرف النبي العظيم عن أن يَصُبَّ عليه غضبه وحوَّله إلى خبرٍ مثير ، وكيف أن هذا الهدهد تَلَمَّسَ أن هذه المرأة التي ..
﴿ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) 
وهي تسجد وقومها للشمس من دون الله ، وأن الشيطان زين لهم الأعمال ، فصدهم عن سبيل الله فهم لا يهتدون ؟
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ
 
والهدهد الآن يتساءل :
﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا (25) 
ما الذي يمنعهم أن يكون سجودهم لله عزَّ وجل ، خالق الشمس والقمر ، خالق الأرض والجبال ، خالق الهواء والماء ، خالق الطعام والشراب ، خالق الإنسان ، خالق كل شيء ؟ ما الذي يحول بينهم وبين السجود لله عزَّ وجل ؟
﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا (25) 
 
الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
 
مَن هو الله ؟ الذي .
﴿ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (25) 
 
1 – مخبوءُ السماوات :
أيْ أن هذه السماء ما مخبوءٌ فيها ؟ المطر ، بينما هي صافيةٌ ، وبينما هي زرقاء صافية ، وبينما اليأس قد انعقد على النفوس ، بينما الناس يبتهلون إلى الله عزَّ وجل بالغيث ، ما هي إلا ساعاتٌ قصيرة حتى تتلبَّد السماء بالغيوم وينهمر المطر انهماراً كأنها أفواه القَرَب ، فإذا هذا المطر يُحْيي الأرض بعد موتها ، فإذا الأرض تهتزُّ بهذه السقيا ، فإذا بها تصبح ذات لونٍ بهيج ..
﴿ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ﴾
(سورة فصلت : من الآية 39)
إذاً :
﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (25) ﴾ .
 
2 – مخبوءُ الأرض :
الأرض ماذا تُخْبئ ؟ النبات ، تزرع بذرةً صغيرةً جداً قدلا ترى بالعين ، فإذا هي نبتةٌ شامخة ، تحمل لك الفواكه الطيِّبة والخضراوات التي أنت بحاجة إليها ، هذا الغذاء الأساسي الذي نقتات به ، كيف أكلته ؟ كيف جنيته ؟ كيف نبت ؟ فهذا شيء عجيب جداً ، ابذر بذوراً معينة ، البذور كلها في نصف دنم تقريباً لا يزيد حجمها علىخمسة غرامات ، بعد تسعين يوما تقريباً ترى أن نصف الدنم هذا مليٌء بالنبات إلى ارتفاع مترين ونصف تقريباً ، أو متر ونصف ، وهو يحمل أنواع الخضراوات ، أين كان هذا الحجم ؟ هذه النباتات كيف نَمَت وفق برنامجٍ خاص ؟ كيف أعطت ثمارها ؟ هذا هو الله عزَّ وجل ، اسجد لله شكراً وعرفاناً.
ولدينا أسئلة بسيطة جداً ، فأنت ترى بأم عينك هذه البقرة التي تأكل الحشيش ، ثم تُعطي الحليب ، يا رب ما هذا المعمل الصامت ؟ يعمل بلا ضجيج ، بلا وقود ، أربعمائة حجم من الدم يحتاجها حجمٌ من الحليب ، فالغدة الثديية للبقرة على شكل نصف كرة كأنها قربة ، حول هذه القبة من الأعلى مجموعةٌ كبيرةٌ جداً من الأوعية الدموية ، يجول في هذه الأوعية الدموية أربعمئة لتر من الدم ، إلى أن يُستنبط من هذه الأربعمئة لتر لترٌ من الحليب في أسفل القُبَّة ، هذه البقرة تعطي في اليوم أربعين كيلواً ، وهناك بقر هجين يعطي في اليوم ستين كيلواً حليباً، والحشيش نراه جميعاً بأم أعيننا ، هل في الأرض كلها جهةٌ صناعيةٌ متفوقةٌ تستطيع تحويل هذا الحشيش الأخضر إلى حليبٍ ، تصنع منه الجبن واللبن والسمن وما شاكل ذلك ؟ هذا من آيات الله ، هذه الدجاجة تعطيك البيضة ، هذا الخروف يعطيك الصوف ، يعطيك الجلد ، يعطيك اللحم ، يعطيك الدهن ..
﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ (25)
 
3 – مخبوءُ الأرحام :
هذا الابن الذي أمامك كان نقطةً من ماءٍ مهين ، في اللقاء الزوجي ثلاثمائة مليون حوين منوي ، يتخلَّق هذا الجنين من حوينٍ واحد لَقَّحَ بويضة، وهذه البويضة تنقسم ، وتنقسم ، وتنقسم إلى أن تصبح علقةً فمضغةً ، إلى أن تصبح جنيناً ، بعد تسعة أشهر إذا هي طفلٌ صغير له عين ، وله أذن ، وله أنف ، وله فم ، وله لسان ، وله لسان مزمار ، وله مري ، وله معدة ، وأمعاء ، وبنكرياس ، وصفراء ، وكبد ، وأمعاء دقيقة وغليظة ، وله أوردة وشرايين وقلب ، ورئتان ، وله عضلات وعظام ، وله أظافر ، وله شعر ، وله كظر ، وله بنكرياس ، وله دماغ ، وفص جبهي ، وفص قفوي ، وفص جانبي ، وبصلة سيسيائية ، ومخيخ ، وأعصاب حس وأعصاب حركة ، ولكل شعرةٍ وريد وشريان وعضلة وغدة دهنية وغدة صبغية ، كل هذا ِمن حوين واحد ، يد من ؟ اسجد لله عزَّ وجل ، للذي خلق الإنسان في أحسن تقويم ، للذي خلق الأنعام من أجلك ..
﴿ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾
(سورة النحل : من الآية 5)
الآية الواضحة الصريحة ، للطير :
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ﴾
(سورة الملك : من الآية 19)
4 – الطيرُ :
قوام الطيران الريشة ، الريشة في الوقت نفسه عديمة الوزن متينة القوة ، وذا أراد الإنسان أن يمتِّن شيئاً زاد وزنه ، على الريشة الواحدة ما يزيد على مئة ألف شارب ، ولكل شاربٍ شويربات ، الشويربات يزيد عددها على بضعة ملايين ، ولكل شويربٍ كلاليب تجعل هذه الشويرِبات والشوراب سطحاً أملس يقاوم الهواء ، وفي جسم الطائر ما يزيد على خمسةٍ وعشرين ألف ريشة .
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَانُ ﴾
(سورة الملك : من الآية 19)
اسجد لهذا الإله العظيم الذي خلق الطائر ، والله قرأت كلمة منذ أيام: عن أعظم طائرةٍ صنعها الإنسان ..
اركب طائرة مثلاً ، فالطائرة ملخص علم البشرية ، وهي تَقِلَّ اليوم أربعمئة راكب ؛ يركبون ، ويأكلون ، ويشربون ، وينامون ، ويستريحون وهم في الجو ، على أي شيءٍ محمولون ؟ ما هذا النظام البديع ؟ هكذا قال الله عزَّ وجل :
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ(8) ﴾
(سورة النحل)
إن أعظم طائرةٍ صنعها الإنسان لا تقترب من مستوى الطائر ، وهناك كتبٌ بآلاف الصفحات عن الطائر تقرؤها ، لا تملك إلا أن تسجد لله عزَّ وجل ، يا رب ، ما هذا الخلق العظيم ؟ هكذا الطائر ، وهكذا الأنعام ، وهكذا الأسماك ، مليون نوع من السمك في البحار ، كلها طعامٌ للإنسان ..
﴿ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا ﴾
(سورة النحل : من الآية 14)
لتأكلوا أنتم أيها البشر منه ..
﴿ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(14) ﴾
(سورة النحل)
5 – من أجهزة الإنسان :
الكبد :
لهذا الإله العظيم اسجد ، للذي خلق الكبد ، خمسة آلاف وظيفة .
المعدة :
للذي خلق المعدة ، وفيها خمسة وثلاثين مليون عصارة هاضمة ، للذي خلق الأمعاء الدقيقة ، تتجدد تجدداً كاملاً كلَّ ثمانٍ وأربعين ساعة ، وأنت لا تدري .
الدماغ :
اسجد لمن خلق هذا الدماغ ، لمن خلق مئة وأربعين مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد حتى الآن .
العينً :
من العصب البصري يخرج عصبٌ فيه تسعمائة ألف عصب ، من أجل تحقيق الرؤية الدقيقة ، ادرس عن العين ، وابحت عن العين ، واقرأ عن الأنف .
الأذن : 
واقرأ عن الأذن ، وابحت ثم ابحث .
ما هذه الأذن ؟ الأذن الوسطى جهازٌ لتكبير الصوت إذا كان الصوت ضعيفاً ، وجهازٌ لتخميده إذا كان قوياً ، هل عندك جهاز كهربائي يكبِّر ، ويخَفِّض في آن واحد وأنت لا تدري ؟ ما قيمة هذا الصيوان ، هذه القناة ، غشاء الطبل ، العظيمات الأربع ، الأذن الداخلية ، كيف تميّز الأذن نغماً تطربُ له ؟ كيف تعرف أن هذا الصوت على الهاتف صوت فلان ؟ اسجد لهذا الإله العظيم ، الذي شَقَّ لك هذا السمع ، الذي شق لك هذا البصر ، الذي علَّمَكَ البيان ، جعلك تنطق ، إن كل حرفٍ من الحرف التي تلفظها يحتاج إلى سبع عشرة عضلة ، فإذا ألقيت محاضرة في ساعة ، كم من كلمة ، وحرف ، وكم عضلة اشتركت في الإخراج ، وأنت لا تدري ؟
﴿ الرَّحْمَانُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2)خَلَقَ الإِنسَانَ(3)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(4) ﴾
(سورة الرحمن)
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ(30) ﴾
(سورة الملك)
6 – الماء :
ما هذا الخَزَّان الذي يعطينا لهذه المدينة كل ثانية ستة عشر متراً مكعباً ؟ حينما تقل المياه يذعر الناس ، يجأر الناس بالدعاء إلى الله عزَّ وجل ، ماذا نفعل إذا امتنعت السماء عن أن تمطر ؟
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12)مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13) ﴾
(سورة نوح)
لماذا لا تخشونه ؟
﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا(14) ﴾
(سورة نوح)
من طور إلى طور إلى طور .
والله إن الآيات التي بثَّها الله في الكون ، التي بثها الله في جسم الإنسان ، التي بثها الله في النبات ، التي بثها الله في الحيوان ، في الطيور ، في الأسماك ، في الجبال ، في البحار ، في الأنهار ، شيءٌ لا يصدق ، ولا تعدُّ ولا تُحصى ، ولكن كما قال الإمام علي كرم الله وجهه : << ما أكثر العِبَر وما أقل المُعْتَبِرين >> .
       فهذا الهدهد ، أيكون الهدهد أعلم منك ، وأنت إنسان تملك كل القدرات والطاقات التي تعين على المعرفة ؟ أيكون هذا الهدهد وهو الطائر أعلم من كثيرٍ ممن خلق الله عزَّ وجل ؟
﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) ﴾ .
 
وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
 
يعلم ، يعلم خائنة الأعين ، إذا امتد بصرك إلى نظرةٍ لا ترضي الله يعلمها ، قد تنظر إلى امرأةٍ ولا يستطيع أحدٌ في الأرض أن يكشف هذه النظرة ، وقد تكون طبيباً ، وقد تعالج امرأةً ، وقد تلقي نظرةً لا تباحُ لك إلى جهةٍ لا تشكو منها ، من يعلم هذا إلا الله عزَّ وجل ؟
﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) ﴾ .
تكلَّم ما شئت ، لكنه يعلم ماذا تُخفي ، يعلم خواطرك الداخلية ، يعلم نياتك ، يعلم صراعاتك ، يعلم طموحاتك ، يعلم ماذا ترسم للمستقبل ..
﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)
 
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
 
مِن ذكاء الهدهد :
 
الهدهد خاف أن ينتقم منه ، فقال : أيها الملك العظيم :
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)
 
قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ :
(( كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي : اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ ، فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ ، قَالَ : فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ : اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ ، قَالَ : فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي ، فَقَالَ : اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ ، قَالَ : فَقُلْتُ : لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا )).
[ مسلم ]
ومرة أحد المذنبين وقف أمام الحجَّاج ، وقال له : " أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك ، وهو على عقابك أقدر منك على عقابي " .
     قال بعض المفسرين : إن استخدام الهدهد لكلمة ..
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)
 
أي وفوق الملك العظيم ملك الملوك ، لذلك جاء في الحديث القدسي :
(( أنا ملك الملوك ومالك الملوك ، قلوب الملوك بيدي ، فإنِ العباد أطاعوني حوَّلت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة ، وإن العباد عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسُخْط والنِقْمَة ، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك وادعوا لهم بالصلاح ، فإن صلاحهم بصلاحكم )).
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)
 
درسان بليغان من قصة سليمان مع الهدهد :
 
الدرس الأول : التروِّي :
نحن عندنا في هذه القصة درسان بليغان ، من دروس الذين يتولَّون أمر بعض الناس ؛ معلم مدرسة ، مدير مستشفى ، مدير معمل ، مهندس عندك في الورشة عشرة عمال ، أول موقف لك من هؤلاء الذين ذكرتهم ألا تتعجَّل ، بل عليك أن تتروَّى وتتبصَّر ، ثم تُصدر حكمك أو أمرك أو رأيك..
﴿ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21)
 
الموقف الثاني :
﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)
 
الدرس الثاني : عدمُ التسرُّع في الأحكام :
 
أيها الأخ الكريم ... إذا كنت أباً ، أو معلماً ، أو مديراً ، أو في موقعٍ قيادي ، لا تصدر أحكامك بسرعة ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة .
قال تعالى :
﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)
 
قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ
 
قل : نحن سوف نحقق الآن .. لا تحكم قبل أن تحقق ، لا تصدر حكماً قبل أن تستقصي المعلومات ، لأن المظلوم ليس بينه وبين الله حجاب، " اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً ، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " تحقق ، لا تعجل ، لا تتخذ موقفاً ارتجالياً ، لا تحكم حكماً سطحياً ، لا تقل : فلان كاذب ، قبل أن تتحقق ..
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)
(سورة الحجرات)
لا تصدر أحكاماً ، لا تأخذ موقفاً ، لا تباشر إجراءً ما ، لا تقل : كذا وكذا ، قبل أن تجمع المعلومات الصحيحة ، قبل أن تستقصي الحقائق ، الأُناس الموفَّقون في حياتهم هم الذين لا يصدرون أحكاماً إلا بعد بحثٍ ودرسٍ طويلين ، قال :
﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) ﴾ .
 
امتحان سليمان للهدهد : اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ
 
الآن .. بَدَأ الامتحان ، كيف سيمتحنه هذا النبي العظيم ؟ قال :
﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28)
 
أعطاه كتاباً ، نحن حتى الآن لا نعلم مضمون الكتاب ، أعطاه رسالة ، حمَّلَهُ رسالة إلى ملكة سبأ ، وقال : أيها الهدهد من أجل امتحان صدقك من كذبك ألق إليهم هذا الكتاب ..
 
ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ
 
﴿ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28)
بحسب جوابهم أعرف صدقك من كذبك ، الآن أصبح عندنا في القصة ما يسمَّى قفزة فنية ، يبدو أن هذا الهدهد ذهب إلى ملكة سبأ ، وألقى إليها الكتاب من دون أن تعلم مَن ألقاه ، أُلقِيَ إليَّ ، ألقاه عليها وعاد ، الآن المنظر ينثقل إلى سبأ ، ننتقل معكم إلى سبأ ، إلى اليمن ، الملكة تقول لمن حولها :
 
تسلُّم ملكة سبأ كتاب سليمان : قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ
 
﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ
يا أيها القوم ، عِلية القوم ، المستشارون ، الوزراء ، كبار أركان الدولة جمعتهم و ..
﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ
لم تعرف من هو الذي ألقى ؟ هذا الفعل مبني للمجهول ، فاعله مجهول .
﴿ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29)
يبدو أنها قرأت الكتاب ، وعرفت أنه كريم ، قالت :
﴿ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29)
لماذا هو كريم ؟ قال :
إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ :
 
﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ
ومَن سليمان ؟ .
﴿ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)
أيْ أن سليمان لا يتكلم عن شخصه ، لا يتكلم باسمه ، ولا باسم شعبه ، ولا باسم دولته ، يتكلم باسم الله الرحمن الرحيم ، لماذا هو كريم ؟ لأنه من إنسانٍ يتحدَّثُ عن الله عزَّ وجل .
﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)
خير الكلام ما قَلَّ ودَل .
﴿ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)
 
مضمون الكتاب : أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
 
1 – خيرُ الكلام ما قلَّ ودلّ :
انتهى الكتاب ، في الأدب العربي إجاباتٌ تسمَّى توقيعات ، جواب مختصر ، أناسٌ شكَوْا إلى أحد الخلفاء واليهم ، فأرسل لهكتاباً على شكل توقيع ، " أما بعد ، فقد كثر شاكوك ، وقلَّ شاكروك ، فإما عدلت وإما اعتزلت " ، انتهى الكتاب .
     أحد الولاة وكان والياً للبصرة ، طلب من الخليفة عشرة آلاف جذع لبناء دار له ، فقال : أنبئني أدارك في البصرة أم البصرة في دارك ؟ انتهى الجواب ، فهذا جواب بليغ ،  قال :
﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)
يجب أن تأتيني أنت أيتها الملكة معَ قومك خاضعةً مذعنةً إلي .
﴿ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)
ورد حديثٌ قدسي عن الله عزَّ وجل فيما يرويه النبي عليه الصلاة والسلام ، يقول : " ما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيَّته فتكيده أهل السماوات والأرض إلا وجعلت له من بين ذلك مخرجاً ، وما من مخلوقٍ يعصتم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيَّته إلا جعلت الأرض هَوْيَّاً تحت قدميه وقَطَّعْتُ أسباب السماء بين يديه " .
فاعتصم بمن شئت ، لن يجديك نفعاً إلا أن تعتصم بالله ، اعتصم بنصف أهل الأرض بل بأهل الأرض كلهم ، فلن يجديك نفعاً إلا إذا اعتصمت بالله ، فسيدنا سليمان اعتصم بالله عزَّ وجل ، فحينما أرسل هذا الكتاب إلى ملكة اليمن ، ملكة سبأ : بلقيس أذعنت ، وسارعت إليه ، وسوف نرى في الدرس القادم كيف أنها أذعنت ، وكيف أنها خضعت ، وكيف أنها سارت إليه ، وكيف أنها أسلمت معه .
 
والحمد لله رب العالمين

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب