سورة النَّمل 027 - الدرس (8): تفسير الأيات (053 – 053)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة النَّمل 027 - الدرس (8): تفسير الأيات (053 – 053)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج بذور - برنامج زراعي: برنامج بذور -الحلقة - 112           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية -223- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- الإجراءات الوقائية ضد الكورونا مشروعة           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0610 - سورة الاسراء 011 - 011           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 222 - فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- شرعية إغلاق المساجد للوقاية من الوباء           برنامج خطبة الجمعة: خطبة جمعة - أخاف المرض - د.محمد خير الشعال           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0609 - سورة الاسراء 009 - 010         

الشيخ/

New Page 1

     سورة النّمل

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة النَّمـل - (الآيات: 053 - 053)

26/11/2011 18:09:00

سورة النمل (027)
 
الدّرس (8)
 
تفسير الآية: (53)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
      
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثامن من سورة النمل ، كانت الآية وهي قوله تعالى :
         ﴿ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) ﴾ .
( سورة النمل ) .
 
آخر آيةٍ في الدرس الماضي ، أما قوله تعالى :
         ﴿ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) ﴾ .
 
وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ
 
1 – وقفةٌ متأنية عند قوله تعالى : يَتَّقُونَ
لا بدَّ من وقفةٍ عند كلمةيتقون ، الحقيقة أحياناً يمكن أن ندرس موضوعاً على مستوى القرآن الكريم كُلِّهِ ، هذا النوع من التفسير سُمِّي التفسير الموضوعي ، أي أن تأخذ التقوى في القرآن كله ، وتستخرج الآيات التي تنوه بالتقوى وتصنفها تصنيفاتٍ دقيقة ، وهذه التصنيفات ربما رأيت من خلالها موضوعاً متكاملاً دقيقاً جديداً كل الجدة ، لم تكن لتقف عليه فيما لو قرأت آيات التقوى مع كل موضوعٍ على شكلٍ حيادي ، أو على شكلٍ متصل بهذا الموضوع .
2 – التقوى جماعُ كلِّ خيرٍ :
الذي لا شك فيه أن كلمة التقوى وردت في القرآن الكريم في أكثر من ثلاثمائة موضع ، والأحاديث الشهيرة والصحيحة تؤكد في مجملها أن التقوى هي جماع كلخير .
3 – ما هي التقوى ؟
فما هي التقوى ؟ الحقيقة أن التقوى مشتقةٌ من فعلٍ ثلاثي ، الفعل هو وَقَى ، والوقاية تكون من شيءٍ خطير ، فربنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21) ﴾ .
 (سورة البقرة )
4 – العبادة هي سبيل التقوى :
معنى ذلك أن العبادة هي سبيل الوقاية ، فأنت إذا دعوت إلى الله يجب أن تعتمد على حاجات الإنسان الفطرية ، وما منا واحد إلا وهو في حاجةٍ ماسةٍ جداً إلى أن ينجو من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة ، ففي نفس كلٍّ منا ميلٌ جامح وحاجةٌ مُلِحَّة إلى النجاة ، والله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21) ﴾ .
(سورة البقرة)
في اللغة العربية هناك قاعدة : أن الفعل إذا حُذِفَ المفعول به المتعلِّق به أطلق الفعل ، تتقون ماذا ؟ تتقون كُلَّ خطر ، كل مكروه ، كل منزلق ، كل شقاء ، كل عذاب ، كل ضيق ، كل قلق ، كل مصيبة .
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21) ﴾ .
(سورة البقرة)
إذاً : لا سبيل إلى تحقيق النجاة ، ولا سبيل إلى تحقيق السلامة ، ولا سبيل إلى أن يبتعد الإنسان عن شقاء الدنيا وعذاب الآخرة إلا بطاعة الله عزَّ وجل ، فلذلك فَسَّرَ بعضهم التقوى بأنها اتقاء عذاب الله بطاعته ، أي لا منجى منك إلا إليك ، لا يستطيع الإنسان أن ينجو من التأديب الإلهي ، ولا من المعالجة الإلهية ، ولا من العقاب الإلهي ، ولا من القضاء الذي يقضيه الله عزَّ وجل للإنسان إلا بطاعة الله عزَّ وجل ، هذه النقطة الأولى ، إذاً : طاعة الله عزَّ وجل سبيلٌ إلى التقوى .
5 – الإنسان له بناءٌ مؤسَّسٌ على تقوى الله :
نقطة ثانية ، الإنسان أيها الإخوة له بناء ، معنى البناء أنت لك منظومة قيم ، في الموضوع الفلاني لك موقف ، في علاقتك بالنساء لك موقف ، في علاقتك بكسب المال لك موقف ، في علاقتك بإنفاق المال لك موقف ، في علاقتك بالجوار لك موقف ، في علاقتك بالبيع والشراء لك موقف ، في علاقتك بالشهوة التي أودعها الله فيك لك موقف ، هذه المواقف تنبع من رؤية أو من قيَم ، فالله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ  ﴾ .
( سورة التوبة : من الآية 109)
أنت لك بناء ، الأسرة لبنة ، العمل لبنة ، علاقتك بذاتك لبنة ، علاقتك بالخالق لبنة ، علاقتك بأهلك ؛ بالوالد ، بالوالدة ، بالإخوة ، بالأخوات ، بالأصهار ، كل موقف ، وكل حركة ، وكل سكنة تنبع من رؤية أو من قيمة ، فالمؤمن أسَّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ، إذاً فالله سبحانه وتعالى لا بدَّ من أن يحميه .
6 – غيرُ المؤمنِ بناءُه مؤسَّسٌ على الشهوة والمصلحة :
غير المؤمن أسّس بنيانه على الشهوة ، على المصلحة ، على انتهاز الفُرَص ، على القَنْص ، على حب الذات ، على الأنانية، هذا البناء المبني على غير تقوى الله عزَّ وجل كأنه على شفا جرفٍ هارٍ فانهار به في نار جهنم ، فكل إنسان له بناء ، إما أن يبنى هذا البناء على تقوى من الله ورضوان ، وإما أن يبنى هذا البناء على شفا جرفٍ هارٍ فانهار به في نار جهنم .
7 – في الكون إلهٌ واحد يستحقّ العبادةَ :
الشيء الثاني : أن الإنسان حينما يفكر ، ففي هذا الكون العظيم حقيقةٌ كبرى ، سنقول حقيقة وحيدة ، حقيقة ليس بعدها حقيقة هي الله سبحانه وتعالى ، فهل من جهة بالكون تستحق أن يخْشى عذابها ، أو أن ترجو رحمتها غير الله ؟ فهل في الكون جهة تستحق أن يرجى ما عندها ، وأن يخشى عقابها غير الله عزَّ وجل ؟ ربنا عزَّ وجل يسأل ، فإذا كنت في ثُكنة عسكرية فرضاً ، فهناك جنود ، هناك عرفاء ، هناك رقباء ، هناك حُرَّاس ، وهناك قائد هذه الوحدة ، في حسب الظاهر بيده كل شيء ، أليس من العقل أن ترجو رضاه ، وأن تخشى عقابه ، هذا مثل للتقريب .
حينما يفكر الإنسان في هذا الكون يرى أن كل شيءٍ قائمٌ بالله عزَّ وجل ، الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، أي قيام الشيء بالله ، حياته بالله ، كن فيكون زُل فيزول ، إذاً : في الكون حقيقةٌ وحيدة ليس بعدها حقيقة ، هي الله سبحانه وتعالى ، أيعقل أن تخشى غير الله ؟ أيعقل أن ترجو غير الله ؟ أيعقل أن تطمع بعطاءٍ غير عطاء الله ؟ أيعقل أن تخاف من غير الله ؟ أيعقل أن تتقي عذاب غير الله ؟ أيعقل أن ترجو رحمة غير الله ؟ لذلك ربنا عزَّ وجل في آية صغيرة قال :
﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ(52)﴾ .
(سورة النحل)
﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(35)﴾ .
(سورة يونس)
كيف تفكرون ؟ كيف تتأملون ؟
﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ(52) ﴾ .
(سورة النحل)
8 – التوحيد مفتاح كلِّ شيءٍ :
مِن هنا كان المؤمن في رعاية الله ، لأنه لا يخشى إلا الله ، المؤمن وحَّد جهته ، المؤمن له وجهةٌ واحدة ، ولو كانت على حساب كل العلاقات الأخرى ، والعلائق عوائق ، المؤمن كما قال النبي عليه الصلاة والسلام :
(( اعمل لوجهٍ واحد يَكْفِك الوجوهَ كلها )) .
[ ورد في الأثر ]
(( من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها )) .
[ الجامع الصغير عن ابن مسعود ]
هذه كلمة وَحِّد ، وحِّد الواحد ، هذه كلمة بسيطة في ظاهرها ، ولكنها عميقةٌ جداً في مدلولها ، أنا لا أبالغ إن قلت : إنَّ أكبرَ بابٍ من أبواب العذاب النفسي هو الشرك ، قال تعالى :
﴿ فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213) ﴾ .
(سورة الشعراء)
أحد أكبر أسباب العذاب في الدنيا ألا تكون موحِّداً ، أن تدعو مع الله إلهاً آخر ، لذلك ربنا عزَّ وجل يقول :
﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ(52) ﴾ .
(سورة النحل)
ربنا عزَّ وجل طمأنك فقال على لسان أحد رسله :
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا  ﴾ .
(سورة هود )
قال لك :
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ  ﴾ .
(  سورة هود : من الآية 123)
قال لك :
﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا  ﴾ .
(سورة فاطر : من الآية 2)
قال لك :
﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ  ﴾ .
(سورة الأعراف : من الآية 54)
قال لك :
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26) ﴾ .
(سورة الكهف)
قال لك :
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  ﴾ .
(سورة الفتح : من الآية 10)
قال لك :
﴿ أَوَ لَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ  ﴾ .
(سورة الأعراف : من الآية 185)
فإذا خشيت غير الله ، أو رجوت غير الله فلست متقياً ، أي : لم تتَّقِ الله عزَّ وجل :
﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ(52) ﴾ .
أنت في قبضته ، ولماذا عليك أن تتقي الله ؟ لأن الله عليمٌ بك ، وبكل ما يحيط بك ..
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(194)﴾ .
(سورة البقرة)
إذا كان الإنسان مراقباً فإنه يخافُ هذا الذي يراقبه ، فربنا عزَّ وجل رقابته عليك مستمرة ، فما دامت رقابةُ الله عليك مستمرة ألا ينبغي أن تتقي الله ؟
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 231 ) ﴾ .
(سورة البقرة)
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 4 ) ﴾ .
(سورة المائدة)
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ( 203 ) ﴾ .
(سورة البقرة)
عليمٌ بكل شيء ، شديد العقاب ، سريع الحساب ، إليه تُحشر ، ألا تكفي هذه الدوافع الكبيرة كي تتقي الله عزَّ وجل ؟
شيء آخر هذه الدوافع ، سريع الحساب ..
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ( 11 )﴾ .
(سورة الأنعام)
9 – اللهُ علَّم عباده طريق التقوى :
النقطة الدقيقة أن الله عزَّ وجل علَّمك ، علّمك من خلال هذا العقل الذي أودعه الله فيك ، وعلّمك من خلال هذا الكون الذي نصب فيه الأدلة على عظمته ، وعلمك من ملامح الفطرة التي فطرك عليها ، وعلمك من خلال هذا الكتاب الكريم الذي أنزله على النبي العظيم ، وعلمك من خلال السنة النبوية المطهَّرة التي بينت هذا الكتاب ، وعلمك من الحوادث اليومية ، هذه الحوادث اليومية فيها تعليمٌ للإنسان ، تشفّ هذه الحوادث عن قدرته ، وعن حكمته ، وعن عدالته ، وعلّمك من خلال دعوة الدعاة وإلهام الملائكة ، فأنت في حالة تعلم مستمر ، والله سبحانه وتعالى يعلمك دائماً ، إنْ في الكتاب ، وإن في السُنَّة ، وإن في الكون ، وإن في العقل، وإن في الفطرة ، وإن في دعوة الدعاة ، وإن في إلهام الملائكة ، أنت في حالة تعليم مستمر ، فلمَ لا تتقي الله عزَّ وجل ؟ هذا معنى قوله تعالى :
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ  ﴾ .
(سورة البقرة : من الآية 282)
نحن نشعر أننا في قبضة الله عزَّ وجل ، كل أجهزتك ، كل أحوالك ، ورأسُ مالُك عقلك ، نقطة دم صغيرة جداً إذا تجمَّدَت في بعض شرايين المخ يفقد الإنسان عقله دفعةً واحدة ، أو يفقد ذاكرته ، أو يفقد سمعه أو بصره ، أو يفقد حركته ، إذاً : أنت في قبضة الله ، بجسمك ، وبروحك ، وبنفسك ، وببيتك ، وبأهلك ، وبأولادك ، وبعملك ، وبمن حولك ، وبمن فوقك ، وبمن تحتك ، لذلك :
﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ(52) ﴾ .
(سورة النحل)
 
10 – اللهُ هو أهلُ التقوى :
لكن هناك معنى دقيق جداً ، وهو أنَّك يجب أن تتقي ربك ، لا لأنك بقبضته فحسب ؛ بل لأنه أهل التقوى وأهل المغفرة ، أي أنه رحمنٌ رحيم ، ذو الجلال والإكرام ، ذو الطَّوْل والإنعام ، يعلم السر وأخفى ، عفوٌ كريم ، رحمنٌ رحيم ، لطيفٌ رؤوف ، فأنت من جهةٍ تتقي ربك لأنك في قبضته ، ومن جهةٍ ثانية تتقي ربك لأنه أهل التقوى وأهل المغفرة ، سبحان الله. فالإنسان يتوق إلى أن يتقرَّب من إنسان عظيم ، ولكن ألا يتوق إلى أن يتقرب من خالق الأكوان ؟ خالق الأكوان وضع نظاماً للتعامل معه ، قد يكون شخص عظيم مزاجي الطبع ، وأنت لا تدري كيف تتقرب إليه ، قد يصل إلى قلبه بعض الناس صُدفةً أو بظروفٍ طارئة ، لكن الله سبحانه وتعالى والخلق كلهم عباده ، رسم لهم خطة علاقة منظمة تكون أساساً في تعامل العباد مع خالقهم سبحانه وتعالى ، لا كما يتعامل الناس مع شخص ما له مزاجه وظروفه .
11 – اللهُ يحب المتّقين :
خلاصة هذه العلاقة أنَّ ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(4) ﴾ .
(سورة التوبة)
فالتقوى منهم والعون والحب منه  .
القضية واضحة كالشمس ، الله عزَّ يحب المتقين ، أفلا يحب الإنسان أن يكون محبوباً عند الله عزَّ وجل ؟ إذا أحبك إنسان ، إذا أحبك زيدٌ أو عبيد فماذا ينفعك حبه ؟ أمَّا لو أحبك سيد الخلق وإذا أحبك الحق ، أما سبحانه إذا أحبك فسيِّشد الخلق ، فحبه من حب الله عزَّ وجل ، وحبه ينفعك ، أما إذا أحبك إنسانٌ قوي فيما يبدو للناس ، فهذا الإنسان لا ينفعك حبه ، ولا يضرُّك بغضه ، ولكن إذا أحبك الله عزَّ وجل ألقى حبك في قلوب خلقه فكنت عند الله وخلقه محبوباً ..
ينادى لـه في الكون أنا نحبه           فيسمع من في الكون أمر مُحِبِّنا
***
إذاً : إذَا اتقيت الله سبحانه وتعالى أحبَّك الله ، وهل من مرتبةٍ في الكون أرقى من مرتبة القرب من الله ، الدنيا كلها مراتب ؛ مراتب مالية ، مراتب علمية ، مراتب اجتماعية ، ومراتب رياضية ، يقول لك : معه وسام ذهبي ، هناك معه ميدالية برونزية ، مراتب نفيسة ومراتب جسمية ، ومراتب دينية ، ألا تعتقد معي أن أعظم مرتبةٍ ينالها إنسانٌ على وجه الأرض هي القرب من الله ، وأن يحبه الله عزَّ وجل ؟
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(4) ﴾ .
(سورة التوبة)
هذا كلام بسيط ، لكنه خطير ، اتقِ الله أن تعصيه يحبك الله عزَّ وجل ، اتقِ أن تسخطه يحبك ، اتقِ أن تخالف أمره ، اتقِ عقابه بطاعته ، اتقِ عذابه بالاستقامة على أمره ، اتقِ ناره بالعمل لجنته ، يحبك ، لكن ألا تحبأن يكون الله معك ؟ الكلمة الشهيرة التي أقولها دائماً : إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟
ما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه ، وما من مخلوقٍ يعتصم بي من دونخلقي فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً" .
12 – معيّةُ الله بالحفظ ملازمةٌ للمتقين :
هل تدري أيها الأخ الكريم أن معيَّةَ الله نوعان ، معيةٌ عامة ومعيةٌ خاصة ، الله مع كل مخلوق لقوله تعالى :
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ  ﴾ .
(سورة الحديد : من الآية 4)
ولكن المعية الخاصة معية الحفظ ، معية الرعاية ، معية النصر ، معية التأييد ، ألا تتمنى أيها الأخ الكريم أن يكون الله معك ؟
﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(194) ﴾ .
(سورة البقرة)
ألا يتمنى الإنسان أن يكون خالق الأكوان مدافعاً عنه ؟ ألا تتمنى أن يكون وليكهو الله عزَّ وجل ، الولي يخرجك من الظلمات إلى النور ، يجعل لك مقعد صدقٍ عنده ، يدافع عنك ، يكيد لك ، ألا تتمنى ذلك ؟
﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ(19) ﴾ .
(سورة الجاثية)
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(4)﴾ .
(سورة التوبة)
﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(194) ﴾ .
(سورة البقرة)
﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ(19) ﴾ .
(سورة الجاثية)
       وربنا عزَّ وجل قال :
﴿ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ(28) ﴾ .
(سورة ص)
فمن السذاجة ، ومن الغباء ، ومن ضيق الأفق ، ومن الجهل أن تتصور أن هذا الذي استقام على أمر الله ، وتعرف إلى الله ، وأمضى وقتاً في تعلُّم العلم ، وكان منضبطاً ، ضبط حواسه الخمس ، ضبط مشاعره ، ضبط كسبه ، ضبط إنفاقه ، وكان محسناً أحسن إلى كل مخلوق ، هذا المتقي الذي يتقي غضب الله ، يتقي سخط الله ، يتقي عذاب الله ، أهذا المتقي أيعقل أن يعامل كالفاجر ؟ كالعاصي ؟ كالذي يفعل المعاصي على قارعة الطريق ؟ كالذي يتباهي بالمعصية ؟ شيء مستحيل ، فلو أتيح لك أن تقرأ الآيات القرآنية التي تتحدث عن التقوى لوجدت أن في هذه الآيات معاني كبيرة جداً ، وربنا عزَّ وجل أمرنا أن نكون طَموحين ، يقول بعضهم : أنا أريد مكاناً وراء الباب في الجنة ، هذا كلام غير صحيح ، ربنا عزَّ وجل علمنا في القرآن الكريم أن ندعو الله عزَّ وجل ونقول :
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(74) ﴾.
 (سورة الفرقان )
13 – التقوى درجات ومستويات :
لا ترضى إلا أن تكون إماماً ، والتقوى درجات ، التقوى مستويات كبيرة جداً ، في أدنى مستوياتها أن تتقي عذاب الله بطاعته ، هذا الذي يغض بصره عن محارم الله يتقي الله ، هذا الذي يخاف أن يأكل مالاً حراماً يتقي الله ، هذا الذي يخاف أن يكذب يتقي الله ، هذا الذي يخاف أن تصدر منه مخالفةٌ يتقي الله ، هذا مستوى ، فهناك أمرٌ إلهي جاءك بالنقل الصحيح ، فهذا الرجل المؤمن يحاول أن يطبِّق أمر الله ، هذا نوعٌ من التقوى .
ولكن هناك درجة عالية من التقوى أنك إذا اتقيت الله عزَّ وجل قذف الله في قلبك النور ، فهذا سيدنا يوسف ، بربكم امرأةٌ حسناء ذات منصبٍ وجمال ، امرأة العزيز ، وغلَّقت الأبواب ، وهو غير متزوج ، وليس في بلده ، وعبدٌ لها ، وليس ممن مصلحتها أن يفشو هذا الأمر ، وقد أمرته بذلك ، لماذا امتنع ؟ ماذا رأى حتى قال : معاذ الله ؟ رؤية قلبية ، هذا هو النور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن ، يرى به الخير خيراً والشر شراً ، الحق حقاً ، والباطل باطلاً ، الصواب صواباً والخطأ خطأً ، الصحيح صحيحاً والزيف زيفاً ، هذا هو النور ، لذلك فإنَّ الدرجة الأولى أن تقرأ الأحكام ، تقرأ الأوامر ، تقرأ النواهي ، تطبق ، هذا مستوى من التقوى ، أما المستوى الأعلى أن تجتهد في الطاعة ، وأن تجتهد في الاستقامة ، وأن تجتهد في البذل والتضحية حتى تنعقد الصِلَةُ مع الله عزَّ وجل ، إذا انعقدت هذه الصلة ، فمن خلال هذه الصلة ، يتجلى الله على قلبك بنوره ، عندئذٍ تصبح مستنير القلب ..
﴿  فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ( 46 ) ﴾ .
(سورة الحج )
عندئذٍ ترى في المعصية الوبال ، والقطيعة ، والدمار ، والتأخُّر ، والتدهور ، والعقاب ، وعندئذٍ تقبل على الطاعة وتبتعد عن المعصية ، هذا هو النور ، الذي قال الله عنه:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا  ﴾ .
(سورة الأنفال : من الآية 29)
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ  ﴾ .
(سورة الحديد : من الآية 28)
نور تمشي به في الناس ، هذا الذي يأخذ ما ليس له أعمى ، هذا الذي يُمَتِّعُ عينيه بما لا يحل له أعمى ، هذا الذي يؤثر نفسه على إخوانه أعمى ، هذا الذي يستضعف إنساناً ويظلمه ، يقول لك : هذه مقطوعة ليس لها أحد أعمى ، لو أن قلبه استنار بنور الله لَرَأى أن الله ولي هذه المرأة ، فإذا تجاوز حده معها نكَّلَ الله به ، هكذا ، فالمستويات كثيرةٌ جداً .
 
تزكيةُ وتقييم الناس مِن شأن الله وحدَه :
 
شيء آخر ، وهو موضوع التزكية ، موضوع تقييم الذات هذا من شأن الله عزَّ وجل ، مؤمنون كثيرون يخوضون فيما لا حق لهم أن يخوضوا فيه ، تقييم الإنسان من شأن الله عزَّ وجل ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما عاتب أحد أصحابه بقتل إنسانٍ في المعركة قال : " لا إله إلا الله " ، فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا ، فَقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَطَعَنْتُهُ ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( أَقَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَقَتَلْتَهُ ؟!! قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلَاحِ ، قَالَ : أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ )) .
[ متفق عليه ]
لذلك الأدب أن تحكم بالظاهر والله يتولَّى السرائر ..
﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(17) ﴾ .
(سورة الإسراء)
الأدب أن تمتنع عن إصدار الأحكام على الناس ، تقول : هذا من شأن الله ، وليس من شأن البشر ، لذلك قال ربنا عزَّ وجل :
﴿ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى(32) ﴾ .
( سورة النجم)
14 – التقوى خيرُ زادٍ :
الإنسان يتزوج ، الإنسان يُجَمِّع الأموال ، يقول : هذه الأموال تنفعني في خريف العمر ، الإنسان أحياناً يبني بناء شامخاً ، يقول لك : أريد بيتاً فيه كل جيد وجديد ، ينتقي أفضل الأثاث ، ينتقي أفضل الكسوة ، ينتقي أفضل الأجهزة ، وقد يقتني أفضل سيارة ، يقول لك : أريد شيئاً جيداً ، كلُّه من نوع الزّاد ، تزوَّدتَ هذه المركبة ، هذا البيت ، هذا الأثاث ، هذه الأجهزة الضخمة ، تزودت بأموال تدخرها لوقت خريف العمر ، لكنَّ ربنا عزَّ وجل قال بكلمةٍ موجزة ، قال :
﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى  ﴾ .
(سورة البقرة : من الآية 197)
أي أن أعظم زادٍ تدخره أن تتقي الله ، لا أن تعصي الله ، من هنا سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبةٌ قال : << الحمد لله ثلاثاً ، الحمد لله إذ لم تكن في ديني >> .
هذه قاعدة أيها الأخوة ، الدين سليم ما لم تعصِ الله عزَّ وجل ، ما لم تقترب من حدوده ، ما لم تعتدِ على حدوده ، ما لم تخرق قواعد الاستقامة ، ما لم تُسِئْ إلى إنسان ، ما لم يكن في عنقك دينٌ لأحد ، أو ظُلامةٌ لأحد ، فقد سلم دينك ؟
فليتك تحـلو والحياة مريرةٌ    وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامر    وبيني وبين العالمين خـرابُ 
***
15 – التقوى سبيلُ الأمنِ والعافية والرضا :
دائماً وازن .. (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، هذا أمن الإيمان ، أنت مطمئن لعدالة الله ، أنت مطمئن إلى أن الأمور كلها بيد الله ، وأن الله رحمنٌ رحيم ، أنت مطمئن إلى أنه لا إله إلا الله ، أنت مطمئن إلى أنه لا رافع ولا خافض ، ولا معز ولا مذل ، ولا معطيَ ولا مانع ، ولا باسط ولا قابض إلا الله ، أنت مطمئن إلى أن الله سبحانه وتعالى يدَّخِرُ لك عنده عطاءً كبيراً ..
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5) ﴾ .
(سورة الضحى)
إذا كنت كذلك فأنت في نعمةٍ لا تعدلها نعمة على وجه الأرض ، نعمة أمن الإيمان ، وإذا ادَّعى أحد أن عنده أمناً بسبب الأموال الطائلة فهذا أمن مزيَّف ، لأن الله عزَّ وجل قد يعاجل هذا الإنسان بمصيبةٍ لا قيمة للمال إطلاقاً في حلِّها ، وإذا كان عند الإنسان أمن بحسب صحته الطيبة ، وتدريباته ونشاطه ، ونظامٍ قاسٍ جداً يتبعه ، هذا أمن مزيَّف ، الأمن الحقيقي أن تكون بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك ، هذا أعلى درجة من درجات الأمن ، لذلك :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا )) .
[ الترمذي ]
إذا كنت كذلك فقد ملكت الدنيا بكل حذافيرها ، أمن الإيمان ، وسلامة الأبدان ، وشيءٌ تقتات به ، وانتهى الأمر ، لذلك فالمؤمن لو أصابته مصيبة ، ما دام دينه سليماً ، ما دامت صحته طيبة ، ما دامت أفعاله كريمة ، فلا شيء في الدنيا يضيره .
هناك كلمةٌ قرأتها عنسيدنا الصديق ، قرأتها قبل ثلاثين عاماً ، ولا تبرح ذهني إطلاقاً ، " ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط " .
مثلاً : يقول بعض الناس نادباً حظه : لو أخذت هذا البيت ، الآن ثمنه ثمانية ملايين ، وقد عرضوه علي فيما سبق بمئتي ألف ، طال عمره فندب حظه ، لو تزوجت فلانة ، تأخَّرت في قرار الزواج منها فخطبت  .
ثمة كلمة في قاموس المؤمن يجب ألا تكون موجودة ، هذه الكلمةهي : ( لو ) ، يجب أن تشطبها من قاموسك :
(( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَلَا تَعْجَزْ ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا ، وَلَكِنْ قُلْ : قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ )) .
[ مسلم ]
المؤمن لا يندم ، ما دام سيدنا الصديق ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط ، فربنا عزَّ وجل يدعونا ويقول :
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61) ﴾ .
(سورة الصافات)
بهذه الطريق تنافسوا ، في طريق معرفة الله ، في طريق طاعته ، في طريق فعل الخيرات ، في طريق البذل والتضحيات ، في هذا الطريق تسابقوا ، أما التسابق في جمع الدرهم والدينار فمعركة قذرةٌ خائبةٌ ، وكما يقولون في بعض الطُرَف : " إن حماراً كان يقف في بعض الأمكنة ، وكان الحرُّ شديداً ، والوقت ظهيرة ، جاء رجل ، وجلس في ظل هذا الحمار ، واستمتع بظلِّه الظليل ، قام ليشرب ، جاء رجل آخر ، وجلس مكانه ، فلمَّا عاد قال له : هذا المكان مكاني ، لا إنه مكاني ، من كلمة إلى كلمة تشادا ، وتلاسنا ، ثم تضاربا ، وتلاكما ، ثمَّ ذهب الحمار ، وذهب معه ظله " ، هكذا الدنيا ، يأتي الموت فينهي كل مشكلة ، دعاوى كثيرة جداً في المحاكم تنتهي بموت أحد المتخاصمين ، أعطاك عمره ، انتهت الدعوى وشُطِبَت ، أما المؤمن فلا يندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط ، يسعى لمقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر ، يسعى لتقوى الله عزَّ وجل ، إذاً :
﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى  ﴾ .
(سورة البقرة : من الآية 197)
16 ـ تقوى القلوب أفضلُ لباسِ المسلمِ :
انظر إلى هذه المعاني الدقيقة ، أحياناً تجد إنساناً قد أكرمه الله عزَّ وجل بقِوامٍ جميل ، بشكلٍ وسيم ، قد يكون ذا ذوقٍ رفيع في ارتداء الثياب ، له أذواق رفيعة جداً ، قد يكون له ذوقٌ عالٍ جداً في اقتناء الأثاث ، قد يختار مركبةً جيدة ، قد يعتني بها عنايةٌ بالغة ، قد يُلبِسُ أولاده أجمل الألبسة ، قد يفرش بيته بأجمل الأثاث ، ربنا عزَّ وجل قال في كلمة :
﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ  ﴾ .
(سورة الأعراف : من الآية 26 )
لباس التقوى ذلك خير ، هذا الذي ينفعك بعد الموت ، هذا الذي يستمرُّ أثره إلى ما بعد الموت .
﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ  ﴾ .
المظهر لا قيمة له ..
((إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ )) .
[من صحيح مسلم عن أبي هريرة]
القلب بيت الرب ، ومنظر الله عزَّ وجل ، يقول الله عزَّ وجل :
((عبدي ، طهَّرت منظر الخلق سنين ، أفلا طهَّرت منظري ساعة ؟ )) .
ألا تستحيي من الله أن يطّلع الله عليك فيرى في هذا القلب حِقْدَاً ، أو حسداً ، أو يرى فيه أنانيَّةً ، أو حبّاً للذات ؟ ألا تستحيي من الله أن يطّلع الله على قلبك فيراه ممتلئاً بحبٍِّ الدنيا ؟ ألا تستحيي من الله عزَّ وجل أن يطّلع على قلبك وفيه نيَّةٌ ماكرةٌ لبعض المؤمنين ؟ ألا تستحيي ؟ .. ((طهَّرت منظر الخلق سنين أفلا طهَّرت منظري ساعة ؟ )) .
﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ  ﴾ .
(سورة الأعراف : من الآية 26)
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ .
(سورة البقرة : من الآية 197)
17 ـ التقوى طريقُ الجنة :
لكن عليك بتقوى الله دائماً ، فكل شيء له ثمن كل شيء له ثمن ، لو أن أحداً طلب مثلاً قطعة أثاث فاخرة جداً من مستوى رفيع جداً ، فهذا الطلب العالي يقابله ثمن غالٍ دائماً ، الشيء المتقن ثمنه غالٍ ، والشيء غير المتقن ثمنه رخيص ، ولكن هل في الحياة كلِّها ، هل في الحياة الدنيا والآخرة عطاءٌ يفوق عطاء الآخرة ؟ ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، هذه الآخرة الأبديَّة السرمديَّة ، حياةٌ ما فيها نَغَص ، ولا فيها قلق ، ولا فيها حزن ، ولا فيها منافسة ، ولا فيها زوال ، ولا فيها تَدَنّي ، هذه الحياة فيها ؟ ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ..
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ .
(سورة السجدة : من الآية 17)
هذه الآخرة أتظنُّ أن ثمنها بسيط ؟ ثمنها يسير ؟ ركعتان تصلِّيهما وانتهى الأمر ، ليرة تلقيها في يدِ فقير وانتهى الأمر ، هكذا ؟ لا والله ، ألا إنّ سلعة الله غالية ، الله عزَّ وجل قال :
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)﴾ .
(سورة آل عمران)
 
مستحيل أن تصل إلى الجنَّة ، وأنت تؤثر حظوظك النفسيَّة ، مستحيل أن يُسْمَح لك بدخول الجنَّة ، وفي حياتك شهوةٌ مقيمٌ عليها ، ألا فلتعلم أن سلعة الله غالية ، وطريق الجنَّة ليست طريقاً محفوفةً بالرياحين ، إنها طريقٌ محفوفةٌ بالمكاره ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام ..
(( حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ )) .
(من صحيح مسلم عن أنس بن مالك)
(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلاثًا ، أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ )) .
(من مسند أحمد عن ابن عبَّاس)
يكفي أن تسترخي ، يكفي أن تنساق مع هوى نفسك ، يكفي أن تطلق بصرك ، يكفي أن تطلق لسانك ،  يكفي أن تُصْغِي بسمعك إلى كلامٍ لا يُرضي الله عزَّ وجل ، يكفي أن تأخذ ما ليس لك ، يكفي أن تغازل من تراها ، يكفي أن تكون ذكياً وتستخدم هذا الذكاء في جمع المال ، يكفي أن تكون لطيفاً وتستخدم هذا اللطف في إغواء الفتيات ، (( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلاثًا ، أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ )) .
18 ـ تقوى نبيّ اللهِ يوسفَ وإحسانُ الله إليه :
لذلك ماذا قال سيدنا يوسف ؟ وماذا فعل ؟ شابٌ كالمَلَك وضعه إخوته في الجُب ، وما أدراكم ما الجُب ، ولو رحمة الله عزَّ وجل لهلك في الجُب ، شَرَوْهُ بثمنٍ بخس ، اشتراه عزيز مصر ، وجعله خادماً في القصر لتلقي الأمر ، ولتحمُّل الأعباء ، فدعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال ، وهو في ريعان الشباب ، فقال : إني أخاف الله رب العالمين ، رفض أن يحقِّق لذَّته التي أودعها الله فيه ، رفض أن يحقِّق الشهوة التي يموت الناس من أجلها اليوم ، أودعوه في السجن بضع سنين ، كل هذا لأنه يتَّقي الله ، لذلك قال :
﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(90)﴾ .
(سورة يوسف)
 
19 ـ تقوى اللهِ وعلاقتها بالابتلاء :
الإمام الشافعي رحمه الله تعالى سأله سائل : " أندعو الله بالتمكين أم ندعوه بالابتلاء ؟ " فتبسَّم وقال : " إنَّك لن تمكَّن قبل أن تُبْتَلى " .
أقول لكم هذا الكلام : مستحيل لمؤمن يتعرَّفإلى الله عزَّ وجل ولا يبتليه الله ، هذا أمر لا يكون ، بل لابدَّ من الابتلاء ، هذه السيارة امتحنَّاها في النزول ، فإذا هي لها سرعةٌ فائقة ، لابدَّ من أن تُمْتَحَنَ في الصعود ، تُمْتَحَن في الرخاء لابدَّ من أن تُمْتَحَنْ في الشدَّة ، تُمتحن قبل الزواج مثلاً ، وتمتحن بعد الزواج ..
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ(2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(3)﴾ .
(سورة العنكبوت)
لذلك :
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(11)﴾ .
(سورة المائدة)
فإذا اتقيت الله عزَّ وجل ربَّما جاءتك المتاعب ، ربَّما وقف في وجهك المعترضون ، الناس يرضون عن الفاسق دائماً ، فإذا استقمت على أمر الله ترى أقرب الناس إليك يقف في وجهك ، ويقال لك : لقد فرَّقت الأسرة بهذا السلوك ، لم نألف هذا السلوك ، ما هكذا نشأنا ، ما هذا الحجاب ؟ ما هذا التشدُّد ؟ ما هذا التزمُّت ؟ ربنا عزَّ وجل يطمئنه فيقول :
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(11)﴾ .
ربنا عزَّ وجل قال وهو يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام فقال :
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79)﴾ .
(سورة النمل)
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن توفِّيت زوجته التي عدَّها علماء السيرة سندَه من الداخل ، وبعد أن توفي عمُّه الذي عدَّه علماء السيرة سنده من الخارج ، من الداخل فَقَدَ السَنَد ، ومن الخارج فَقَدَ السَنَد ، سمَّى علماء السيرة هذا العام عام الحزن ، تتابعت المصائب ، تتابعت المِحَن ، ومع ذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام ما غيَّر ولا بدَّل ، ذهب إلى الطائف مشياً على الأقدام ، قطع ثمانين كيلو متراً هو وخادمه زيد بن حارثة ، في الطائف ردَّه أهلها شرَّ رد ، كذَّبوا دعوته ، سخروا منه ، ردّوا دعوته ، رجاهم رجاءً حاراً فقال : " اكتموا عني هذا الأمر " ، وصل إلى أبواب مكَّة ، فإذا أنباء تكذيبه قد سبقته إلى مكَّة ، وفي مكَّة هُدِرَ دمه ، وكان يقول في هذه المِحنة الشديدة : " إنَّ الله ناصر نبيِّه " ، لا يمكن أن يعطي الله عطاء بلا امتحان ، لا نبي ، ولا صديِّق ، ولا مؤمن ، ولا تقي ، هذا مستحيل ، أنك ترجو أن تصل إلى مرتبة عالية ، إلى سعادةٍ أبديَّة ، إلى سعادة الدارين ، إلى جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض ، إلى مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر ، أن تصل إلى مكانٍ عَلِيٍ عند الله عزَّ وجل بلا ثمن ؟ بركعتين ؟ بليرتين وانتهى الأمر ؟ لا ، هذا مستحيل ، لذلك :
﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ .
(سورة يوسف : من الآية 90)
قد تأتي المتاعب من الداخل ، قد تأتي المتاعب من الجسم ، كبعض الأمراض ، قد تأتي المتاعب من العمل ، قد تأتي المتاعب من الزوجة ، قد تأتي المتاعب من الأولاد ، الله عزَّ وجل يريد أن يراك ماذا تفعل عند الشدَّة ؟ هل تصبر أم تتبرَّم ؟ هل ترضى أم تسخط ؟ هل تصبر صبراً جميلاً أم تقول : ماذا فعلت لله عزَّ وجل حتَّى فعل بي كذا وكذا ؟ إنَّ الصبر عند الصدمة الأولى .
قلت لكم سابقاً : إن الجاهل يقول بعد أيَّامٍ من نزول المصيبة ما يقول المؤمن ساعة تلقِّي النبأ ، فهي قضية زمن ، المؤمن يقول : الحمد لله رب العالمين ، الأمر أمرُ الله ، والذي وقع أراده الله ، والذي أراده الله وقع ، وإرادة الله عزَّ وجل متعلِّقةٌ بالحكمة البالغة ، وحكمته البالغة متعلِّقةٌ بالخير المطلق ، وما دام الشيء قد وقع فهو خير ، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم ، إنَّا لله و إنَّا إليه راجعون ، اللهمَّ أجرني في مصيبتي ، واخلفني خيراً منها ، هكذا المؤمن ، لذلك :
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156)أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ(157) ﴾ .
(سورة البقرة)
الهدفُ من الآيات القرآنية والكونيةُ هو تقوى الله :
 
الحقيقة أن ربنا عزَّ وجل حينما بيَّن هذه الآيات ؛ الآيات القرآنيَّة ، والآيات الكونيَّة ، الهدف الكبير منها أن تتقي الله عزَّ وجل .
يقول الله عزَّ وجل :
﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(103) ﴾ .
(سورة آل عمران)
أما رأيت هذه الآيات الدقيقة ؟ فهذا الماء الذي يزداد حجمه إذا بلغت درجة حرارته ( + 4 ) ، هذه القاعدة تشذُّ عن كل قواعد العناصر الكونيَّة ، هذا الشذوذ في القاعدة لولاه لما كانت حياةٌ على وجه الأرض ، هذه ألا تفكِّر فيها ؟ هذا الطير الصغير في البيضة ينبت له في منقاره نتوءٌ حادٌ مدبَّب من أن أجل أن يكسر البيضة ، بعد أن يخرج منها يذوب هذا النتوء ، هذه ألم نفكِّر فيها ؟ هذه العين جعل الله في مائها مادَّةً تقاوم التجمُّد ، ولو أنَّ أحداً سكن في فنلندا ، أو الإسكيمو ، أو القطب الشمالي ، والحرارة سبعون درجة دون الصفر ، بإمكانه أن يضع قبَّعةً على رأسه ، وثياب ثقيلة جداً على أطرافه كلِّها ، لكن ليس بإمكانه أن يغطي عينيه حين يمشي ، فلو مسَّ الهواء الخارجي ذو الدرجة السبعين تحت الصفر ماء العين لتجمَّد ، لكن الله سبحانه وتعالى أودع في ماء العين مادَّةً مضَّادَّةً للتجمُّد ، فعل من ؟
هذا الدماغ فيه مركز يحسب تفاضل وصول الصوت إلى الأذنين ، أنت تمشي في الطريق فزمَّرت سيارة من خلقك ، دخل الصوت من هذه الأذن ، ومن هذه الأذن ، لكن دخل لهذه الأذن قبل هذه الأذن بجزء من ألفٍ وستمئة جزءٍ من الثانية ، هذا الجهاز يحسب من أيّ أذنٍ دخل الصوت أولاً ؟ من اليمنى إذاً : السيارةُ عن يمينك ومن خلفك ، فيا أيها الإنسان ابتعد عنها نحو اليسار ، وأنت لا تدري .
وهذا لسان المزمار يشبه شرطي السير الذي يعمل ليلاً ونهاراً ، تحبُّ أن تشرب ، تحب أن تأكل ، يُغْلِقَ هذا اللسان الرغام .. القصبة الهوائية .. تحبّ أن تتكلَّم ، يغلق هذا اللسان المريء ، لكن وأنت نائم كلَّما تجمَّع اللعاب في الفم ذهب تنبيهٌ إلى الدماغ ، الدماغ أعطى أمراً للسان المزمار ، فيفتح قناة المريء ، ويغلق قناة التنفُّس ، وأنت لا تدري ، ففي الجسم أشياء لا تصدَّق .
الآيات القرآنية المتحدِّثة عن التقوى :
 
الحقيقة هذه الآيات المتعلِّقة بالتقوى هي آياتٌ لم يمكِّني الوقت من شرحها في خطبة ، ولكن والوقت محدود ، لذلك حاولت في هذا الدرس شرح الآيات التي لم تُشْرَح في خطبة الجمعة .
من هذه الآيات ربنا عزَّ وجل يقول :
الآية الأولى :
 
﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى(17) ﴾ .
(سورة الليل)
الأتقى اسم تفضيل ، فهناك في اللغة تقي وأتقى ، وكذلك وأحسن  ، وكريم وأكرم ، أما الأتقى ما صفاته الأساسيَّة؟ قال  :
﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى(18) ﴾ .
(سورة الليل)
المال : الله عزَّ وجل أكرمنا به ليكون وسيلةً للتقرُّب إليه ، أحد الصحابة الكرام قال : << حبَّذا المال أصون به عرضي ، وأتقرَّب به إلى ربي >> .
كلماتٌ بليغات أصون به عرضي ؛ أولادك ، أهلك ، أمك ، أبوك بحاجةٍ إليك ، صنت بهذا المال عرضك ، وتقرَّبت به إلى ربِّك، فربنا عزَّ وجل يصف الأتقى لا يصف التقي ، قال :
﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى(17)الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى(18) ﴾ .
(سورة الليل)
لا تنسَ قوله تعالى :
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103) ﴾ .
(سورة التوبة)
أحياناً يخالف الإنسان أمر الله عزَّ وجل فيأتيه العقاب سريعاً ، وقد يكون العقاب مؤلماً ، وربنا عزَّ وجل إذا عاقب يعرف كيف يعاقب ، إنَّ عذابه أليمٌ شديد ، فهذا العذاب الإلهي عذاب ردع ، والدليل قال تعالى :
الآية الثانية :
 
﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179) ﴾ .
(  سورة البقرة )
فقد تتعرف إلى مؤمن كبير جداً ، أساس إيمانه عقاب ناله من الله ، خالف الشرع ، فجاءه عقابٌ إلهي ، فالقِصاص أحد الطُرق المؤديَّة إلى التقوى .
شيءٌ آخر ، هذا الذي يتقي الله عزَّ وجل أليست لهذه التقوى ثمرةٌ يانعة ؟ إن ثمرة التقوى اليانعة النجاة من عذاب الله  ..
الآية الثالثة :
 
﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(61) ﴾ .
(سورة الزمر)
لم يقل الله عزَّ وجل : لا يصيبهم السوء ؛ بل قال : لا يمسُّهم ،]وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(61)﴾ ..
الآية الرابعة :
 
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15)آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ(16)﴾.
(سورة الذاريات)
الآية الخامسة :
 
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ(54) ﴾ .
(سورة القمر)
الآية السادسة :
 
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ(17) ﴾ .
( سورة الطور )
الآية السابعة :
 
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ(41) ﴾ .
(سورة المرسلات)
الإنسان أمره عجيب ، أحد الصحابة زوجته طلبت منه حاجة لعل فيها حُرمة ، فقال : << اعلمي يا أمة الله أن في الجنَّة من الحور العين ما لو أطلَّتْ إحداهنَّ على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر ، فلأن أضحي بكِ من أجلهن أهون من أن أضحي بهنَّ من أجلكِ >> ، القضيَّة تجاريَّة ، فلأن أضحي بكِ من أجلهن ، فلذلك :
الآية الثامنة :
 
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15) ﴾ .
(سورة الذاريات)
لأن ربنا عزَّ وجل قال :
﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ  ﴾ .
(سورة التغابن : من الآية 14)
هذه عداوة مآل ، وليست عداوة الحال ، أما لو أنَّ إنساناً مشى في ركاب زوجته ، وحملته على معصية الله وخسر الجنَّة ، لا يرى في الآخرة من هو أشدّ عداوةً منه لزوجته ، ذلك ، لأنها ساقتها في طريق معصية الله ، لذلك :
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15) ﴾ .
(سورة الذاريات)
الآية التاسعة :
 
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ(54) ﴾ .
(  سورة القمر)
الآية العاشرة :
 
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ(17) ﴾ .
(سورة الطور)
الآية الحادية عشرة :
 
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ(41) ﴾ .
 (سورة المرسلات )
الشيء الأخير : الحياة دواليبها تدور ، وعلى مسرح الحياة أناسٌ يصعدون ، أُناس يهبطون ، أناس يربحون ، أناس يخسرون ، أناس يعيشون في بحبوبحة ، أناس يعيشون في ضيق ، أناس يفقدون حرِّيتهم ، أناس يتربَّعون على مركز القوَّة ، الدولاب يدور ، ولكن هذا الدولاب يدور ، ويدور ، ثم يستقر على مبدأٍ ثابت ..
الآية الثانية عشرة :
 
﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128)﴾ .
(سورة الأعراف)
الآية الثالثة عشرة :
 
﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى(132) ﴾ .
(سورة طه)
وباللغة الدارجة .. التقوى أقوى .. أي أن في النهاية لا يسعد إلا المتقي ، لا يفوز إلا المتقي ، لا ينجو إلا المتقي ، لا يُفلح إلا المتقي ، لا ينجح إلا المتقي ، لا يسعد إلا المتقي ..
﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128) ﴾ .
(سورة الأعراف)
﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى(132) ﴾ .
(سورة طه)
لكن من أجل أن تقطف ثمار التقوى يانعةً ربنا عزَّ وجل يقول :
﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ  ﴾ .
(سورة البقرة : من الآية 63)
بقوَّة ، هناك أخذ بلين ؛ ومسايرة ، ومجاملة للآخرين ، مواقفه دائماً ضبابيَّة ، دائماً متردِّد ، دائماً مُرتاب ، دائماً يُطيع الله ولكن على مضض ، يخاف أن يعصيه ، ولكن يرغب أن يعصيه ، هذا الموقف المتردِّد الضبابي ، موقف الأخذ والرد ، موقف عدم الثقة ، عدم اليقين ، موقف المتخاذل ، موقف متردِّد ، هذه المواقف ليست من صفات المؤمنين ..
 
الآية الرابعة عشرة :
 
﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(63)﴾ .
(سورة البقرة : من الآية 63)
فقد يستحيي أن يقول : أنا أريدأن أصلي ، يقول : اسمح لي أن أذهب فعندي موعد ، قل له وافتخر : أريد أن أصلي ، فالإنسان يجب أن يفتخر بدينه ، يجب أن يفتخر بإسلامه ، طبعاً وفق الحكمة ، لكن :
 
﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ  ﴾ .
آخر شيء :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ  ﴾ .
(سورة التحريم: من الآية 6)
فالإنسان كما هو مأمورٌ أن يقي نفسه النار مأمورٌ أن يقي أهله وأولاده النار ؛ من خلال التوجيه ، من خلال المراقبة ، من خلال الإكرام ، من خلال العِقاب ، يجب أن يكون المرء حكيماً ، لكنَّه مسؤولٌ عن أولاده وزوجته مسؤوليَّةً لا حدود لها ، والدليل قوله تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ  ﴾ .
(سورة التحريم: من الآية 6)
      
عليكم بالقرآن قراءةً وحفظا وتعلُّمًا وتعليما فإنه أصل التقوى :
 
فحبَّذا الإنسان كلَّما مرَّت به آيةٌ في القرآن الكريم متعلِّقةٌ بالتقوى حبَّذا لو سجَّلها ، وحبذا لو جمعها في كُتيِّب مع مثيلاتها ، وحبذا لو صنَّفها ، وحبذا لو استنبط منها موضوعات دقيقة جداً ، لعلَّ الله سبحانه وتعالى ينفعنا بهذا القرآن ، إنه منهجنا ، إنه كتابنا ، هذا كتاب العُمُر ، هذا الكتاب المقرَّر ، القرآن غنىً لا فقر بعده ولا غنىً دونه ، ولا يوجد عمل في حياة الإنسان بلا استثناء أهم من تعلُّم كتاب الله .
فمن يقول : أنا على حسب فراغي أذهب إلى الدروس ، هذا كلام فارغ ، هذا الدرس يجب أن تأخذ وقته من زُبْدَةِ وقتك ، لأنه لا عمل أشرف من تعلُّم كتاب الله ، ألا يكفيكم قول النبي عليه الصلاة والسلام :
((ليس مني إلا عالمٌ أو متعلِّمٌ )) .
[ ورد في الأثر ]
إن لم تكن عالِماً ، ون لم تكن متعلِّماً فلست من أمَّة سيدنا محمَّد ، ألا يكفيك قول النبي عليه الصلاة والسلام :
((خَيْرُكُمْ)) .. من دون استثناء ، من دون تحفُّظ .. ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ )) .
[ البخاري عن عثمان]
والله الذي لا إله إلا هو لو تعلَّمت آيةً واحدةً فعملت بها لسعدت بها أبد الآبدين ، ألا يكفينا هذا الأعرابي الذي جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال : " يا رسول الله عظني " ، فقالعليه الصلاة والسلام :
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾ .
(سورة الزلزلة)
فقال : " قد كُفيت " ، القرآن ستمئة صفحة ، اكتفى بآيةٍ واحدة ، فقال عليه الصلاة والسلام : " فَقُهَ الرجل " ، صار فقيها ، والله الذي لا إله إلا هو ؛ آيةٌ واحدة لو طبَّقناها لكفتنا ، ألا يكفيكم قوله تعالى :
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1) ﴾ .
( سورة النساء)
ألا تكفي هذه ؟ لو كنتَ تحت رقابة إنسان لكنت في انضباطٍ ما بعده انضباط ، ألا يكفيك أن الله يراقبك ؟ ألا يكفيك أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
(( لا يحزن قارئ القرآن )) .
[ الجامع الصغير عن أنس بلفظ : لا يخرف ..." ، وفي سنده مقال ]
مستحيلٌ أن يحزن ، لأن أمرك كلَّه بيد الله ، والله رحمن رحيم ، كريم ، غفور ، رحيم ، لطيف ، قدير ، غني ، الأمر كلُّه إليه .
أرجو الله سبحانه وتعالى في الدرس القادم أن نتابع قصة سيدنا لوط .
والحمد لله رب العالمين



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب