سورة النَّمل 027 - الدرس (10): تفسير الأيات (059 – 060)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة النَّمل 027 - الدرس (10): تفسير الأيات (059 – 060)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           مقال: غزوة ذي قرد .. أسد الغابة           مقال: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَاتِ تَعَدُّدِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           مقال: حَيَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم           برنامج بذور - برنامج زراعي: برنامج بذور -الحلقة - 112           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية -223- فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- الإجراءات الوقائية ضد الكورونا مشروعة           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0610 - سورة الاسراء 011 - 011           برنامج خواطر ايمانية: خواطر إيمانية - 222 - فضيلة الشيخ محمد ماهر مسودة- شرعية إغلاق المساجد للوقاية من الوباء           برنامج خطبة الجمعة: خطبة جمعة - أخاف المرض - د.محمد خير الشعال           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0609 - سورة الاسراء 009 - 010         

الشيخ/

New Page 1

     سورة النّمل

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة النَّمـل - (الآيات: 059 - 060)

30/11/2011 17:29:00

  سورة النمل (027)

الدّرس (10)
 
تفسير الآيات: (59 ـ 60)
 
 
لفضيلة الأستاذ
 
محمد راتب النابلسي
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،  واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس العاشر من سورة النمل ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :
         ﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) ﴾ .
( سورة النمل ) .
 
قُلِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى
 
1 – الحمدُ مأمورٌ به :
النبي عليه الصلاة والسلام أُمِرَ في نص هذه الآية أن يحمد الله عزَّ وجل ، على كل شيء ، من هذه الأشياء أنه أهلك الأقوام الكافرة المنحرفة ، وفيها نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الإرشاد ، الإنسان في كل حركاته وسكناته ، في كل نشاطاته مغمورٌ بنعمة الله عزَّ وجل .
         ﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى (59) ﴾ .
 
2 – افتتاحُ الخطب والدروس :
هؤلاء الذين اصطفاهم الله لنشر الحق ولإبلاغ الرسالات ، وقد استنبط العلماء الأقدمون أن كل كلمةٍ ، وكل خطبةٍ ، وكل كتابٍ يجب أن يفتتح بحمد الله عزَّ وجل والصلاة والسلام على صفوته من خلقه ، لذلك دَرَجَ الخطباء ، والكُتَّابُ ، والعلماء ، والمحاضرون ، وكل من تصدى للكلام ، بأن يفتتح كلامه بحمد الله عزَّ وجل والصلاة والسلام على أنبيائه وصفوته من خلقه .
         ﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى (59) ﴾ .
 
3 – السلام اسمٌ من أسماء الله :
السلام اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجل ، إذا اقتربت من الله عزَّ وجل ، واستقمت على أمره ، وتوخَّيْتَ رضاه ، وجهدت في التقرُّب إليه فسلامٌ عليك ، إن حياتك تغدو سلاماً ، تغدو حياةً غنيةً بالعمل الصالح ، غنيةً برحمة اللهعزَّ وجل ، ثم إن الله عزَّ وجل يُقَرِّعُ أسماع المشركين..
         ﴿ آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) ﴾ .
 
من المفارقات العجيبة : آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
  
هذا الصنم الذي اتخذته من دون الله إلهاً ، أيوازن مع الله عزَّ وجل ؟ أنت تقع في حيرة إذا وازنت بين شيئين على درجاتٍ متقاربة ، ولكن لا تقع في حيرة إذا عُرِضَ عليك شيءٌ تافهٌ جداً ، وشيءٌ عظيمٌ جداً ، فالله سبحانه وتعالى أصل كل النِعَم ، أصل كل شيء ، بيده كل شيء ، بيده ملكوت كل شيء ، إليه يرجع الأمر ، هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، هو الذات الكاملة ، هو الرحمن الرحيم ، هو الغني القدير ، هو السميع البصير ، خالق السماوات والأرض ، لا حدود لعظمته ، أيوازَنُ هذا الخالق العظيم مع قطعةٍ من حجرٍ نُحِتَت ، أو مع شهوةٍ تأجَّجت ، أو مع عرضٍ من الدنيا قليل ، أو مع إنسانٍ فقير لا يملك النفع لنفسه ولا الضُر ؟!
﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(154) ﴾ .
(سورة الصافات)
﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) ﴾ .
(سورة التكوير)
﴿ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(75) ﴾ .
(سورة المائدة)
هكذا يقول الله عزَّ وجل ، لذلك :
﴿ آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) ﴾ .
 
ربنا سبحانه وتعالى أراد أن يؤكِّد في هذه الآية هذه المفارقة العجيبة ، كيف أن هذا الإنسان ينصرف إلى مخلوقٍ مثله ؟ ينصرف إلى صنمٍ أصمٍ أبكم لا يتحرك ، ولا يتكلم ، ولا يسمع ، ولا يُجيب ، أو ينصرف إلى إنسانٍ ضعيف ضعفاً شديداً لا يملك شيئاً ، ينصرف إليه بِكُلِّيَتِهِ ، يعلِّق عليه الآمال ، يتمنَّى رضاه ، يسعى للتقرب منه ، من هنا يقول الله عزَّ وجل في الحديث القدسي :
(( إني والإنس والجن في نبأٍ عظيم ، أخلق ويُعبد غيري ، وأرزق ويُشكَر سواي )) .
[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]
من أجل أن يبين الله سبحانه وتعالى هذه المُفارقة الحادَّة بين ما يدعونه من آلهةٍ من دون الله لا تنفع ولا تضر ، ولا تقدم ولا تؤخر ، ولا ترفع ولا تخفض ، وبين خالق السماوات والأرض ، يقول الله عزَّ وجل :
﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (60) ﴾ .
 
أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
 
الله سبحانه وتعالى هو الخالق ، هو الذيأوجد هذا الكون من عدم ، كان الله ولم يكن معه شيء ، هو خالق المكان ، والزمان ، والأكوان ، خالق الليل والنهار ، والشمس والقمر ، خالق المجرات ، والإنسان ، وطبيعته ، وفطرته ، خالق طعام الإنسان وشرابه ، خالق الأرض والجبال والسماوات .
﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (60) ﴾ .
 
1 ـ الكون كلُّه من خَلق لله :
السماوات والأرض تعبيرٌ قرآني يعني الكون ، أَمَّنْ خلق هذا الكون ، إذا كانت بعض المجرَّات تبتعد عنا ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية ، فما هذا الكون ؟ إذا كان أقرب نجمٍ ملتهبٍ إلى الأرض يبعد عنا أربع سنوات ضوئية ، ونحتاج كي نصل إليه إلى زمنٍ يقترب من خمسين مليون عام بالمركبة العادية ، فما القول في هذه المجرات المترامية الأطراف البعيدة ؟
2 ـ لم يُخلَق الكون عبثًا :
هذا الكون كله مسخرٌ للإنسان ، ماذا يريد الله منا إذاً ؟ سخر هذا الكون بلا سبب ؟!
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا  ﴾ .
(سورة المؤمنون : من الآية 115)
هكذا .
﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36) ﴾ .
(سورة القيامة)
بلا حساب ، بلا مسؤولية ؟
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ( 16 ) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ( 17 )  ﴾ .
(سورة الأنبياء )
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ(38)مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ( 39 ) ﴾ .
(سورة الدخان)
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ .
(سورة ص : من الآية 27)
الباطل الشيء الزائل ، والعبث الشيء الذي لا هدف له ، لم يخلق الله عزَّ وجل السماوات والأرض عبثاً ولعباً ، ولم يخلقها باطلاً ، ولم يخلق الإنسان سدىً  .
﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (60) ﴾ .
 
3 ـ الكون مسحةٌ من ا لجمال الربّاني :
لمن هذا الكون العظيم ؟ الذي يلاحظه الإنسان أن كل شيءٍ في الكون في خدمة الإنسان ، لو تصفَّحت كتاباً في الأزهار لرأيت آلافاً مؤلفةً من أنواع الأزهار التي لا وظيفة لها إلا أن تُمْتِع عيني الإنسان ،  إذا تصفحت ما في الأرض من جمال تراه مسحة من جمال الله عزَّ وجل ، خلقه لتستمتع به ، إذا درست نظام الزوجية ، كيف خلق الله الإنسان ، وخلق له من نفسه زوجةً يسكن إليها ؟ إذا تصفحت الصفات الأساسية للمرأة ، الفيزيولوجية ، النفسية ، العقلية ، الاجتماعية ، لوجدتها متممة لصفات الرجل الفيزيولوجية ، والنفسية ، والعقلية ، والاجتماعية ، هذا التصميم الإلهي ما أبدعه .
نظام التوالد ما أبدعه ! كيف أن هذا الطفل الصغير أساسه حوينٌ منوي لقَّح بويضةً ، انقسمت البويضة إلى آلافٍ مؤلفة ، وصلت إلى الرحم ، تعلَّقت بجداره ، نَمَت ، ما هي إلا تسعة أشهرٍ وعشر حتى يولد غلامٌ آيةٌ في الإبداع والإعجاز ، له قلبٌ ورئتان ، له عضلاتٌ وأعصاب ، له معدةٌ وأمعاء ، له دماغٌ ونخاعٌ شوكي ، له أعضاء ، له سمعٌ وبصر ، له لسان وشفتان ، يد مَن صنعته في بطن أمه ؟ الله سبحانه وتعالى .
هذا الفكر أيها الأخوة الذي أودعه الله فينا هو أعقد ما في الكون ، وأثمن ما في الكون ، فمن عطله ، أو من استخدمه استخداماً لا يليق به ، استخدم فكره للإيقاع بين الناس ، أو للاحتيال عليهم ، إنه بهذا يحتقر هذه الجوهرة الثمينة التي أودعها الله فينا .
﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (60) ﴾ .
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ(35)أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ  ﴾ .
(سورة الطور)
فإذا شَحَّتِالأمطار ماذا بيدنا أن نفعل نحن جميعاً ؟ ليس بيدنا شيء ، إلا أن يتفضل الله علينا بماء السماء ، نحن عبادٌ ضعاف  .
﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً (60) ﴾ .
 وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء
 
نعمةُ الماءِ :
أريد أن ندقق في كلمةلكم ، وأنزل لكم ، هذا الماء الذي أنزله الله من السماء ليطهِّرنا ، للتنظيف ، وليروينا للشرب ، وليروي البهائم التي نعيش عليها ، وليروي النبات الذي نقتات منه ، كلمة لكم ، أي هذا الماء المبارك الذي أنزله من السماء أنزله خصيصاً لكم ، من أجلكم ، من أجل حياتكم ، من أجل أن تستقيم حياتُكُم ، من أجل أن تقوم حياتكم على الماء .
﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ (60) ﴾ .
 
أَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ
 
1 ـ كيف لو لم يكن النبات ؟!!
تصوَّر أن نظام النبات ليس موجوداً ، كيف نعيش ؟ كيف نأكل ؟ لو أن الله سبحانه وتعالى خلق في الأرض حينما خلقها كمِّياتٍ كبيرة جداً من الطعام والشراب ، وجاء جيلٌ فأكل هذا الطعام والشراب ، ماذا يفعل الجيل اللاحق ؟ نظام البذور من أبدعه ؟ من صممه ؟ من خطط له ؟ هذه الثمرة في بطنها بذرة ، وفي هذه البذرة كُلُّ صفات هذه الشجرة ، شجرة تفاح ، لها قوامٌ معين ، ولها شكل معين ، ولها أوراق معينة ، ولها طبيعة معينة ، تحتاج إلى مرتفعات ، تحتاج إلى برد ، تثمر فاكهةً ذات حجمٍ معين ولونٍ معين ، وشكلٍ معين ، ورائحةٍ معينة ، وقوامٍ معين ، ومواد تركيبية معينة ، ومواد سكرية ، كل هذه الصفات الفرعية كامنةٌ في هذه البذرة ، وعلى هذا فَقِس ؛ بذرة التفاح ، بذرة الأجاص ، بذرة العنب ، كل شيءٍ خلقه الله عزَّ وجل جعل آلاف ملايين الصفات الثانوية كامنةً في هذه البذرة .
2 ـ هكذا ينمو النبات :
من منا يصدق أن بعض البذور الغرام الواحد فيه أكثر من سبعين ألف بذرة ؟البذرة فيها غلاف ، وفيها مستودع للغذاء ، وفيها رُشيم ، الرشيم هو الجزء الحي من النبات ، الرشيم نفسه فيه جذير ، وسويق ، وقمة نامية ، فإذا جاءته الرطوبة نمت هذه القمة باتجاه الأعلى ، ونما هذا الجذير باتجاه الأسفل ، وعاش على هذا المخزون الغذائي ، فإذا انتهى هذا المخزون الغذائي في البذرة صار بإمكان الجذير أن يأخذ مباشرةً من التربة الماء والأملاح وما شاكل ذلك .
هذا النبات يقاوم البرد ، لو أخذت هذه البذرة ، وفتحتها أين تجد هذه المعلومة ؟ هذا النبات مديدُ الإثمار ، يعطيك لستة أشهر ، هذا النبات حبَّته كبيرة ، هذا النبات حبته صغيرة ، هذا النبات حبَّته قاسية ، هذا النبات نسيجه كثيف ، هذا النبات كروي الشكل ، هذا التصميم المودع في البذرة من أودعه ؟ سؤال دقيق ..
تستطيعون أن تفكروا في البذرة أياماً وشهوراً وسنوات ولا تنتهون ، هذا النظام المعجز ، ما من نباتٍ إلا وله بذور ، وهذه البذور بعضها يعيش سنةً ، أو سنتين ، أو خمس سنوات ، وبعضها يعيش أعواماً كثيرة بعض أنواع القمح استخرجت من الأهرامات وزُرِعَت فأنبتت ، وقد مضى على تخزينها ستة آلاف عام .
الرشيم ؛ هو الكائن الحي ، له محفظة غذاء ، حبة الفاصولياء مثلاً ضعها في قطن مبلل وراقبها .. ينبت السويق ، ينبت الجذير ، بعد حين تمسك هذه الحبة فإذا هي فارغة ، هذا المخزون الغذائي نما سويقاً ، ونما جذيراً ، هذا الجذر عبارة عن جذر وفروع صغيرة ، وينتهي كل فرعٍ بكرةٍ صغيرةٍ اسمها القلنسوة ، تشق طريقها في التراب ، وقد تشق طريقها في الصخور ، كيف يتم هذا ؟ لا أحد يدري ، أفيها مادةٌ تذيب الصخر ؟ لا نعلم ، وهذه القلنسوة تنتهي بأشعارٍ دقيقةٍ جداً ، أشعار ماصة تمص الماء ، تبحث عن الماء ، فإذا زرعت النبات في الصحراء وكان الماء شحيحاً ، غاص هذا الجذر إلى عمقٍ ثلاثةٍ وثلاثين متراً ونيفاً نحو الأسفل بحثاً عن الماء ، والشجيرة صاحبة هذا الجذر لا يزيد ارتفاعها على متر ، ما هذا ؟
الجذور لها أنواع منوَّعة ، هناك جذور ليفية ، الأشجار التي نستخدمها للصناعة هذه لا بدَّ من أن تقلع ، إذاً جذورها ليفية ، أما الأشجار المثمرة التي نستخدمها لغذائنا لها جذور من نوع آخر ، بعض النباتات يزيد ارتفاعها على تسعين متراً ، وفي جذعها أوعيةٌ تحمل دم النبات أو النسغ إلى الأعلى ، وأوعيةٌ تأخذ هذا النسغ إلى الأسفل ، هذا صنع مَن ؟ من صمم هذه الأوعية الدقيقة ؟
3 ـ حياة الشجرة بكل جزئياتها :
إنّ الأوعية الصاعدة تماماً كالأوردة والشرايين ، وهي في داخل الشجرة ، والأوعية الهابطة في لحائها ، الأوعية الصاعدة لئلا تضيق فتحتها ، زوَّدها الله عزَّ وجل بحلزونات مقوِّية لها ليفية من أجل أن تبقى مفتوحة ، والأوعية الهابطة زوَّدها الله عزَّ وجل بمصافٍ ، هذا كله في حدود نصف ميليمتر ، لو أخذت مقطعاً لشجرة لرأيت العجب العجاب ، النسغ الصاعد ، فكيف يصعد هذا النُسُغ ؟ الماء كيف يصعد نحو الأعلى ؟ على عكس مبدأ الجاذبية ؟ هذا صنع من ؟
الخاصة الشعرية ، هذه كلمة ، ولكن شجرة ارتفاعها تسعون مترا تمتص الماء من التربة ، وهذا الماء يصعد نحو الأعلى خلال أوعيةٍ محكمةٍ دقيقةٍ ، مدعمةٍ بألياف حلزونية لئلا تضيق لمعتها ، صنع من ؟ صنع الله خالق الأكوان ، هذا النسغ الصاعد يصعد ، ويصعد حتى يصل إلى الأوراق ، والأوراق كما قال عنها بعض العلماء ، فيها معملٌ يأخذ بالألباب .
إن أعقد الصناعات التي صنعها الإنسان ، إن أرقى المعامل التي صنعها الإنسان ، تبدو أمام معمل الورقة شيئاً تافهاً جداً ، نسقي التربة ، فتنحل المعادن في التربة ، فيأتي الجذر عن طريق القلنسوة ، وعن طريق الأهداب الصغيرة تمتص هذا الماء مع المعادن ، ولكن الشيء الذي لا يصدق أن الغشاء الرقيق الذي يحيط بالأهداب الشعرية المتفرعة عن هذه القلنسوة يقوم بعمليات لا يعقل أن تصدَّق ، إلا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يفعل هذا .
هذا الغشاء يصطفي ، هذه شجرة كرز ، تحتاج إلى فسفور، إلى بوتاس ، إلى معادن معيَّنة ، هذا الغشاء هو الذي يأخذ من التربة ما يحتاجه ، من أجل أن تعطي هذه الثمرة طعم الكرز ، هذه الثمرة تفاح ، تأخذ كميات الحديد أكثر ، هكذا قال بعض العلماء ، وهذا الغشاء يتمتع بصفات مذهلة ، هو الذي يصطفي ، ولكن الله هو الذي يصطفي ، فإذا كان عند الإنسان قائمة حاجات في بيته ، أكثر من مائة حاجة ، فوضع على الباب غشاء ، أو ستاراً ، هل هذا الستار بإمكانه أن يعرف ما أنت محتاجٌ إليه ؟ وبإمكانه أن يلتقط من الطريق ما أنت محتاجٌ إليه ؟ شيءٌ لا يصدق ، فإذا تعمقت في فهم  آلية الامتصاص يأخذك العجب العجاب ، وتخر لله ساجداً .
جذير له فروع صغيرة ، ينتهي بكرة هي القلنسوة ، تنتهي بأشعار ، لا ترى بالعين ، هذه الأشعار لها غشاء ، هذا الغشاء هو الذي يأخذ من التربة ما يعجبه وما هي بحاجةٍ إليه ، هذه تفاح ، وهذه أجاص ، وهذا خوخ ، وهذا جوز ، وهذا توت ، كل فاكهةٍ لها تركيبٌ خاص ، لها طعمٌ خاص ، لها لونٌ خاص ، لها رائحةٌ خاصة ، لها صبغياتٌ خاصة ، لها مواد كيماوية خاصة ، هذا الغشاء هو الذي يأخذ ؟!
4 ـ المعملُ الصامت :
لنَسِرْ مع هؤلاء إلى آخر الطريق ، هذا الجذر يمتص الماء والمعادن من التربة ، التي اختارها الغشاء على علمٍ لتلبِّي حاجات النبات ، يصعد هذا الماء من أطراف الجذور إلى أعلى قمة في الشجرة ، إلى الأوراق ، الورقة معمل يأتيها نسغٌ صاعد من الجذر ، ماء ومعادن ، تأخذ من الشمس طاقتها ، وفي هذه الورقة مادة لا تزال تحيِّر العلماء الكلورفيل ، المادة الخضراء ، تلتقط من الشمس بعض الطاقات ، وتستعين بأملاح الحديد ، وتصنع من هذا الماء ، وفيه ثاني أكسيد الكربون الذي يدخل إلى الورقة من المسام ، والحديد والأملاح ، والكلوروفيل وسيط ، تصنع النسغ النازل ، فيصير هذا بطاطا ، وهذا جزر ، وذاك تفاح ، شيءٌ لا يصدق ، معمل صامت ، معمل يتجه نحو الشمس ، يأخذ من الشمس الطاقة ، ومن الهواء غاز الفحم ، يتفاعل غاز الفحم مع الماء ومع المعادن ، وينزل هذا النُسُغ محملاً بالسكر والنشاء ، فإذا هو تفاحة أو أجاص ، أو خوخ ، أو توت ، أو مشمش ، أو سبانخ ، شيء لا يصدق .
من الذي أعطى هذه الخضرة لونها ، وشكلها وطعمها وقوامها وموادَّها ؟ أإلهٌ مع الله .
يا أيها الأخوة الأكارم ، ظاهرة النبات وحدها ظاهرةٌ كافيةٌ لمعرفة الله ، بعض هذا البذور له أجنحة يطير عبر المحيطات من قارة إلى قارة ، هذه الغابات العذراء التي خلقها الله عزَّ وجل من زرعها ؟ لا أحد ، لا أحد من بني البشر ، ولكن بذور هذه الأشجار العملاقة مزودةٌ بأجنحة تحملها الرياح ، وتأخذها من قارة إلى قارة ، هذه المراعي من زرعها ؟ إن بعض الأعشاب الرعوية تزرع بطريقةٍ عجيبة ، إن البذرة موجودةٌ في حلزونٍ ، فإذا وقع هذا الحلزون على الأرض انغمس في التربة ، فنزلت البذرة عبر هذا الحلزون إلى مسافةٍ تبعد بضع سنتيمترات عن سطع التربة ، وبهذا تتم الزراعة ونحن لا ندري ، النباتات العشبية والرعوية في المراعي ، الغابات ، هذه كلها تمت زراعتها بيد الواحد القهار ونحن لا ندري ، أشياء كثيرة في النبات، لأن الله عزَّ وجل يقول :
﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا (60) ﴾ .
 
5 ـ الله هو الذي أنبت كلَّ شيءٍ :
أنبتنا ، لمن عُزِيَ هذا الفعل ؟ إلى الله عزَّ وجل ، ماذا يفعل الإنسان ؟ يضع هذه البذرة تحت التربة ويسقيها وانتهي الأمر ، هذا الرشيم من حَرَّكَهُ ؟ من أودع فيه الحياة ؟ من جعل هذا الرشيم يتحرك نحو الأعلى نمواً ؟ من جعل خلاياه تنقسم وتزداد على حساب المستودع الغذائي ، ومن أودع في هذا الرشيم كل صفات النبات ، أإلهٌ مع الله ؟ لذلك ربنا سبحانه وتعالى عزا هذا الإنبات إلى ذاته ، قال :
﴿ فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ (60) ﴾ .
إذا عَطِش النبات ، الشجرة تستهلك ماء الأوراق أولاً ، الأوراق تذبُل ، ذبول أوراق الشجرة لفت نظرٍ إلى صاحبها أن اسقني ، أنا عطشى ، فإذا لم يستجب لها تستهلك هذه الشجرة ماء الأغصان ، فإذا لم يستجب لها صاحبها تستهلك ماء الفروع ، فإذا لم يستجب لها صاحبها تستهلك ماء الجذع ، وآخر ماءٍ تستهلكه ماء الجذر حفاظاً على الأمل الكبير ، لو أن هذا الفلاح غاب عن هذه الشجرة شهراً بأكمله ، وسقاها تنبت من جديد ، لو أن الشجرة تستهلك ماء الجذر لماتت بعد يومين من عطشها ، من صمم هذا التصميم ؟ الله سبحانه وتعالى خالق السماوات والأرض .
6 ـ النبات قوام غذائنا وحياتنا :
هذا النبات الذي خلقه الله لنا ، منه نأكل الأقوات ، القمح والشعير والذرة والعدس والحمص هذه المحاصيل ، وفي الخضراوات كلكم يعرفها ، وفي الأشجار المثمرة ، إذاً : هي قوام غذائنا ، وهو قوام غذاء الحيوان ، إذاً نحن بحاجةٍ ماسةٍ إلى النبات ، مباشرةً ، أو عن طريق نمو الحيوان بأكلها ، ثم نتغذَّى نحن عليه ، أليس في هذا تيسيراً لنا ، وإكراماً لنا ؟ لو أنك زرعت هذا الحقل كله من أجل أن ينبت كلأً تأكل منه البهائم ، وحصدته ، وانتهى الأمر لشعرت بمشقة ، لا تحصده فينبت مرة ثانية ، وثالثة ، ورابعة ، وخامسة وسادسة في موسمٍ واحد ، أليس هناك حكمةٌ بالغة ؟ أليست أفعال الله سبحانه وتعالى لها غاياتٌ كبيرة ؟
هناك نباتٌ يكسو أجسادنا ، القطن ، والكتان ، هناك نباتٌ يغذينا ، هناك نباتٌ نتفَكَّهُ به الفواكه ، هناك نباتٌ يحسِّن طعم الطعام التوابل .
7 ـ هل فكرتَ في الخشب ؟!
هناك نباتٌ نستخدمه لأثاثنا وهو الخشب ، والخشب أنواع منوَّعة ، هل فكَّرت في هذا الخشب ؟ هذا الخشب نوعه يقاوم الرياح والرطوبة والماء ، يصنع للنوافذ ، أي خشبٍ آخر لا يصلح ، من صمم هذا الخشب ليقاوم الماء والبرد والحر ؟ كل النوافذ التي تصنع من الخشب من هذا النوع الخاص ، هذا الخشب يستعمل للأثاث داخل البيوت ، أعطاه الله قوةً وصلابةً ، وقسوةً ومتانةً .
هذا النبات يستخدم مثلاً قواعد للمطارق ، حدثني أخ خبير يعمل في النسيج ، قال لي : معمل نسيج جاء بعشر آلات حديثة جداً ، الخيط ينقطع ، فجاءوا بخبير به فنزع القاعدة الإسمنتية ، ووضع قاعدة من خشب التوت ، خشب التوت أليافه مرنة ومتينة ، فحينما يضرب المكوك بآخر الآلة لا ينقطع الخيط ، من خلق هذا النوع من الخشب خصيصاً لامتصاص الصدمات ، خشب التوت يوضع تحت السنديان ، فهذه الطرقات القوية يمتصها ويبقى محافظاً على مرونته .
خشب للصدمات ، خشب للأثاث ، خشب للنوافذ ، خشب له رائحة طيبة ، خشب له منظر جميل جداً ألوانه فاتحة ، خشب يستعمل للصناعات الخفيفة ، طري ، استعماله سهل ، حدثني أحد الأخوة الأكارم أن هناك ما يزيد على مائة نوعٍ من الأخشاب الصناعية ، يقول لك : هذا حور ، وهذا جوز ، وهذا خشب زان ، وهذا خشب سنديان ، هل فكرنا في هذه النعم ؟
إذا أردت أن تتنظَّف هناك ليفٍ من نبات ، إذا أردت أن تنظف أسنانك هناك السواك ، إذا أردت أن تخلل ما بين أسنانك هناك نبات الخُلَّة ، إذا أردت أواني تستعملها فهناك نبات يصلح لصنعها ، إذا أردت سبحةً تسبح الله عزَّ وجل فهناك نبات له حبات كحبات المسبحة تماماً ، إذا أردت أن تقيم بينك وبين جارك حدوداً مانعةً تمنع دخول الأشخاص الغُرباء هناك نباتات حدودية ، إذا أردت الدواء ، هناك نباتات للدواء ، إذا أردت الروائح الطيبة هناك نباتات للروائح الطيبة ، إذا أردت الأصبغة هناك نباتات للأصبغة ، هذا كله من النبات ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ (60) ﴾ .
انظر إلى الورود هل في الأرض شيءٌ أجمل منها ؟ ألوانها المتناسبة ، روائحها الشذيَّة ، طباعها الطيِّبة ، هذا الورد يعيش كذا شهر، هذا كذا سنة ، له بطون ، له فسائل ، له أغراس ، كلها متعة بينما القمح غذاءٌ رئيسيٌ لنا ، وساقه غذاءٌ رئيسيٌ للحيوان .
﴿ مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ(33) ﴾ .
(سورة النازعات)
8 ـ وهل أتاك نبأُ القمح :
هذه حكمة الله عزَّ وجل ، الشيء الذي يلفت النظر ، لو أخذنا قطر ساق القمح إلى طول الساق خمسمائة ضعف ، هل بإمكان الإنسان أن يبني بناءً ارتفاعه خمسمائة ضعفٍ عن قاعدته ؟ أعلى ناطحة سحاب في العالم ، نسبة ارتفاعها إلى قاعدتها أحد عشر ضعفاً ، أما خمسمائة ضعف فلا ؟
هل يمكن أن ننشئ بناء مربعاً ضلعه عشرة أمتار ، وارتفاعه خمسة كيلو متر ؟ مستحيل ، هكذا القمح ، مساحة قطر الساق إلى طوله خمسمائة ضعف تقريباً ، هذا خلق الله سبحانه وتعالى .
9 ـ ثم ماذا عن الفاكهة ؟!!
شيء آخر الفواكه تنضج وفق برنامج زمني دقيق جداً ، الفاكهة الفلانية أول ما تثمر ، بعدها فاكهة أخرى ، وبعدها غيرها ، خلال الصيف ، هذا البستاني يتفرَّغ كُلِّياً لجني محصول واحد ، انتهى ، ثم يتحول لجني المحصول الثاني ، لو أن هذه الثمار كلها نضجت في وقت واحد ما العمل ؟ شيءٌ صعبٌ جداً ، الآن الفاكهة الواحدة تنضج تباعاً ، تباعاً ، تباعاً ، فحقل البطيخ ينتج البطيخ خلال تسعين يوما ، خلال ثلاثة أشهر كل يوم ينضج قسم من هذا الحقل ، وكيف ينضج ؟ له علامة ، إلى جانب ثمرة البطيخ تجد حلزوناً ، إذا كان يابساً فالبطيخة ناضجة ، إذا كان أخضر لم تنضج بعد ، من صمم هذا التصميم ، قال :
﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ(16) ﴾ .
(سورة النحل)
علامات ، لكل فاكهةٍ علامة نضج لها خاصةٌ بها ، الفاكهة الواحدة أنواع متعددة ، التفاح عشرات الأنواع ، العنب ثلاثمائة نوع ، القمح ثلاثة آلاف نوع تقريباً ، كل قمح له شكل ، وله قوام ، وله قساوة ، وله مكوِّنات ، وله طباع ، وله طريقة في النمو ، هذا من فضل الله عزَّ وجل :
﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا (60) ﴾ .
 
انتبه أيها المخلوق الضعيف : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا
 
أي أنتم يستحيل عليكم أن تنبتوا هذه الشجرة ، يستحيل عليكم.
أيها الأخ الكريم ، إذا جلست إلى المائدة ، وأمسكت بالبرتقالة ، وأكلتها ، هل تذكر نعمة الله عليك ؟ من جعل لها هذه القشرة ، وهذه المادة الكحولية المطهرة ، وهذه الحزوز ، وهذا الغشاء الرقيق ، وهذه الحبَّات الصغيرة الحبيبات الداخلية ، الحبة فيها غشاء أيضاً ، وكل حبة لها خيط موصولة إلى هذه البرتقالة ، وهذا البرتقال للعصير ، وهذا لونه أحمر ، هذا سكري ، هذا حامض ، هذا أبو صرة ، هذا رجعي ، هذا باكوري ، فكم نوع من البرتقال موجود ؟ كلها من طباع النباتات ، وأنواع الليمون ، أنواع الحمضيات الأخرى ، هذه الأشجار ، الشجرة وحدها أعظم آيات الله عزَّ وجل .
ومِن الشجر ما توقدون منه النار :
أشجار غابات ، للمنظر ، أشجار عطرية ، أشجار كالمظلات تزرع أمام البيوت ، دائمة الخضرة ، كشكل المظلة تماماً ، أشجارٌ من أجل المطاط ، ولا يزال المطاط الطبيعي أرقى أنواع المواد المرنة ، أشجار للفلين ، مواد عازلة ، والأغرب من هذا أن هذا البترول الذي نستخدمه كل يوم وفي كل مناحي حياتنا إنما هو من النبات ، إن هناك عصوراً مطيرةً جداً سببت في إنبات أشجارٍ عملاقة ، هذه الأشجار العملاقة انطمرت تحت التربة فتكوَّنت هذه الحقول البترولية ، والدليل قول الله عزَّ وجل :
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80) ﴾ .
(سورة يس)
قال : من الشجر الأخضر ، فهذا الذي يجري في الكلوروفيل في الورقة ، صناعة من أعقد أنواع الصناعة ، هذه الورقة تصنع مواد الجذر، ومواد الساق ، ومواد الأغصان ، ومواد الثمار ، فكل هذه الشجرة في حقيقتها بسبب هذه الورقة الخضراء التي هي معملٌ لها .
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80) ﴾ .
(سورة يس)
شيءٌ آخر متعلقٌ بالنبات .. الله سبحانه وتعالى قال :
﴿ فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24) ﴾ .
(سورة عبس)
لا بدّ من التفكّر :
 
إذا جلست إلى الطعام ، ونظرت إلى هذا الذي تأكله ، يجب أن تفكر فيه ، التفكر في هذا الطعام فريضةٌ إسلامية ، بل إن التفكر من أرقى أنواع العبادات ، لا تكن هكذا ، النبي عليه الصلاة والسلام دخل مرةً بيت الخلاء ، فلما خرج قال :
(( الحمد لله الذي أذاقني لذته )) .
[ ابن السني عن ابن عمر بسند فيه ضعف ]
الطعام ، لم يأخذ السيروم .
(( وأبقى في قوته وأذهب عني أذاه )) .
[ ابن السني عن ابن عمر بسند فيه ضعف ]
هناك لذة ، وقوة ، وأذى ، الأذى أذهبه الله عنك ، والقوة متعك الله بها ، واللذة متعك الله بها .
﴿ فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25) ﴾ .
(سورة عبس)
فكلما تعرفت إلى هذا الخالق العظيم أحببته ، وكلما أحببته أطعته ، وإذا أطعته سعدت بقربه  .
الآن نحن درسنا في التفكر ، الشجرة حيثما نظرت ، شجرة سرو دائمة الخضرة ، هذا حور للأخشاب ، هذا زان للأثاث ، هذا خشبللنوافذ ، هذه شجرة توت ، لها طباع ، تعطيك ثمارها على مدار الصيف ، لأن التوت لا يُخَزَّن ، أما الذي يخزن فينضج في يومٍ واحد ، لو كان هذا الذي يخزن ينضج كالتوت تباعاً القضية مستحيلة ، كالقمح مثلاً ، هل تمسك سنبلةً سنبلة لتراها هل نضجت ؟ شيء مستحيل ، المحاصيل فيوقت واحد ، الفواكه والثمار بالتدرج ، تدخل إلى حقل الطماطم تجد بالمائة عشرة حمراء اللون والباقي أخضر ، تقطف هذه الكمية ، بعد أسبوع بالمائة عشرة ، وهكذا خلال ستة أشهر ، لو أن هذه الحبَّات تنضج في يومٍ واحد ، ماذا نفعل بها ؟
قال لي بعض الأخوة الأكارم ، هناك نبات إذا أصابه البرد تتطامن أوراقه حتى تغلق على الزهرة حفاظاً عليها من الصقيع ، من علم هذا النبات ؟ هناك نبات آخر يعيش على أكل الحيوانات ، إذا مشى فوقه حيوان انكفأ عليه والتقمه ، هناك نباتات عملاقة ، فهذه أشجار الكافور ارتفاعها تسعون متراً ، تسعون ضعفاً عن طول الإنسان ، أشجار النخيل تعمِّر ستة آلاف عام ، من عهد الفراعنة هناك نخيل عمرها ستة آلاف عام ، أشجار الزيتون تعمر ألوف الأعوام ، ألفي عام تقريباً ، هناك أشجار زيتون من عهد سيدنا عمر هنا في الشام ، هناك أشجار عمرها قصير .
ادرس عمر النبات ، حاجته للماء ، هذا نبات بعلي ، هذا نبات سقي ، الزيتون يعطي الزيت ، زيت من أرقى أنواع الدهون ، هذا يعطي المشمش ، هذا يعطي التفاح ، فهذه النباتات مجالٌ واسعٌ للتفكر .
 
إن النبات لا يحب إلاّ الرفعةَ والعزة :
 
شيءٌ أخير في موضوع النبات ، أنك إذا زرعت شجرةً على سفح جبلٍ مائل ، إنها لا تنبت متعامدةً مع سطح الأرض المائلة ، لا ، إنها تنبت نحو السماء مستقيمةً ، كيف تنبت النباتات بهذه الطريقة ؟ شيء لا يصدق ، في بعض الأوعية داخل الشجرة حبيباتٌ صغيرة لا تستقر إلا إذا كانت الشجرة على وضعٍ صحيح ، أرضٌ مائلة ، زرعت فيها شجرة تنبت مستقيمة ، لا تنبت مائلة ، هذا له تفصيلات كبيرة جداً ، كيف أن هذا النبات يتِّجِهُ نحو الضوء ؟ لو جئت بأصيص فيه نبات وجعلته أفقياً ، النبات يخرج نحو الأعلى ، نحو الضوء ، والجذر يتجه نحو باطن التربة ، من علَّمَهُ هذا ؟ الله سبحانه وتعالى ، فهناك تجارب دقيقة جداً .
الشجر يسهم في نزول الأمطار :
 
شيء آخر ، هذه الشجرة التي تزرعها هل تصدِّق أنها تعطي ما يزيد على أكبر صهريج ماء في الصيف الواحد ، هذا الماء الذي تعطيه الشجرة يسهم في نزول الأمطار ، ويسهم في ترطيب الجو ، لو ذهبت إلى الغوطة الشرقية ، واستعملت ميزان الرطوبة ، لوجدت الرطوبة سبعين أو ثمانين بالمائة ، في دمشق ثلاثين ، الصحارى خمسة ، إذاً : هذا الشجر يعطي الماء ، يأخذ منك غاز الفحم ذلك الغاز السام ، ويعطيك مكانه الأكسجين ، لذلك النوم تحت الأشجار في النهار مُنَشِّط ، هذه الأشجار تعطي الأكسجين دائماً ، فهي تأخذ الذي لست بحاجةٍ إليه ، ما هذا التوازن ؟ الإنسان يأخذ الأكسجين ويعطي غاز الفحم ، تأتي الأشجار في النهار تأخذ غاز الفحم وتعطي الأكسجين ؟ تصميم من ؟ إبداع من ؟ صنع من؟ صنع الله الذي أتقن كل شيء .
 
هي آياتٌ للمتفكِّرين :
 
فيا أيها الأخ الكريم ... هذا الفكر الذي أودعه الله فيك لتفكر في آيات مذهلة لا تمر بها مروراً سريعاً دون تدبّر ، وأنت معرض ، وأنت غافل ، دقق ، إذا عرفت أن هناك يداً عظيمة ، يداً حكيمة خلقت فأبدعت ، وصوَّرت فأحسنت ، وأمدَّت فأكرمت ، وسيَّرت فحققت ، عندئذٍ تستقيم على أمر الله عزَّ وجل ..
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ  ﴾ .
(سورة فاطر : من الآية 28)
فكر فيما تأكل ، فليكن درسنا في هذا الأسبوع الشجرة ، كلما وقعت عينك على شجرة ، هذه لماذا خلقت ؟ من أجل خشبها ، هذه من أجل أوراقها ، هذه من أجل ثمارها ، هذه من أجل ظلِّها ، هذه من أجل نتاجها الطبي ، هذه من أجل فاكهتها ، وهكذا ، وانظر إلى طباع النبات، هذا يحتاج إلى ماء كثير ، هذا يحتاج إلى حرارة ، هذا إلى برودة ، لكن القمح الذي يعد قوتاً أساسياً للإنسان ينبت في كل مكان ، وفي كل جو ، ينبت في الأغوار ، وفي السهول ، وفي سفوح الجبال ، في المناطق المعتدلة والباردة والقطبية ، لأنه غذاءٌ أساسي ، أما الغذاء غير الأساسي فينبت في قارة معيَّنة ، الشاي في مكان ، الحمضيات في مكان ، وهكذا ، فإذا فكرت في هذا الذي تأكله ، أو هذا الذي تقع عينك عليه وصلت إلى الله عزَّ وجل ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى هلالاً قال :
((هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ )) .
[من سنن أبي داود عن قتادة  ]
هو خيرٌ ينفعنا ضوءه ، ويرشدنا إلى ربنا سبحانه وتعالى :
 
والحمد لله رب العالمين
 

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب